الجمعيات العلمية في سوريا

الجمعيات العلمية الأدبية التي تشد من أزر العلم والأدب وتأخذ بناصر أهلها من ثمار التمدن الحديث، اقتبسها العرب من الافرنج في جملة أسباب هذه المدنية.[1]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النشأة

أولى الجمعيات العلمية في سوريا سميت "الجمعية السورية" ،تأسست في بيروت سنة 1847 بمساعي المبعوثين الأمريكيين وفي طليعتهم الدكتور فانديك، وتشجيع يعقوب آغا الأرمني، والاسهام المباشر لكل من بطرس البستاني وناصيف اليازجي. كان الغرض منها نشر العلوم وترقية الفنون بين الناطقين بالضاد. شكل نشاط هذه الجمعية قطبا هاما جدا في تعزيز جوانب النهضة العربية، والأهم من ذلك أنه مهد الطريق أمام الفكر التنويري العربي (وان كان بعد على المستوى النهضوي) وتسربه الى بقية الاقطار العربية.

كان الكتاب العرب، ولاسيما محمد الخالدي وعمر فروخ وغيرهما، يرددون مسلمة من المسلمات التاريخية بأن البعثات الأجنبية ارتبطت حتما بسياسية الدول الغربية الكبرى، التي تطلعت لغزو الشرق في الميادين الفكرية والاقتصادية متسترة بأسماء مستعارة جذابة والاستعراب السوفيتي يعد هذه الحقيقة من أولى البديهيات. ولكننا لا نتفق في الرأي الذي ذهب اليه الخالدي وفروخ القائل "ان الجانب الاجتماعي والثقافي من حياة العرب هو الذي أثار انتباه المبشرين بالقدر الذي كان يخدم مآرب اسيادهم السياسية الاستعمارية ومطامعهم الاقتصادية الاحتكارية".

وانصافا منا للحقيقة نقول ان عدد الدعاة والمبشرين الذين كانت تهمهم مصلحة المذهب البروتستانتي (وليس اطلاقا التغلغل السياسي والاقتصادي الأمريكي أو الانكليزي) التي لا تتناقض فقط ورسالتهم الانسانية الخيرية الرامية لانجاح الدعوة الدينية- الروحية كانت على قدر متكافئ مع تطلعاتهم لتحقيق الرسالة التثقيفية التنويرية لم يكن قليلا، بل لم يكن استثناء من القاعدة. وقد أشار المستشرق السوفيتي كونلوف الى هذا لاحقيقة فقال: يجب التركيز على الجوانب الايجابية لنشاط المؤسسات التبشيرية الأوربية، وفي المقام الأول على مدارس المبعوثين الأجانب، ثم يستطرد قائلا: ومهما كانت طبيعة المهام الرسمية التي أوكلتها الدوائر الحاكمة الأوربية، فان نشاط الارساليات الدينية في الأقطار العربية جاء مطابقا ولاشك لاحتياجات المجتمع الأوربي البرجوازي الرامية الى خلق ظروف مواتية لمصالحه ومنافعه المتعددة الجوانب. ولكن لابد من الاقرار بالحقيقة التالية، وهي أن عددا كبيرا من موظفي البعثات الدينية كان من رجال الفكر العلمانيين الذين عبروا عن متطلبات المجتمع الأوربي ومصالحه وعاداته.

ويجب أن نأخذ بالحسبان الاعتبار التالي وهو أن النشاط الفكري – الثقافي للنهضويين العرب كان يخدم موضوعيا عملية انجاح مهمة المبشرين الدينية – المذهبية . كانت النهضة عصرئذ في الوسط الشرقي الغربي أشد منفعة لمآرب المبشرين الالدينيين – الروحانيين التوسعية.

ومن هذا المنطلق كانت طبيعة التعاون المنسق بين النهضويين العرب النصارى وبين المبشرين الأجانب في أطر المراكز التعليمية التربوية أو على صعيد الجمعية العلمية السورية. هذا التعاون الذي استمر عقودا من الزمن أعطى قطوفه الدانية في الحياة الفكرية الثقافية في ربوع لبنان. ففي احدى خطبه، قال حنا ورتابيد، عضو الجمعية العلمية الأولى في سورية: "فلتتذكروا اجتماعاتنا في الماضي، عندما كنا نتجادل حول الجنة والنفس الأمارة بالسوء والغيب والرجال ذوي الذيول واكسير الحياة والحجر الذهبي والبشر أنصاف الكلاب، وباختصار حول كل ما من شأنه الانحطاط بالعقل الانساني". أجل ، تم الانتقال تدريجيا من العصر الوسيط الغارق في بحر التجهيلية والدوعماتية الدينية والتعصب الأعمى الى عصر جديد مشحون بالعلمانية ومفعهم بالمفاهيم الانسانية.

كان نجاح المرحلة الانتقالية مرهونا بالقسط الذي يؤديه كل من الطرفين في مجال التعاون البناء. فرواد النهضة العربية قاموا بواجبهم المتعلق بالتراث الشرقي والثقافة الغربية. فيما نبغ المبعوثون الأجانب، وفي طليعتهم فانديك، في مضمار منجزات الحضارة والثقافة والعلوم الأوربية. كان كل من الجانبين، يحكم ما يمليه عليه واجب تنفيذ المهام الموكلة اليه. يبذل اقصى الجهود لاستيعاب أكبر قدر ممكن مما يقدمه له شريكه وتحويل هذا النمو الكمي الى نوعية جديدة راقية المستوى.

عملية المثاقفة هذه أدت أيضا الى نتيجة منطقية تجلت في "التعريب" التدريجي للمبشرين الأوربين ورفاقهم وتلامذتهم من الأقوام الأخرى. فاذا كان ايلي سميث وفانديك وغيرهما من الأوربيين، وحنا وارتابيد الأرمني ورفاقه ممن لم يتعربوا كلية في مرحلة معينة من نشاطهم، فانهم انقطعوا الى حد ما عن كونهم أمريكيين أو هولنديين أو أرمن أو كيت وكيت، لا بل ان التبدل الذي طرأ على حياتهم اليومية وعاداتهم وتقاليدهم المعاشية أدى الى تغير في المظهر الخارجي للمثقف الأوربي الغربي، الذي اكتسب بالتدريج ملامح الانسان العربي – الشرقي وسماته.

ومن جانب آخر، كانت احدى النتائج الطبيعية لتلك العملية متمثلة في بداية تشكل الثقافة العربية النهضوية ذات النوعية الجديدة، بالقياس الى التراث السلفي. هذه الثقافةة النهضوية شكلة اللغة العربية والتراث العربي مضمومنها الأساسي والتقليد الشرقي المعروف شكلها الاساسي أما مادتها الغربية الأوربية فهي استعارة – اصطفائية، ولذلك كانت حتى في خطواتها اللبنانية الأولى ذات طابع عربي – قومي من حيث الجوهر. وبغض النظر عن التضارب في الآراء حول مسألة المقادير المسموح بها من التراكمات الاصطفائية على القاعدة العربية ، وحول اسلوب الاستيعاب والممارسة، ودرجة التأثير التي تركتها على الأساس العربي والنتائج المترتبة عن كل ذلك، فانه يجب اعتبارها رسالة تاريخية هامة قام بها المفكرون الذين انتظموا في سلك الجمعية السورية، وأسدوا خطمات جليلة الى النهضة العربية الثقافية القومية.

كان المبعوثون الأمريكان برئاسة فانديك قد أسسوا سنة 1842 لجنة تحضيرية اقتصرت مهمتها بادئ ذي بدء على اشراك الطلبة النابغين ذوي المعارف الواسعة في تأسيس جميعة لنشر وترويج منجزات العلوم والفنون العالمية، هدفها الأساسي انعاش الحياة الفكرية والثقافية في بيروت، ان مهمة عظيمة كهذه كانت شبه مستحيلة ولا شك في الأوقات العصيبة التي اعقبت الصدامات الطائفية سنة 1841 التي لم ير لبنان نظيرلها في تاريخه، فضلا عن الغاء الامارة الشهابية سنة 1842. بيد أن المساعي الحديثة التي بذلها المرسلون الأجانب ونخبة من الفضلاء والأدباء والوجهاء اللبانيين الذين كانوا يعقدون لقاءات دورية في دار نصايف اليازجي الذي كان له الفضل الأكبر في تاسيس الجمعية السورية ، يناقشون فيها القضايات العلمية الملحة، وفي مقدمتها مهمة تطوير اللغة والآداب العربية.

بعد انقضاء خمس سنوات من الاعداد والترتيب، واثر تصرم عام واحد على ترتيبات شكيب افندي التي خلقت ظروفا مواتية نسبيا، تم الاعلان في كانون الثاني (يناير) 1847 عن تأسيس الجمعية السورية لنشر العلوم والآداب والفنون. وقد حددت المادة الثانية من القانون الداخلي أهداف الجمعية على الشكل الآتي: "تعريف أعضاء الجمعية على العلوم والفنون بواسطة المحاضرات والخطب والمباحث والرسائل، وجمع التاليف والمصنفات العربية المخطوطة والمطبوعة والوثائق والمستندات، واستنهاض الهمم لاكتساب العلوم والمعارف المفيدة، مع الابتعاد عن المسائل الدينية والعادات والتقاليد والسياسة التي لا صلة للجمعية بها".

تولى رئاسة ادارتها الدكتور طومسون وغيره، وكان رئيسها في السنة الأخيرة ايلي سميث، وللرئيس ثلاثة نواب هم طومسون وفانديك وحنا وراتابيد، وكاتب الواقع بطرس البستاني، وأمين المكتبة أنطونيوس الأميوني، وآمين الصندوق ميخائيل شحادة.

حنا وارتابيد (اوهانيس) المعروف في الأواسط الأنكلو- أمريكية ب"جون وارتابيد" (1826-1908) هو ابن الاسقف السابق هاكوب بولوتسي الذي سبق الحديث عنه. ورغم أن كريمسكي عده طورا "أرمنيا مستعربا" وطورا "أرمنيا سوريا متأنكلزا" ، فانه – كما سنرى – لم يقطع صلاته الروحية مع الشعب الأرمني حتى الرمق الأخير من حياته. فبعد أن تلقى العلم في مدرسة عبية العالية، أرسل الشاب اوهانيس الى سكوتلندا، ومنها قفل عائدا الى حلب ونيويورك. حيث تخصص في التشريح والفيزيولوجيا، وعاد حاملات الشهادة بهذين الفنين، فصار من أستاذة الكلية الأمريكية في بيروت.

ذكر المؤرخون أن الجمعية السورية ضمت صفوة من الأدباء والعلماء والوجهاء والفضلء في ذلك العصر. زاد عدد أعضائها سنة 48/1949 على خمسين عضوا كلهم من النصارى، منهم نيف واربعون في بيروت، ونحو عشرة أعضاء مراسلين في دمشق وطرابلس وصيدا وصفد. ومن الطريف حقا أنه لم يكن في عضويتها سوى الشيخ يوسف الاسير الصيداوي خريج الأزهر، الثقة في العلوم العربةي والفقيه، ومن الرواد الأوائل في النهضة الأدبية الحديثة.

ان سعة الأفق الفكري والتبحر العظيم في العلوم النقلية والعقلية، والتطلع الى مستجدات ومستحدثات العصر، كل ذلك انعكس بوضوح ظاهر في المحاضرات والخطب التي ألقيت في الجمعية العلمية ونشرت في كتاب خاص سنة 1852 عنوانه "أعمال الجمعية السورية لاكتساب العلوم والفنون" . نذكر منها على سبيل المثال "مقدار زيادة العلم في سورية في هذا الجيل" و"الحركة الثقافية في سورية في الفترة الأخيرة" للدكتور حنا وراتابيد. و"تأملات في السعد والنحس" للدكتور ميخائيل مشاقة ، و"في اسس التجارة" للدكتور ميخائيل مدور ، و" نواميس الطبيعة" لسليم نوفل، و"الرابطة بين سورية وأوربة" و"حول تطور الشعر العربي" لناصيف ايازجي و" منفعة اعداد رجال الدولة" و"خطبة حول النباتات" لنوفل نوفل و"العلوم هند قدماء العرب" و"بداية العلوم الطبيعية" و"تربية الأطفال" لهنري دي فروست و" الأجرام السماوية وسيارات الشمس" و"مدينمة بيروت" و"مؤلفات الحريري" لبطرس البستاني. وقد لاقى خطاب البستاني حول "تعليم المرأة" صدى واسعا لأنه كان أول من طرق هذا الباب من خطباء الشرق عامة – كما قال جرجي نقولا باز صاحب مجلة "الحسناء" البيروتية.

كانت اللغة العربية للغة الرسمية في الجمعية السورية، اذ كانت المحاضرات والخطب والبحوث تلقى بلغة الضاد.


أعضاء الجمعية السورية

نرى من واجبنا الرد على تساؤل هام فرض نفسه في شتى الأدبيات ، وهو: كيف تحددت الهوية الاجتماعية لرجال الفكر الوطنيين الذين التفوا حول المبشرين والمبعوثين الأجانب ليمارسوا سويا نشاطا نهضويا بارزا؟


نقول بادئ ذي بدء بأننا لا نتفق مع الرأي الذي أبداه المستشرق السوفييت زلمان ليفين الذي اكد أن الفكر التنويري العبي، ولاسيما اللبناني، في مرحلة تطوله الأولى، كان قد تمركز في الأوساط الاقتطاعية، وبأن الأعضاء والأعضاء المراسلين للجمعية السورية "كانوا عبارة عن أشخاص ينتمون الى أوساط اقطاعية – ربوية وممثلين لعائلات ترتبط ارتباطا مباشرة أو غير مباشر بالتجارة ومثقفين محليين". كما أننا نعرض ما ذه باليه المستشرق عثمانوف الذي جزم بأن اعضاء الجمعية "من ممثلي العائلات المالكة الاقطاعية".

والحقيقة التي لا مراء فيها أن أعضاء الجمعية الثقافية الأولى في كل العالم العربي المتطلعة الى الفكر التنويري، كانوا ينتمون الى عائلات برجوازية تجارية ربوية، اذا كانوا على صغر أعمارهم – ينخرطون في معمعان النشاط التجاري الداخلي والخارجي، وكانوا في الوقت ذاته يوطدون علاقات وثيقة مع الممثليات الدبلوماسية التابعة للدول الرأسمالية الأوربية. أما الأعضاء الذين اقتصرت موارد رزقهم على العمل الذهني فكانوا ينتمون الى أصول اجتماعية متواضعة أو من عناصر برجوازية حديثة المولد، وقد أشار ليفين الى خمس عائلات تمثل المجموعات الاجتماعية الأساسية وهي:

1- الاخوة مدور الذين ينتمون الى عائلة من كبار تجار بيروت الذين كانت لهم مكاتب في مرسيلية وليون ولندن. وهذا عين الحق، فميخائيل مدور كان تاجرا كبيرا ذات صلات وثيقة مع الرأسمال الأوربي، ومترجم القنصلية الفرنسية في بيروت، أما المحامي نقولا مدور فكان عضو غرفة التجارة في بيروت.

2- أسرة كتفاجو من التجار. وهذا صحيح أيضا، ولاسيما أن هذه الأسرة تعد من أوائل مؤسسي النشاط المصرفي في المشرق العربي كله.

3- الاخوة طراد "المعروفون في بيروت بتجارتهم وثروتهم" وهذا راي لا غبار عليه ايضا. أما كمال الصليبي فقد وضع عائلة طراد في مصاف عائلات بسترس وتويني وسرسق، التي تعد من أساطين التجار الذين كدسوا ثروات هائلة".

4- وعد ليفين النوافلة من كبار نبلاء الموظفين في طرابس، وهو رأي سديد أيضا، ولاسيما أنه لم يطلق نعت "النبيل" بالمفهوم الارستقراطي. فوالد نعمة الله نوفر (1812-1887) عضو الجمعية كان موظفا مشهورا ابان الحكم المصري في لبنان ومن أبرز المفكرين. أما نعمة الله نوفل فكان اختصاصيات في الشؤون المالية اشتغل في البلدية. واخوه سليم نوفل (1828-1902) جمع بين المحاماة والتدريس والأعمال التجارية التي أملت عليه مهمة الانتقال والسكن نهائية في روسية.

5- ميخائيل مشاقة وأولاده "الذين ينحدرون من أسرة اقطاعية عريقة النسب وهم يمارسون الاعمال التجارية" وهذا نصف الحقيقة. لأن تأكيدات ليفين بشأن الاصل الاقطاعي العريق تنقسه بعض الحجة. فقد أكد يوسف الياس سركيس أن الجد الأكبر لميخائيل مشاقة عضو الجمعية العلمية، المدعو يوسف بتراكي لقب ب"مشاقة" لاحترافه "تجارة مشاقة الحرير".

وفيما يخص ميخائيل مشاقة والجمعية السورية فوالده جرجس مشاقة كان محاسبا عاديا لدى الأمير بشير الكبير، وقد تلقى ميخائيل مبادئ العلوم على بطرس عنحوري ودرس الطب في مصر، وكان يمارس التجارة ابان دراسته. كان ضليعا في علوم اللغة والفنون وكاتبا اجتماعيا من طراز فولتير الفرنسي، لم يتوان عن تحدي البطاركة اليوسعيين، فكانت بينهم سجالات تركت وقعا عظيما في ذلك الوقت. وكان قد تسلم نصب قنصل أمريكة في دمشق خلال الأربعينيات. كانت له تآليف عديدة في التاريخ والموسيقى.

وبناء عليه فان الهوية الاجتماعية البرجوازية للعائلات الخمس، التي كان أبناؤها من الأعضاء المؤسسين في الجمعية السورية ، لا تترك مجالا لأي شك. وهذا القول ينسحب تماما على الأعضاء الآخرين الذين تحدروا من عائلات تنتمي ولو بدرجة متفاوتة – الى ذات المجموعة الاجتماعية، فالأخوان مارون ونقولا نقاش انتقلا من صيدا الى بيروت في العشرينيات، وكانا من التجار المساهمين في شركة "قيقانو-نقاش"، بينما كان نقولا محاميا، تسلم أولا منصب مدير الجمارك في بيروت، ومن ثم مدير الريجي في دمشق، وكان عضوا في غرفة التجارة ومجلس الادارة في بيروت. أما آلا بسترس وآل شحادة (ولاسيما ميخائيل شحادة) فكانت لهم علاقات وطيدة مع القنصلية الروسية في بيروت (كان الكثيرون منهم موظفين فيها). وكانوا من البرجوازيين الذين ارتبطت مصالحهم بالسوق الروسية. أما أسر عائلات شبلي وربيز وقرزوزي من فئة "البرجوازية غير الثرية جدا"، وكذلك هي أسر دي فورست وقلهون وحويطان وغيرها. أضف الى ذلك أن العديد من رجال الفكر الصحافي ، خليل الخوري مثلا، "بدأ حياته موظفا في هذه أو تلك من الشركات التجارية". وليس من قبيل المصادفة أن كريمسكي الذي كان على معرفة وثيقة بهذه الأسر كلها، كتب يقول: "كان أغلب أعضاء الجمعية من أكابر البيروتيين الناصارى (وقلة منهم من طرابلس وصيدا ودمشق) وبمعنى آخر" من أرباب البيوت التجارية والمالية الكبيرة التي كانت معظمها مرتبطا تجاريا بأوربة وروسية. ومن الوجهاز الأفضل الذين تسلموا مراكز مشرفة في القنصليات الأوربية.

اذا كانت هذه هي الهوية الاجتماعية لمعظم الأعضاء المؤسسين والعاديين، فهل يجب علينا بها ترى البحث عن "الاقطاعيين – الربويين" أو "المرتطين بالتجارة ارتباطا غير مباشر" في صفوف الأعضاء القياديين؟

وفي هذا المجال ايضا يجب علينا غض الطرف عن المرسلين طبعا، أمثال سميث وطومسون وفانديك وحنا وارتابيد، لنؤكد بعدها أن ناصيف اليازجي كان ابنا لطبيب شعبي مثقف، أما بطرس البستاني فلم يكن سلسل أسرة اميرية أوشيخية أو ارستقراطية، بل "ابن عائلة متواضعة" و"ابن الشعب البار"، على حد تعبير بوجولا.

ان اسهابنا في تحديد الهوية الاجتماعية للأعضاء الطليعيين في الجمعية السورية لم يكن غاية بحد ذاتها، فبلورة الصورة الاجتماعية لهؤلاء الرواد الذين وقفوا حياتهم على اشاعة الفكر التنويري في سياق الحركة النهضوية العربية من خلال نشاط الجمعية السورية ، تساعدنا – ولاشك – على تحديد المحتوى الاجتماعي لحركة النهضة العربية الحديثة.

مفهوم النهضة

ثمة أمر هام آخر وهو: أن الجمعية السورية تخذت في كثير من الأحيان مرتقى للتدليل على الطابع الاقطاعي لحركة النهضة عامة. فها هو ذا ليفين ينحو هذا النحو بقوله: "ولما كانت كلمة النهضة" ترجمة عربية لمصطلح "الرينيسانس" كما يرد في عبارتي "النهضة الأوربية" و"عصر النهضة"، فاننا نرى من المناسب التنبيه الى ما يلي تفاديا للخلط، فعلى الرغم من أن النهضة الأوربية والنهضة العربية تندرجان على حد سواء في اطار أول مراحل تطور العلاقات الرأسمالية في أوربة الغربية وفي بعض البلدان العربية على التوالي، فليس هناك أساس للمقارنة بينهما، اذ انهما ظاهرتان مختلفتان من حيث الجوهر ومن حيث الشكل".

ترى ما هي الأدلة القاطعة التي اعتمدها ليفين لدحض اي اساس للمقارنة بين النهضتين الأوربية والعربية؟ الجواب لدى الكتاب كما يلي: "النهضة الأوربية الغربية تعكس في البداية تنبه وعي البرجوازية الوليدة بنفسها، وعملية شتكل الثقافة البرجوازية. فخلافا لذلك، فان الدافع الى النهضة العربية كان يكمن بادئ ذي بدء في تطلع الأوساط الاقطاعية – الارستقراطية الحاكمة الى صون مواقعها في صراعها مع أوربة . وسعيا منها للبرهنة على الرأي الذي يسوقه، يفيدنا ليفين بقوله: "تجدر الاشارة الى أنه حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين كان أكثر الأشخاص تميزا ببعد النظر وثقافة بين ممثلي النخبة الاقطاعية – الارستقراطية والأوساط الاقطاعية – الملاكية العقارية يؤلفون تقريبا نصف رجالات النهضة (ينطبق هذا التقدير على أولئك الذين يصادف القارئ أسماؤهم على صفحات هذا الكتاب).

ليس من العيس أبدا التكهن بأن ليفين الذي عد نفسه منتهيا من مهمة التدليل على الهوية الاجتماعية لرواد النهضة الممثلين في الجمعية السورية حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر بابراز "هوية النصف تقريبا "، سيخطو الخطوة التالية التي يستنتج فيها أن النهضة العربية كانت وليدة الوسط الاجتماعي والاقطاعي. وهذا برأينا جزئي ومخالف للواقع لا يمكن الموافقة عليه. وكل ما في الأمر – ولو استبقنا هنا سياق البحث الحالي لمناقشة تقييم ليفين – أن الاسماء التي أوردها ليفين لرواد النهضة في خمس من صفحات كتابه، تبرهن بما لا يرقى اليه الشك عدم وضوح الرؤية لدى الكاتب فيما يخص مسألة الانتماء الاجتماعي لتلك الشخصيات. حقا ان خمسة عشرة من بين أربعة وعشرين من رجالات لانهضة لا يوجد بينهم واحد من رجال الدين أو الاقطاعيين – الارستقراطيين او الاقطاعيين – الملاكيين العقاريين. فبكرس البستاني وفارس الشدياق وفرح أنطون وأمين الريحاني أبناء طبقة الفلاحين المتوسطين، أو بالأحرى أولاد أسر برجوازية مدينية، وشبلي الشميلي وفرنسيس مراش ونقولا حداد من أسر كانت تشتغل بالتجارة وأديب أسحق ابن موظف في الجمرك، وجرجي زيدان ابن حانوتي وصاحب مقهى, وهكذا دواليك. ونؤكد في الوقت ذات أن بقية رجالات النهضة السوريين، الذين قلما وردت أسماؤهم في كتاب ليفين – كانوا ينتمون الى ذات الوسط الاجتماعي الذي أشرنا اليه. ولكن، هناك شبه استثناء فيما يخص السوريين محمد رشيد، رضا وعبد الرحمن الكواكبي اللذين تحدرون من أسرة أرستقراطية اقطاعية، الأول حرر مجلة المنار لسان حال حركة الاصلاح الاسلامي ، والذي يبقى برأينا – خارج اطار المفكرين البارزين والطلعيين – جيل النهضة القومية الفكرية الحضارية في القرن التاسع عش. والأمر مختلف تماما بالنسبة لعبد الرحمن الكواكبي الذي يستحق هنا وقفة قصيرة.

الكواكبي سلسل واحدة من مئات عائلات الأشراف التي يرجع نسبها الى النبي محمد. فكانت أسرته ذات شهرة واسعة في حلب تبوأت مركزا مرموقا يعرف عادة باسم "نقيب الأشراف". هذه المكانة الرفيعة كفلت لها امتيازات اقتصادية واجتماعية معينة عبر القرون. فامتلكت عقارات واسعة مشروطة وغير مشروطة. بيد أن آل الكواكبي كانوا كغيرهم من الأسر الاقطاعية الشهيرة (عائلات العظم والبرازي والبارودي في سورية، والألوسي والرفاعي في العراق) ملاكين عقاريين غيابيا، وبتعبير آخر كانت العشرات والمئات من الأسر التي تحمل اسم الكواكبي مرتبطة بالاقطاع بمقدار ما كانت تتسلم من كبير العائلة مداخيل سنوية من محاصيل الأراضي، التي لم يروها قط بأم عيونهم، لأنها اسر مدينية تسكن حلب أو غيرها من المدن، حيث يتبوأ ممثلوها وظائف حكومية واجتماعية مختلفة، أو يمارسون مهنا حرة شتى. ومن الجلي في هذه الحالة أن عبد الرحمن الكواكبي الذي ولد وشب في أسرة رجل دين مسلم مشهود لها بالفضل والعلم، والذي قضى جل حياته في الوظائف الحكومية العديدة. وشغل مناصب رفيعة في الادارة المدنية، وكان مثال العامل الساعي وراء النهوض بالأمة واصلاحها وصلاحها، فكان بذلك من رواد النهضة الأدبية الاجتماعية والوطنية. ولكن حتى الكواكبي لا يمكننا اعتباره – ولو مجازا – اقطاعيا أرستقراطيا.

يبقى أمر يتوقفنا ، وهو الرأي السائد في الدراسات العثمانية لدى الباحثين الأجانب، مفاده أن الأزمة التي عانتها الامبراطورية العثمانية في القرن الثامن عشر كانت تجليا لانهيار الحياة السياسية الاجتماعية. وفي معارضته لهذا الرأي كان المستعرب البير حوراني أول من لفت الأنظار الى عامل اصلاح الامبراطورية اجتماعيا. الذي برز في مراكز الأقاليم اثر استلام الفئات السياسية الاجتماعية الجديدة لمقاليد السلطة. ويرى الحوراني أن العناصر الاجتماعية الجديدة التي استلمت زمام الحكم في بعض الأقطار العربية ولاسيما في سورية بدلا من الموظفين الأتراك الاقطاع- العسكر ومن يدور في فلكهم من الاقطاعيين والأعيان المحليين – تنتمي الى فئة أصحاب الأراضي الذين سكنوا في المدينة واشتهروا بنشاطهم الاقتصادي التجاري الفعال.

نخلص من كل ما ذكرناه الى أن محاولة المستشرق السوفيتي زلمان ليفين الرامية لنفي اي أساس للمقارنة بين النهضتين الأوربية والعربية، ولتقديم صورة مشوهة عن الهوية الاجتماعية للرعيل الأول والتالي من رجالات النهضة العربية باعتباره الغالبية العظمى منهم من الاقطاعيين – الأرستقراطيين أو الاقطاعيين – الملاكين العقاريين أو من رجالات الدين – ليست سوى محاولة لا اساس لها من الصحة. كما أن رأيه القائل "بأن الدافع الى النهضة العربية كان يكمن بادئ ذي بدء في تطلع الأوساط الاقطاعية الأرستقراطية الحاكمة الى صون مواقعها في صراعها مع أورةب" أشد وهنا ولا يصمد للنقد اطلاقا . ولب الأمر في أن مثل هذا التنبيه موجه الى "الفئة النخبوية" لحاكم مصر محمد علي والتدابير التي قام بها. وهاذ التقييم ينطبق تماما على عصر محمد علي وطبقة العسكر والباشاوات والبكوات الدائرين في فلكه، والذين كانوا – بحكم مصالحهم الشخصية الضيقة وانطلاقا من حرصهم على مكاسب الدولة العثمانية وأبناء عثمان الذين ادعوا الاسلام وهو منهم براء – يتطلعون فعلا "الى صون مواقعهم في صراعهم مع أوربة". تلك التدابير التي لم يكن يجمعها أي جامعة بالنهضة العربية التي – بحكم أنها حركة تتطلع الى النهضة الثقافية القومية – العربية التي – بحكم أنها حركة تتطلع الى النهضة الثقافية القومية العربية كانت ستتعرض لشتى الأخطار والنتائج الوخيمة العاقبة لو أنها تحولت الى حركة اسلامية – عثمانية سلفية دوغمائية. بكلمة واحدة، ان ما أسماه ليفين "بداية النهضة" لم يكن في الحقيقة سوى "ضد النهضة". وما دمنا قد تحدثنا مسبقا في الفصل الأول عن توصيف شخصية محمد علي بالذات وعن جوهر التدابير "التنويرية" ذات النزعة العسكرية الخالصة لاتي اتخذها، فاغننا نكتفي هنا بالتنبيه الى أن الاصلاحات التي قام بها محمد علي يجب أن نربطها بحركة النهضة مع تأكيد النتائج غير المباشرة، التي جاءت خارج نطاق تصورات نائب الملك وحساباته، لا بل كانت في معظم الأحيان خارجة عن ارادته ورغباته، ولا وعيه – ومع ذلك ساهمت تلك التحولات الفكرية – الثقافية موضوعيا في التمهيد لظاهرة النهضة التي انبثقت تحديدا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

تشير بهذه المناسبة الى أن ليفين الذي دحض وجود أية امكانية بين للمقارنة بين النهضتين الأوربية والعربية، يسوق لنا مجددا "حجة بليغة" أخرى بقوله: "وقد تحققت في عصر النهضة الأوربية الغربية تحولات عميقة في الحياة الروحية على أساس اللجوء الى الثقافتين الاغريقية والرومانية القديمتين. فتميز ذلك العصر بمحاربة المدرسية _السكولاستيك) واليقينية الدينية وبالانتشار الواسع لأفكار النزعة الانسانية. في حين أن النهضة العربية كانت تعني احياء الحياة الثقافية بعد طول رقاد، على أساس الاقتباس الواسع للقيم الروحية المناقضة لأوربة الراسمالية.

ولكن هناك اعتبارا أكثر أهمية، من المعروف أن المفكرين الذين اجتمعوا حول أول مؤسسة نهضوية في بيروت، الجمعية السورية، كانوا مؤلفين من فئتين أساسيتين، مثلثت الفئة الأولى الشباب المثقف المتعلم، والفئة الثانية الطلبة المتعطشين للمعرفة والعلم. وكانت الجمعية بالنسبة للفئة الاولة عبارة عن منتدى لتبادل الآراء والسجالات الفكرية (كان أحدهم يلقي محاضرة أو خطبة في موضوع ما، بينما يقدم الآخرون مداخلاتهم) بينما كان طلاب المعرفة يستمعون ويفكون ويستخلصون العبر والنتائج، فيشتد عودهم ويخطون خطواتهم الأولى في هذا الميدان. يبنغي التذكير أيضا بأن تلك الندوات كانت نقلات نوعية في مجال الوعي الاجتماعي صبت في مجرى ايجاد قاعدة شعبية – اجتماعية لنشاط الجمعية الثقافي – التنويري. ومن هذا المنطلق يصح القول انه لا يجب المبالغة في تقدير دور الجمعية. خصوصا اذا اخذنا بالحسبان المواضيع الواردة في مجموعة أعمال الجمعية العلمية" الوحيدة. وهذا لا يعني اطلاقا اننا نقلل من شأن الجمعية ونشاطها. كل ما في الأمر أن الأهداف المعلنة في قانون الجمعية كانت متواضعة تماما بالقياس الى التطلعات الحققية التي كان يصبو اليها أعضاء الجمعية، ومضمون المواضيع المنشورة في المجموعة الوحيدة أبعد ما تكون عن الحجم الحقيقي لاسيعاب المسائل التي شغلت بال الشريحة العليا من المثقفين ، فضلا عن أنه مرآة عاكسة لمستواهم الأدبي والعلمي الحقيقي.

وللتدليل على ما نرمي اليه نود التوقف عند نشاط أحد أعضاء الجمعية البارزين، الذي يشد انتباهنا ايضا من زاوية كونه أرمني الأصل، وهو إسكندر أبكاريوس (1826-1885) الشاعر والأديب والمؤرخ الشهير الذي لم تجد تأليفه طريقها الى المجموعة المذكورة، ولهذا غاب عن أنظار المستعربين السوفييت.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ نجاريان, يغيا (2005). النهضة القومية-الثقافية العربية. دمشق، سوريا: أكاديمية العلوم الأرمنية - الدار الوطنية الجديدة.