أبو الحسن مؤنس

أبو الحسن مؤنس، وشهرته مؤنس الخادم أو مؤنس المظفر (845/6–933)، كان قائد الجيش العباسي من عام 908 حتى وفاته في 933، والدكتاتور الفعلي وصانع الخلفاء في الدولة العباسية من عام 928.

كمحارب قديم في حملات الخليفة المعتضد بالله، صنع اسمه بإنقاذ الخليفة الشاب المقتدر بالله من انقلاب عام 908. بدعم الخليفة، أصبح قائداً لجيش الخلافة، حيث قاد الكثير من الحملات العسكرية على الإمبراطورية البيزنطية، وأنقذ بغداد من القرامطة عام 927 وهزم غزوتين فاطميتين على مصر، الأولى عام 915 والثانية عام 920. عام 924 ساعد في تأمين عزل وإعدام الوزير ابن الفرات، بعدها زاد نفوذه السياسي بشكل هائل، لدرجة أنه خلع الخليفة المقتدر بالله لفترة وجيزة عام 928. أدى تنافسه مع الخليفة ومع بيروقراطية البلاط المدنية في نهاية المطاف إلى مواجهة مفتوحة عام 931-932، التي انتهت بانتصار مؤنس ووفاة الخليفة في المعركة. اختار مؤنس خليفة جديد، القاهر بالله، لكن في أغسطس 933 أعدم القاهر مؤنس وكبار الضباط. اغتصاب مؤنس للسلطة، ونهايته العنيفة، كان بمثابة بداية فترة جديدة من الاضطرابات في الدولة العباسية الآفلة، والتي بلغت ذروتها في إستيلاء البويهيون على الحكم عام 946.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته

خريطة توضح نتائج حملات توحيد المعتضد بالله (و. 900): المناطق تحت السيطرة المباشرة للعباسيين بالأخضر الداكن، المناطق تحت السيطرة العباسية الغير مباشرة، وتحت سيطرة الحكام المستقلين، بالأخضر الفاتح.

حسب رواية الذهبي من القرن الرابع عشر، فإن مؤنس كان في التسعين من عمره عند وفاته، في إشارة إلى أنه وُلد حوالي عام 845/6.[1] كان عبداً خصياً، وبالتالي، أُطلق عليه لقب "الخادم" في المصادر للتمييز بينه وبين معاصره، الخازن مؤنس الفحل.[1] ظهر أول مرة كغلام للخليفة المستقبلي المعتضد بالله (حكم 892-902)، أثناء قمع ثورة الزنج عام 9901/1، وترقى لمنصب شهاب الشرطة في معسكر المتعضد بالله عام 900. إلا أن الذهبي يشير إلى أن نفاه إلى مكة، ولم يستدعى حتى تولي المقتدر بالله الخلافة (ح. 908-932) عام 908، الرواية التي يدعمها غيابه من المراجع في عهد المكتفي بالله.[1]

كانت بدايات ظهور مؤنس في عهد المقتدر بالله، عام 908، بعد فترة وجيزة من ارتقاء الخليفة العرش، عندما شن فصيل من البيروقراطيين والجيش انقلاباً لخلعه وتنصيب شقيقه عبد الله بن المعتز. تزعم مؤنس الدفاع عن القصر وأجهض الإنقلاب. أكسبه هذا تقدير ودعم الخليفة الشاب ووالدته المسيطرة، شغب، وعزز موقفه بين نبلاء البلاط العباسي.[1][2] عام 927 أصبح مؤنس رئيس أركان الجيش العباسي، قوة تتألف من 9.000 رجل.[3] عام 909 قاد غارة صيفية اعتيادية على الإمبراطورية البيزنطية، وشن غزواً على آسيا الصغرى البيزنطية من مطية وعادة بالكثير من الأسرى.[4] في العام التالي، نجح في استعادة ولاية فارس من الصفويين، مستفيداً من الخلاف بين الأمير الصفوي ليث والقائد الصفوي السابق سبوقري، الذي كان مسيطراً على الولاية. عندما قام المُعدَّى شقيق ليث بغزو فارس، استنجد سبوقري بالخليفة الذي أرسل له جيشاً تحت قيادة مؤنس. هُزم ليث وأُسر، وسرعان ما خُلع سبوقري من منصبه عندما فشل في جمع الجزية المطلوبة.[5] في العام نفسه، 909/10، أشرف مؤنس على تبادل الأسرى مع البيزنطيين.[4]

عام 914، الفاطميون، الذين لم تتأسس دولته إلا قبل بضع سنوات من استيلائهم على إفريقية بعد إطاحتهم بحكامها الأغالبة، غزو مصر تحت قياد أبو القاسم، الخليفة الذي عُرف لاحقاً بالقائم بأمر الله. نجم الفاطميون في الاستيلاء على الإسكندرية، لكنهم فشلوا في الاستيلاء على العاصمة الفسطاط. عام 915، قاد مؤنس التعزيزات العباسية إلى مصر وطردهم من البلاد، الواقعة التي اكتسب منها لقبه المظفر.[6][7] لدى عودته من مصر، جاءته أوامر بالمضي قدماً إلى منطقة الحدود الفراتية (الثغور، حيث استغل البيزنطيون تمرد حسين بن حمدان، الذي استولى على حصن المنصور وطرد سكانه.[4] رداً على ذلك، قاد غارة كبيرة في أواخر صيف عام 916، واستوللا على العديد من الحصون في محيط ملطية، بينما أمر أبو القاسم علي بقيادة غارة أخرى من طرسوس.[4] في سبتمبر/أكتوبر 917، رداً على الوفد البيزنطي بقيادة جون رادنوس، أشرف مع بشر الأفشيني، حاكم طرطوس ومنطقة الحدود القيليقية، على تبادل آخر للأسرة على نهر لاموس.[4]

عام 918-919، قاد مؤنس حملة على حاكم أذربيجان المتمرد، الساج يوسف ابن أبي الساج، الذي حجبت جزء من الضرائب المستحقة لبغداد واستولى على محافظات في شمال إيران من السامانيين بدون موافقة الخليفة. في حملته الأولى عام 918، انسحب يوسف قبل أن يصل مؤنس إلى عاصمته، أردبيل. بعد فشل محاولات الوساطة بينه وبين الخليفة والتي قام بها الوزير ابن الفرات، تواجه يوسف ومؤنس في معركة ضارية قبل أردبيل، حيث هُزم مؤنس. في العام التالي، انتصر مؤنس على يوسف في معركة ثانية قبل أردبيل وأخذه أسيراً إلى بغداد.[8] ظل يوسف أسيراً في بغداد لثلاث سنوات، بينما تولى سوبك، غلام يوسف الحكم في أذربيجان، بعد حصوله على موافقة الخليفة.[8] كان مؤنس مسئولاً عن إقناع المقتدر بالله بإطلاق سراح يوسف عام 922 وإعادته لمنصبه القديم،[4] كان في ذلك الوقت خادم في الحكومة العباسية.[8] عام 920-922، لعب مؤنس دوراً فعالاً في هزيمة الجيش الفاطمي الثاني الذي أُرسل لغزو مصر. استولى الفاطميون على الإسكندرية واحتلوا واحة الفيوم، لكن أسطولهم غرق واستردت الإسكندرية، وهرب أبو القاسم إلى الفيوم، ومن هناك تمكن من الفرار بخسائر ثقيلة.[7][9] عام 923، قام بغارة أخرى داخل الأراضي البيزنطية، حيث استولى على بضعة حصون وعاد بالكثير من الغنائم.[4]

في البلاط، كان مؤنس من أوائل خصوم ابن الفرات وأكثرهم شراسة،[1] وكان حليف منافسه الرئيسي، علي بن عيسى بن الجراح وفصيله.[10] وصل النزاع بينهما إلى ذروته في وزارة ابن الفرات الثالثة، عام 923-924. كانت تلك فترة عصيبة، والتي شهدت إرسال مؤنس إلى الرقة شبه منفي، وانتشار تعذيب المعارضين السياسيين لبني فرات، فضلاً عن عودة تهديد القرامطة بنهب البصرة وتدمير قوافل الحاج العائدين من مكة. بلغ هذا ذروته مع وقوع انقلاب عسكري، ورتحيل ابن الفرات، واستدعاء مؤنس، وإعدام الوزير المسن وابنه.[1][11][12]

كانت هذه المرحلة بمثابة أوج المسيرة السياسية لمؤنس: أصبح الآن المسيطر الفعلي على الحكم وصاحب الصوت الحاسم في تعيين الوزير خلفاً لابن الفرات. لكن في الوقت نفسه، خلقت سلطته النافذة شقاقاً كبيراً بينه وبين الخليفة، حتى أن المقتدر بالله كان يخطط لاغتياله عام 927.[1] في صيف العام نفسه، قاد مؤنس جيشاً إلى الحدود المجاورة لسميساط، التي كان البيزنطيون قد نهبوها. خطط البيزنطيون للإيقاع بالجيش العباسي بمفاجته، وألحقوا به الهزيمة، وقُتل 400 رجل.[4] في العام نفسه، نجح مؤنس بمساعدة الحمدانيين في الدفاع عن بغداد نفسها من هجوم قرامطي محتوم.[13] كانت غارات القرامطة مزعجة بشكل خاص: لم يقتصر الأمر على تدمير المناطق الخصبة في سواد- المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية= ولكن أيضاً تضاءلت هيبة الخليفة والأسرة العباسية، خاصة بعد أن قام القرامطة بنهب مكة عام 930 ونزعوا الحجر الأسود، مما عجل بالصراع على السلطة في بغداد بين مؤنس والبلاط.[13] عام 928، في أعقاب عزل حليفه المقرب، علي بن عيسى، من الوزارة،[13] قام ؤمنس بانقلاب وخلع المقتدر بالله وعين أخيه غير الشقيق القاهر بالله خليفة، لكنه تراجع بعد بضعة أيام. الآن، يتمتع مؤنس بالسلطة الدكتاتورية الفعلية على الحكومة العباسية.[1][12] عام 931، حشد المقتدر الدعم الكافي لإجباره على مغادرة بغداد، لكن في عام 932، بعد تجمع القوات، سار مؤنس إلى بغداد وهزم جيش الخلافة أمام أسوار المدينة، حيث سقط المقتدر في الميدان.[1][12] الآن، نصب مؤنس المنتصر القاهر بالله خليفة، لكن سرعان ما ساءت العلاقة بينهما. عاود الخليفة الجديد اتصالاته بفصيل البلاط المهزوم، ووجد نفسه حبيساً في قصره. ومع ذلك، في شهر أغسطس 933، تمكن القاهر بالله من خداع مؤنس ومساعديه الرئيسيين إلى القصر، حيث تم إعدامهم.[1][14]


مكانته

كان دور مؤنس في الدولة العباسية غامضاً. كتب المؤرخ مايكل بونر عنه أنه "حافظ على تماسك فلول الجيش وأنقذ الدولة في مرات عديدة"،[15] بينما يقول المستشرق هارولد بوين، "كان نفوذ مؤنس عموماً من أجل الخير"، لكنه "لم يكن قوياً ولا ذكياً بما يكفي" لمنع أفول الدولة العباسية.[1] من ناحية أخرى، فإن استيلاءه على السلطة ومقتل الخليفة- كان الحادث الأول من نوعه منذ فوضى سامراء الذي وقع قبل جيلين- مؤسساً خطيرة ومبشراً بفترة جديدة من الفوضى؛ بعد وفاته، أصبح الخلفاء الذين لا حول لهم ولا قوة دمى في أيدي سلسلة من الرجال الأقوياء العسكريين الإقليميين، الذين تنافسوا على لقب "أمير الأمراء" والسيطرة على الحكومة العباسية وإيراداتها حتى سقطت بغداد، والدولة العباسية معها، في أيدي البويهيين عام 946.[1][16]

المصادر

  1. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س Bowen 1993, p. 575.
  2. ^ Kennedy 2004, p. 191.
  3. ^ Kennedy 2004, pp. 186, 188.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح خ د PmbZ, Mu’nis al-Muẓaffar (#25449).
  5. ^ Bosworth 1975, p. 123.
  6. ^ Bianquis 1998, pp. 110, 111.
  7. ^ أ ب Bonner 2010, pp. 339, 340.
  8. ^ أ ب ت Madelung 1975, p. 231.
  9. ^ Bianquis 1998, pp. 111–112.
  10. ^ Bonner 2010, p. 350.
  11. ^ Kennedy 2004, pp. 191–192.
  12. ^ أ ب ت Bonner 2010, p. 351.
  13. ^ أ ب ت Kennedy 2004, p. 192.
  14. ^ Kennedy 2004, pp. 192–193.
  15. ^ Bonner 2010, p. 349.
  16. ^ Kennedy 2004, pp. 193–197.

المراجع

  • Bianquis, Thierry (1998). [[[:قالب:Google Books]] "Autonomous Egypt from Ibn Ṭūlūn to Kāfūr, 868–969"] Check |chapterurl= value (help). In Petry, Carl F. (ed.). Cambridge History of Egypt, Volume One: Islamic Egypt, 640–1517. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 86–119. ISBN 0-521-47137-0.CS1 maint: ref=harv (link)
  • قالب:New Cambridge History of Islam
  • Bosworth, C.E. (1975). [[[:قالب:Google Books]] "The Ṭāhirids and Ṣaffārids"] Check |chapterurl= value (help). In Frye, R.N. (ed.). The Cambridge History of Iran, Volume 4: From the Arab Invasion to the Saljuqs. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 90–135. ISBN 0-521-20093-8.CS1 maint: ref=harv (link)
  • Bowen, H. (1993). "Muʾnis al-Muẓaffar". In Bosworth, C. E.; van Donzel, E.; Heinrichs, W. P.; Pellat, Ch. (eds.). The Encyclopaedia of Islam, New Edition, Volume VII: Mif–Naz. Leiden: E. J. Brill. p. 575. ISBN 90-04-09419-9. More than one of |encyclopedia= and |encyclopedia= specified (help)CS1 maint: ref=harv (link)
  • Halm, Heinz (1996). [[[:قالب:Google Books]] The Empire of the Mahdi: The Rise of the Fatimids] Check |url= value (help). Handbook of Oriental Studies. 26. Translated by Michael Bonner. BRILL. ISBN 9004100563.CS1 maint: ref=harv (link)
  • Kennedy, Hugh N. (2004). [[[:قالب:Google Books]] The Prophet and the Age of the Caliphates: The Islamic Near East from the 6th to the 11th Century] Check |url= value (help) (Second ed.). Harlow, UK: Pearson Education Ltd. ISBN 0-582-40525-4.CS1 maint: ref=harv (link)
  • قالب:PMBZ
  • Madelung, W. (1975). [[[:قالب:Google Books]] "The Minor Dynasties of Northern Iran"] Check |chapterurl= value (help). In Frye, R. N. (ed.). The Cambridge History of Iran, Volume 4: From the Arab Invasion to the Saljuqs. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 198–249. ISBN 978-0-521-20093-6.CS1 maint: ref=harv (link)