معرض المتعلقات الشخصية للرسول، ص  *  إني الإيطالية ترسل أكبر حفار بالعالم، سايپم 10000 (عمق مائي 10,000 قدم)، لمياه قبرص التي فرطت فيها مصر  *   مجلس الوزراء المصري يقرر السماح باستخدام الفحم الحجري في توليد الطاقة  *   الجيش اللبناني يواصل تفكيك محاور القتال على محور باب التبانة-جبل محسن  *   كيم كارداشيان تنضم لحملة إنقاذ قرية كسب الأرمنية بساحل اللاذقية من ارهابيي جبهة النصرة-القاعدة  *   فوز حزب الحرية والعدالة التركي في الانتخابات البلدية  *   زيارة جون كري للجزائر قبيل الانتخابات الرئاسية يثير لغطاً في الشارع الجزائري  *   التعرف على الجين المسؤول عن أحد أنماط الصلع. وهو مثبط أيضاً للأورام في الجلد  *   حمل مجاناً من معرفة المخطوطات   *   هل انهارت مبادرة حوض النيل؟  *   ثروات مصر الضائعة في البحر المتوسط  *   شاهد أحدث التسجيلات  *  تابع المعرفة على فيسبوك  *  تابع مقال نائل الشافعي على جريدة الحياة: تطورات غاز المتوسط في أربع مشاهد  *   تشغيل منفذ قسطل-حلفا البري بين مصر والسودان في أبريل  *      

يوهان ڤولفگانگ فون گوته

'يوهان ڤولفگانگ فون گوته
Johann Wolfgang von Goethe'
225px-Goethe.png
ولد: 28 أغسطس، 1749
 ألمانيافرانكفورت، ألمانيا
توفي:22 مارس 1832
ڤايمار، ألمانيا
الوظيفة: متعدد المواهب
الجنسية:ألماني
فترة الكتابة:رومانسية
أثر عليه:هوميروس، گيلرت
تأثر به:جونتر جراس، هيجل، شوبنهاور، نيتشه، كاسيرر، يونگ، ڤيتگن‌شتاين، تشارلز داروين
الموقع:www.johannawolfvongange.com"
Goethe (Stieler 1828).jpg

يوهان ڤولفگانگ فون گوته Johann Wolfgang von Goethe (ولد في مدينة فرانكفورت الواقعة على نهر الماين في 28 أغسطس 1749 - مات في فايمار في 22 مارس 1832) يعد من أشهر وأهم الشخصيات الأدبية في تاريخ الأدب الألماني والأدب العالمي. كتب الأشعار والمسرحيات والروايات، واهتم إلى جانب الأدب بالعلوم الفيزيائية، واشتغل بإدارة المسرح والتنظير له، وتقلد مناصب سياسية في ڤايمار. ويعتبر هو وشيلر قطبي الفترة الكلاسيكية في ألمانيا، التي كان مركزها في فايمار.

فهرست

سيرته

حياته المبكرة

الأب يوهان كاسپر گوته
Goethe's birthplace in Frankfurt, Germany (Großer Hirschgraben)

ولد يوهان فولفجانج فون جوته في 28 أغسطس 1749، في مدينة فرانكفورت الواقعة على نهر الماين، في شارع جروسن هيرشجرابن Großen Hirschgraben، في بيت العائلة الذي يعرف باسم "بيت جوته".

وكان الأب يوهان كاسبر جوته (1710- 1782) الذي كان مستشارا للأسرة الملكية، هاويا لجمع اللوحات الفنية والنباتات، وكرس معظم وقته لتعليم ولديه يوهان وكورنليا بنفسه. وتنحدر الأم كاترينا إليزابث گوته (1731- 1808) من عائلة عريقة ذات أصول إيطالية. وقد كتب جوته فيما بعد عن تأثره بأبيه وأمه قائلا:

من الأب ورثت القامة

والنظرة الجادة إلى الحياة

ومن الأم صفاء النفس

وحب المرح

ولم يكن هذا الوصف الذاتي حقيقيا, فهو لم يكن ذا طبيعة مرحة, ولم تكن علاقته بأبويه خالية من التوترات. ومن بين الأبناء الذين أنجبتهم الأم لم يعش غير الابن يوهان والابنة كورنليا Cornelia، التي ولدت في ديسمبر 1750. وقد أصيب يوهان في سنة 1758 بالجدري ولكنه شفي منه.

وقد كان الأب معلما لابنه وابنته، فدرس لهما علوما كثيرة، وعلمهما لغات عديدة كالإنجليزية والفرنسية واليونانية واللاتينية، وكانت الأم تنضم أحيانا لهذه الدروس. وقد تعلم الصبي أيضا من أبيه الرقص وركوب الخيل والمبارزة بالسيف. لكن أحب الأشياء إلى نفسه كان الرسم والموسيقى.

وقد ولد الشغف بالأدب في نفس جوته في طفولته، وقد نمى من هذا الشغف المكتبة الضخمة لوالده، وقد اهتم جوته بصفة خاصة بأعمال فريدريش جوتليب كلوبشتوك وهوميروس. وصاحب هذه الشغف المبكر بالأدب شغف بالمسرح، فقد كان يقام في كل سنة مسرح للعرائس في بيت والده، وكان هذا المسرح يخلب لب الطفل الصغير، وقد كتب فيما بعد أنه كان يتمنى في ذلك الوقت، أن يكون من الساحرين والمسحورين في نفس الوقت.

وخلال الاحتلال الفرنسي لفرانكفورت في سنة 1759، كان جوته حريصا على زيارة المسرح الفرنسي عدة مرات. وفي سنة 1763 شهد جوته حفلا موسيقيا لموتسارت وهو ما زال في السابعة من عمره. وفي سنة 1764 شهد الاحتفالات بمناسبة تتويج القيصر يوزف الثاني.

وفي 30 سبتمبر 1765 غادر جوته فرانكفورت، ليبدأ دراسة القانون في لايبزگ .

درس جوته القانون في لايبزگ من سنة 1765 حتى سنة 1768، وقد كانت هذه الدراسة شيئا ثقيلا على نفس الشاب المفعمة بحب الأدب والفن. لذلك فقد اهتم بالأدب أكثر من اهتمامه بالقانون وعلومه، فكان يحضر محاضرات الشعر لكريستيان فورشتيگوت گيلرت، وكان يشترك في التدريبات الأسلوبية التي كان يقيمها جيلرت، على الكتابة بالأسلوب الرقيق للعصر. وفي لايبزج أيضا تلقى جوته دروسا في الرسم على يد آدم فريدريش أوزر, مدير أكاديمية لايبزج. كما تعرف على فن النحت الإغريقي, وتأثر بأفكار فينكلمان.

وقد وقع جوته في حب أنا كاترينا شونكوبف, وهي حبه الأول, وتغنى بهذا الحب في قصائد تحمل أسلوب فترة الروكوكو. وفي سنة 1770 وحين بلغ جوته الواحدة والعشرين, أصدر أول ديوان له يضم قصائد ذات طابع موسيقي, ولكنه لم يضع اسمه عليه، واسم الديوان "أنيته" Annette.

تمثال جوته التذكاري في لايبزج

وفي بيت الناشر برايتكوپف تعلم جوته على يد أحد النحاتين، فن النحت على النحاس وعلى الخشب. وقد بدأ جوته في ذلك الوقت يهتم بأعمال ليسنگ وفيلاند, وكان يكتب بغزارة في تلك الفترة, وكانت من كتاباته أوبرا تدور حول إحدى قصص الإنجيل، وقد أتلفها جوته بعد ذلك، ربما لأنها لم تكن ذات مستوى يرضى عنه. وكتب في تلك الفترة أيضا مسرحية كوميدية بعنوان "المتواطئون".

وفي لايبزج كانت أسطورة فاوست الشعبية منتشرة, حيث كانت لايبزج هي المكان الذي ولدت فيه هذه الأسطورة, وقد تأثر بها جوته تأثرا كبيرا, وضمن في الجزء الأول من ملحمته "فاوست" أماكن في لايبزگ مثل حانة أورباخ الشهيرة Auerbachs Keller.

ولكن إصابته بنزيف في الدم جعلته يرحل عن لايبزج، ويعود إلى فرانكفورت في نهاية أغسطس سنة 1768، كأنه راكب سفينة غرقت على حد تعبيره في "الشعر والحقيقة".

مهنته القانونية

أنهى جوته دراسة القانون، غير أن رسالته التي قدمها للتخرج لم تنل بعد مناقشتها درجة, تؤهله للعمل الحكومي إذ كانت الدرجة التي حصلت عليها الرسالة ضعيفة. إلا أنه أعاد مناقشتها مرة أخرى في 6 أغسطس 1771 في شتراسبورج, وحصل هذه المرة على درجة الإجازة في الحقوق. وقد وصفه البروفسور إلياس شتوبر أستاذ مادة اللاهوت، بأنه "كان نصف عالم مثير للضحك, ومحتقر مجنون للأديان".

وكانت رسالة جوته, التي كتبت باللغة اللاتينية حسب النظام المتبع في ذلك العصر, تشتمل على 56 قضية قانونية, وكانت القضية قبل الأخيرة حول الحكم على امرأة قتلت طفلا, حيث رأى جوته أن الحكم المناسب هو عقوبة الإعدام. وقد تناول جوته هذه القضية تناولا أدبيا فيما بعد في مسرحية جريتشن المأساوية.

وبعد أن أتم جوته دراسته, عرضت عليه وظيفة في الحكومة الفرنسية, إلا أنه رفضها, فلم يكن يريد أن يكون مقيدا بشيء, بل أراد أن يكرس حياته للأدب والفن والحرية.

قرر جوته أن يعمل محاميا في فرانكفورت, بدافع رغبته الداخلية بالدفاع عن المظلومين واستعادة حقوقهم, والنضال من أجل العدالة في المجتمع البشري. وهكذا انخرط جوته في العمل بأقصى طاقاته، لكنه تصرف في قضاياه الأولى بجرأة شديدة, مما دفع القضاة إلى تأنيبه وتوبيخه, مما صدمه وأفقده متعة العمل, وجعله يشعر به وكأنه عبء ثقيل على كاهله. وهكذا ترك جوته مجال المحاماة بعد عدة أشهر على الانخراط فيه.

وفي تلك الفترة بدأ تردده على قصر دارمشتات, التي كان ملتقى للأدباء والفنانين وأبناء الطبقة الأرستقراطية, وكان من المترددين البارزين على القصر من الأدباء يوهان گيورگ شلوسر (الذي تزوج من أخت گوته فيما بعد) ويوهان هاينريش ميرك. وكان جوته في زياراته إلى دارمشتات، يقطع المسافة بين فرانكفورت ودارمشتات ممتطيا جواده أو سيرا على الأقدام، ولم يكن أي شيء يعيقه عن الذهاب، حتى ولو كانت عاصفة ثلجية، فقد كان جوته محبا للطبيعة ومنسجما معها حتى عواصفها. وكان هذا الشغف بالطبيعة هو طريق أدى به إلى اعتناق نزعة "العاصفة والاندفاع"، الذي كانت تيارا أدبيا انتشر بين جيل الأدباء الشباب من الجيل الجديد في نهاية القرن الثامن عشر.

ارتحل جوته في مايو 1772 إلى فيتسلار، لإكمال تدريبه العملي في المجال القانوني, وتسلم وظيفة تحت التمرين في محكمة الاستئناف القيصرية.

السنوات الأولى في ڤايمار

ملف:Goethe.png
Johann Wolfgang Goethe ca. 1775
يوهان جوتفريد هردر
فريدريكه بريون

وبعد عودته إلى فرانكفورت زاره كارل أوگوست الذي أصبح دوقا لفايمار وزاكسن, ورأى فيه الشخص المناسب الذي يصلح لأن يكون مستشارا له في شؤون إدارة الإمارة, ودعاه لأن يكون مستشارا له وصديقا, فقد رأى فيه علامات النبوغ الفكري والأدبي.

وكان والده معارضا لذهابه إلى ڤايمار, وأقنعه بالقيام برحلة إلى إيطاليا. وبالفعل قرر جوته الرحيل إلى إيطاليا، غير أنه حين كان في الطريق بين هايدلبرگ وڤايمار، أدركته عربة الدوق صدفة فأقنعه بالعدول عن الرحيل إلى إيطاليا, واصطحبه معه إلى فايمار. وكانت هذه نقطة تحول هامة في حياة جوته. وعند هذه النقطة تتوقف ذكريات جوته في كتابه "الشعر والحقيقة" Dichtung und Wahrheit.

وصل جوته إلى فايمار في السابع من نوفمبر 1775, وكانت فايمار آنذاك من أفقر الإمارات الصغيرة في ألمانيا. وانقضت الشهور الأولى في الاحتفالات واللهو والتنزهات وسماع الموسيقى. وفي تلك الفترة قام جوته بزيارة كيتشن شونكوبف (أول حب له) في لايبزج, والتي كانت قد تزوجت وأصبح لقبها السيدة كانه Frau Kanne.

التقى جوته بشارلوته فون شتاين زوجة أحد نبلاء فايمار. فأحبها حبا جارفا, وبادلته هي المشاعر ذاتها, فأصبحت صديقته وامتدت صداقتهما حتى رحيل جوته إلى إيطاليا. كانت شارلوته تكبر جوته بسبع سنين وتمثل بالنسبة له دور الأخت والأم والحبيبة في شخص واحد، لكنها لم تكن ترغب في علاقة جسدية معه, بل أن يظل حبهما حبا عذريا. وظل الاثنان يتبادلان رسائل الحب حتى رحيل جوته إلى إيطاليا بعد عشر سنوات.

ومع بداية الربيع في السنة التالية 1776 بدأ جوته في حضور جلسات المجلس الاستشاري بشكل غير رسمي. وفي يونيو عين مستشارا رسميا في المجلس الوزاري, رغم وجود اعتراضات عليه من جانب الوزراء والموظفين في الحكومة. وقد نشأت الصداقة في تلك الفترة بينه وبين ڤيلاند Wieland والدوقة الأم أنا أماليا, وازدادت الصداقة بينه وبين الدوق الشاب متانة وعمقا.

أقام جوته لمدة ستة أعوام في منزل محاط بحديقة, يقع بجوار متنزه نهر الإلم Park an der Ilm, وكان الدوق قد خصصه له ليقيم فيه. ثم انتقل بعد ذلك إلى منزل آخر في حي فراونبلان Frauenplan, الذي خصصه له الدوق أيضا. وقد أقام فيه فيه بعد عودته من إيطاليا في عام 1892, وظل يعيش فيه حتى وفاته, وشهد هذا البيت ميلاد العديد من الأعمال الخالدة التي كتبها جوته.

إيطاليا

Goethe, age 38, painted by Angelika Kauffmann 1787

في بداية سبتمبر 1786 خرج جوته راحلا من فايمار دون أن يخبر أحدا برحيله, ولم يكن هناك من يعلم بأمر تلك الرحلة غير الأمير وسكرتيره فيليب زايدل, واتجه جوته مسافرا صوب مدينة البندقية, عبر ريجنسبورج وميونخ وميتنفالد وإنسبروك وفيرونا.

جوته في إيطاليا بريشة تيشباين

وكانت الوجهة الحقيقة هي روما, التي تعتبر كعبة للفنانين من كل أنحاء أوروبا في ذلك الوقت. وقد ساعده أحد الرسامين - وهو هاينريش تيشباينTischbein - في العثور على مسكن في حي متواضع, حيث بدأت مرحلة عيش يختلف نمطها عن الحياة في فايمار.

مكث جوته في إيطاليا عامين سميا فيما بعد "بالرحلة الإيطالية", وقد مثلت تلك الفترة في إيطاليا لجوته بداية حياة جديدة, توهجت فيه موهبته الإبداعية وصفت نفسه ومشاعره إلى حد لا متناهي. كانت فترة تميزت بالتحرر من القيود وبالحرية وكانت أحواله المالية جيدة, حيث كان الدوق الشاب يرسل له كل شهر ما يكفيه من المال.

وفي إيطاليا شعر جوته أخيرا بالراحة النفسية, فعاش وأحب ورسم وكتب. وأتم مسرحيته "إيفيجينا في تاورس" بعد أن صاغها شعرا. وكان أقرب صديق له في تلك الفترة هو الرسام السويسري الشهير يوهان هاينريش ماير Johann Heinrich Meyer ، الذي ظل صديقا له حتى نهاية حياته.

عكف جوته على دراسة وتأمل الفن الإغريقي من تماثيل ومعابد, وكذلك بفن عصر النهضة, وأعجب إعجابا كبيرا بتماثيل ولوحات مايكل أنجلو ورفاييل، واعتبرها قمة الفن الغربي وتجديدا حقيقيا للفن الإغريقي.

وبعد نصف عام رحل إلى نابولي ثم إلى صقلية وپالرمو. وعاد في منتصف 1787 إلى روما. وعاد إلى كتابة "توركواتو تاسو" مرة أخرى, وكتب مسرحية "إگمونت" Egmont. وفي تلك الفترة كان يتردد كثيرا على منزل الرسماة الشهيرة أنگليكا كاوفمان. وفي نفس العام رسم له تيشباين اللوحة الشهيرة وهو بالثياب الرومانية.

في تلك الفترة التقى جوته بكريستيانه فولبيوس Christiane Vulpius ذات الثلاثة والثلاثين عاما, المنحدرة من عائلة أكاديمية, والتي لم تلق من التعليم إلا جانب ضئيل رغم ذلك. كان يدعوها إلى بيته, وسرعان ما وقع في حبها, ربما لأنها كانت شديدة الشبه بمحبوبته الإيطالية.

وبعد زواجه بكريستيانه فولبيوس انتهت العلاقة بشكل نهائي بينه وبين السيدة فون شتاين.

وما لبثت العلاقة بينهما أن تطورت إلى زواج رسمي في يوليو عام 1788. وفي ديسمبر عام 1789 ولد ابنهما الأول أوْجوست August, الابن الوحيد الذي عاش من أبناء جوته الخمسة بعد وفاته.


وبعد مرور العامين بدا جوته يستعد للعودة إلى فايمار, وقد كتب إلى الدوق يطلب منه إعفاءه من منصبه الرسمي, لكن يريد أن يظل مجرد صديق له وضيف على الإمارة لا أكثر.

وفي مذكراته ورسائله لا نجد كلمة حول حياته في روما, ولا خبرا موثوقا به عن شخصية المرأة التي أحبها, والتي سماها في قصائده "فاوستينا". ولا يتضح ما إذا كانت تلك المرأة من ميلانو, أم أنها ابنة الحوذي أو ابنة صاحب الفندق الذي أقام به جوته في روما. غير أنه من المؤكد أنه عاش قصة حب جارفة أثناء إقامته في روما, ويتبدى ذلك في قصائده التي كتبها في تلك الفترة.

وبعد أن شارك بالاحتفال في الكرنفال الروماني وكذلك بالاحتفالات التي أقيمت في أسبوع عيد الفصح في روما, قرر جوته إنهاء إقامته في إيطاليا والعودة إلى ڤايمار في نهاية إبريل عام 1788.

ڤايمار

A Goethe watercolor depicting a Liberty pole at the border to the short-lived Republic of Mainz, created under influence of the French Revolution and destroyed in the Siege of Mainz in which Goethe participated
Goethe. Painting by Luise Seidler (Weimar 1811)
فريدريش شيللر
شارلوته فون شتاين
منزل جوته في حي فراونبلان

لم يشعر جوته بعد عودته إلى فايمار بالسكينة فيها, فقد ترك الكثير من الذكريات الجميلة خلفه في روما, فعادت إليه حالة الاكتئاب واليأس من جديد. كتب جوته حول عودته تلك : "من إيطاليا المتعددة الصور عدت...إلى ألمانيا التي لا صورة لها....الأصدقاء..عزوني...إلا أنهم أعادوني إلى اليأس مرة أخرى".

ثم أخذ الدوق يولي جوته المزيد من المناصب في الإمارة. ففي السنوات التالية تقلد جوته العديد من المناصب وهي: رئيس اللجنة العسكرية, ومدير إنشاء الطرق, ورئيسا للإدارة المالية, وكذلك رئيسا للشؤون الثقافية. فكان جوته في الواقع بمثابة مدير للحكومة أو رئيس للوزراء في الإمارة.

وأخذ جوته يتعرف شيئا فشيئا على مناطق الإمارة من خلال جولاته وتنزهاته ممتطيا جواده. وفي عام 1777 ذهب جوته إلى منطقة جبال الهارتس Harz لقضاء شهرين, يستجم فيهما ويستريح قليلا من أعباء الحكم. وفي مايو 1778 قام برفقة الدوق كارل أوجوست برحلة إلى برلين وبوتسدام, ومرا في طريقهما بمدينتي لايبزج وفورليتس.

وفي عام 1779 قام جوته بزيارته الثانية إلى سويسرا, وتحديدا إلى مدينة برن العاصمة لكي يطلب قرضا ماليا لتسديد الديون المتراكمة على خزينة الإمارة. وفي الطريق زار جوته أمه في فرانكفورت, ثم زار حبيبتيه السابقتين فريدريكه وليلي.

وقد اتجه جوته في تلك الفترة إلى الاهتمام بالتعدين والجيولوجيا, خاصة بعدما اكتشف منجما للفضة وعلق عليه آماله في التخلص من الأزمة المالية التي تعاني منها خزينة الإمارة. وافتتح جوته المنجم في 24 فبراير 1784 في احتفالات رسمية, حيث ألقى كلمة في ذلك اليوم. غير أن آماله قد تبددت بعد فشل المشروع وإغلاق المنجم. إلا أن تلك التجربة تركت آثارها في عمله الخالد فاوست الجزء الثاني.

حياته لاحقا

Ulrike von Levetzow. This 18 year old girl inspired Goethe to the famous Marienbad Elegy
تمثال جوته التذكاري في ميدان جوته في فرانكفورت
نابليون بونابرت
جوته في عام 1779

في عام 1782 نجح الدوق في الحصول لجوته من القيصر على لقب نبيل von فأصبح لقبه فون جوته بدلا من جوته, مما قربه أكثر من أوساط الأمراء والنبلاء. فغرق في تلك الفترة في الحفلات والاحتفالات والمناسبات والرحلات, فشغله ذلك عن الانتاج الأدبي ولم ينجز غير مسرحية "إفيجينيا في تاورس" Iphigenia auf Tauris, وهي مسرحية نثرية.

وفي عام 1783 قام برحلته الثانية إلى الهارتس, ثم برحلته الثالثة والأخيرة في العام التالي. وفي عام 1785 ذهب إلى منتجع مدينة كارلسباد Karldbad في التشيك, الذي تكررت زياراته إليه فيما بعد.

بدأ السأم والاكتئاب يتسللان إلى نفس جوته في عام 1786, وهناك العديد من الأسباب كما كان يبدو: فعلاقته بالسيدة فون شتاين صارت غير سعيدة, ومجهوده المضني في سبيل تحسين أحوال الإمارة قد باءت بالفشل, واستنفذت الكثير من جهده ووقته, وجارت على الوقت الذي خصصه للإنتاج الأدبي.

وحين ولد ابن للأمير كارل أوجوست رأى جوته أن دوره قد انتهى بمجيء ولي للعهد, وقرر أن يمضي فترة إجازة طويلة عن العمل السياسي, وهكذا غرق جوته بين أكداس من أوراقه وكتبه يرتبها ويأخذ منها ما يحتاجه في الرحلة. وقد كان ذلك الرحيل بداية لفترة من أهم فترات حياته, فسيترك فيها أعباء الحياة ومشاغلها ليتفرغ للفن والأدب والتأمل.

في يوليو عام 1787 - أي حين كان جوته في إيطاليا - انتقل شيلر للإقامة في فايمار, بعد دعوة الدوق كارل أوجوست له للإقامة فيها, وحصل بعد عامين على وظيفة بروفيسور في جامعة ينا, بناء على توصية من جوته. غير أن العلاقة بينهما ظلت سطحية. لكنهما بدءا في التقارب حين دعا شيلر جوته للمشاركة في الكتابة في مجلته الأدبية الجديدة "دي هورن" Die Horen.

وقبل جوته الدعوة, وتطورت علاقة العمل بينهما إلى صداقة حميمة استمرت حتى وفاة شيلر في عام 1805, وتبدت معالمها في الخطابات المتبادلة بينهما حين نشرت في عامي 1828 و 1829. وفي مقابل ذلك فقد فترت العلاقة تدريجيا بينه وبين صديقيه القديمين هردر وفيلاند.

وفي عام 1799 انتقل شيلر من ينا إلى ڤايمار للسكنى بها. وكانت الحركة "الكلاسيكية الفايمارية" حركة أدبية وفكرية صغيرة، غير أنها كانت مؤثرة ومسيطرة على المركز الأدبي لألمانيا وهو دوقية زاكسن-ڤايمار.

ولم تغير مسرحياته الهزلية المتتابعة التي كتبها آنذاك أن تغير من موقف الناس منه. ولم تنجح رحلته الثانية إلى إيطاليا - التي اقتصرت على مدينة البندقية - في عام 1790 أن تخرجه من هذه الحال, بل أصابته بخيبة أمل. ولم يتبق من تلك الرحلة من إنتاج أدبي غير قصائده المعنونة "حكم من مدينة البندقية" Venezianische Epigramme, أما في الدراسات الطبيعية فقد توصل إلى أن الجمجمة قد نشأت من فقرات العمود الفقري . وقد تبلورت أبحاثه الطبيعية في مقاله المعنون "تحول النباتات", وقد أسس بهذا المقال لما سماه بالمورفولوجيا المقارنة في مجال علم النبات, في عام 1790. ولم يجد هذا المؤلف صدى وفهما لدى الجمهور. غير أن جوته استأنف أبحاثه تلك بعد 30 سنة بمحاولة في مجال "علم العظام المقارن".

وفي عام 1791 تولى جوته إدارة المسرح الملكي في فايمار, وصارت كريستيانه زوجته مستشارة شخصية له فيه, واستطاعت بروحها المرحة أن تشجع الممثلين وتزرع فيهم الثقة والحماس. وكانت هناك حبيبة أخرى لجوته في تلك الفترة وهي كارولينه أولريش, التي عملت في المسرح من عام 1806 إلى 1814, واكتفت بدور "الحبيبة الجانبية" وهو مسمى وضعه جوته في نهاية مسرحيته "شتيلا" Stella.

وفي أكتوبر 1793 رحل إلى يينا Jena, وأقام في أحد بيوت الشباب, للإسهام في إنشاء حديقة نباتية تابعة لجامعة يينا. وحين كان يقيم في يينا ويعمل في جامعتها كان جوته يترك زوجته وابنه وحيدين طيلة شهور, وأطالت من وحدتهما أيضا الرحلات الاستجمامية السنوية التي قام بها جوته إلى كارلسباد.

توفي شيلر في عام 1805 فشعر جوته بالحزن العميق والخسارة الكبيرة لوفاة صديقه العظيم. وبرحيل شيلر يظل الكلاسيكي الكبير "جوته" حتى وفاته هو في عام 1832الوحيد المتبقي من هذه المدرسة، في حين أخذت الرومانسية في الانتشار والسيطرة شيئا فشيئا على الحياة الأدبية. لكن جوته ظل هو القمة التي لا تدانيها قمة أخرى، وظل باعتراف الرومانسيين قلما أدبيا كبيرا.

في 14 أكتوبر 1806 هزم نابليون البروسيين في يينا. وكان الدوق كارل أوجست، المتحالف مع بروسيا، قد قاد جيشه الصغير ضد الفرنسيين في تلك المعركة. ودخل الأحياء المدحورون فايمار، وأعقبهم الغالبون الجياع، فنهبوا المحال واحتلوا بيوت الناس. واستولى ستة عشر جندياً الزاسياً على بيت جوته، وأعطتهم كرستيانة الطعام والشراب والفراش. في تلك الليلة اقتحم البيت جنديان آخران ثملا بالخمر، فلقد افتقدا الأسرة في الطابق الأسفل، صعدوا عدة إلى حجرة جوته، ولوحا بسيفهما في وجهه، وطالباه بمكان للنوم، ووقفت كرستيانة حائلاً بين الجنديين ورفيقها، وأقنعنهما بالخروج ثم ارتجت الباب. وفي الخامس عشر من الشهر وصل نابليون إلى فايمار وأعاد النظام إلى نصابه، وصدرت التعليمات بعدم إزعاج "الأديب الكبير" وبضرورة اتخاذ جميع الإجراءات لحماية جوته العظيم وبيته. ومكث معه المارشالات لأن ونيه وأوجروا برهة ثم رحلوا معتذرين مجاملين. وشكر جوته كرستيانة على شجاعتها وقال لها "إن أذن الله سنكون زوجاً وزوجة" وفي 19 أكتوبر تزوجا. أما أمه الطيبة التي احتملت في حب جميع مثالبه، وفي تواضع جميع مفاخره، فقد جددت بركاتها لهما. ثم ماتت في 12 سبتمبر 1808، وورث جوته نصف تركتها.

وفي أكتوبر 1808 رأس نابليون مؤتمراً من ستة ملوك وثلاثة وأربعين أميراًفي أرفورت، وأعاد رسم خطة ألمانيا، وحضر الدوق كارل أوجست المؤتمر واصطحب جوته في بطانته. وطلب نابليون إلى جوته أن يزوروه في 2 أكتوبر، وذهب الشاعر، وأنفق ساعة مع الغازي، وتاليران، وقائدين، وفريدريش فون مولر، وهو قاضي فايماري. وهنأه نابليون على عافيته (وكان جوته يومها في التاسعة والخمسين)، واستفسر عن أسرته، ثم دخل في نقد جريء لفتر. وقد عاب الدرامات الشائعة التي تؤكد على القضاء والقدر "فلم الحديث عن القضاء والقدر؟ إن السياسة هي القضاء والقدر... ما قول المسيو جوته في هذا؟" ولا علم لنا بجزاب جوته ولكن موللر روى أن نابليون قال لقواده معلقاً بينما جوته يبرح الحجرة "هاكم رجلاً!".

وفي 6 أكتوبر عاد نابليون إلى فايمار، واصطحب معه فرقة ممثلين من باريس من بينهم تالما العظيم. ومثلوا في مسرح جوته مسرحية فولتير "موت قيصر" وعقب الحفلة انتحى نابليون بجوته جانباً وناقش معه التراجيديا، فقال "إن الدراما الجادة تصلح جداً لأن تكون مدرسة للأمراء كما هي مدرسة الشعب، لأنها من بعض نواحيها فوق التاريخ... يجدر بك أنت أن تصور موت قيصر صورة أبهى مما صوره فولتير، وتبين كم كان قيصر (نابليون) سيسعد العالم لو أن الشعب أتاح له الوقت لإنفاذ خططه السامية. "ثم بعد قليل" لا بد أن تأتي إلى باريس! إني أوجه إليك هذا الرجاء المشدد! ستتاح لك هناك نظرة أوسع للعالم، وستجد ذخيرة من الموضوعات لشعرك" وحين مر نابليون بفايمار ثانية عقب تقهقره المشئوم من موسكو طلب إلى السفير الفرنسي أن يبلغ جوته تحياته.

وأحس الشاعر أنه في بونابرت قد التقى، على حد تعبيره، بـ "أعظم فكر شهده العالم" إلى الآن. وقد وافق تماماً على حكم نابليون لألمانيا، فلم يكن هناك ألمانيا على أية حال (كما كتب جوته في 1807) إنما هي خليط من الدويلات، أما الإمبراطورية الرومانية المقدسة فقد نفذ قضاء الله فيها في 1806، وبدا لجوته أنه من الخير أن تتوحد أوربا، لا سيما تحت رآسة رجل ألمعي كوبنابرت. ولم يغتبط بهزيمة نابليون في واترلو، مع أن دوقة قاد أفواج فايمار مرة أخرى ضد الفرنسيين. لقد كانت ثقافته واهتماماته أشمل وأعم من أن يتيحا له الشعور بالكثير من الزهو الوطني، ولم يستطع أن يستشعر في نفسه الميل لتأليف الأغاني ذات الحماسة القومية رغم كثرة ما طلب إليه. قال لأكرمان وهو في الثمانين:

"أنى لي أن أؤلف أغاني الحقد وأما لم أشعر بشيء من الكره؟ وأقول فيما بيني وبينك أنني لم أكره الفرنسيين قط وإن شكرت الله على خلاصنا منهم. وأنى لي، أنا الذي أرى الحضارة والهمجية الشيئين الوحيدين اللذين لهما مغزى، أن أبغض أمة هي من أكثر أمم الأرض ثقافة، أمة أدين لها بجزء عظيم من ثقافتي؟ على أية حال أرى أن مسألة الكراهية بين الأمم هذه شيء غريب. فأنت ستجد دائماً أقوى وأشد مما تكون ضراوة في المراتب الدنيا من المدنية. ولكن يوجد مستوى تختفي فيه كلية، ويقف عليه الإنسان فوق الأمم إذا جاز التعبير، ويحس أفراح شعب مجاور أو أتراحه كأنها أفراحه هو وأتراحه. ولقد كان هذا المستوى يلائم طبيعتي، ولقد بلغته قبل أن أبلغ الستين بزمن طويل".

ألا ليت كل دولة غنيت بمليون من هؤلاء "الأوربيين الصالحين!".

في عام 1809 بدأ جوته يستعيد نشاطه الجسدي والنفسي. وشرع في كتابة سيرته الذاتية, ونشر بعد عام دراسته العلمية حول "علم الألوان". وقد شهد جوته موت جميع أصدقائه القدامى, وأصبح بلاط الدوقة أنا أماليا من الذكريات, وهو البلاط الذي كان جوته يلتقي فيه مع أصدقائه أمثال شيلر وهردر وفيلاند, مؤسسي الحركة الكلاسيكية.

ولم يكن جوته يتوقف عن التعلم والإطلاع على كافة الأفكار, ولذلك ظل فكره وفلسفته للحياة تتطور مع كل مراحل حياته.

في تلك الفترة التي شهدت صراع القارة الأوروبية ضد جيوش نابليون, والمعارك التي استنفذت قواها, بدأ جوته يتجه إلى الشرق والاهتمام بتاريخه وأدبه. فبدأ بدراسة اللغتين العربية والفارسية فقرأ القرآن واستهواه الشعر العربي القديم وكذلك الشعر الفارسي وأعجب بشكل خاص بالشاعر الفارسي حافظ الشيرازي.

تسيلتر

في تلك السن المتقدمة من عمره كان لا بد له من سكرتير, وكان هو فريدريش ريمر Friedrich Riemer الذي كان مربي لأحد أبنائه منذ عام 1805. وكذلك كان كارل فريدريش تسيلتر Zelter يعزف له المقطوعات الموسيقية على البيانو, وكان جوته معجبا بعزفه إلى حد كبير.

في عام 1816 ماتت زوجته كريستيانه بعد معاناة طويلة مع المرض. وفي عام 1817 تخلى عن إدارة المسرح الملكي, ومنذ ذلك الحين وزوجة ابنه هي التي تهتم به وترعاه. وقد سلمت الدوقية الصغيرة إلى حد ما من الدمار الذي لحقت منه الدوقيات والإمارات الأخرى, جراء حروب نابليون. أما الدوق كارل أوجوست فقد غير من لقبه كدوق, وتلقب ب "جلالة الملك".

وفي تلك الفترة توثقت صداقته بكارل فريدريش راينهارد وكاسپر فون شتيرنبرگ، بينما حل إكرمان مكان ريمر في العزف على البيانو في فايمار.


في الثاني والعشرين من مارس 1832 لفظ جوته أنفاسه الأخيرة، بينما كان جالسا في مقعده. وكانت الوفاة بسبب التهاب في الرئتين. وشيع جثمانه إلى قبره في يوم 26 مارس.

العمل الأدبي

Goethe in the Roman Campagna (1786) by Johann Heinrich Wilhelm Tischbein. Oil on canvas, 164 x 206 cm.[1]
شارلوته بوف

التقى جوته بهردر في شتراسبورج, وشكل هذا اللقاء نقطة تحول في حياة جوته الأدبية, فقد تأثر جوته به تأثرا كبيرا. وكان هردر هو الشخصية الأولى, التي يجد جوته عندها الكثير من الإجابات على ما بداخله من الأسئلة. وكان هردر هو الذي فتح عيون الأدباء الألمان من الجيل الجديد على العبقرية الدرامية في مسرح شكسبير. وقد أطلعه هردر على مجموعة أناشيده التي عنوانها "أوسيانس", التي قد نشرها للتو وفتح وجدانه على التراث الشعري الشعبي.

وكان هردر يرى أن المهم في الشعوب هو جوهرها الإنساني, كما جسدها هوميروس في ملاحمه الخالدة. وقد أثرت هذه الفكرة في نفس جوته تأثيرا عميقا. وفي شتراسبورج أيضا تعرف جوته على الفن المعماري الألماني القديم, وانبهر به أيما انبهار, وكتب مؤلفا حوله بعنوان "عن الفن المعماري الألماني".

وفي إحدى نزهاته إلى قرية زيزنهايم Sesenheim, استضافه أحد أصدقائه الذي كان قسا في بيته, وهناك وقع في حب ابنته فريدريكه بريونFriedrike Brion, التي أحبها حبا جارفا, وكانت ملهمته في الكثير من القصائد مثل "اللقاء والوداع" و "أغاني زيزنهايم".

ووقع بين يدي جوته كتاب قديم عن فترة حرب الفلاحين, فأعجب بقصة أحد قطاع الطرق الذي كان ينتمي إلى عائلة من النبلاء. فقرر جوته تحويلها إلى عمل أدبي مسرحي, فأجرى الكثير من التعديلات الفنية والدرامية عليها, ووضع لها مخططا تصويريا تمهيديا لبعض مشاهدها. وبعد أن أتم جوته المسرحية, نسخ منها عدة نسخ وأعطاها لأصدقائه, فلاقت منهم استحسانا كبيرا. وكان عنوان المسرحية "جوتفريد فون برليشينجن ذو اليد الحديدية".

وفي إحدى الحفلات التقى جوته بصديقه يوهان كريستيان كستنر Kestner, وبرفقته خطيبته شارلوته بوف Charlotte Buff، فوقع جوته في حب شارلوته (التي كان يسميها "لوته" Lotte). وهنا نشأ صراع نفسي عنيف في نفس جوته بين صداقته لكستنر وحبه للوته, جسده بعد ذلك في روايته "آلام الشاب ڤرتر" Die Leiden des jungen Werthers. ولم يستطع جوته تحمل هذا الصراع النفسي, فقرر العودة إلى فرانكفورت.

وبعد هذا الحب ولد في قلبه حب آخر، وهي ماكسميليانه Maximiliane ابنة الأديبة صوفي فون لاروش Sophie von La Roche، التي كان جوته يتردد على صالونها الأدبي في كوبلنتس. لكنه كان حبا من طرف واحد، فماكسيميليانه لم تكن تبادله مشاعر الحب. وقد تزوجت ماكسيميليانه بعد ذلك بتاجر من فرانكفورت يدعى پيتر أنطون برينتانو، وأنجبت منه الشاعر كليمنس برينتانو.

وكان ميرك يلح على جوته بإعداد مسرحية "جوتس فون برليشينجن" في كتاب, فاستجاب جوته ونشرا الكتاب على نفقتهما الخاصة. ولم يكد الكتاب ينشر حتى تخاطفته الأيدي, وحقق نجاحا أسطوريا, جعل من جوته بين عشية وضحاها من أشهر الأصوات الأدبية في ألمانيا. واستطاع جوته أيضا بعد نجاح الكتاب أن يسدد ديونه كاملة أن أن تراكمت عليه لمدة سنوات.

جاء خبر انتحار أحد أصدقاء جوته, بعد عودته إلى فرانكفورت هربا من حبه للوته خطيبة صديقه كيستنر. فألهمه كتابة رواية "آلام الشاب فرتر", وجسد جوته في كلمات فرتر مشاعره تجاه لوته, والصراع النفسي التي عاناه, غير أنه ينهي الرواية بانتحار فرتر, هربا من آلامه النفسية بعد تحطم حبه, ويأسه المرير في الحياة مع حبيبته.

وقد كتب جوته الرواية في عدة أسابيع, وكانت كتابتها خلاصا روحيا له من يأسه وآلامه, بعد تحطم حبه. وكتبت الرواية في شكل رسائل, وقد كان هذا الشكل الأدبي جديدا في تلك الفترة.

وبعد نشر الرواية لاقت نجاحا منقطع النظير, وأحدثت ضجة أدبية ليس في ألمانيا فقط, وإنما في أوروبا كلها. وتحول النجاح الأسطوري للرواية إلى ما يشبه الحمى أو الهيستريا بين الجيل الجديد من الشباب. حتى أن بعضهم أقدم على الانتحار, انبهارا بشخصية فرتر, التي اعتبرت في تلك الفترة مثلا أعلى, يجسد مشاعر الجيل الجديد من الشباب.

وقد اعتبرت مسرحية "گوتس فون برليشينگن ذو اليد الحديدية" ورواية "آلام الشاب ڤرتر" نقطة بداية جديدة في تاريخ الأدب الألماني. ومثلت شخصيتا جوتس وفرتر, تجسيدا لأفكار أدباء تيار "العاصفة والاندفاع" Sturm und Drang, واعتبر الأسلوب الذي استخدمه جوته فيهما, أسلوبا جديدا ارتفع بمستوى الأدب في تلك الفترة. كما صار جوته بعد هذين العملين أهم قلم أدبي في ألمانيا، ونظر إليه باعتباره عبقرية أدبية متفتحة تبشر بعصر أدبي جديد.

بعد هذه الشهرة الواسعة التي حققها جوته, أصبح شخصية يسعى إلى صداقتها الجميع، فاتسعت دائرة معارفه وأصدقائه, سواء من الأدباء والفنانين وغيرهم، وكان من بين من توطدت علاقته بهم الأديب الشهير كلوبشتوك.

كلوبشتوك

وفي تلك الفترة شرع جوته في كتابة العديد من الأعمال، لكنه لم يكتب منها غير مقطوعات وشذرات قصيرة, ومنها "أنشودة محمد". ونشأت في تلك الفترة فكرة كتابة فاوست Faust. وقد أكمل جوته مسرحيتين هما "كلافيگو" و"شتيلا، مسرحية للعشاق" في عام 1775. وقد ساد في تلك العصر تيار العاصفة والاندفاع, كما بدأت حركة الرومانسية تبدو طلائعها في الأفق. فكان أسلوب جوته في هاتين المسرحيتين متأرجحا بين هذين التيارين.

التقى جوته في أثناء تواجده في إرن‌برايت‌شتاين Ehrenbreitstein, حيث كان يقضي هناك عدة أيام مع بعض الأصدقاء، التقى بكارل أوجوست Karl August الذي كان وقتها ولي عهد ڤايمار وزاكسن. وكان الأمير الشاب في طريقه إلى باريس.

وفي نفس العام التقى جوته بإليزابت شونمان Elisabeth Schönemann، التي تنحدر من عائلة تعمل في مجال الصرافة, وقد وقع جوته في أسر تلك المرأة وأحبها حبا جارفا. ولم يكن حب جوته لإليزابت (أو ليلي Lili كما كان يسميها) حبا روحيا كما كان حبه لصديقته بالمراسلة أوجوسته فون شتولبرج Auguste von Stolberg, أو حبا متحفظا كما كان حبه للوته Lotte في فيتسلار.

ففي مذكراته التي كتبها فيما بعد نجد كلمات مثل "مغامرة مع ليلي - مقدمة - إغراء - أوفنباخ". وفي قصيدته "حديقة ليلي" Lilis Park نجد ملامح تلك العلاقة واضحة بلا غموض. وتحولت تلك العلاقة رغم معارضة الأسرة إلى ما يشبه الخطبة, إلا أنها لم تستمر إلا لستة أشهر.

ورحل جوته إلى سويسرا, هربا قبل أن يتحول الأمر إلى علاقة جدية. ففي مايو 1775 قام جوته مع بعض أصدقائه برحلة إلى سويسرا، أرض الأخلاق الفطرية والفلاحين أنقياء القلوب كما كان يقول. وقد زار مناطق عديدة كان آخرها منطقة جوتهارد باس Gotthard Pass, التي تقع على الحدود مع إيطاليا، وكانت الأراضي الإيطالية على مرمى الأفق، إلا أنه قرر العودة.

ولم ينس جوته طيلة حياته فيما بعد حبه لليلي, وخلدها في عملين من أعماله: في شخصية شتيلا Stella ودوروتيا Dorothea.

وكان جوته قد بدأ في كتابة رواية "فيلهلم مايستر" وهي رواية تعليمية في عام 1778, وكذلك مسرحية "توركواتو تاسو". وقد أخذت النشوة بالنجاح والشهرة تبهت في نفس جوته, وبدأ الاكتئاب والسأم يصيبانه في عام 1786.

وحين بدأت الإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية في التداعي تحت ضربات جيوش نابليون, بدأ جوته وشيلر مشروعهما الثقافي الإصلاحي, فكتب شيلر رسائله "عن التربية الجمالية للإنسان" في عام 1795. وأنجز بين عامي 1796 و 1805 عام رحيله...أهم أعماله الدرامية. أما جوته فقد أنهى بين عامي 1794 و 1796 روايته التعليمية "سنوات تعلم فيلهلم مايستر", التي تعتبر المثال الأعلى للرواية التعليمية. وبجوار ذلك فقد كتب العديد من الأعمال الصغيرة مثل "أحاديث مهاجرين ألمان", التي ظهرت في شكل خرافة ساخرة.

وفي عام 1796 بدأ جوته وشيلر في كتابة قصائد ساخرة قصيرة جدا أطلقها عليها Xenien أو "نفحات الحكمة". وقد هاجما فيها بشكل ساخر من بعض الأمراء والكتاب ومن التقاليد الأدبية في تلك الفترة، وقد صدمت هذه القصائد الجمهور القارئ كثيرا. أما مجلة "دي هورن" فقد أغلقت في نهاية الأمر لأسباب عدة، منها بعض المواضيع التي كانت فوق مستوى القارئ العادي الفكرية، مما أدي إلى قلة المقبلين عليها. وهي مجلة كان يشترك في الكتابة فيها قمم الكتابة الدبية والفكرية في ذلك الوقت، ومنهم هردر وفيلاند وجوته وشيلر وغيرهم.

وفي عام 1797 أصدر جوته ملحمته الشعرية "هرمان ودوروتيا" Hermann und Dorothea, فلقيت أكبر نجاح لقيه جوته منذ رواية فيرتر. ثم اشترك مع جوته في كتابة مجموعة من القصائد (Ballade وهي نوع من القصائد أو الأناشيد ) وتعد هذه القصائد من أجمل ما كتب جوته وشيلر كلاهما في الشعر.

تمثال جوته وشيلر أمام مسرح فايمار

وبتأثير وتشجيع من صديقه المقرب شيلر, استأنف جوته الكتابة في عمله الأكبر "فاوست"، فأنهى الجزء الأول منه وكذلك بضعة فصول من الجزء الثاني.

وباقتراب القرن الثامن عشر من نهايته بدأ إنتاج جوته الأدبي يقل، فقد انشغل لفترة طويلة بترجمة السيرة الذاتية ل "بنڤنوتو تشليني" Benvenuto Cellini ، وكذلك بتحويل سيرة ذاتية أخرى وهي "الابنة الطبيعية" Die natürliche Tochter إلى مسرحية لكنه لم ينجز منها إلا الجزء الأول فقط.

وفي عام 1807 نشأ في داخله حب جديد لمينا هيرتسليب Minna Herzlieb, ذات الثمانية عشر عاما وهي ربيبة تاجر الكتب فرومان Frommann. وكصدى لهذه المشاعر كتب روايته "التجاذب الاختياري", وهي مأساة يصور الحب فيها كقوة طبيعية مدمرة للحياة. وكانت هذه آخر ما كتب من الروايات، وكتبها في سنة 1809.

وقد تداخل الشعر والبحث العلمي في هذه الرواية, فقد كانت الكيميائيون في ذلك الوقت يستخدمون مصطلح التجاذب الاختياري بين العناصر. وقد طور جوته هذه الفكرة الكيميائية على طريقته وجعل منها محور القصة.


في عام 1814 قام جوته بعدة رحلات إلى المناطق المحيطة بنهري الراين والماين, وزار فرانكفورت مسقط رأسه. وهناك وفي بيت أحد المصرفيين وهو فون فيليمر von Willemer تعرف على ماريانا يونج Marianne Jung, التي تزوجت من بعد أسابيع قليلة من فون فيليمر وكان ذلك بحضور جوته وربما بنصيحة منه.

ماريانا

كان جوته في ذلك الوقت يناهز الخامسة والستين من العمر, ولم يكن يشعر بعد بأنه قد هرم بعد, فأحب ماريانا. وصارت ملهمته ومحور إنتاجه الأدبي. وفي العام التالي قام جوته بزيارة إلى فرانكفورت (وكانت آخر مرة يرى فيها مسقط رأسه), وزار أيضا فون فيليمر وماريانا. وظل جوته طيلة أربع أعوام متتالية واقعا تحت سحر هذا الحب، وظلت الكلمات المفعمة بالورد والعنادل والنبيذ والحب, تتدفقان من قلمه حتى أتم "الديوان الغربي الشرقي".


وصار جوته في ذلك الوقت أكثر زهدا في الحياة، وبدأ في كتابة "الكلمات الأولى الغامضة" Orphische Urworte, واستأنف كتابة "الرحلة الأيطالية". وفي عام 1821 أتم كتابة "سنوات تجول فيلهلم مايستر", وكتبها في شكل أقاصيص. وكانت مارينباد Marienbad هي مكانه المفضل لقضاء فترات الاستجمام, وكان يلتقي هناك بالسيدة فون ليفيتسوف von Levetzow وبناتها.

وحين أتى العام 1823 كان فكره نشطا ومفعما بالحياة إلى حد كبير. وكانت ما زالت في نفسه الرغبة في أن يحب, فرغم كبر سنه فقد كان يتودد إلى أولريكه فون ليفيتسوف ذات التسعة عشر عاما. لكنها رفضت حبه, فعاد إلى فايمار وكتب في طريق عودته قصيدة "مرثاة مارينباد" معبرا فيه عن وجدانه ومشاعره. وعادت السكينة والخفوت إلى حياته, وكان يقضي أيامه "منشغلا طيلة الوقت، أستنفذ طاقاتي... تلك التي تبقت". واستأنف العمل في الجزء الثاني من فاوست. ولم يكن يكتب بنفسه بل كان يملي في الغالب.

وفي عام 1828 مات الدوق كارل أوجوست، ثم مات في عام 1830 أحد أبنائه في روما. وفي العام نفسه أتم كتابة الجزء الثاني من فاوست.

في السنوات 1818-21 دخل جوته في غرامين مثيرين، فضلاً عن صلته ببتينا برنتانوا. ففي 23 أبريل 1807 جاءت بتينا ذات الاثنين وعشرين ربيعاً إلى الشاعر المسن بخطاب تقديم من فيلاند. وكانت حفيدة صوفي فون لاروش التي أحبت فيلاند من قبل، وابنة مكسمليانة برنتانو التي غازلت جوته في شبابها، وقد أحست أن لها دالة الحفيدة على قلب جوته. ولم تلبث بعد أن دخلت حجرته أن ألقت بنفسها بين ذراعيه. وقبلها هو على أنها طفلة، وبعدها كان يراسلها بهذا المعنى، ولكنه طوي رسائله على أحدث قصائده الغزلية، ومع أنها لم تكن موجهة إليها إلا أنها عدتها بوحاً بغرام مشبوب، وأضفت عليها ذلك اللون في كتابتها "رسائل جوته إلى طفلة" الذي نشرته في 1835.

أما ملهمة أكثر هذه القصائد فهي ڤلهلمينا هرتسليب. وكافت منا، كما دعاها جوته بعد قليل، ابنة كتبي في يينا. وقد عرفها طفلة، ولكنها في عام 1808 كانت في التاسعة عشرة، فتاة خجولاً، رقيقة، مشرقة. وكانت تتلقف كل كلمة يفوه بها، وتتحسر على أن شيخوخته ومكانته الاجتماعية تمنعانها عن عشقه وتملكه. وأدرك هو شعورها، واستجاب له ونظم لها الصونيتات، موريا على اسمها كقلب محب، ولكنه تذكر أنه لم يمض على زواجه من كرستيانه إلا زمن قصير. ويلوح أنه كان يفكر في منا وهو يصور أوتيلييه الخجول الودود، المشدودة الأعصاب، في قصته "الانجذابات العاطفة 1809". وهذه القصة الممتازة، في رأي مؤلفها، خير قصصه المنثور، فهي أفضل تنظيماً وأكثر تماسكاً في روايتها من أي من تطويفات فلهلم مايستر. وهنا نلاحظ قول جوته لأكرمان (9 فبراير 1819): "ليس في قصة "الانجذابات العاطفة) بأسر هاسطر لم أعشه أنا نفسي حقيقة وفعلاً، ووراء النص معان أكثر كثيراً مما يستطيع أي إنسان استيعابه من قراءة واحدة". والواقع أن عيب الكتاب أن فيه من جوته أكثر مما يجب، ومن التفلسف الجاري على ألسنة لا يتوقع أن يجري عليها قدر أكبر مما ينبغي.

"مثال ذلك أنه يجعل الفتاة أوتيلييه تحتفظ بيومية يودع فيها بعضاً من أنضج التأملات كقوله "لا سبيل إلى الدفاع عن أنفسنا أمام التفوق العظيم في إنسان غيرنا سوى سبيل الحب. ولكن احتواء هذا الكتاب على هذا القدر الكثير من جوته هو الذي يجعله دافئاً بالحياة غنياً بالفكر: لأن شارلوته القصة هي أيضاً شارلوته فون شتين. تغري ولكنها تأبى أن تخون زوجها، ولأن الكبتن هو جوته العاشق لزوجة صديقه، ولأن إدورد، الزوج ذا الخمسين المقيم بأوتيلييه هو جوته المفتتن بمنا هرتسليب، ولأن القصة هي محاولة جوته تحليل حساسيته الشبقة.

وقد قصد هنا أن يفكر في الجاذبية الجنسية بلغة كيميائية. ورما اتخذ عنوان كتابه من "الانجذابات العاطفية" الذي نشره الكيميائي السويدي العظيم توربرن أولوف برجمان في 1775. والكبتن يصف لإدورد وشارلوته انجذابات جزئيات المادة وتنافراتها وتجمعاتها فيقول: "ينبغي أن تريا بنفسيكما هذه الجواهر-التي تبدو ميتة جداً وهي مع ذلك زاخرة باللشاط والقوة-تعمل أمام عيونكما، يبحث بعضها عن بعض... ويمسك ويسحق ويلتهم ويدمر بعضها بعضاً. ثم يعود إلى الظهور فجأة... في صور نضرة، مجددة، غير متوقعة." فحين يدعو إدورد صديقه الكبتن، وتدعو شارلوته ابنة أخيها أوتيلييه، للإقامة معهما في زيارات طويلة، يهم الكبتن بشارلوته، وإدورد بأوتيلييه.وحين يتصل إدورد بزوجته جنسياً يفكرفي أوتيلييه، وتفكر شارلوته في الكبتن، في ضرب من الزنا السيكولوجي. ويبدو الوليد عجيب الشبه بأوتيلييه، وتحنو أوتيلييه على الطفل كأنها طفلها. ثم تتركه ليغرق كأنما جاء ذلك مصادفة، ويحملها تأنيب الضمير على أن تضرب عن الطعام حتى الموت. ويموت إدورد حسرة، ويحتفي الكبتن، وتبقى شارلوته على قيد الحياة، ولكنها ميتة روحياً.

ويخلص فيلسوف في المدينة إلى أن "الزواج هو البداية والنهاية لكل ألوان الحضارة. أنه يروض المتوحشين، ويمنح أكثر الناس ثقافة، خير فرصة للرقة ودماثة الخلق. وينبغي أن يكون غير قابل للفسخ لأنه يجلب من السعادة الكثير، ما يجعل متاعبه العارضة لا وزن لها". على أن أحد شخوص القصة يقترح بعد أربع صفحات من هذا القول زواج التجربة الذي لا يتجاوز العقد فيه المرة خمس سنوات.

"وهل وصلت بتينا وتلك السيدة فون أيبنبرج إلى كارلسباد؟ يقولون هنا أنه من المتفق عليه أن تكون زلفي وآل جوترز هناك أيضاً. فماذا أنت صانع وسط كل معابثاتك؟ ما أكثرها! ولكنك لن تنسى أقدمها عهداً، أليس كذلك؟ فكر فيَّ قليلاً أيضاً، بين الحين والحين. إني أريد الوثوق بك ثقة تامة، مهما قال الناس. لأنك كما تعلم الوحيد الذي يفكر فيَّ إطلاقاً". ويبعث إليها هدايا صغيرة.

وقد وجد وقتاً كل يوم تقريباً لكتابة شيء من الشعر أو النثر. وحوالي عام 1809 بدأ يكتب سيرته الذاتية، وقد سماها "الخيال والحقيقة من حياتي" واعترف العنوان اعترافاً جميلاً بأنه بين الحين والحين، من عمد أو غير عمد، ربما مزج الخيال بالواقع. أما غرامه بشارلوته بوف فقد مسه مساً خفيفاً رقيقاً، ولكنه كان أكثر إفاضة في قص غرامه بفردريكه بريون، وكانت المرأتان لا تزالان على قيد الحياة. ثم حلل في براعة وأريحية الكثير من أصدقاء شبابه-لنتس، وبازدوف، ومرك، وهردر، وياكوبي، ولافاتر. أما عن نفسه فقد تكلم في تواضع، وقد شكا في ملاحظاته الخاصة من أن كاتب السيرة الذاتية يتوقع منه الناس أن يعترف بنقائصه ولا يعلن عن فضائله. والكتاب تاريخ فكر أكثر منه تاريخ حياة، والأحداث فيه قليلة والتأملات وفيرة. إنه أعظم كتبه النثرية".

وفي 1811 تلقى من بيتهوفن خطاب إعجاب مع "مقدمو موسيقية لأجمونت". والتقى الشاعر والمؤلف الموسيقي في تبلتز في يوليو 1812، وعزف بيتهوفن لجوته وكان يتمشى معه. وإذا صدقنا الروائي أوجست فرانكل، "كان الناس في المتنزه-أينما ذهبا-يفسحون لهما الطريق باحترام ويحيونهما. وقال جوته وقد غاظته هذه المقاطعات المستمرة: "يا لها من مضايقة! لا أستطيع أبداً تجنب هذا الأمر. "وأجاب بيتهوفن بابتسامة "لا يضايقك هذا يا صاحب السعادة، فلعلي أنا المقصود بالاحترام." وكتب جوته إلى تسلتر (2 سبتمبر 1812): "لقد أذهلتني موهبة بيتهوفن، ولكن شخصيته للأسف لا يمكن السيطرة عليها إطلاقاً. إنه ليس مخطئاً... في اعتباره العالم بغيضاً، ولكن هذا الموقف لا يجعل هذا العالم أكثر إمتاعاً لا له ولا لغيره. وكثير من هذا الموقف يلتمس له العذر فيه بسبب مؤسف هو أنه يفقد قدرته على السمع." أما تعليق بيتهوفن على جوته فكان "ما أشد صبر الرجل العظيم على! وما أعظم الخير الذي أسداه إلى! ولكن "جو البلاط يلائمه أكثر مما ينبغي.".


لقد كانت مظاهر البلاط وسلوكه جزءاً من حياة جوته الرسمية، لأنه كان لا يزال يمارس نشاطه في الإدارة. أما حياته البيتية فقد فقدت سحرها. فأوجست ابنه، الذي بلغ الثانية والعشرين في 1812، كان ضعيف المواهب لا أمل في إنقاذه، وكرستيانة باتت بدينة مدمنة للشراب، وكان لها بعض العذر، لأن مغازلته للنساء لم تتوقف. فخلال زياراته لفرانكفورت، كثيرا ما كان يقيم في فيلا يوهان فون فلليمير الواقعة في إحدى الضواحي، وكان يعجب بماريانة زوجة فلليمير. وفي صيف 1812 أنفق أربعة أسابيع تقريباً معهما. وكانت مريانة في الحادية والثلاثين، ولكنها كانت في ريعان جمالها الأنثوي. وكانت تغني أشعار جوته العاطفية وألحان موتسارت غناءً ساحراً، وتنظم الشعر الرفيع، وتتبادل مع جوته سلسلة من القصائد محاكاة لحافظ والفردوسي وغيرهام من شعراء الفرس (وكان حافظ قد ترجم إلى الألمانية في 1812). وفي بعض القصائد شهوانية سافرة وحديث عن الفرح المتبادل في العناق الجسدي، ولكن هذا الترخص قد يكون مجرد انحراف شعري. والتقى ثلاثة مرة أخرى في سبتمبر بهيدلبرج، وكان الشاعر يخرجان معاً في مسيرات طويلة، وكتب جوته اسم مريانة بحروث عربية في التراب حول نافورة القلعة. ولم يلتقيا قط بعد ذلك اليوم، ولكنهما ظلا يتراسلان طوال السبعة عشر عاماً الباقية من حياته. ويبدو أن فلليمير زاد اعتزازاً بزوجته لأنها فتنت رجلاً بهذه الشهرة، ولأنها عارضت شعر جوته بقصائد لا تقل روعة عن قصائده. وضمن جوته أشعارها وأشعاره في "الديوان الشرقي الغربي" الذي نشره في 1819.

وبينما هو ماض في مراسلاته نثراً وشعراً ماتت كرستيانة (6 يونيو 1816). وسجل جوته في يوميته: "كان صراعها مع الموت رهيباً... خواء وصمت قاتل في باطني ومن حولي." وران على هذه السنوات اكتئاب عميق. وحين زارته شارلوته كستنر، حبيبة صباه التي فقدها، والتي كانت الآن زوجة في الرابعة والستين لعضو المجلس الناجح كستنر الهانوفري، في صحبة ابنتها (25 سبتمبر 1816) لم يستشعر أي عاطفة تحتلج بين جوانحه، وكان حديثه كله حديثاً تافهاً مجاملاً. ولكن في 1817، تزوج ابنه أوجست من أوتيلييه فون بوجفيش، بعد أن قطع حياة كلها خلاعة وفسق، ودعاه جوتن ليسكن معه، وأتت أوتيلييه بمرح الشباب إلى البيت، وما لبثت أن أعطت الشاعر المسن أحفاداً أنبضوا قلبه بالحياة من جديد.

وأعانته على ذلك أورليكه فون لفتزوف، وكانت إحدى بنات ثلاث لأماليا فون لفتزوف التي عرفها جوته في كارلسباد. والتقى في أغسطس 1821 بأولريكه في مارينباد، وقد قالت فيما بعد مسترجعة ذكرى هذا اللقاء: "لما كنت قد أقمت سنوات في مدرسة داخلية فرنسية بستراسبورج، وكانت لا أتجاوز السابعة عشرة، فإنني لم أسمع قط بجوته، ولا خطر لي أنه رجل مشهور وشاعر فحل. وعلى ذلك لم أشعر قط بالخجل من السيد العجوز الودود... وفي غد ذلك اليوم ذاته طلب إليَّ أن أتمشى معه... وكان يصحبني معه في نزهته كل صباح تقريباً." وعاد إلى مارينباد في 1822، و "طوال ذلك الصيف أبدى لي جوته غاية الود". وبعد عام التقيا في كارلسباد، وسرعان ما أثار القيل والقال في منتجع المياه المعدنية. وكان الشاعر الآن قد قرر أن حبه أكثر من الحب الأبوي. وألح الدوق كارل أوجست على أولريكة في أن تتزوج جوته، ووعدها إن فعلت بأن يمنع أسرتها في فايمار بيتاً جميلاً، وأن تحصل بعد موت الشاعر على معاش قدره عشرة آلاف طالر في العام. وفضت الأم وابنتها. وقفل جوته محزوناً إلى فايمار، وأغرق خيبة أمله في المداد. وعمرت أولريكه حتى أوفت على الخامسة والتسعين.

في ذلك العام، عام 1821 الذي قاد جوته لأولريكه، جاءه في فايمار كارل تسلتر-مدير الموسيقى في يينا-بتلميذ في الثانية عشرة يدعى فيلكس مندلسون. وكان تسلتر قد فتح روح جوته على عالم الموسيقى، بل أنه علمه التأليف الموسيقي. وأذهلت براعة عازف البيان الصغير الشاعر العجوز وأبهجته، فأصر أن يمكث معه أياماً. وقد كتب فيلكس في 6 نوفمبر يقول: في كل صباح يقبلني مؤلف "فاوست" و"فرتر". وفي العصر أعزف له قرابة ساعتين، وبعض العزف فوجات من باخ، وبعضه من ارتجالي. وفي 8 نوفمبر أقام جوته حفل استقبال ليقدم فيلكس إلى مجتمع فايمار الراقي. وفي 10 نوفمبر كتب فيلكس: "في كل عصر يفتح البيان ويقول: لم أسمعك قط اليوم. تعال واسمعني شيئاً من الضوضاء. ثم يجلس إلى جواري ويصغي. لا تتصور كم هو عطوف ودود. "فلما أراد تسلرت أن يرجع فيلكس إلى ينا، أقنعه جوته بأن يترك تلميذه أياماً أخرى. وكتب الصبي السعيد "وعلت الآن أصوات الشكر لجوته من كل ناحية، ولثمت أنا والبنات شفتيه ويديه. وطوقت أوتيلييه دون بوجفيش عنقه بذراعيها، ولما كانت جميلة جداً، وهو يغازلها طوال الوقت، فقد كان الأثر رائعاً". إن في التاريخ لحظات سعيدة تتوارى خلف درامة المأساة. وتحت ملاحظة المؤرخين.

العمل العلمي

Light spectrum, from Theory of Colours. Goethe observed that with a prism, colour arises at light-dark edges, and the spectrum occurs where these coloured edges overlap.
أقطاب الكلاسيكية الفايمارية...جوته وشيلر وفيلاند وهردر

بدأ جوته يهتم بدراسة البيولوجيا وخاصة علم التشريح, وقد أمده البروفيسور يوستوس كريستيان لودر Justus Christian Loder بالكتب الوافية وكذلك بالمعلومات النظرية والتطبيقية. وقد اكتشف جوته ولودر في أبحاث مشتركة بينهما, في 27 مارس 1784 في معهد التشريح في يينا, اكتشفا "عظمة الفك الوسطى في الجمجمة البشرية". وقد كان شائعا قبل ذلك أن هذه العظمة لا توجد إلا في جماجم الحيوانات فقط, وأنها ليست موجودة في جماجم البشر. وبذلك اكتسب الاكتشاف الجديد أهمية لدى الأوساط العلمية.

أعجب جوته بنظرية المعرفة لكانت Kant. فنظرية المعرفة تقول أننا لا نرى الأشياء لا تكتسب حقيقتها ووجودها إلا من خلال تفكيرنا نحن, وكانت هذه الفكرة معارضة لفكرة جوته عن العالم Weltanschauung، وقال جوته "لأول مرة تستطيع نظرية أن تدفعني إلى الابتسام".

وبجانب الفلسفة كان اهتمام جوته بالفيزياء، فقد أجرى الكثير من التجارب الفيزيائية, والتي قام بها بنفسه, حول ظاهرة ألوان الضوء أو ما يسمى بألوان الطيف.

ولم يكن "علم الألوان" من وجهة نظر نظرية المعرفة الكانتية عملا فيزيائيا, وإنما كان ضمن نطاق علم الإدراك, ولم يكن جوته ينظر إليه باعتباره وصفا شعريا أو تفسير مصطلح أو علما فيزيائيا - وإنما كان علم الألوان بالنسبة إليه ضمن نطاق الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة). وهكذا فقد افترقت رؤية جوته عن رؤية كانت. وكان يحاول في عمله هذا أن يحرر الضوء من تجارب العلماء التقليدية حوله.

وقد بدأ جوته ينشغل بهذا العلم "علم الألوان" ابتداءا من عام 1808 حتى نهاية حياته.

ولنعد الآن إلى سنوات صباه، حيث بدأ بحثه الذي امتد طوال حياته في العلم، باهتمام يقظ ولذة تلتهم كل شيء. وقليل منا من يعرفون أن جوته كرس للبحث والمؤلفات العلمية وقتاً أكثر مما كرس لكل شعره ونثره مجتمعين. وكان قد درس الطب والفيزياء في ليبزج، والكيمياء في ستراسبورج: ثم بدأ دراسة التشريح في 1781، وظل سنوات يضرب في ؟أرجاء ثورنجيا جامعاً للعينات المعدنية والنباتية ويرقب التكوينات الجيولوجية. وكان في أسفاره لا يلحظ الرجال والنساء والفن فحسب، بل الحيوان والنبات والظواهر البصرية والميتورولوجية أيضاً. وقد قام بدور رائد في إنشاء المختبرات في يينا. وكان يشتد فرحه بانتصاراته في العلم أو حزنه بهزائمه فيه، اشتداده بنجاحه أو إخفاقه في الأدب.

وقد استحدث شيئاً من دراسة الطقس. ذلك أنه نظم محطات للرصد الجوي في دوقية ساكسي-فايمار، وأعان على إنشاء محطات أخرى في طول ألمانيا وعرضها، وأعد التعليمات اللازمة لها. وكتب المقالات في "نظرية الطقس" و "أسباب تذبذبات البارومتر" وأقنع الدوق كارل أوجست بأن يشرع في اقتناء المجموعات التي كانت النواة لمتحف علم المعادن في ييتا، وبعد أن درس الطبقات الجيولوجية في إلمينا وذهب إلى أنها تؤيد نظرية أبراهام فرنر التي زعمت أن جميع التكوينات الصخرية على القشرة الأرضية نتيجة لفعل المياه البطيء. (ويجب أن تقرن هذه النظرية "النبتونية" بالنظرية "البركانية" التي تقول بالتغير نتيجة للحركات العنيفة). وكان من أوائل من ألمعوا إلى أن عمر الطبقات قد يقرر من المتحفرات المطمورة فيها، ومن دافعوا عن الرأي القائل بأن الجلاميد الهائلة الموزعة الآن توزيعاً شاذاً في المرتفعات قد قذفتها هناك موجات من الجليد هابطة من المنطقة القطبية الشمالية.

وفي 1791-92 نشر جوته في مجلدين "مقالات في البصريات"، وكتب يقول "كان هدفي تجميع كل ما هو معروف في هذا الميدان، والقيام بكل التجارب بنفسي، منوعاً فيها قدر الاستطاعة، ميسراً متابعتها، مراعياً أن تكون في متناول الشخص العادي. وقد أجرى خلال السنوات من 1790 إلى 1810 ما لا يحصى من التجارب لتفسير اللون، وما زال متحف جوته بفايمار يحتفظ بالأدوات التي استعملها، وظهرت الحصيلة في 1800 في مجلدين كبيرين يحتويان النصوص، ومجلد للوحات، تحت هذا العنوان "في نظرية اللون". وكان هذا أكبر آثاره عالماً.

وقد درس الألوان باعتبارها ناشئة لا عن التركيب الكيميائي للأشياء فحسب، بل عن تكوين العين وعملها، وحلل تكيف الشبكية للظلام والنور، وفسيولوجية العمى اللوني، وظواهر أطياف اللون والصور التلوية، وآثار تناقضات الألوان وتجمعاتها في الإحساس وفي التصوير. وحسب اللون الأخضر-خطأ-مزيجاً من الأصفر والأزرق. (وهما يمتزجان هكذا حقاً على لوحة ألوان الرسام، ولكن حين يتحد الأزرق والأصفر في الطيف ينتج عنهما الرمادي والأبيض). وقد أعاد إجراء الكثير من التجارب التي ورد وصفها في "بصريات" نيوتن (1704)، فوجد في عدة حالات نتائج تختلف عما ذكر في ذلك الكتاب، وخلص إلى اتهام نيوتن بعدم الكفاية وبالغش أحياناً. وقد عارض رأي نيوتن في أن اللون الأبيض تأليف من عدة ألوان، وذهب إلى أن اتحاد الألوان ينتج عنه بانتظام اللون الرمادي لا الأبيض. ولكن نتائجه لم يقبلها لا معاصروه ولا من أتوا بعده في ميدان البصريات. فقد أثنوا على تجاربه ورفضوا الكثير من نظرياته. وفي 1815 أرسل إليه آرثر شوبنهاور مقالاً دافع فيه كفاية عن فكرة نيوتن في أن الأبيض تأليف من عدة ألوان-وكان شوبنهاور يعجب بجوته شاعرا وفيلسوفاً؛ ولم يغتفر له الشيخ فعلته قط. وزاد الرفض العام لنظريته في الألوان سنيه الأخيرة قتاماً.

وكان طبيعياً لرجل كجوته، حساس إلى هذا الحد أن يستهويه عالم النبات. فحين زاروا بادوا في أبهجته الحدائق النباتية، ففيها وجد مجموعة أغني وأكثر تنوعاً من كل ما رأي في حياته. وشاهد مدى اختلاف نباتات الجنوب عن نباتات الشمال، فصمم على دراسة تأثير البيئة على شكل النبات ونموه. كذلك لم يشعر قط بمثل هذا الشعور العميق بقدرة الطبيعة الملغزة العارمة على تطوير كل نوع-بما تفرد به من حيث التركيب والنسيج واللون والخط-من بزور تبدو بسيطة متشابهة. فيا لها من خصوبة، ويا لها من قدرة على الابتكار! ولكن أهناك بعض عناصر مشتركة في كل تنوع الأفراد، وفي كل تطور الأعضاء والأجزاء؟ وخطر له أن هذه الأجناس والأنواع والأشكال هي تحورات من نموذج أصل أساسي، وأن هذه النباتات كلها، مثلاً، شكلت على غرار نموذج أساسي أصيل-حتى وإن كان متخيلاً-أو نبات أول، هو أم النبات جميعاً. وكتب إلى هردر يقول "إن هذا القانون ذاته يمكن تطبيقه على كل حي" أي على الحيوانات كما يطبق على النباتات، فالحيوانات هي أيضاً تحورات من أصل بنائي واحد. وكما أن الكائن الحي الفرد، بكل تفرده، هو محاكاة لنمط أول، كذلك قد تكون أجراء الكائن تحورات لشكل أساسي واحد. ولاحظ جوته في بادوا تخيله (بلميطة) كانت أوراقها في مراحل مختلفة من التطور؛ فدرس مراحل الانتقال المرئية من أبسط ورقة إلى مروحة السعف الكاملة الرائعة؛ وتصور فكرة مؤداها أن جميع تركيبات النبات-باستثناء المحور أو الساق-هي تحورات ومراحل للورقة .

وبعد عردة جوته إلى فايمار نشر نظريته في كتيب من ست وثمانين صفحة عنوانه "محاولة قام بها س. ف. جوته عضو المجلس الخاص لدوقية ساكسي-فايمار، لتفسير تطور النباتات" (1790).

وضحك علماء النبات من الكتيب وقالوا إنه أحلام شاعر، ونصحوا الشاعر بأن يلزم حرفته.(39) فلم يكذبهم، وصاغ آراءه من جديد، في قصيدة سماها "تحور النباتات" وتجمعت الأدلة والمؤيدون للنظرية شيئاً فشيئاً.

وفي 1830 قدم إتيان جوفروا سانتللير مقال جوته لأكاديمية العلوم الفرنسية، وأشاد به أثراً من آثار البحث الدقيق والخيال الخلاق يؤيده تقدم على النبات.

وألمع جوته (1790) في محالوة لتطبيق نظريته على التشريح إلى أن الجمجمة ليست تحور وتتمة للفقرات، تحتوي المخ كما يحتوي العمود الفقري على الحبل الشوكي، وليس هناك اليوم اتفاق على هذه الفكرة. ولكن إنجازاً ذكياً أكيداً يرجع الفضل فيه إلى جوته في التشريح-وهو إئباته وجود العظمة البينفكية في الإنسان (وهي العظمة التي تتوسط عظمتي الفك العلوي والتي تحمل القواطع العلوية). وكان علماء التشريح قد تبينوا وجود هذه العظمة في الحيوان، ولكنهم ارتابوا في وجودها في الإنسان، وكان لاكتشاف جوته الفضل في تضييق الخلاف البنياني بين الإنسان والقرد.

استمع إلى الشاعر يعلن نجاحه في خطاب من ييتا إلى شارلوته فون شتين مؤرخ 27 مارس 1784-العاشق والعالم ممتزجين معاً: "سطور إلى حبيبتي لوته، أقرئها تحية الصباح... لقد منحت شعوراً بالرضى يبهجني. ذلك أنني اهتديت إلى كشف تشريحي جميل وهام في وقت معاً. وسيكون لك نصيبك فيه، ولكن لا تبسني بكلمة عنه". وأذاع كشفه في مقال خطي أرسله إلى مختلف العلماء في 1784 بعنوان "محاولة قائمة على علم العظام المقارن، لإثبات أن العظمة البينفكية في الفك الأعلى يشترك فيها الإنسان والحيوانات العليا" وكانت هذه "أول رسالة كتبت من قبل يمكن أن توصف بحق أنها تدخل في باب التشريح المقارن، وهي إذن معلم في تاريخ هذا العلم" (وقد نشر المسرح الفرنسي فيلكس فيك دازير هذا الكشف ذاته في السنة نفسها 1784).

كتب جوته في رسالته: "إن الإنسان شديد الشبه بالحيوان الأعجم... فكل مخلوق إنما هو نغمة أو تحوير في تآلف ألحان عظيم" وقد ذهب كثيرون من العلماء والفلاسفة الذين سبقوه إلى أن الإنسان جزء من مملكة الحيوان ونظم قصيدة سماها "تطور الحيوانات" ولكنه لم يكن من دعاة التطور بالمعنى الدارويني. فقد افترض ثبات الأنواع إتباعا لمذهب نينايوس، وهكذا لم يكن "النبات الأول" الذي قال بعه نباتاً بدائياً فعلياً تطورت منه جميع النباتات، إنما كان مجرد نمط عام كانت كل النباتات تحويرات له. ولم يكن رأيه كرأي معاصريه لا مارك وإرازمس دارون في أن الأنواع متطورة من أنواع أخرى بالانتخاب البيئي لأشكال واحدة. فهل كان جوته عالماً حقيقياً. ليس بالمعنى الاحترافي. لقد كان هاوياً غيوراً مستنيراً، وعالماً بين القصائد والروايات والغراميات والتجارب الفنية والواجبات الإدارية.

وقد استخدم أجهزة كثيرة وجمع مكتبة علمية كبيرة، ولاحظ ملاحظات مفيدة وتجارب دقيقة وشهد هلمهولتز بالدقة الواقعية للعمليات والتجارب الموضوعية التي وصفا جوته. وقد نجب التفسيرات الغائية. ولكن العلماء المحترفين لم يقبلوه عالماً، لأنهم نظروا إليه هارياً يعتمد على الحدس والفرص بثقة مفرطة. وكان ينتقل بسرعة أكثر مما ينبغي من موضوع أو تحقيق آخر لامسا كلاً منهما نقطة خاصة، دون أن يبلغ في أي منها مسحاً للميدان في إلا في البصريات ونظرية اللون. ولكن كان هناك شيء مثالي وبطولي في إصراره المتشعب المتعدد الأشكال. وقال إكرمان في 1825: "سيبلغ جوته عامه الثمانين بعد بضع سنوات، ولكنه لم يكل الأبحاث والتجارب، فهو لا يفتأ جاداً في أثر تأليف كبير. وربما كان الشاعر محقاً في رأيه أن الهدف الأكبر للعالم ينبغي ألا يكون إمداد الرغبات القديمة بأدوات جديدة، بل توسيع الحكمة بالمعرفة في سبيل إثارة الرغبة.

كان في الفلسفة، كما كان في العلم، عاشقاً لا أستاذاً محترفاً-مع أنه صاحب الفضل في تعيين فشته وشيلنج وهيجل في كراسي الفلسفة بيينا. وكان قليل الاهتمام جداً بجدليات المذاهب الفلسفية، ولكنه كان معنياً أشد العناية بتفسير الطبيعة ومعنى الحياة. وكلم تقدم به العمر بات بفضل العلم والشعر حكيماً، وقد وجد الإنارة عن "الكل" من كل شيء، وكل لحظة، وكل جزء: "كل عابر ليس إلا رمزاً" و "الأقوال المأثورة العارضة" التي خلفها عند موته دون أن تطبع، تنضج بالحكمة في كل صفحة.

ولم يقدم أي نسق منطقي، ولكنه ألمع، براجماتباً إلى "أنه لا حقيقي إلا ما هو مثمر" وإلى أنه "في البدء كان الفعل (لا الكلمة)"فنحن نجد الحقيقة في الفعل أكثر مما نجدها في الفكر، وينبغي أن يكون الفكر أداة للعمل، لا بديلاً عنه. ولم يولع بكانط كما أولع به شيلر، فقد اعترف بأن الطبيعة النهائية للحقيقة تتجاوز علمنا، ولم يكن يشعر أن هذا يلزمه بسنيه العقيدة، بل على العكس أوصي بتجاهل ما لا يمكن معرفته، "إن ما لا سبيل إلى سير أغواره ليست له قيمة عملية"، والعالم المحسوس كاف لحياتنا ولم تساوره أي ريب أو مخاوف معرفية حول الاعتراف بوجود عالم خارجي. كتب لشيلر بعد أن قرأ كانط وشيلنج يقول "إني أسلم مختاراً بأن ما ندركه حسياً ليس الطبيعة (في ذاتها)، بل إن الطبيعة تفهم طبقاً لصور وملكات معينة لفكرنا.... ولكن توافق طبائعنا العضوية مع العالم الخارجي... (يدل على) تصميم من الخارج، وعلاقة نحو الأشياء"(50) "وكثيرون يقاومون الاعتراف بالحقيقة، لا شيء إلا أنهم لو قبلوه لانهاروا".

ولكن جوته رفض المادية رفضه للمثالية الذاتية. وقال أن "مذهب الطبيعة" الذي قال به دولباخ "بدا لنا [ نحن الطلاب في ستراسبورج ] شديد القتام... رهيباً كالموت، حتى لقد وجدنا في إطاقة وجود عناء ونكداً، وكنا نرتعد فرقاً منه كأنه عفريت". كان هذا في شبابه، ولكنه أحس به أيضاً في شيخوخته وهو يكتب إلى كنيبل في 8 أبريل 1812:

"إن الرجل الذي لا يدرك هذه الحقيقة. ولا يسمو إلى هذه الرؤية، وهي أن الروح والمادة، للنفس والجسد، الفكر والامتداد،... إنما هما مقوما الكون التوأمان الضروريان، وسيظلان كذلك أبد الدهر، وإن لهذين الاثنين حقوقاً متساوية، ومن ثم يمكن اعتبارهما في وجودهما معاً ممثلين لله؛ أقول أن رجلاً لا يدرك هذا خير له أن ينفق عمره في ثرثرة أهل الدنيا ولغوهم الفارغ. وهذا بالطبعة هو سبينوزا، وجوته يتبع سبينوزا إلى الحتمية-"نحن ننتمي إلى قوانين الطبيعة، حتى أن تمردنا عليها، ولكنه أحياناً يميل إلى الاتفاق مع كانط على أن "حياتنا، مثلها مثل الكون الذي ننتمي إليه، تتألف على نحو ملغر من الحرية والضرورة." وكان يشعر بقوة قضاء وقدر تعمل فيه-صفات تفرض نمره وتقرره، ولكنه يتعاون معها، كما يتعاون عامل حر يخدم قضية تحركه وتحتويه.

أما دينه فتجميد للطبيعة، ورغبة في التعاون مع قواها الخلاقة-قدرتها الإنتاجية المتعددة الأشكال ومثابرتها العنيدة؛ على أنه استغرق زمناً طويلاً ليكتسب صبرها. وقد شخص "الطبيعة" على نحو مبهم، فرأى فيها فكراً وإرادة، ولكنه فكر يختلف تماماً عن فكرنا، وإرادة محايدة في غير اكتراث كأنها تحايد بين ناس وبراغيث. فليس للطبيعة مشاعر أخلاقية بالمعنى الذي نقصده من التزام الجزء بالتعاون مع الكل، لأنها "هي" الكل. وفي قصيدته "الإلهي" (1782) وصف جوته الطبيعة بأنها بغير شعور ولا رحمة. فهي تدمر كما تعمر بإسراف. "كل مثلكم العليا لن تمنعني (جوته) من أن أكون أصيلاً، صالحاً وطالحاً، كالطبيعة"، ومبدؤها الأخلاقي الوحيد هو: عش واجعل غيرك يعيش. وقد سلم جوته بحاجة كثير من النفوس إلى سند فوق طبيعي، ولكنه لم يشعر بمثل هذه الحاجة إلا في أخريات عمره. ""من عنده الفن أو العلم فهو يملك (ما يكفي من) الدين؛ أما من ليس عنده فن أو علم فهو في حاجة إلى الدين". إنني بصفتي شاعراً وفناناً أشعر بتعدد الآلهة (فأشخص قوى الطبيعة المنفصلة)، أما في دوري عالماً فأنا أميل إلى الحلولية (أي أرى إلهاً واحداً في كل شيء).

وإذا كان "وثنياً ثابتاً عامداً" في الدين والأخلاق، فقد خلا من الإحساس بالخطيئة، ولم يشعر بحاجة إلى أنه يموت كفارة عنه، وأنكر كل حديثعن الصليب. وقد كتب إلى لافاتر في 9 أغسطس 1782 يقول "يقول لست عدواً للمسيحية، ولا مضاداً لروح المسيحية، ولكني قطعاً لا-مسيحي... أنك تقبل الإنجيل، كما هو، على أنه حقيقة إلهية. حسناً، ما من صوت مسموع من السماء يمكن أن يقنعني بأن امرأة يمكن أن تحبل بطفل دون رجل، وأن رجلاً ميتاً يقوم من قبره. وأنا أعد هذه كلها تجديفات على الله وعلى إعلانه ذاته في الطبيعة". وضيق عليه لافاتر الخناق (كما يروي لنا جوته) و "أخيراً سألني السؤال العسير" إنا مسيحي وأما ملحداً "فصارحته بأنه إن لم يترك لي مسيحيتي كما اعتززت بها إلى ذلك الحين، ففي استطاعتي أن أنحاز دون تردد إلى صف الإلحاد، خصوصاً وأنني أرى أنه ما من إنسان يعرف على التحديد المعنى المقصود من كل من هذين اللفظين". وقد ذهب جوته إلى أن "الدين المسيحي ثورة سياسية جهيضة انقلبت أخلاقية" وفي الأدب "مئات الصفحات التي فيها من الجمال والفائدة، مثل ما في الأناجيل، ومع ذلك أعد الأناجيل الأربعة كلها حقيقية لا غبار على صحتها، ففيها يتجلى البهاء المنعكس للقوة السامية التي انبثقت من شخص المسيح وطبيعته، الذي كان إلهياً ما ظهرت الألوهية في الأرض... وأنا أنحني أمامه بوصفه المظهر الإلهي لأسمى مبدأ للفضيلة". ولكنه اعتزم أن يعبد الشمس كما يعبد المسيح، باعتبارها مظهراً عادلاً من مظاهر القوة الإلهية. وقد أعجب بلوثر، وامتدح حركة الإصلاح البروتستنتي لتخطيها أغلال التقاليد، ولكنه أسف على انتكاسها إلى العقائدية المتزمتة. وخامره شعوره بأن البروتستنتية ستعاني من افتقارها إلى المراسم الملهمة المكونة للعادات، ورأى أن الكاثوليكية حكيمة سمحة في رمزها للعلاقات والتطورات الروحية بالأسرار المقدسة البالغة الوقع في النفوس.

أما آراء جوته في الخلود فقد تغيرت مع السنين. ففي 2 فبراير 1789 كتب إلى فريدريش تسو شتولبرج يقول. "أما أنا فأتمسك بوجه عام بتعاليم لوكريتيوس، وأقصر نفسي وكل آمالي على هذه الحياة". ولكنه في 25 فبراير 1824 قال لأكرمان "لا أريد إطلاقاً أن أستغني عن سعادة الإيمان بحياة مستقبلة؛ والحق أني أقول مع لورنتسو دي مديتشي أن الذين لا رجاء لهم في حياة أخرى هم موتى حتى في هذه الحياة"؛ وفي 4 فبراير 1825، "إني راسخ الاقتناع بأن روحنا شيء لا يقبل الفناء إطلاقاً". وقرأ زفيد نبورج، وقبل فكرة عالم الروح، وداعب آمال تقميص الأرواح. ودرس القبلانية وبيكوديللا ميراندولا، بل رسم البروج أحياناً لكشف الطالع. وكلما تقدم به العمر ازداد تسليمه بما للإيمان من حقوق.

"إذا توخيت الدقة في التعبير، قلت إنه لا يمكنني أن أصل إلى معرفة لله إلا المعرفة التي أستقيها من الرؤية المحددة المتاحة لمدركاتي الحسية على هذا الكوكب المفرد. ومعرفة كهذه إنما شظية من شظية. ولست أسلم أن هذه المحدودية، التي تصدق على ملاحظتنا للطبيعة، يجب أن تصدق في ممارسة الإيمان. فالعكس هو الصحيح. ولعل معرفتنا، وهي ناقصة بالضرورة، تتطلب الإضافة والاستكمال بفعل من أفعال الإيمان".

وفي 1820 أسف على تأليفه "برومثيوس" المتمرد أيام شبابه، لأن شباب المتطرفين يومئذ كانوا يستشهدون به ضده(71). وقد انصرف عن فشته حين اتهم فشته بالإلحاد. وكان رأيه الآن "أنه من واجبنا ألا نخبر غيرنا بأكثر مما في قدرتهم تلقيه. فالإنسان لا يفهم إلا ما يناسبه".

وكما تغيرت آراؤه في الدين، كذلك تغير مفهومه للأخلاق مع تقدم عمره. فحين كان يظفر بنشاط الشباب وكبريائه فسر الحياة بأنها ليست سوى مسرح لتنمية الذات والظهور. "إن هذه الرغبة الملحة في أن أرفع ما استطعت هرم حياتي الذي أعطيته وأرسيت قاعدته لي، ترجح كل ما عداها، ولا تكاد تسمح بلحظة انتكاس". وقد رأيناه يجرح نفوساً رقيقة في هذه العملية. ولكنه حين نضج بفضل المنصب السياسي أدرك أن الحياة البشرية عملية تعاونية؛ وأن الفرد إنما يحيا بالمساعدة المتبادلة؛ وأن الأفعال الأنانية-وأن ظلت القوة الأساسية-إلا أنه لا بد من أن تحد بحاجات الجماعة. ففاوست في قسمها الأول هي النزعة الفردية متجسدة؛ وفي قسمها الثاني يجد "الخلاص" وسلامة الروح، بالعمل للصالح العام. وفلهلم مايستر في "تلمذته" يحاول تعليم ذاته وإنماءها وإن كان بحكم طبيعته وتدريه كثيراً ما يعين إخوانه؛ وفي "تطويفاته" يحاول تحقيق المزيد من سعادة المجتمع. وقد غض جوته من الوصية بمحبة الأعداء، ولكن عرف النبل بنبل في قصيدة من أروع قصائده:

"ليكن الإنسان نبيلاً

معيناً وطيباً

فذلك وحده

هو الذي يميزه

عن سائر الكائنات

التي نعرفها...

إن الطبيعة

مجردة من العواطف

تشرق شمسها

على الأشرار والأبرار،

ويضيء القمر والنجوم

على الصالحين والصالحين.

والرياح والسيول،

والرعد والبرد،

تهدر في طريقها،

تنتزع وتكتسح أمامها

واحداً بعد واحد...

ولا مناص لنا كلنا بحكم القوانين

العظمى، الأبدية الصارمة،

من أن نكمل دورة وجودنا.

ولكن الإنسان وحده

يستطيع المحال،

فهو يميز،

ويختار، ويحكم؛

ويستطيع أن يطيل مكث

اللحظة العابرة.

هو وحده القادر على

أن يثيب الخير،

ويعاقب الشر،

ويشفي وينقذ،

ويصدق النصح

للخطاة والضالين

فليكن الإنسان النبيل

معيناً وطيباً.

ولكي يكون الإنسان نبيلاً عليه أن يحذر المؤثرات المفسدة، و "الكل مؤثر إلا ذواتنا". "دعك من دراسة المعاصرين والذين يحاربونك؛ بل أدرس عظماء الماضي الذين احتفظت آثارهم بقيمتها ومكانتها وقروناً. فالرجل الموهوب حقاً ينحو هذا النحو بحكم طبيعته، والرغبة في التنقيب في أعمال الأسلاف العظام علامة صادقة على الموهبة السامية"، وعليك باحترام المكتبات وإجلالها لأنها التراث الذي خلفه هؤلاء الرجال. "إن المرء حين يتأمل مكتبة ما يشعر كأنه في حضرة رأس مال هائل يأتي في صمت بفائدة لا تقدر". ولكن الفكر يغير الخلق أكثر كثيراً من الخلق بغير الفكر، "فكل ما يحرر العقل دون أن يمنحنا السيطرة على أنفسنا مؤذ". خطط لحياتك، ولكن حاول الموازنة بن الفكر والعمل؛ فالفكر بغير العمل مرض. "فلأن تعرف حرفة وتمارسها يزودك بثقافة أكثر مائة مرة من نصف المعرفة". "وما من بركة تعدل بركات العمل" وفوق كل شيء كن "كلاً" أو انضم إلى كل "أن النوع الإنساني وحده هو الإنسان الحق، ولا يستطيع الفرد أن يفرح ويسعد إلا إذا امتلك شجاعة الشعور بنفسه في الكل".

وهكذا نرى الفني الذي ورث أسباب الرغد والأمن، والذي أضحك طلاب ستراسبورج على لباسه المترف الغريب، فلم تعد بفضل الفلاسفة والقديسين وتجارب الحياة أن يفكر في الفقراء بعطف، وأن يتمنى لو تقاسم المحظوظون من الناس ثرواتهم مع الفقراء بسخاء أكثر. وينبغي أن تفرض الضرائب على النبلاء بنسبة دخولهم، وأن يتيحوا لأتباعهم الإفادة من "المنافع التي تهيئها المعرفة والرجاء المتزايدين"وقد أحس جوته بما يحس به البورجوازيين من حسد لأصحاب النبالة بالميلاد حتى بعد أن أطبق صيته آفاق أوربا. "في ألمانيا لا تتاح فرصة الحصول على... ثقافة شخصية مكتملة الجوانب للنبلاء". وكان يراعي جميع فروض الاحترام المألوف في سلوكه مع رؤسائه. وكل الناس يعرفون ما وقع لجوته وبيتهوفن في تبلتز، في يوليو 1812؛ ولكن المصدر الوحيد لهذه القصة هو بتينا برنتانوفون آرنيم، غير الموثوق بروايتها، التي ادعت أنها تنقل عن رواية بيتهوفن:

"يستطيع الملوك والأمراء حقاً أن يخلعوا الألقاب والأوسمة، ولكنهم لا يستطيعون أن يصنعوا عظماء الرجال الذين يجب إذن النظر إليهم بإجلال. وحين يجتمع اثنان مثل جوته ومثلي، فلا بد لهؤلاء السادة من ذوي الحسب والنسب أن يفقهوا معنى العظمة عند أمثالنا. فبالأمس التقينا بالأسرة الإمبراطورية (النمساوية) كلها، وخلص جوته ذراعه من ذراعي ليقف جانباً. أما أنا فكسبت قبعتي على رأسي واخترقت الجمع في أكثف نقطة وذراعاي تتدليان على جانبي. واصطف الأمراء وأفراد الحاشية في صفين؛ ورفع دوق فايمار قبعته لي، وحيتني الإمبراطورة أولاً. وقد أضحكني أن أرى الموكب يمر أيام جوته الذي وقف على جنب وقبعته في يده. وقد عنفته بعدها بقسوة على ما أتاه.

وسيختلف انفعالنا بهذه القصة باختلاف عمرنا. فلقد شعر جوته بأن الأرستقراطية العاملة بنشاط وبروح خدمة الجماعة تهيئ خير الحكومات الممكنة آنئذ في أوربا، وتستحق الاحترام الواجب للنظام والضبط الاجتماعيين. وينبغي إصلاح المفاسد، ولكن في غير عنف أو اندفاع؛ فالثورات تكلف أكثر مما تساوي، وتنتهي عادة إلى حيث بدأت. ومن يقول مفستوفيليس لفاوست: "وأسفاه! إليك عني! كف عن الثرثرة حول ذلك الشجار بين الطغيان والرق! إنه يضايقني. فما إن ينته حتى يبدأ من جديد مع المهزلة كلها".

ومن ثم يقول جوته لأكرمان في سنة في سنة 1824: "صحيح أنني لم أكن صديقاً للثورة الفرنسية. فلقد كانت أهوالها عاجلة جداً... على حين لم تكن آثارها النافعة منظورة بعد... ولكنني بالمثل لم أكن متعاطفاً مع الحكم التعسفي الذي سبقها. وكنت حتى في ذلك الوقت مقتنعاً بأنه ما من ثورة هي غلطة الشعب. بل هي دائماً غلطة الحكومة". وقد رحب بنابليون نعمة على النظام في فرنسا وأوربا بعد عقد حفل بالاضطرابات. وكان يتشكك في الديمقراطية لأنه "ما من شيء أسوأ من الجهل النشيط"، و "محال أن نتصور أن الحكمة يمكن أن تكون في يوم من الأيام صفة شعبية".

ثم سخر من تذبذب السلطان بين الأحزاب. "أن الناس يتقلبون في السياسة كما يتقلبون على فراش المرض من جنب إلى جنب أملاً في مزيد من الراحة في رقادهم". وقد عارض حرية النشر بحجة أنها تعرض المجتمع والحكومة للإزعاج المستمر على يد كتاب يعوزهم النضج والشعور بالمسئولية. وبدت له الصرخة المطالبة بالحرية، في أواخر عمره، مجرد جوع المحرومين من المناصب للسلطان والمغانم. "إن الهدف الأوحد هو نقل القوة والنفوذ والثراء من يد إلى اليد التالية. وما الحرية إلا كلمة السر التي يهمس بها المتآمرون المتسترون، وصيحة المعركة الصاخبة يصيح بها الثوار السافرون، لا بل شعار الاستبدادية ذاتها وهي تسوف جماهيرها الخاضعة على العدو واعدة إياها بالخلاص من الطغيان الخارجي إلى الأبد".

لقد وفى جوته كل الوفاء بواجب الكبار، بقيامه بوظيفة الكابح لطاقة الصغار.


الإثارة الجنسية

Goethe Monument in Chicago's Lincoln Park (1913)

كتب جوته "المرثيات الرومانية" ذات الأوزان الشعرية الخفيفة والمرحة.

وحين صدرت المرثيات الرومانية صدمت المجتمع الصغير في فايمار, بسبب الحس الشهواني الموجود داخلها, ولم يجد جوته من يتفهمه قصائده تلك غير صديقه هردر.

بدأ جوته يتعرض لبعض المشاكل الصحية, مما أدى إلى انعزاله بعض الشيء عن المجتمع في فايمار. ولم يصب الوهن جسده فقط بل وروحه أيضا.

وقد بدأ جوته في عام 1806 في إعداد طبعة كاملة من أعماله لدى الناشر كوتا Cotta في شتوتجارت. وفي تلك الفترة أنجز أخيرا الجزء الأول من ملحمته الشعرية "فاوست".

وقد صور جوته في "فاوست" الرغبة العارمة في الوصول إلى امتلاك الحقيقة, وفي التخلص من القيود البشرية التي تمنعه من الكمال. وهذا في نفس الوقت يمثل الجانب الأبيض داخل جوته نفسه. وصور في شخصية "مفيستو" الجانب الأسود من حيث الرغبة في التمرد الأعمى.

تعد مأساة فاوست رائعة من روائع الأدب العالمي وقد اختارها النقاد كأحد أهم الأعمال الأدبية التي يجب الاطلاع عليها.

وظهر فيها حقيقة عقيدة غوته أنه يؤمن بالله رباً واحداً رحيماً حكيماً رغم إنكاره للمؤسسة الدينية في عصره. ففي الرواية يقوم الشيطان بتحدي الله بانه سيغوي فاوست، ثم يجري عقداً فاوست مع بعد ان يتمثل له بصورة كلب ، وذلك بأن يقدم له اللذائذ شرط أن يستولي على روحه وتسير الأمور بحيث يظهر لفاوست في كل مرحلة أن السعادة في طريق الشيطان مغلفة بالمآسي والشر،ومنها أنه طلب منه أن يمكنه من عشيقته فبعد أن رتب له الشيطان الأمور اكتشف أن أم عشيقته قد قتلها المنوم، وفي نهاية الرحلة يترك فاوست عقده مع الشيطان ليتوب إلى الله.


الدين والسياسة

وقد كان البيت يسوده روح التدين اللوترية الصارمة، وقد لعب هذا دورا في التربية الدينية للأبناء، فكل يوم كانت هناك فترة مخصصة لقراءة ودراسة الإنجيل، كما كانت الصلاة يوم الأحد من الأمور المقدسة. وكان من أول الأشياء التي زعزعت إيمان الصبي، خبر زلزال لشبونه في سنة 1755، الذي أهلك الله فيه المؤمنين وغير المؤمنين معا، على حد قوله، ولم تقض إجابة الأب على حيرة الصبي إزاء هذه الفكرة.

وفي الدروس الدينية التي كان جوته يستمع إليها من أحد أصدقاء العائلة وهو يوهان فيليب فريزينيوس، ومن خاله القس يوهان يعقوب شتارك، لم يجد جوته إجابة مرضية عن أسئلته التي كانت تملأ نفسه وروحه حيرة وشكا، وقد عبر جوته عن ذلك فيما بعد قائلا: "لم تكن الكنيسة البروتستانتية إلا نوعا من الأخلاق الجافة، ولم تكن المواعظ الدينية في الكنيسة تثير التفكير، ولم تكن التعاليم تستطيع إرضاء الأرواح".

وكان جوته مهتما فقط بالعهد القديم، فقد كانت قصص إبراهيم وإسحاق ويعقوب تثير خياله الجامح. وقد ظلت وجهة نظره نحو الكنيسة وعقائدها تتسم بالحيرة والشك، حتى وصلت فيما بعد إلى حد الرفض. وقد وصف جوته تاريخ الكنيسة بأنه "خليط من التضليل والتسلط"، وكان أهم ما زاد في نفوره من الأرثوذكسية اللوترية، قضية الخطيئة الموروثة، التي شكلت أيضا عاملا كبيرا في ابتعاده عن الكنيسة.


وقد بدأت معالم تغير يجتاح العالم آنذاك, بدءا من الثورة الفرنسية في فرنسا, ومبادئها الثلاث, وقيام الولايات المتحدة في أميركا الشمالية, وحتى أيضا في مدينة جنيف السويسرية في عام 1782, وبدا واضحا أن الشعوب بدأت في العصيان والتمرد على الإقطاع والإقطاعيين, وبدأت تطالب بالحرية والجمهورية العادلة.

غير أن جوته لم يكن يحب الثورات, في التاريخ كما في الجيولوجيا. وكان معارضا لها, فأدى ذلك إلى عدم رضى الشعب عليه, وبأن يصبح مؤلف فارتر وجوتس وإيفيجينيا قديما, إلى ما صار عليه الآن.

وفي عام 1792 اشترك جوته مع صديقه الدوق كارل أوجوست الشغوف بالأمور العسكرية, في الحملة العسكرية في فرنسا, وشهد فشل تحالف قوى الإقطاع والرجعية. وكان في ماينتس Mainz في عام 1793 وشهد ضرب الحصار على المدينة التي قامت بها أول جمهورية ألمانية. وبدأ الكتابة في تلك الفترة في موضوع علمي لم يطرق من قبل وهو "علم الألوان" . وكان مشهد مدينة ماينتس المدمرة ماثلا أمامه كرمز على الاضطراب الذي يشهده العالم.

لم تكن خسارة رفيق الطريق (شيلر) هي السبب الوحيد في تشاؤم جوته واكتئابه, ولكن أيضا الحرب القادمة التي تقترب وتتوغل في ألمانيا, وتجتاج في طريقها الدوقيات والولايات الألمانية. وقد سمى جوته هذا الميل إلى التشاؤم والاكتئاب "الجانب السيء".

اجتاحت جيوش نابليون ألمانيا، وعاثت فيها الفساد والنهب. فبعد معركة يينا في 14 أكتوبر 1806 دخل الجنود الفرنسيون فايمار وأخذوا ينهبون البيوت.


التأثيرات

النصب التذكاري "حافظ-گوته" في ڤايمار
گوتيانوم الثاني
گوته والعالم العربي، تأليف كاتارينا مومزن. انقر على الصورة لمطالعة الكتاب كاملاً.



من أعماله

نص كتاب يوهان جوته - الام فيرثير انقر على الصورة للمطالعة
نص كتاب هرمن ودروتيه -- يوهان جوته انقر على الصورة للمطالعة
  • آلام الشاب ڤرتر 1774 (رواية في شكل رسائل)
  • المتواطئون 1787 (مسرحية هزلية)
  • جوتس فون برليشنجن ذو اليد الحديدية 1773 (مسرحية)
  • بروميتيوس 1774 (قصائد)
  • كلافيجو 1774 (مسرحية مأساوية)
  • إيجمونت 1775 (مسرحية مأساوية)
  • شتيلا 1776 (مسرحية)
  • إفيجينا في تاورس 1779 (مسرحية)
  • توركواتو تاسو 1780 (مسرحية)
  • فاوست (ملحمة شعرية من جزأين)
  • من حياتي..الشعر والحقيقة 1811/ 1831 (سيرة ذاتية)
  • الرحلة الإيطالية 1816 (سيرة ذاتية عن رحلته في إيطاليا)
  • المرثيات الرومانية 1788/ 1790 (قصائد)

الهوامش

  1. ^ Goethe in the Roman Campagna. Städel. وُصِل لهذا المسار في 8 أغسطس 2008.

قائمة المراجع

  • Goethe: The History of a Man by Emil Ludwig
  • Goethe by Georg Brandes. Authorized translation from the Danish (2nd edn 1916) by Allen W. Porterfield, New York, Crown publishers, 1936. "Crown edition, 1936." Title Wolfgang Goethe
  • Goethe: his life and times by Richard Friedenthal
  • Lotte in Weimar: The Beloved Returns by Thomas Mann
  • Conversations with Goethe by Johann Peter Eckermann
  • Goethe's World: as seen in letters and memoirs ed. by Berthold Biermann
  • Goethe: Four Studies by Albert Schweitzer
  • Goethe and his Publishers by Siegfried Unseld
  • Goethe: The Poet and the Age (2 Vols.), by Nicholas Boyle
  • Goethe's Concept of the Daemonic: After the Ancients, by Angus Nicholls
  • Goethe and Rousseau: Resonances of their Mind, by Carl Hammer, Jr.
  • Doctor Faustus of the popular legend, Marlowe, the Puppet-Play, Goethe, and Lenau, treated historically and critically.-A parallel between Goethe and Schiller.-An historic outline of German Literature , by Louis Pagel
  • Goethe and Schiller, Essays on German Literature, by Hjalmar Hjorth Boyesen
  • Tales for Transformation, trans. Scott Thompson
  • Goethe-Wörterbuch (Goethe Dictionary, abbreviated GWb). Herausgegeben von der Berlin-Brandenburgischen Akademie der Wissenschaften, der Akademie der Wissenschaften in Göttingen und der Heidelberger Akademie der Wissenschaften. Stuttgart. Verlag W. Kohlhammer. ISBN 978-3-17-019121-1
  • Berman, Antoine. L'épreuve de l'étranger. Culture et traduction dans l'Allemagne romantique: Herder, Goethe, Schlegel, Novalis, Humboldt, Schleiermacher, Hölderlin., Paris, Gallimard, Essais, 1984. ISBN 978-2-07-070076-9
  • تاريخ الأدب لـ هاينرش هارفوتر
  • جوته العبقرية العالمية الفكرة والإشراف "فارس يواكيم" (إذاعة صوت ألمانيا)
  • مقالة "جوته... العاصفة والتيار" على موقع إسلام أونلاين

انظر أيضاً

وصلات خارجية