الوطاسيون

(تم التحويل من وطاسيون)
تاريخ المغرب
Coat of arms of Morocco.svg
العصور القديمة
أطلنطفينيقيونالبونيقيون
الرومانوندالبيزنطيون
الفتح الإسلامي (681 - 789)
الأمويونثورات الأمازيغ
تأسيس المغرب
أدارسةإمارة سجلماسة
مملكة نكوربرغواطة
الخلافة القرطبية والفاطمية
الخلافة القرطبيةالخلافة الفاطمية
بنو يفرنمكانسةالمغراويون
السلالات الأمازيعية (1040-1554)
المرابطونالموحدون
المرينيونالوطاسيون
سلالات الأشراف (منذ 1509)
السعديونالعلويون
المحمية الاوروپية (1912-1956)
أزمة طنجةمؤتمر الجزيرة الخضراء
أزمة أغاديرمعاهدة فاس
الحماية الفرنسيةالحماية الإسپانية
حرب الريفمعركة أنوال
الظهير البربريبيان الاستقلال
التاريخ المعاصر (منذ 1956)
المغرب الكبيرمحمد الخامسالحسن الثاني
حرب الرمالانقلاب 1972
إنقلاب الصخيراتاتفاق مدريد
المسيرة الخضراءنزاع الصحراء الغربية
سنوات الرصاصمحمد السادساحتجاجات 2011

الوطاسيون، بنو الوطاس: سلالة بربرية حكمت في المغرب سنوات 1472-1552 م.

المقر: فاس.

ينحدر الوطاسيون من إحدى فروع قبيلة زناتة البربرية. كانت مواطنهم في الأجزاء الشمالية من الصحراء المغربية. في القرن الـ13 م نزحوا إلى شرق المغرب و عمروا منطقة الريف. بدأ شأنهم يعلو أثناء حكم أقرباءهم من بني مرين. تولوا سنوات (1358-1375 م) ثم (1393-1458 م) الوزارة والحجابة عندما كان يتولى الحكم سلاطين لم يكونوا قد بلغوا سن الرشد بعد (كانوا أطفالا). سنة 1458 م قضا أكثرهم في مذبحة دبرها لهم المرينيون. لم ينج من المذبحة إلا أخوان اثنان. أحد الناجين محمد الشيخ المهدي (1472-1505 م) والذي استقر منذ 1465 م في أصيلااستطاع أن يستولي على الحكم عندما دخل فاس سنة 1472 م. بمجردوصول الشيخ الوطاسي إلى فاس ، وقبل أن يستولي على المدينة ويقضي نهائيا على الحكم المريني تعرضت مدينة أصيلا للغزو البرتغالي ، وكان على الوطاسيين أن يقودوا حملات عسكرية ضد البرتغاليين في الثغور الشمالية : سبتة وطنجة وأصيلا وأن يقوموا في نفس الوقت بالقضاء على الإمارات الصغيرة التي استغلت ضعف السلطة المركزية مثل أسرة المنظري وبني راشد وإمارة دبدو ، بدون الحديث على المناطق الموجودة جنوب وادي أم الربيع والتي كانت موكولة إلى نفسها .

و بعض المدن والمناطق التي أخذت تنزع إلى الاستقلال عن المملكة من جهة أخرى.

أثناء فترة حكم محمد البرتقالي (1505-1524 م) ثم أبو العباس أحمد (1524-1550 م) واجه المغرب ضغوطا كبيرة أمام حملات البرتغاليين والاسبان، فقد المغرب نتيجتها العديد من المناطق الساحلية. إلا أن الخطر الحقيقي على الوطاسيين كان يمثله السعديون والذين بدأوا في شن حملاتهم انطلاقا من الصحراء. سقط آخر السلاطين الوطاسيين سنة 1545 م أثناء إحدى معاركه معهم.

بنو الوطاس فخذ من قبيلة "بنى مرين"، ولكنهم ليسوا من فرع الأسرة المرينية الحاكمة، والوطاسيون سلاله أمازيغية تنحدر من إحدى فروع قبيلة زناتة البربرية من منطقة الزاب في الجزائر(18).

     كان موطنهم في الأجزاء الشمالية من الصحراء المغربية وفي القرن الثالث عشر الميلادي نزحوا إلى شرق المغرب وعمروا منطقة الريف(19).
     

بدأ شأنهم بعلو أثناء حكم أقربائهم من بني مرين إلا أنهم ليسوا من بني عبدالحق. يقول ابن خلدون : بنو وطاس فرقة من بني مرين غير أنهم ليسوا من بني عبدالحق، ولما دخل بنو مرين المعرب واقتسموا أعماله كان لبني وطاس بلاد الريف، فكانت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياه لجبايتهم. .. ويواصل ابن خلدون: ( وكان بنو الوزير منهم يسمون إلى الرئاسة ويريدون الخروج على بني عبدالحق وقد تكرر ذلك منهم ثم أذعنوا إلى الطاعة وراضوا أنفسهم على الخدمة فاستعملهم بنو عبدالحق في وجوه الولايات والأعمال واستظهروا بهم علـى أمور دولتهم فحسن أثرهـم لديها وتعدد الوزراء منهم فيها (20).

وقد قامت علاقة حذرة بين أسرتى «بنى وطاس» و«بنى مرين»، ثم تعدى "بنو وطاس" هذا الحذر، واتخذوا موقفًا عدائيا من دولة «بنى مرين» منذ قيامها، وساندوا الموحدين في صراعهم معهم، ومن ثم عمد المرينيون- بعد قيام دولتهم واستقرار الأوضاع لهم - إلى إحكام قبضتهم على حصن «تازوطا» الذى كان مقر «بنى وطاس» في ذلك العهد، ولكن الوطاسيين قاموا بثورة في سنة (691 هـ- 1292م) للاحتفاظ بنفوذهم في هذا الحصن، وامتدت ثورتهم فشملت منطقة الريف، ثم طردوا الوالي المريني وحاشيته، وسيطروا على الحصن، مما دفع السلطان «يوسف بن يعقوب المريني» إلى تجهيز جيش كبير، جعل عليه «عمر بن المسعود بن خرباش» أحد قادته المخلصين، وأمره بالتوجه إلى حصن «تازوطا»، ثم خرج السلطان بنفسه على رأس جيش آخر، وحاصر الجيشان الحصن مدة عشرة أشهر، وتمكن «عمر» و«عامر» ابنا «يحيى بن الوزير الوطاسى» زعيما الوطاسيين من الفرار بأموالهما إلى "تلمسان"، ودخل السلطان الحصن، وأنزل العقاب بالوطاسيين ثم عاد إلى عاصمته «فاس» في آخر جمادى الأولى سنة (692 هـ- أبريل1693 (21).

     وقد تولوا الوزارة والحجابة عندما كان يتولى الحكم سلاطين لم يكونوا قد بلغوا سن الرشد بعد (كانوا أطفالاً). فقد تولي عمر بن على الوطاسي الإمارة في مدينة بجاية في عهد أبي عنان المرينى سنة (759هـ-1358م) فثار عليه أهلها وقاتلوه(22).
     

وفي عهد الدولة الأولى للسلطان أبي العباس بن أبي سالم صارت مراكش وأعمالها إلى ابن عمه الأمير عبدالرحمن بن أبي يفلوسن، فتحيز إليه زيان بن عمر بن علي الوطاسي وصار من أتباعه، فاكتسب مكانة عالية في الدولة، ثم ما لبثت أن ساءت العلاقات بين السلطان أبي العباس والأمير عبدالرحمن فانحاز زيان الوطاسي إلى السلطان أبي العباس وصار من أتباعه، وعندما حاصر أبو العباس مراكش وبها الأمير عبدالرحمن أبلى زيان بن عمر في ذلك الحصار وكان أحد الذين باشروا قتل ولدي الأمير عبدالرحمن(23).

     وبولاية أبي زكريا بن يحيى بن زيان الوطاسي الوزارة بدأت الفتن والقلاقل، فمنذ توليه الأمر استغل بالحجابة وأخذ في تغيير مراسم الملك وعوائد الدولة وزاد ونقص في كل ما أبرمه الوزراء وعامل الرعية بالعنف، وقام بعزل قاضي فاس الفقيه أبي عبدالله محمد بن محمد بن عيسى بن علال المصمودي وقدم مكانه الفقية يعقوب التسولي، وكان المصمودي من الذين يتحرون العدل والدين، فلما رأى السلطان عبدالحق فعل الوزير واستحواذه على أمور الدولة، تبين له أن الوطاسيين قد شاركوه الملك وكادوا يغلبونه على أمره، فقبض على الوزير يحيى وأخويه أبي بكر وأبي شامة وعمهم فارس بن زياد الوطاسي وذبحهم جميعا(24).
     واستمر البحث عن محمد الشيخ ومحمد الحلو أخوي الوزير المذكور فلم يعثر عليهما لذهاب الشيخ في ذلك اليوم للصيد واختفاء الحلو عند قيام المذبحة وكانت هذه الحادثة بعد مضي سبعين يوماً من وزارة يحيى بن يحيى المذكور(25).

وهكذا هدأت الأحوال وصفا الأمر للسلطان عبدالحق ورأي أنه انتقم لنفسه من الوطاسيين.

وعندما وصل خبر النكبة إلى محمد الشيخ هرب لا يلوي على شيء، واختفى الحلو حتى إذا هدأت الأحوال لحق بالشيخ فسارا إلى جهة الصحراء وجعلا يترددان فيما بينها وبين البلاد الهبطية حتى ملكا أصيلا، وذلك قبل استيلاء البرتغاليين عليها. ولما قوي أمره واستفحل باصيلا تطلع إليه أعيان فاس وكاتبه الرؤساء من دولة السلطان عبدالحق وصاروا يقدمون إليه الوسائل سراً ووجها إليه الدعوة للقدوم إليهم مقابل طاعته ونصرته(26).

وقد كان بنو مرين في فترة ولايتهم على المغرب يعظمون الأشراف الأدارسة ويشعرون أنهم أقوياء بوجود الأدارسة في فاس، فكانوا يخضعون لهم ويتأدبون معهم ما أمكن. فلما اضطربت أحوال الدولة المرينية بفاس اجتمع رؤساء المدينة على مبايعة الشريف أبي عبدالله محمد بن على الإدريسي الذي كان يتولى نقابة الأشراف بفأس فاستدعوه وتمت بيعته في سنة 869هـ(27).

ويبدو أن بني مرين قد أرادوا بمبايعة الشريف الحفيد إسكات أصوات المعارضة لحكمهم والقضاء على الثورات التي قامت في أنحاء متفرقة من المغرب، وأرادوا بذلك كسب العامة ببيعة أحد أفراد آل البيت الذين يتمتعون بإجلال خاص بين الناس.

ولما بايع أهل فاس أبا عبدالله الحفيد قام الشيخ محمد الوطاسي في أصيلا وتبعته القبائل واستفحل أمره، فحاصر فاس زمناً حتى دخلت في طاعته في سنة 875هـ فخرج عنها الحفيد ودخلها محمد الشيخ الوطاسي في نفس السنة(28).

ولما زحف الشيخ الوطاسي لحصار فاس انتهز البرتغاليون الفرصة واستولوا على أصيلا سنة 876هـ وظفروا فيها ببيت مال الوطاسي وأسروا ولده محمد المدعو بالبرتغالي وابنته وزوجته وجماعة من الأعيان وبقي ولد الوطاسي عند البرتقاليين سبع سنين حتى فداه والده(29).

يتضح مما سبق أن المغرب الأقصى كان في غاية الاضطراب والانتكاس حتى طمع في ملكه كل من كانت توسوس له نفسه بذلك.

وفي عهد الشيخ الوطاسي سنة 897هـ استولت الرينة ايزابيلا صاحبة مدريد على قاعدة بلاد قشتالة وعلى غرناطة ومحت دولة بني الأحمر من جزيرة الأندلس وتفرق أهلها في بلاد المغرب وغيرها، وانتقل أبو عبدالله الأحمر آخر ملوك الأندلس لاجئا إلى الشيخ الوطاسي في فأس وخاطبه بقصيدة بارعة من انشاد وزيره أبي عبدالله محمد العربي العقيلي يقول في مطلعها: مولى الملوك ملوك العرب والعجم رعياً لما مثله يرعى مــن الذمم بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن جار عليه الزمان جور منتقـــم حتي غَدا ملكه بالرغم مستلبــا وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم حكم من الله حتم لا مرد لـــه وهل مردا لحكم منه منحتــــم قدم السلطان ابن الأحمر المخلوع إلى مدينة فاس بأهله وأولاده وبني فيها عدة قصور على الطراز الأندلسي وتوفي بها سنة 940 هـ(30).

     وواصل البرتغاليون نفوذهم في المغرب فاستولوا على ساحل البريجة بين أزمور وتيط سنة 907هـ وكانت أرضاً خالية فبنوا فيها مدينة جديدة، واستولوا على سواحل السوس وبنوا حصن فونتي بقرب المكان الذي أنشئت فيه بعد ذلك مدينة أغادير واستمر الوطاسي في الحكم حتى وفاته بفاس فتولـى الأمر بعده ابنه محمــد البرتغالي (910هـ /1505م (31). .
     ويبدو أن انقسام القبائل العربية والتطلع إلى الحكم قد أفسح المجال لحماية برتغالية فعليه ونفوذ سياسي خطير، فقد وقع المغرب في منطقة نفوذ البرتغاليين الذين اتخذوا من بعض المراسي  المغربية ملجأ لأساطيلهم.
     لما تولى الأمر السلطان محمد بن محمد الشيخ الوطاسي عزم على الأخذ بثأره من البرتغاليين الذين أسروه كما تقدم ِسبع سنين فزحف إلى أصيلا وحاصرها ثم اقتحمها بعد قتال عنيف لمدة يومين حتى جاء المدد إلى البرتغاليين من طنجة وجبل طارق. فحاربوا المسلمين الذين خرجوا من المدينة بعد حرقها وهدمها(32).
     كذلك نجد أن النصارى في سبتة وطنجة قد ضايقوا المسلمين بها حتى ألجؤوهم إلى قصر كتامة الذي كان فاصلاً بينهم وبين بلاد النصارى، وقد انشغل السلطان محمد البرتغالي بجهادهم وإرسال الغزوات إليهم حتى انشغل عن مراكش وسواحلها فكان ذلك سبباً لظهور الدولة السعدية بها سنة 915هـ. وقد توفي السلطان أبو عبدالله البرتغالي سنة 931 هـ وتولى الأمر بعده أخوه أبو حسون بولاية عهد من أخيه(33).
     بويع أبو الحسن علي بن محمد بن الشيخ بن أبي زكرياء بن زيان الوطاسي الذي يعرف بأبي حسون الباديسي بفاس سنة 932 هـ، فقبض عليه أبن أخيه أبو العباس أحمد بن محمد البرتغالي وخلعه وأشهد عليه بالخلع في آواخر سنة 931 هـ(34).
     وهكذا نجد أن الوطاسيين أنفسهم قد بدأوا مرحلة الصراع على الحكم وظهر الانقسام بين أفراد الأسرة المالكة في الوقت الذي كان يجب عليهم الوقوف يداً واحدة لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد بلادهم.
     وبتولي السلطان أبي العباس أحمد بن أبي محمد البرتغالي الذي بويع يوم خلع عمه حسون بدأت مرحلة جديدة أولها أنه عقد هدنة مع النصارى، وبدأ الصراع بين الوطاسيين والسعديين الذين حشدوا الناس إلى جانبهم بحجة الدفاع عن البلاد من خطر الاسبان ولكنهم كانوا في حقيقة الأمر يسعون لإسقاط دولة الوطاسيين، ونجح السعديون في السيطرة على بعض المدن المغربية، وكان لابد من المواجهة بينهما فكانت معركة قوية في موضع يقال له أنماي قرب مراكش سنة 935هـ(35).
     لما رأى أهل المغرب ما وقع بين السلطان أبي العباس أحمد الوطاسي صاحب فاس وأبي العباس أحمد السعدي المعروف بالأعرج صاحب مراكش من القتال والتهافت على الملك تدخلوا للصلح بينهما واتفق الطرفان على اقتسام بلاد المغرب الأقصى على أن يكون للسعديين من تادلا إلى السوس، ولبني وطاس من تادلا إلى المغرب الأقصى. كان ذلك في سنة 940 هـ، وعقد الوطاسيون صلحاً مع البرتغاليين لثلاث سنوات(36).

واستغل السعديون هذه الهدنة لتعزيز تحالفهم مع صنهاجة الدلائيين بالأطلسى الأوسط وأمراء هنتانة بالأطلسي الكبير وبعض صوفية الريف الذين خذلهم الوطاسيون في حركة الجهاد ضد البرتغاليين. وقد ظهر السعديون بمظهر أبطال الجهاد وذاع صيتهم في طول البلاد وعرضها(37).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقعة أبي عقبة بوادي العبيد

تعد هذه المعركة من أعظم الوقائع بين الوطاسيين والسعديين والسبب فيها أن السعديين قد تجاوزا حدودهم المقررة لهم وكادوا أن يصلوا إلى فاس مقر الوطاسيين، فنهض اليهم السلطان أبو العباس الوطاسي في أواخر سنة 942هـ في جمع كثيف، والتقى الطرفان بمشرع أبي عقبة أحد مشارع وادي العبيد من تادلا، و نشبت الحرب أياماً إلى أن انهزم الوطاسيون سنة 943هـ، ورجع أبو العباس الوطاسي إلى فاس وسميت هذه السنة سنة أبي عقبة(38).

وفي جانب السعديين تغلب السلطان محمد الشيخ الملقب بالمهدي على أخيه الأعرج وانتزع منه الملك وسجنه، ثم تفرغ لحرب بني وطاس فأكثر من شن الغارات عليهم واستولى على مكناسة ثم تقدم إلى فاس وحاصرها لمدة عام تقريبا حتى استولى عليها بعد، إلى أن أسر السلطان أبو العباس الوطاسي وقضى على جميع الوطاسيين وبعثهم إلى مراكش عدا أبا حسون المخلوع الذي فر إلى الجزائر لاجئا عند الأتراك، واستغل محمد الشيخ السعدي بأمر المغرب(39).

وتمكن أبو حسون الوطاسي بمساعدة الجزائريين من إحياء تلك الدولة لبضعة أشهر لتختفي نهائيا بمقتله في الصدام مع الحملة التي شنها عليه السلطان محمد الشيخ السعدي، وعاد الجزائريون الذين رافقوا أياً حسون إلى فاس لبلادهم(40).


الثورات

دخل «محمد الشيخ الوطاسى» سلطان الوطاسيين في مواجهة مستمرة – منذ أن أسس دولته- مع الفتن والقلاقل والثورات التى قامت بالدولة على أيدي العرب الذين أغاروا على «فاس» و«مكناسة» ودمروهما، ثم واجه ثورة «على بن راشد» في «شفادن» وهى مدينة قريبة من «البحر المتوسط» و«المحيط الأطلسي»، و«مضيق جبل طارق»، ثم حاول «محمد بن أحمد المرينى» الاستقلال بمدينة «دبرو» التي تقع شمال شرق «المغرب»، ونجح في ذلك، وبسط نفوذه على المناطق الغربية منها، فأدرك «محمد الشيخ» خطورته، وخرج لمواجهته مرتين، كانت الأولى في سنة (895 هـ- 1490م)، وهُزم فيها الوطاسيون، وكانت الثانية في سنة (904 هـ- 1498م)، وانتصر فيها «بنو وطاس»، وعقد سلطانهم الصلح مع «محمد بن أحمد المرينى»، وزوج السلطان ابنتيه لولدىّ الأمير «محمد»، فحل بينهما السلام(41).

     وقد واجهت هذه الدولة ثورة بالمنطقة الجنوبية، قادها «عمرو بن سليمان الشيظمى»* الشهير بالسياف، في سنة (870 هـ- 1465م)، ولم تهدأ هذه الثورة إلا بعد أن اُغتيل «الشيظمى» على يد زوجته في سنة (890 هـ- 1485م)(42).

والواقع أن «بنى وطاس» لم يتمكنوا من فرض سلطانهم ونفوذهم على كل «المغرب الأقصى»، بل يمكن القول بأن نفوذهم لم يتجاوز العاصمة «فاس»، واقتسمت القبائل والأشراف والزعامات المحلية ومشايخ الصوفية باقي البلاد. فأدى هذا إلى نشوب الاضطرابات والقلاقل بالبلاد، وتزايد الانقسامات بها، واستغلال البرتغال والأسبان لهذه الأوضاع للتوسع وفرض النفوذ ونشر المسيحية.

العلاقات الخارجية

تعددت العلاقات الخارجية بين «بنى وطاس» و«دول المغرب»، فضلا عن الأسبان والبرتغال، وحاولوا كسب ود الحفصيين بتونس، وبايعوهم، ولكن هذا الود لم يدم، لأن الحفصيين ساندوا ثورة "الشيظمى" التي استمرت نحو عشرين عامًا، وكذلك حاول «بنو وطاس» مسالمة الأسبان والبرتغال، وعقد «محمد الشيخ الوطاسى» مؤسس الدولة معاهدة سلام مع البرتغال في سنة (876 هـ- 1471م)، ولكن البرتغاليين نقضوا هذه المعاهدة، ثم توالت الاتفاقات بين الطرفين(43).

وقد تطورت العلاقات بين «بنى وطاس» و«الأسبان»، أثناء الصراع الذي دار بين «ابن حسون الوطاسى» والسعديين، حيث التمس «ابن حسون» العون من الأسبان، وأعلن ولاءه لإمبراطورهم، واستعداده لتسليمهم «بادس» في مقابل مساعدته في استرداد عرش «فاس»، وساعده الأسبان بالسفن والأموال، ولكنه فشل في استعادة عرشه، فلجأ إلى البرتغال، وساندوه بالجنود والأموال وعدة الحرب، ولكن هذه المساعدات لم تحقق أغراضها؛ إذ حاصرتها قوات الدولة العثمانية واستولت عليها، مما جعل «ابن حسون» يلجأ إليهم طلبًا للعون في مقابل الاعتراف بسلطة الخليفة العثماني، فمكَّنه العثمانيون من العودة إلى عاصمته «فاس» ثانية في سنة (961 هـ- 1554م)، ثم ما لبث الأتراك أن سيطروا على مقاليد الأمور بفاس، وضاق الناس بذلك، فاضطر «ابن حسون» إلى تعويض الأتراك بمبالغ مالية كبيرة للرحيل عن العاصمة، ففعلوا، وواصل «ابن حسون» نشاطه ضد السعديين، حتى سقط قتيلا، ومن ثم سقطت «دولة بنى وطاس»(44).

نظم الحكم والإدارة

كان الحكم وراثيا في «بنى وطاس»، وكان السلطان يعين كبار مستشاريه من كبار الشخصيات، وكان للسلطان أمين سر مهمته الإشراف على أموال السلطان، كما كان السلطان يُعيِّن حكامًا على كل مدينة، وجعل لهم الحق في التصرف في مواردها، وتزويد جيش السلطان بالجنود من مدنهم، وتعيين وكلاء من طرفهم على القبائل التي تسكن الجبال، وجباية الأموال، وأخضع السلطان كل ذلك لسلطته، وأحكم قبضته على مقاليد الأمور، كما أخضع كل موارد الدولة لخدمة الأغراض العسكرية(45). واتخذوا الوزراء من أقاربهم، واستوزر «محمد الشيخ الوطاسى» أخويه «محمد الحلو» و«الناصر أبا زكريا»، وعين مسعود بن الناصر خلفًا لأبيه على الوزارة، وقد تنوعت اختصاصات الوزراء بين المهام السياسية والحربية إلى جانب أعمالهم الإدارية. وتنوعت الوظائف الإدارية وشملت: الباشا، والقائد، والقاضي ويساعدهم مجموعة من الموظفين، منهم: الأمين والناظر، وأمين المواريث (46). وفي العهد الوطاسي لم يعد منصب الحسبة يسند إلى الفقهاء وتقلص وانحصر في بعض شؤون السوق مع شعور العلماء بضرورة الاضطلاع بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن المحتسب مع ذلك ظل سائداً في السوق يحرسه للضرب على أيدي المدلسين(47).

وقد نشطت حركات الاستقلال أثناء ضعف الحكومة المركزية بفاس، وغياب سلطتها عن مناطق الأطراف، والمناطق النائية.

النشاط الاقتصادي

نجحت الزراعة نجاحًا عظيمًا، كعادتها ببلاد «المغرب»، وكثرت المحاصيل وزادت أنواع الفواكه، وساعدت هجرة الأندلسيين إلى «بلاد المغرب» على إدخال النظم الزراعية الحديثة، واستحداث أنواع كثيرة من المحاصيل بالبلاد وقد ترتب على ازدهار الزراعة قيام صناعات كثيرة، إلى جانب الصناعات التي كانت موجودة من قبل، واشتهرت «فاس» بصناعات الأحذية والأواني النحاسية والخيوط والمنسوجات وكذلك صناعة الحلي. ونشطت التجارة - خاصة في أوقات السلم- وتوافرت الطرق الداخلية التي تربط بين المدن، كما توافرت الطرق الرئيسية التي تسير فيها القوافل من المدن المغربية وإليها، مثل"سوسة" و«درعة» اللتين حظيتا بنشاط تجارى كبير. وتنوعت صادرات «المغرب» من الأواني النحاسية، والمصنوعات الجلدية والزجاجية، والقطنية والحريرية، وكذلك التمور بأنواعها والتين والحلي، أما وارداتهم فكانت الذهب وبعض التوابل(48).

الجيش

لم تختلف طبقات المجتمع كثيرًا في العهد الوطاسى عما سبقه من عهود، واحتل الجيش مكانًا بارزًا، نظرًا لكثرة الحروب التي خاضها الوطاسيون، وقد انقسم هذا الجيش إلى قسمين هما: الجيش النظامي، وأفراده من البربر، ويضم: الفرسان والرماة وراشقي السهام، والمشاة، والقسم الثاني: من المتطوعة من العرب وغيرهم، وقد عرف جيش الوطاسيين نظام الحصون والحاميات(49

العمارة

توقف نشاط الوطاسيين العمراني على مدينة «فاس»، ويرجع ذلك إلى الأوضاع السياسية المضطربة التي سادت تلك الفترة، وانصراف «بنى وطاس» إلى المعارك والحروب، وصرف إمكاناتهم المادية في التسليح والإنفاق على الجيش. وقد أدى كل ذلك إلى توقف النشاط العمراني، وتناقص عدد الفنادق والمستشفيات، وقلة الاهتمام بالمرضى(50).

وقد كانت إسهاماتهم قليلة في مجال البناء ففي أثناء فترة حكم الشيخ محمد الوطاسي أسهم في إعادة بناء مدينة تطوان بمساعدة مهاجرين اندلسيين بما فيها القصبة المحصنة التي شيدها السلطان المريني أبو يوسف يعقوب في سنة (286م) بهدف الحد من الأخطار الخارجية وذلك من جراء ما لحق المدينة من نهب وتخريب من طرف الأسبان بعد أن كانت قد حققت تطوراً مهماً مع بداية القرن الرابع عشر(51).

كذلك أسهم السلطان أبو العباس الوطاسي في تجديد بناء قنطرة الرصيف بفاس. وفي ذلك يقول الفقيه أبو مالك عبد الواحد بن أحمد الونشريشي:

جسر الرصيف أبو العباس جدده فخـر السلاطين من أبنـاء وطاس
فجاء في غايـة الاتقـان مرتفعاً لمن يمـر بـه مـن عدوتـي فاس
كان تجديده في نصف عـام غنا من هجرة المصطفي المبعوث للناس

وقال أيضا:

يا أهل فاس سدد الله سدكم برأي أبي العباس حامى حمى فاس
احي به أشجاركم وثماركم على رغم قوم منكرين من الناس(52)

العلوم

شهدت العلوم الدينية نشاطًا ملاحظًا، وبرز عدد كبير من العلماء في المجالات كافة، منهم: «أبو عبدالله بن أبى جمعة الهبطى»، صاحب كتاب: «الوقف في القرآن الكريم»، والمتوفى عام (930 هـ- 1524م)، والفقيه «محمد بن عبدالله بن عبدالواحد الفاسى» المتوفى عام (894 هـ- 1489م)، وألف «الونشريشي» عدة كتب منها: «المعيار المغرب، والجامع المعرب عن علماء إفريقية والأندلس والمغرب»، وهو في اثني عشر جزءًا. وفى علم التاريخ برز القاضى «أبو عبدالله محمد الكراسى الأندلسى»، الذي ألف منظومة عن "بنى وطاس"، أسماها: «عروسة المسائل فيما لبني وطاس من فضائل». وتقع هذه المنظومة في نحو ثلاثمائة بيت، وهى المصدر الوحيد الذي يعتمد عليه المؤرخون في التأريخ لهذه الفترة، حيث لم يصل إليهم غيره. ويعد كتاب «وصف إفريقيا» للجغرافي «حسن الوزان» من أهم الكتب وأشهرها في هذا المجال، وقد تناول فيه جغرافية «إفريقية» عمومًا، و«المغرب الأقصى»، و«مملكة فاس»، و«مملكة مراكش»، كما تناول العادات والتقاليد والحياة الاقتصادية والفكرية والدينية، والنظم الإدارية(53).

وتنافس الشعراء والوعاظ - في هذه الفترة- في تأليف الخطب والقصائد الحماسية؛ لحث الناس على جهاد الاسبان والبرتغال، ومن أبرز هؤلاء المؤلفين «أبو عبدالله محمد بن عبد الرحيم التازى» المتوفى عام (920 هـ- 1514م)، وله مؤلف عنوانه: «تنبيه الهمم العالية، والانتصار للملة الذاكية، وقمع الشرذمة الطاغية، عجل الله دمارها، ومحا ببواتر المسلمين آثارها». ووجدت علوم اللغة اهتمامًا بالغًا، وألف «عبدالعزيز بن عبدالواحد اللمطى الميمونى» ألفية في النحو تضاهى ألفية «ابن مالك»، و«ابن عبدالواحد»، وهو من أهل «فاس» وقد توفى عام (880 هـ- 1475م)، وكذلك قام العالم «أبو العباس أحمد بن محمد» المتوفى عام (995 هـ- 1587م) بتدريس الفلك والحساب بجامع القرويين بفاس(54)

الخاتمة

وهكذا نجد أن الوطاسيين الذين آل إليهم الحكم في المغرب في الربع الأخير من القرن التاسع الهجري أو العاشر الميلادي كانت إمكانياتهم محدودة فعجزوا عن بسط سلطتهم على كامل أجزائه، وتوفير الأمن والاستقرار له، بحيث نجد أن المغرب في مطلع القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي مجزأ إلى وحدات سياسية صغيرة تحت زعامات قبلية أو دينية أو مجالس محلية مستقلة عن الوطاسيين تماماً، أو تتبعهم اسمياً فقط مثل أسرة المنظري وبني راشد وإمارة وبدو وآل شنتوف في مراكش.

والجدير بالذكر أن الوئام لم يكن سائداً بين الوحدات المذكورة لاسيما المتجاورة منها، فقد كانت تقوم بينها نزاعات لأسباب مختلفة أهمها التوسع في الحكم. إن هذا التجزؤ الكبير الذي آل إليه المغرب وعجز الوطاسيون عن القضاء عليه قد شجع البرتغاليين والأسبان على غزو وتخريب واحتلال مدنه الساحلية بغية استغلال خيرات المغرب ونشر المسيحية وغير ذلك من الأهداف.

وقد نجم عن هذا التجزؤ والتعرض للغزو الخارجي اضطراب شديد في الأمن مما أثر كثيراً على كافة الأنشطة الاقتصادية من تجارة وفلاحة وصناعة الشيء الذي انعكس على الوضع الاجتماعي للسكان تجلي في حالة الفقر التي آل إليها الكثيرون، كما تجلى في حالة الهجرة القسرية من مناطق الغزو البرتغالي والأسباني للمناطق الأكثر أمناً. كما أن المراكز العلمية قد توقف نشاطها ولم يبق إلا مراكز قليلة كان في مقدمتها جميعا مدينة فاس حاضرة ملك الوطاسيين التي لم تتعرض للغزو الخارجي فغدت قبلة للعلماء والطلاب من المراكز الأخرى.

كانت تلك باختصار ملامح الوضع المتأزم الذى كان يعيش فيه المغرب في أواخر فترة الوطاسيين، فانبرى السعديون لإنقاذ البلاد وتمكنوا من بسط نفوذهم على كل المغرب، ولم ينجح الوطاسيون في صدهم، وتسلّم السلطان أحمد الوطاسي الحكم للسلطان السعدي وبذلك انتهت دولة بني وطاس.

قائمة السلاطين

   الحاكم  الحياة  الحكم
1 أبو زكريا محمد الشيخ المهدي  ....-....   1472-1504 
2 محمد أبو عبد الله البرتقالي  ....-....   1504-1525 
3 أبو العباس أحمد  ....-....   1525-1550 
4 أبو حسون أبو الحسن علي بن محمد  ....-1554   1550-1550 
  ؟؟؟  ....-....   1950-1554 
4 أبو حسون أبو الحسن علي بن محمد  ....-1554   1554-1554 


المصادر