محمد مصطفى المراغي

الشيخ مصطفى المراغي

محمد مصطفى المراغي (ولد في 7 ربيع الآخر 1298 هـ الموافق 9 مارس 1881م - 1364 هـ/1945) هو من أبناء (المراغة) بمحافظة سوهاج . وقد كان أصغر من حصل علي العالمية، التي حصل عليها عام ١٩٠٤ علي يد أستاذه (الإمام محمد عبده)، الذي رشحه في السنة ذاتها للعمل في السودان وهناك توثقت علاقته بحاكم السودان الإنجليزي دون أن يؤثر هذا علي مهابة واستقلالية مهنة الشيخ، فقد عرف عن الشيخ المراغي الميل للاعتدال والنفور من العنف، والاستقلال في اتخاذ القرار، وفي السودان تولي المراغي منصب قاضي القضاة في السودان كان ذلك عام ١٩٠٨ وكان عمره آنذاك ٢٨ عامًا.

وحينما كان يشغل هذا المنصب اندلعت ثورة 1919 في مصر، وعلي إثر عودته من السودان تنقل بين العديد من الوظائف فشغل رئيس التفتيش الشرعي بوزارة الحقانية (العدل) ثم رئيس محكمة مصر الابتدائية الشرعية ثم عضو محكمة مصر الابتدائية الشرعية ثم عضو المحكمة العليا الشرعية، ثم رئيس لها.

حياته

هو محمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم المراغي نسبة إلى مراغة، مركز جرجا، محافظة سوهاج بصعيد مصر. ولد في 7 ربيع الآخر سنة 1298 هـ الموافق ل9 مارس سنة 1881م.

وجهه والده، وقد كان على قدر من العلم و الثقافة، إلى حفظ القرآن، ولقنه نصيبا من المعارف العامة و لنجابته بعث به والده لطلب العلم في الأزهر -بالقاهرة- فتلقى العلم علي كوكبة من علمائه وتأثر بأصحاب التيار المجدد-ومنهم شيخه الشاب علي الصالحي- الذي درس المراغي عليه علوم العربية، وتأثر بأسلوبه في البيان و التعبير.

اتصل بالشيخ محمد عبده وكانت النقلة النوعية التي حددت مكانته العلمية، ومستقبله في مدرسة الإحياء والتجديد والإصلاح فلقد تتلمذ على محاضرات الأستاذ الإمام في تفسير القرآن، وتأثر بمنهجه في التوحيد و تنقية العقائد الإسلامية من "شغب" المتكلمين القدامى، وكذلك الحال في البلاغة واللغة العربية التي وصلت في عصره الازدهار، متخطية عصور الجمود والركاكة والانحطاط.

وكان الإمام المراغي معروفًا بين أقرانه وزملائه من الطلبة بالأخلاق الكريمة والحِرص على طلب العلم وقدوة التحصيل، واعتاد هو ونخبة من زملائه أن يقرؤوا الدروس قبل إلقاء المدرسين لها، ويقرؤوا معها كتبًا أخرى وكل مصادر المعرفة، ونجح المراغي في امتحان العالمية، وكان ضمن أعضاء اللجنة الشيخ محمد عبده، ورأى المراغي وهو يُؤدي الامتحان مريضًا مرتعشًا من الحمَّى، ومع ذلك أجاد في الامتحان، بل كان الأوَّل على زملائه، ودعاه محمد عبده إلى منزله تكريمًا له، والملاحظ أنَّ المراغي نال شهادة العالميَّة "الدكتوراه" وهو في سن الرابعة والعشرين من عمره، وهي سن مبكرة بالنسبة لعلماء الأزهر.[1]

وقد حصل على العالمية من الدرجة الثانية، وهي نفسها التي حصل عليها أستاذه محمد عبده، وهذه الدرجة تُؤهِّله للتدريس في الأزهر والمدارس التابعة له، ومن أجل هذا عقد الشيخ المراغي لنفسه حلقةً، وراح يُلقي فيها الدروس، ولأنَّه كان جميل العبارة ولطيف الإشارة، غوَّاصًا في بحور المعاني، فقد اشتدَّ الإقبال عليه، وتزاحم عليه الطلاب والعلماء لسماعه.

وأصبح حديث أهل العلم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، غير أنَّه لم يبقَ في حلقات درسه غير ستَّة أشهر غادَر بعدها إلى السودان، ليتولَّى فيها القضاء، لكنَّه كان دائمَ الحنين للرُّجوع إلى الأزهر للإسهام في إصلاحه.

توليه المشيخة

لقد عاش الشيخ المراغي سنين طويلة في وظائف متعدِّدة قضائيَّة وغيرها بعيدًا عن الأزهر، ثم عاد إليه ولم ينسه لحظةً، وفي 22/5/1928، وهذا يومٌ لا يغيب عن ذاكرته، عُيِّنَ شيخًا للأزهر، فكرَّس له وقته، وحشد من أجله طاقته وجهده، واستبدل ما كان من أمر "الجراية" من الطعام والخبز، فقد عيَّن لهم راتبًا يصرفُ شهريًّا بالجنيه.

ولقد تولَّى الشيخ المراغي منصب شيخ الأزهر مرتين: الأولى، وقد ذكرناها، وكان سنُّه وقتها 48 سنة، فأقبل بعزيمة قويَّة على النهوض بالأزهر، ليتبوَّأ المكانة الجديرة به في تاريخ النهضة الإسلامية، فألَّف لجانًا برئاسته واصَلتِ الليل بالنهار في دراسة قوانين الأزهر ومناهجه الدراسيَّة، كما اهتمَّ بالدراسات العُليا فيه، فاقترح إنشاء ثلاث كليَّات عُليا هي: كلية اللغة العربية، كلية الشريعة، وكلية أصول الدين، مع إنشاء أقسام عديدة لكلِّ تخصُّص.

وفي أكتوبر سنة 1929 احتدم الخلاف بين المراغي والملك فؤاد؛ فقدَّم استقالته، وحاول رئيس الوزراء منعه، لكنَّه أصرَّ على الاستقالة، واختير الشيخ الظواهري شيخًا للأزهر، ولمَّا استقال الإمام المراغي لم يخلد إلى الراحة والسكون كما كان يعتقد البعض، بل قضى أكثر من خمس سنوات عاكفًا في بيته على البحث والدراسة ومراجعة آراء المصلحين من قبلُ، وبخاصَّة آراء أستاذه الإمام "محمد عبده"، كما راجع الأسس التي وضعها للإصلاح وما تَمَّ تحقيقُه منها، وما ينبغي تعديله، وذلك في ضوء دراساته العميقة للنهوض بالأزهر.

ثم عاد شيخًا للأزهر مرَّةً ثانية في سنة 1935 مؤيَّدًا من آلاف العلماء والطلبة، مؤيَّدًا من الحكومة ومن الرأي العام، وباشَر أولاً تنفيذ ما استقرَّ عليه رأيه من وجوه الإصلاح في الأزهر، وما رآه في فترته الأولى، وقد حدَّد مهمَّة الأزهر أنَّه هو المعهد الإسلامي الأكبر، وأنَّ الغرض منه:

1- القيام على حفظ الشريعة؛ أصولها وفروعها، واللغة العربية، وعلى نشرهما. 2- تخريج علماء لتعليم ما سبق في مختلف المعاهد والمدارس، ويتقلَّدون الوظائف الشرعيَّة.

ولقد أُقيم مهرجان كبير لتكريمه لعودته مرَّة ثانية للأزهر، وخطب فيه كثير من الزعماء، وذكروا مواهبه وفضائله، فوقف الشيخ قائلاً: إنما يُنسب الفضل إلى أستاذي محمد عبده، وذكر أنَّه هو المصباح الذي اهتدى به.

آثاره العلمية وتأثيره

تقول المصادر أنَّه سافر إلى السودان وتولَّى منصب القضاء أولاً في مديرية دنقلة، ثم إلى مديرية الخرطوم، وفي هذه الفترة كان دائم الاتِّصال بأستاذه الإمام محمد عبده، وللمراغي مواقف شجاعة تدلُّ على عزَّة نفسه وشموخه، وأنَّه من أصل كريم وثري، فلقد سدَّد ديون أرملة أستاذه محمد عبده؛ لأنَّها كانت كريمة جدًّا، فاستدانت، وممَّا يُؤثَر عنه أنَّ راتب القاضي في السودان 14 جنيهًا تعادلُ الآن ستة آلاف جنيه، وقد منح زيادة قدرها ستَّة جنيهات، فرفض قبولها، واحتجَّ على ذلك قائلاً: إنَّ القاضي الإنگليزي يتقاضى راتبًا قدره خمسون جنيهًا، وتستكثرون على القاضي المصري عشرين جنيهًا، وعاد إلى مصر، وطلب منه العودة لكنَّه رفض وقدَّم استقالته، وفي سنة 1937 عُيِّنَ مفتشًا للدروس الدينيَّة بالأوقاف، ولكنَّه عاد للتدريس بالأزهر، مع الاحتفاظ بوظيفته في الأوقاف.

سنة 1908 زاره لاجان باشا، وكيل حكومة السودان، وعرض عليه أنْ يكون قاضي القضاة، وبعد محاولات اشترط أنْ يكون تعيينه بأمر الخديو من مصر، واختار بنفسه لائحة المحاكم الشرعيَّة بالسودان، واختيار القضاة، واختيار الآراء الفقهيَّة التي يحكمون بها، وطلب من كلِّ محاكم السودان أنْ ترسل إليه بيانًا شهريًّا بالقضايا، وكان يُراجعها وينفذ ما يَراه صوابًا، فكان أستاذًا ومرشدًا، وعمل على ترقية القضاء في السودان، فأشرف على القسم الشرعي بالكلية، وزوَّده بأساتذة من علماء الأزهر، ورفع من كرامة القضاء، وشارك في ثورة 1919، وقاد المصريون الموجودون بالسودان، ودعا كلَّ مصري لأنْ يُسهم بما تجودُ به نفسه لتخفيف المصائب التي أنزلها الإنگليز بالشعب المصري، واعترض الحاكم الإنگليزي بالسودان ودار حوار بينهما قال له:

"إني أكلمك كرئيسٍ، وكان المراغي سريعَ البديهة، قويَّ الحجَّة في شجاعة، فردَّ عليه وقد التهب غاضبًا: كنت أفهم أنَّك تعلم واجبك، إنَّه ليس لي رئيس هنا، فأنا الحاكم العام معيَّن بأمرٍ ملكي، وهو حاكم سياسي وأنا قاضي القضاة، ولا إشراف لأحدٍ منَّا على الآخَر"، وتركه وانصرف، فأرسل الحاكم العام إليه يدعوه لتناوُل الشاي معه، وبعد نقاشٍ طويل بينهما أجابه الشيخ المراغي بكلامٍ خلاصته: "إنَّني حوَّلت تيار ثورة المصريين والسودانيين ضد الإنجليز من تيار دموي إلى تيار مالي؛ أي: يجب على الإنگليز إرجاع كافَّة الأوقاف والمباني، وأجراها لهم الإمام بمبالغ شهرية يعود ريعها على الشعب السوداني نفسه. ردَّ عليه الحاكم قائلاً: "افعل ما تريد، وقد قلت للإنگليز: إنَّ الشيخ المراغي لا يمكن مناقشته أو التغلُّب عليه، ومن الصعب إقناعه، وكان الشيخ يعتزُّ بكرامته ومنصبه ووطنه، ويبدو هذا جليًّا في موقفه حينما أرادت بريطانيا تتويج ملكها جورج الخامس إمبراطورًا للهند، ورتَّبت حكومة السودان أنْ يُدعى كبار الموظفين إلى انتظار باخرته، على ألا يصعد للباخرة سوى الحاكم العام، أمَّا غيره فيمرُّون بمحاذاة الباخرة، فغضب المراغي وامتنع عن الذهاب إلا إذا صعد مع الحاكم، وأصرَّ على ذلك، فنزلت الحكومة الإنجليزية على رأيه، وأرفق إليه بالموافقه، ولمَّا اشتدَّت الثورة بمصر، والتفَّ المصريون بالسودان حول الشيخ الإمام، قاد جموعَهم في مظاهرة كبيرة، وأخذ يجمع التوقيعات لتأييد زعامة سعد زغلول لزعامة الأمَّة، وهنا ثار حكَّام الإنجليز، واقترحوا أخيرًا بمنحه إجازة من السودان، ورجع إلى مصر مكرمًا.

الشيخ وجورج الخامس

إعتزمت الحكومة البريطانية أثناء احتلالها للهند أن تحتفل بتنصيب الملك جورج الخامس إمبراطورا على الهند فأصدرت الأوامر إلى الأعيان وكبار الموظفين في السودان أن يسافروا إلى ميناء سواكن لاستقبال باخرة الملك وهي في طريقها إلى الهند حيث تتوقف لبعض الوقت وكان في مقدمة المدعوين قاضي السودان، وهو وقتئذ الشيخ المراغي، وكان البروتوكول يقضي بألا يصعد إلى الباخرة أحد غير الحاكم الإنجليزي، وأما من عداه فيمكثون بمحاذاة الباخرة ويكفي أن يشرفهم الملك بإطلال عليهم. وعلم الشيخ ذلك الترتيب فأخبر الحاكم الإنجليزي بأنه لن يحضر لإستقبال الملك ألا إذا صعد مثله إلى الباخرة لملاقاته.

تحرج الإنجليز وكثفوا اتصالاتهم وتغيروا الترتيب مرغمين، وصعد الشيخ المراغي السفينة وقابل جورج الخامس. فقال بعض الإنكليز والمراسلين مستنكرين : كان ينبغي أن تنحني للملك كما ينحني كل من يصافخه فرد الشيخ في اعتزاز بنفسه وبعلمه : ليس في ديننا الركوع لغير الله.

مناصبه

لقد تولَّى الإمام المراغي مناصب كثيرة قبل تولِّيه مشيخة الأزهر، نوجزها فيما يلي:

  1. رئيس التفتيش الشرعي بوزارة الحقانيَّة "وزارة العدل" 1919.
  2. رئيس محكمة مصر الكلية الشرعية 1920، وعضو المحكمة العُليا الشرعية، ورئيسًا لها، وفي هذه المناصب قام بعدَّة إصلاحات مهمَّة؛ منها: عدم التقيُّد بمذهب إذا وجد في غيره ما يُناسب المصلحة العامَّة للمجتمع، وكان القضاة قبلها مُقيَّدين بمذهب معيَّن، وقال لأعضاء للجنة القضاء: "ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنَّه موافقٌ للزمان والمكان، وأنا لا أحتاج أنْ آتيكم بنصِّ المذاهب الإسلامية يطابقُ ما وضعتم، إنَّ الشريعة الإسلاميَّة فيها من السماحة والتوسعة ما يجعلنا نجدُ في تفريعاتها وأحكامها من القضايا المدنية والجنائية كلَّ ما يفيدنا وينفعنا في كلِّ وقت وحين، ولقد اختلف الأئمَّة في الآراء الشرعية والفقهية.
  3. استنتج الشيخ المراغي أنَّ التجديد في الأحكام الشرعية ميسور لنا، وأنَّ المسائل الفقهية ما دامت غير قطعية فهي قابلة شرعًا للتجديد والتغيير، وهو على حق في هذا؛ فإنَّ الشريعة الإسلامية صالحة لكلِّ زمان ومكان، واقتبس الإمام المراغي من كلِّ المذاهب والمجتهدين، وأصدر سنة 1920 "قانون الأحوال الشخصية"، فعدل قانون الطلاق والمواريث... إلخ؛ وبهذا حفظ للأسرة الإسلامية كيانها؛ لأنَّ الأسرة هي أساس المجتمع الصالح.
  4. كان يُراعي في فتاويه وآرائه التيسير في الأمور، آخذًا بنصيحة الإمام محمد عبده: "العلم هو ما ينفعك وينفع الناس".
  5. نادى بفتح باب الاجتهاد، ودعا إلى توحيد المذاهب بقدر الإمكان، فقال: "يجب العمل على إزالة الفروق المذهبية، وتضييق شقَّة الخلاف بينها؛ فإنَّ الأمَّة في محنةٍ من هذا التفريق، ويجب أنْ يدرس الفقه دراسةً بعيدةً عن التعصُّب لمذهبٍ معيَّن، وأنْ تدرس قواعده مرتبطةً بأصوله من الأدلة المنصوص عليها من الكتاب والسُّنَّة.
  6. كما أوصى بوجوب أنْ يترفَّق الفقهاء بالناس في أمور شرعية كثيرة.
  7. حاول التقريب بين المذاهب الطائفية، وتأكيد روابط الصداقة بين المسلمين والعالم، وإيجاد تضامن بين الهيئات العلمية والتعليمية في البلاد الإسلامية.

مكانته

كان الإمام المراغي - رحمه لله - يُناضل في سبيل إصلاح الأزهر ومناهجه وتجديد أهدافه بين تيَّارات متضاربة عنيفة؛ من ملك مستبدٍّ وأحزاب مُتَناحرة تحرُّريَّة، ولكنَّه على الرغم من كلِّ هذا مضى في طريقه يقتحمُ العقبات ويقول عنه الإمام د.عبدالحليم محمود: عالم ذكي، وشخصيَّة خارقة، مهيب، صاحب رأي في العلم والسياسة، ونزلوا على رأيه في مواقف كثيرة مهمة، وكثيرًا ما استمع الملك فاروق إلى رأيه، وكان يحضر مجالسه العلميَّة، وينصره على بعض الأحزاب المناوئه، والجميع يعرف مكانة الإمام المراغي؛ لجرأته في قول الحق، وإنْ أغضب ذلك ذوي السلطان.

وفي الحرب العالمية الثانية أعلن كلمته المشهورة في مسجد الرفاعي أثناء خطبته: "أسأل الله أنْ يجنِّبنا ويلات حربٍ لا ناقة لنا فيها ولا جمل"؛ لأنَّ الإنجليز أرادوا أنْ يزجُّوا بالمصريين معهم في حرب الألمان، ولقد أحدث تصريح الإمام ضجَّة كبرى هزَّت الحكومة المصرية وأقلقت الإنجليز، واتَّصل رئيس الوزراء بالشيخ محاولاً تهدئة الموقف، والإنجليز يعرفون مكانته الدينية ومنزلته عند الشعب، ونادى الإمام باحترام العلم والعلماء فهم صفوة القوم وعليتهم، وأمر رئيس الوزراء بأنْ يُصدر مرسومًا بتصدُّر العلماء واجهة كلِّ الاحتفالات الرسميَّة، وللإمام مواقف كثيرة لا يتَّسع المقام لحصرها.

فلقد كان - رحمه الله - علمًا من أعلام العلماء، وهذا شيء لا جدالَ فيه، ولا نتجاوزُ الحقيقة إذا قلنا: إنَّ الشيخ المراغي من علماء الأزهر، ومن الشيوخ الذين شرُف بهم الأزهر لأنهم حافَظوا على مكانة الأزهر معنى لا مبنى؛ لأنهم اعتبروا نفسَه فوق المنصب وليس المنصب فوقهم.

وأمَّا السياسة فقد ظلمت الشيخ، وهذا حقٌّ لا مراء فيه، لقد فرضت نفسها عليه فاستجاب لها؛ لأنَّ السياسة ليست وقفًا على الزعماء يحرم منه علماء الدِّين، وفصل الدِّين عن الدولة لا يعرفُه الإسلام، وإن اعترف به غيره.

ونعود للحديث عن الإمام المراغي الذي إذا ذُكِرَ اقترن اسمه بالعلم والأزهر والسياسة.

  1. يقترن اسمه بالعلم لأنَّه عالم دِيني مجدِّد، وعقلية خصبة جاءت امتدادًا لعقلية "محمد عبده"، ولو أنَّ هناك بعض التباين بينهما، وكلاهما أدَّى للإسلام أجلَّ الخدمات وأعظم الأعمال التي لا يجحدها إلا مَن حُرِمَ نعمة البصيرة.
  2. يقترنُ اسم الشيخ المراغي بالأزهر والسياسة؛ لأنَّ الشيخ الذي أخرج الأزهر في الآونة الأخيرة من عزلته، وأراده أنْ يكون كائنًا يسايرُ الحياة ويأخُذ نصيبه من السياسة ولم يعزل الدِّين عن الدنيا.
  3. وإنَّ الأزهر الآن له بصماته على الساحة الداخلية والخارجية ويتماشى مع الأحداث العالمية، وارتفعت أصوات تنكر على الأزهر اشتغاله بالسياسة، لكنَّها ضاعت في مهبِّ الريح.
  4. والشيخ المراغي بفِكره الواعي أهاج ذوي العقليَّات الجامدة الراكدة، لكنَّهم لم يُنكروه عالمًا فقيهًا له مكانة مرموقة وذا شجاعة نادرة.

مؤلفاته

ومع كثرة مشاغل الإمام المراغي والمتاعب والخصومات السياسيَّة إلا أنَّه توجد له مؤلفات ومذكِّرات وخطب كثيرة في الإذاعة والصحف والمجلات في ذلك الوقت، ومن مؤلَّفاته نذكر بعضًا منها لإتمام الفائدة.

  • الأولياء والمحجرون بحث فقهي في موضوع الحجر على السفهاء - مكتبة الأزهر.
  • تفسير جزء تبارك، لا يزال مخطوطًا.
  • بحث في وجوب ترجمة القرآن الكريم.
  • رسالة الزمالة الإنسانية، مؤتمر الأديان بلندن.
  • بحوث في التشريع الإسلامي في الزواج.
  • تفسير بعض سور القرآن في مناسبات دينيَّة في ليالي رمضان، منها سور لقمان والحديد والعصر، ونشر أغلبها في مجلة الأزهر.
  • الشيخ المراغي، بأقلام الكُتَّاب.

وفاته

لقي الإمام المراغي في حياته متاعب عديدة؛ سواء من الأحزاب والاستعمار وبعض ذوي النُّفوذ، وتغلَّب على كلِّ ذلك بقوَّة إيمانه بالله، وكان حريصًا على الأمانة، صادقًا لا تأخذُه في الحق لومة لائم، ولو كلَّفَه ذلك حياته؛ مثل ما فعل بعض المجرمين في قضيَّة رشوة، وألقوا عليه ماءَ النار، ولكنَّ لله لطَف به، وما حدث معه والملك فاروق في تطليق زوجته الأولى "فريدة"، وأراد أنْ يحرِّم عليها الزواج من غيره، وكان الشيخ يُعالج بالمستشفي فرفض الاستجابة؛ فضاق الملك به، وذهب إليه بالمستشفى، فقال له الإمام عبارته الخالدة: "أمَّا الطلاق فلا أرضاه، وأمَّا التحريم فلا أملكه"، وطال الجدل، فصاح المراغي قائلاً: "إنَّ المراغي لا يستطيع أنْ يحرم ما أحلَّ الله، وبعد أن انتكست صحَّة الإمام، وتروي "مجلة المصور" داخل المستشفى قبل وفاته بأيَّام، وكان يقضي وقته في كتابة وتفسير سورة القدر؛ ليُلقي عنها حديثًا في ليلة القدر القادم، ورأته الممرضة ليلة وفاته منكبًّا على كتابة التفسير، فطلبت منه أنْ يستريح فرفض، ثم زاره الطبيب فوجده يتمتَّع بصحَّة جيدة ونبض حسن، ولكنَّه ما كاد ينصرف حتى فاضت روحُه الطاهرة إلى بارئها راضية مرضيَّة بعد حياةٍ حافلة بجلائل الأعمال، وذلك في ليلة الأربعاء 14 رمضان 1364هـ/22 أغسطس 1945م، وشُيِّعَ إلى مثواه الأخير في جنازةٍ مهيبة، وحزن عليه العامَّة والخاصَّة.

انظر أيضا

المصادر

سبقه:
محمد أبو الفضل الجيزاوي
شيخ الأزهر
1928 - 1945
لحقه:
مصطفى عبد الرازق