الولايات المتحدة والمشرق العربي (كتاب)

الولايات المتحدة والمشرق العربي
AM 004.JPG
المؤلف د. أحمد عبد الرحيم مصطفى
الموضوع شئون سياسية
الناشر سلسلة عالم المعرفة
الإصدار مايو 1978
عدد الصفحات 235

الولايات المتحدة والمشرق العربي, هو كتاب من تأليف د. أحمد عبد الرحيم مصطفى ، وهو الإصدار الرابع لكتب سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 1978.


محتويات الكتاب


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مقدمة

تختلف منطقة الشرق الأوسط عن كل من أمريكا اللاتينية وأوروبا والشرق الأقصى من حيث أن الولايات المتحدة لم تعرها أهمية كبيرة من وجهتي النظر السياسية والتجارية طيلة القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين. حقيقة أنها أبدت نشاطا عسكريا بحريا في منطقة المغرب العربي في أعقاب استقلالها عن بريطانيا، وذلك نتيجة لأعمال القرصنة التي كان يقوم بها »قراصنة « الجزائر وتونس وطرابلس الغرب-إلا أن ذلك لم يتضمن اهتمام الولايات المتحدة بهذه البقعة من العالم إلى ما هو أبعد من حماية المصالح الأمريكية. ولهذا فان المبشرالأمريكي -الذي كان يعتبر الشرق الأدنى أرض الإنجيل- هو الذي حدد أسلوب العلاقات الأمريكية-العربية طيلة القرن التاسع عشر. فمنذ عام ١٨٣٣ بدأت جماعات صغيرة من المبشرين الأمريكان تضع أسس ما تحول في أواخر القرن التاسع عشر إلى شبكة من المدارس والمستشفيات والكليات في الشام و الأناضول وفارس ومصر. وإزاء فشل المبشرين الأمريكان في نشر مذهبهم (البرسبتيري) نظرا لمقاومة الطوائف الإسلامية والمسيحية المحلية، فانهم حولوا معظم نشاطهم إلى مجالات التعليم والطب دون أن يتخلوا عن هدفهم الأساسي. وهكذا أخذت مطابعهم توسع أعمالها , فقامت بطبع عدد كبير من الكتب العربية.

وكانت درة أعمالهم في الحقل التعليمي تأسيس الكلية السورية البروتستانتية (التي أصبحت فيما بعد الجامعة الأميركية) في بيروت في عام ١٨٦٦ وافتتاح الجامعة الأمريكية في القاهرة في عام 1920 وما انتهى القرن التاسع عشر حتى كانت شبكة المؤسسات التعليميةالأمريكية قد غطت الشرق الأدنى وكان خريجوها يحتلون مكانة بارزة فيالحياة العامة , وكان لهم دورهم في إدخال الثقافة الغربية ومساندة مختلف المجموعات اللغوية الساخطة في داخل الإمبراطورية العثمانية المتداعية.

وخلال المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الأولى أعلن الرئيس الأمريكي وودرو ولسون مبادئه الأربعة عشر التي نص المبدأ الثاني عشر منها على أن تتمتع القوميات الخاضعة للحكم العثماني بالأمن على حياتها وان يفسح لها المجال للتطور نحو الحكم الذاتي. وفي مؤتمر الصلح الذي انعقد في فرساي بعد هزيمة ألمانيا وحلفائها (ومنهم الدولة العثمانية) تبنى ولسون إقامة مؤسسة عالمية مهمتها حل المشاكل الدولية وزكى وضع أملاك ألمانيا والدولة العثمانية تحت الانتداب الغربي بشرط أن يخضع هذا الانتداب لإشراف المؤسسة الجديدة، عصبة الأمم. و حين اتضح اتجاه كل من بريطانيا وفرنسا إلى تقسيم الأملاك العثمانية في الشام ومابين النهرين اشترط إرسال لجنة مشتركة للتحقق من رغبات السكان. وإزاء تلكؤ بريطانيا وفرنسا في الاشتراك في اللجنة المقترحة قرر ولسون إجراء تحقيق أمريكي منفرد وعين كلا من هنري تشرشل كنج وتشارلز كرين للاضطلاع بهذه المهمة.

وفي يونية-يولية ١٩١٩ توجهت اللجنة الأمريكية إلى فلسطين وسوريا ولبنان حيث قابلت عددا كبيرا من الوفود وتلقت عددا كبيرا من العرائض. وفي ١٠ يولية أرسلت تقريرها المبدئى إلى ولسون , وهو التقرير الذي عارض قيام دولة صهيونية في فلسطين على أساس أن حوالي ٩٠ % من سكانها عبروا عن رفضهم لهذا المشروع , وحذر من سيطرة فرنسا على سوريا التي اتضح أن سكانها يفضلون الاستقلال , واعترف بوضع لبنان الخاص وكان أميل إلى انتداب بريطانيا على كل من فلسطين والعراق. ولكن الدولتين الأوروبيتين الغربيتين لم تهتمابرغبات سكان الشرق الأدنى-وفي مؤتمر سان ريمو (أبريل ١٩٢٠ ) تقرر توزيع الانتداب على كل من بريطانيا وفرنسا فوضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وفلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني وأضيفت عبارة فحواها أن على الدولة المنتدبة على فلسطين أن تنفد وعد بلفور.


الفصل الأول: بريطانيا والولايات المتحدة ونفط العالم العربي

أصبح النفط مصدرا حيويا للطاقة خلال الحرب العالمية الأولى. وقد أدت أهميته الكبرى بالنسبة إلى المجالات الحربية والمناعية إلى ازدياد التنافس بين الدول الكبرى وتشجيعها رعاياها على ارتياد إمرة الأرضية بحثا عن الأماكن التي تحتوي على مخزون نفطي كبير. أما الولايات المتحدة فقد اشتركت في هذا السباق العالمى في وقت كان يتنبأ فيه خبراؤها بتناقص المخزون الأمريكي الضخم في المستقبل القريب. وكان ذلك مؤذنا باصطدام المصالح النفطية الأمريكية والبريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى , خاصة وان عددا كبيرا من الشركات الأمريكية الكبرى لجأت إلى وزارة الخارجية الأمريكية لكي تساعدها على شق طريقها عبر هذه المنافسة النفطية الدولية. وهكذا جرت مشادة شديدة بين الولايات المتحدة وبريطانيا منذ عام ١٩١٦ حين تدخلت بريطانيا , بعد احتلالها لفلسطين في أعمال شركة ستاندرد أويل أوف نيويورك (سوكوني) الخاصة بالتنقيب عن النفط في فلسطين (١). وقبل نهاية عام ١٦١٩ كانت الحكومتان قد دخلتا كذلك في مشادة أقوى حول استثمار نفط العراق- وكانت هذه المشادة أطول مدى من سابقتها واكثر تعكيرا للعلاقات بين البلدين.

ففي أواخر أغسطس ١٩١٩ أرسلت شركة سوكوني إثنين من الجيولوجيين إلى بغداد لاستطلاع احتمالات وجود النفط في العراق. ولكن السلطات البريطانية رفضت السماح لهما بالقيام بذلك , رغم أن جيولوجيا بريطانيا كان قد قام باستطلاعات مشابهة لمدة أربعة شهور. وقد أدى موقف بريطانيا من النشاط البترولي الأمريكي المحتمل في فلسطين والعراق-وهما بلدان كان من المتوقع أن تنتدب بريطانيا عليهما-إلى إثارة شكوك كبيرة في واشنطن حول مفهوم نظام الانتداب لدى بريطانيا. فقد جرى التساؤل حول ما إذا كان الإنجليز يزمعون استغلال نظام الانتداب الجديد وجعله ستارا لنظام الحماية القديمةمما يختلف تماما عن وجهة النظر الأمريكية كما عبر عنها الرئيس ولسون في فرساي. وهكذا اتخذت الولايات المتحدة موقفا مزجت فيه شكواها المتعلقة بالنفط بالقضية الأساسية المتعلقة بسياسة الانتدابات. وما حل أكتوبر ١٩١٩ حتى كانت وزارة الخارجية الأمريكية تصر على ضرورة تطبيق الإنجليز لمبادىء الانتداب التي جرت الموافقة عليها من قبل , فطالبت الدولة المنتدبة بأن تضمن لمواطنى كل دولة عضو في عصبة الأمم ما يلي:

  1. - المساواة في حق الحصول على الأملاك الثابتة.
  2. - المساواة التامة في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية. بالإضافة إلى حرية المرور (الترانزيت).

وكان كل من لويد جورج ومندوبي فرنسا وإيطاليا قد اتفقوا مع ولسون في مجلس الأربعة على ألا تسعى الدولة المنتدبة بأي حال من الأحوال إلى الحصول على أولوية في الامتيازات. واستندت وزارة الخارجية الأمريكية إلى هذا الاتفاق لدعم ادعاءات شركة سوكوني في فلسطين وطالبت بأن تتمتع الشركات الأمريكية بنفس المزايا التي يتمتع بها البريطانيون وغيرهم في كل من إقليم مابين النهرين (العراق) وفلسطين. إلا أن الإنجليز لم يتزحزحوا قيد أنملةعن تصميمهم على عدم السماح بالقيام بأي بحث عن النفط في الأراضي المحتلة مماأثار موجة من العداء لبريطانيا في الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي كانت تعلن فيه وزارة الخارجية البريطانية أن رعايا بريطانيا لا يتمتعون بأي امتيازات خاصة، كان جيولوجيو شركة شل وشركة النفط الإنجليزية-الفارسية يقومون بالبحث عن النفط في منطقة ما بين النهرين مما أدى إلى احتجاج وزارة الخارجية الأمريكية من جديد وضغطها في سبيل تطبيق مبدأ »الباب المفتوح «. وحين اجتمع ممثلو الحلفاء في سان ريمو , (في إيطاليا) في ربيع عام ١٩٢٠ للنظرفي معاهدة الصلح الموقعة مع تركيا في سيفر , انتهزت بريطانيا وفرنسا هذه الفرصة للتوقيع على معاهدة سان ريمو النفطية التي حصلت فرنسا بمقتضاها على حصة من الإنتاج المحتمل لنفط ما بين النهرين( ٢). وفي مقابل ذلك سمحت فرنسا بمد خط أنابيب النفط البريطانية عبر الأراضي الواقعة تحت الانتداب الفرنسي ليصب في ميناء يقع على البحر المتوسط ويحتوي على التسهيلات اللازمة. ولم تندهش وزارة الخارجية الأمريكية لما جرى الاتفاق عليه ,خاصة وأنها كانت على علم تام بالمفاوضات التي جرت بهذا الشأن. و حين نشر فحوى الاتفاقية النفطية البريطانية-الفرنسية ازدادت شكوك الأمريكان وتعززت وجهات نظرهم الخاصة بأن الإنجليز ينوون حرمانهم من التنقيب عن النفط في الأراضي التي أدانت التدخل في نطاق الإمبراطورية العثمانية المنهارة. وفي ١٢ مايو ١٩٢٠ أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية مذكرة نددت فيها بعدم تكافؤ الفرص في الانتدابات , واعتبرته خرقا للمبدأ الرئيسي الذي تقوم عليه هذه الانتدابات والذي اقر في باريس في عام ١٩١٩ . وذهبت وزارة الخارجية الأمريكية في هذه المذكرة إلى أن الإدارة البريطانية في فلسطين وبلاد ما بين النهرين تحمل منذ عام ١٩١٩ على التحيز ضد الأمريكان-وبخاصة ضد المصالح البترولية الأمريكية.

الفصل الثاني: قضية فلسطين

إذا كان تطور القضية الفلسطينية قد لعب دورا لا شك فيه في ضعضعة النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط , فان هذا الدرس التاريخي لم يستوعبه مخططو السياسة الأمريكية الذين نظروا إلى المنطقة باعتبارها حلقة من حلقات الصراع الدولي بين الشرق والغرب بغض النظر عن احساسات ومشاعر سكانها. وهكذا تورطت الولايات المتحدة في نفس اللعبة المزدوجة التي سبق لبريطانيا أن انزلقت أقدامها إليها-وبالتالي دفعت ثمنا فادحا لقطعها وعد بلفور وعملها على إخراجه إلى حيز التنفيذ. ولا يصح القول بأن مساندة أمريكا للصهيونية في أعقاب الحرب العالمية الثانية كان مرجعه رغبتها في أن يوفر قيام إسرائيل »قنطرة صداقة بين الشرق والغرب وعملية رد اعتبار ذات قيمة تاريخية وفصل بناء جديد في تاريخ الشرق الأوسط (١) إلى غير ذلك من الكلام البراق المتشح بمسحة إنسانية زائفة. ذلك أن الولايات المتحدة- رغم عدم تدخلها الرسمي في شئون الشرق الأوسط في فترة ما بين الحربين جريا وراء سياسة العزلة- لم تستطع أن تكون بمعزل عن تطور القضية الفلسطينية بسبب تفوق النفوذ الصهيوني في دوائرها السياسية والمالية والثقافية. فبرغم أن أصوات الملايين الستة من اليهود المقيمين فيها ليس لها وزن كبير من الناحية العددية (على اعتبار أنهم لا يشكلون سوى ٣% من مجموع السكان) , إلا أن معظم يهود أمريكا يتركزون في عدد قليل من المدن الكبرى المزدحمة بالسكان , وبخاصة في مدينة نيويورك وولاية كاليفورنيا. وتبدو أهمية هذا التركيز إذا ما ربطناه بالنظام الانتخابي في البلاد: فكل ولاية لها نفس العدد من الأصوات الانتخابية التي تمثلها في الكونجرس وهذه الأصوات تتوزع بحسب عدد سكان الولاية. وبالإضافة إلى ذلك فان انتخابات الرئاسة تسير في كل ولاية على مبدأ »كل شيء أو لا شيء , « وذلك بغض النظر عن عدد الأصوات التي يحصل عليها كل مرشح بمعنى أن المرشح الفائز يحصل على كل الأصوات الانتخابية في الولاية. وهذا المبدأ يبرز أهمية الفوز بالولايات المزدحمة بالسكان , وذلك على اعتبار أن نيويورك وكاليفورنيا وبنسلفانيا والينوي وماساشوستس وأوهايو تتحكم جميعا في ١٧٨ صوتا انتخابيا من مجموع الأصوات اللازمة للفوز بانتخابات الرئاسة وعددها ٢٢٦ صوتا. ومن المعتقد أن ٧٥ % من اليهود الأمريكان يقطنون هذه الولايات الست , في الوقت الذي يتركز فيه ٤٠ % من مجموعهم في مدينة نيويورك وحدها.

وبالإضافة إلى النفوذ الذي أحرزته المؤسسات الصهيونية المترابطة في الولايات المتحدة , فان اليهود الأمريكان ينفقون أموالا طائلة في الدعاية الانتخابية مما يجعلهم يلعبون دورا خطيرا في انتخابات الكونجرس والرئاسة-وقد قدر أنهم أنفقوا في الانتخابات النيابية في عام ١٩٧٠ ما مقداره ٦٤ مليون دولار لإنجاح المرشحين الديموقراطيين ( ٢) , وهذا هو السر في تملق الساسة والرؤساء الأمريكان للصهيونيين منذ رئاسة ولسون حتى الوقت الحاضر. كما أن هناك عوامل أخرى تفسر هذا الاتجاه من جانب المسئولون الأمريكان: فثمة بعض الأمريكان الذين يؤمنون بإخلاص بما جاء في الإنجيل من عودة اليهود إلى أرض الميعاد, هذا في الوقت الذي امتعض فيه الأحرار في العالم الجديد من موجة اللاسامية التي اشتدت في أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر, ثم أزعجتهم قسوة النازييين بحيث ساندوا استقرار اليهود في فلسطين بل إن بعض الأمريكان أبدوا تخوفهم من احتمال توجه اليهود إلى الولايات المتحدة للإقامة فيهما إذا. ما أوصدت أبواب فلسطين في وجوههم( ٣). وأهم من هذا كله أن الولايات المتحدة, وقد فشلت في تكتيل المشرق العربي خلال العقدين الأخيرين ضد الاتحاد السوفيتي , مالت إلى أن تطبق في المنطقة ذلك الميدأ الذي طبقته في أوروبا والشرق الأقصى من حيث الارتكاز إلى حليف قوي في منطقة معادية وجعله نقطة الارتكاز الرئيسية, ولو أن الحلف الأمريكي-الإسرائيلي غير المعلن لم يسفر عن وجهه بصراحة بسبب خوف الأمريكان من إغضاب العالم العربي بأسره إلى غير رجعة.

وكانت الخطوة الأولى في تفاصيل هذه الصداقة الطويلة التي ربطت بين الرؤساء الأمريكان والدوائر الصهيونية هي الزيارة التي قام بها وزير الخارجية البريطاني جيمس آرثر بلفور إلى الولايات المتحدة بعد وقت قليل من دخول أمريكا الحرب إلى جانب الحلفاء في أبريل ١٩١٧ . وكان الهدف من هذه الزيارة هو الحصول على مساندة الولايات المتحدة للخطوة التي كان مجلس الوزراء البريطاني يفكر في اتخاذها بصدد مساندة آمال الصهيونيين فالولايات المتحدة كانت قد حشدت قوتها ومواردها الضخمة لخدمة مجهود الحلفاء الحربي في أوروبا , وكان من المتوقع أن تلعب دورا رئيسيا في تسويات الصلح-ومن ثم فان إصدار الرئيس الأمريكي تصريحاً قاطعا مواليا للصهيونية كان من شأنه أن يبدد مخاوف البريطانيين من احتمال عزلة بلادهم السياسية بصدد المسألة الفلسطينية. وطبقا للمعلومات المتوافرة لدينا لم تتناول مباحثات الوزير البريطاني مع الرئيس الأمريكي المسألة الصهيونية العامة أو شروط التصريح البريطاني المحتمل الخاصة بالتعاطف مع الأهداف الصهيونية . ولكن الرئيس ولسون أكد لبلفور-عن طريق القاضي پراندايس، وهو أبرز زعماء الصهيونيين الأمريكان , وكان صديقا حميما للرئيس الأمريكي-موافقته على مثل هذه الخطوة. ثم تساءلت الحكومة البريطانية بعد ذلك عما إذا كان الرئيس الأمريكي على استعداد لإصدار تصريح علني يوافق فيه على وعد بلفور (الذي كان حينئذ على شكل مشروع) , ووافق. على الصيغة البريطانية الأصلية التي ما لبثت أن تعدلت بعد أن راجعها مجلس الوزراء البريطاني. ولم يدل ولسون بموافقته العلنية على النص النهائي لوعد بلفور( ٤ ) إلا في أغسطس حين بعث برسالة تحية إلى اليهود الأمريكان الذين عقدوا اجتماعهم بمناسبة السنة الجديدة.

الفصل الثالث: الدفاع عن الشرق الأوسط

قامت السياسة الأمريكية إزاء المشرق العربي خلال فترة ما بين الحربين على التسليم بالنفوذ البريطاني والفرنسي- مما يعكس طبيعة المصالح الأمريكية التي ظلت في معظمها تعليمية ودينية, وذلك باستثناء ما حدث من توسع المصالح النفطية الأمريكية خلال العقد السابق على نشوب الحرب العالمية الثانية. ويرجع بدء استجابة سياسة الولايات المتحدة للظروف الجديدة إلى موقف الشعب الأمريكي من شئون السياسة الخارجية. فهذه السنوات كانت تتميز بالرغبة في العودة إلى »الأيام الخوالي « حين كانت الولايات المتحدة بمنأى عن سياسات أوروبا والمناطق المجاورة لها. وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى كانت الولايات المتحدة تتمتع بسمعة طيبة في العالم العربي , مرجعها الاحترام الذي كان يكنه العرب للجهود الأمريكية في مجالات الطب والتعليم والغوث. وقد أدت مبادىء ولسون الخاصة بتقرير المصير إلى تعزيز الصورة المثالية للولايات المتحدة باعتبارها خصما للاستعمار القديم حقيقة أنها فقدت قدرا من هيبتها حين لم تساند آمال العرب بصورة إيجابية بسبب ضغط الرأي العام الأمريكي والكونجرس صوب العزلة وعدم التدخل في شئون العالم القديم إلا أن الصورة المحببة للولايات المتحدة كانت لا تزال ماثلة في وقت كان يزداد فيه عداء العرب لكل من إنجلترا وفرنسا. ومن ثم اقتصرت الدبلوماسية الأمريكية على حماية المصالح الأمريكية الشرعية-أي المصالح التقليدية القائمة على البعثات التبشيرية والمدارس والجهود الخاصة بالغوث والمشروعات التجارية والنشاط الاركيولوجي المتزايدالذي كانت تقوم به الجامعات والمتاحف الأمريكية. فسياسة واشنطن الرسمية كانت تفضل المزاياالنسبية للنشاطات الإنسانية على مزايا النشاطات التجارية المحدودة قبل التوسع في صناعة النفط في أعقاب الحرب العالمية الثانية , خاصة وان واشنطن كانت مترددة-كما كان حالها في عهد الرئيس تافت-في مواجهة مسألة ما إذا كان من الممكن تحقيق الأهداف التجارية على طول المدى دون اتباع سياسة متشددة أو مواجهة احتمال التدخل.

وفي خلال السنوات الأولى التي أعقبت الحرب العظمى كانت الدبلوماسية الأمريكية تعلق أهمية كبرى على بناء الهيكل الجديد للعلاقات الرسمية التي كان يتطلبها التبدل الذي ترتب على اختفاء السيطرة العثمانية وبدء السيطرة الغربية. ولهذا فان كثيرا من التفاوض كان يجري مع كل من بريطانيا وفرنسا إلى أن استطاعت الحركات الوطنية المحلية أن تنجح في أضعاف السيطرة الاستعمارية. وحينئذ بدأت الولايات المتحدة تتعامل مع دول عربية مستقلة أو شبه مستقلة وبالتالي اثر المفهوم الأمريكي لنظام الانتدابات في الجهود الرامية إلى حماية المصالح القائمة والمحتملة. وكانت الولايات المتحدة تقوم باتصالاتها الرسمية مع الدول الواقعة تحت الانتداب عن طريق وزارتي الخارجية البريطانية والفرنسية: وكانت واشنطن تهتم بحقوق الولايات المتحدة ومواطنيها في سوريا ولبنان-مثلا-وعلى الالتزامات التي تضطلع بها فرنسا بصفتها دولة منتدبة. فلقد أصرت حكومة ولسون على أن مساهمة الولايات المتحدة في إحراز النصر المشترك على دول الوسط يعطي مواطنيها حقوقا وامتيازات في الدول الواقعة تحت الانتداب تعدل حقوق وامتيازات الدول المنتدبة , بغض النظر عن عدم اشتراك الولايات المتحدة في عصبة الأمم وفي أواخر عام ١٩٢١ وافقت كل من فرنسا وبريطانيا على منح بعض الضمانات للأمريكان مما مهد السبيل للتفاوض حول اتفاقية رسمية تحدد حقوق الأمريكان في الدول الواقعة تحت الانتداب.

الفصل الرابع:

مبدأ ايزنهاور ونظرية ملىء الفراغ ١١٧

الفصل الخامس:

الاستقطاب وحرب الايام الستة ١٥9

الفصل السادس:

الانفراج الدولي وحرب اكتوبر ١89


المصادر

                                          ٢٢٩


المؤلف في سطور

                                          ٢٣٥

تحميل الكتاب

Issue-004.pdf

انظر أيضا

المصادر