افخارستيا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الليتورجيّا

يُعتبر الإحتفال الليتورجي في الكنيسة مُهِمّاً نظراً لأنه يقوم بالتقيّد بالقواعد المفروضة وقت الإحتفالات. وكلمة ليتورجيّا يعود أصلها إلى اليونانيّة من لايتون، وتعني: شعبيّ أو جمهوريّ، ومن إيرغون تعني: مهمّة وخدمة وهذه الكلمة تحديداً يقابلها في اليونانيّة Diakona-Diakonos المستعملتين في الترجمة السبعينيّة. فمثلاً سوف يقول القدّيس بولس أن موسى كان خادم العهد الأوّل (2كور3: 7-9)، ويعتبر العهد الجديد يسوع المسيح بمثابة الوسيط الأوحد بين الله والناس، والكاهن الأوحد الذي يقدّم ذبيحة الخلاص، والمبشّر الأوحد بالوحي حيث أنّه كلمة الله الذي صار بشراً. ولكن في الكنيسة التي أسّسها تقوم خدمة(1) ذات نوع جديد تمارس في سبيل نشر كلمته ونعمته. لذلك فإذا كانت الليتورجيّا هي خدمة الله للشعب وخدمة الشعب لله، فهي في الحاضر تختصّ بحياتنا البشريّة في ظروفها الزمانيّة والمكانيّة. وتتحقّق ضرورة تحت علامات منظورة، في الأسرار: بعلامات الخبز(2) والخمر(3) والماء(4) والكلمات(5) حيث يمنحنا الله ذاته ونعمته. فالافخارستيّا التي هي منبع الحياة المسيحيّة، ترتبط بها أسرار الكنيسة ارتباطاً وثيقاً لأنها تحتوي على كنز الكنيسة يسوع المسيح حيث أنها أداء شكر لله. إضافة إلى أنها تذكّر بالعشاء الذي تناوله الربّ بصحبة تلاميذه عشيّة الآمه (لوقا19:22 ومتى26:26 ومر22:14 و 1قور23:11-25). ويُحتفل بها في جماعة المؤمنين لأنها التعبير المرئي للكنيسة.


الأناجيل والافخارستيّا

إنّ الخبز والخمر هما اللذين يتحولان، بكلمات يسوع واستدعاء الروح القدس، إلى جسد المسيح ودمه. وهنا نرى أن الكنيسة تستمرّ في طاعتها لأمر الربّ في تجديد ما صنعه عشيّة آلامه. في العهد القديم كان الخبز والخمر يقدمان قرباناً من بواكير الأرض، علامة اعتراف بالخالق، إلى أن اكتسبا مغزىً جديداً فبات الخبز الفطير المُتَناول من قِبل بنو إسرائيل يذكّرهم بخروجهم من عبوديّة أرض مصر. ومع يسوع المسيح أصبح لهذا الاحتفال معنىً آخر. إنّ التحضير لهذا السر الكبير في الكنيسة يبدأ من هذا العهد ويتفاعل مع رأس الكنيسة مع العهد الجديد، وما تكثير الخبز يوم باركها يسوع ووزّعها بواسطة تلاميذه لإطعام الجموع الاّ لتُنْبِىء بتوافر هذا الخبز الإفخارستي الوحيد (متى13:14-21 و 32:15-39) و (يو1:6-12) و (مر32:6-44). أما الماء المحوّل خمراً في قانا (يو11:2) فهو الرمز إلى الساعة التي يتمجّد فيها يسوع، ويعلن اكتمال وليمة العرس في ملكوت الآب حيث يشرب المؤمنون الخمر الجديد (مر25:14). إنّ الاشارات التي أطلقها يسوع في رسالته الأرضيّة كانت واضحة تماماً، فهو "الخبز الحي الذي نزل من السماء من يأكل من هذا الخبز يحي إلى الأبد. والخبز الذي سأعطيه أنا هو جسدي أبذله ليحيا العالم". (يو51:6) ورغم الجرأة في هذا الإعلان، نجد أن تلاميذه يتشكّكون ويتململون في أول إنباء له عن الإفخارستيا ويعتبرونه حجر عثرة (يو60-6) لكن إيمان بطرس عبر قوله بأن يسوع وحده يملك "كلمات الحياة الأبدية" (يو68:6) أعطى بُعْداً أزليّاً، لامتناهياً ومدوّياً لمحبة الربّ، مؤكّداً بصورة مطلقة غير قابلة للشك أن من يقبل الإيمان عطيّته الافخارستيّة إنما يقبله هو نفسه. وليورِثهم عربون هذا الحب ويظلّ معهم أبداً ويشركهم في فِصْحِهِ، فقد وضع الافخارستيّا تذكاراً لموته وقيامته، وأمر رُسُله بأن يقيموها إلى يوم عودته. وهذا السَرْد ليوحنّا إيذاناً بإقامة الافخارستيّا يقابله نقل للأناجيل الإزائيّة الثلاثة للعشاء الأخير بتفاصيله(7) الذي نجد في كتابته وفي رسالة القدّيس بولس (1قور27:11-29) خبر إقامة الافخارستيّا.

الإحتفال

تهتمّ الكنيسة لكي لا يحضر المؤمنون سر الإيمان هذا (الافخارستيّا) حضور مشاهدين غرباء وصمّ... أن يقدّموا ذواتهم فينصهرون يوماً بعد يوم بالمسيح الوسيط في الوحدة مع الآب وفيما بينهم لكي يصير الله أخيراً كلاً في الكلّ. (المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور في الليتورجيا المقدّسة رقم 48) لذلك، يتوافد المسيحيون إلى مكان واحد للإجتماع الافخارستي، (رسل42:2 و7:20) و (لو13:24-35) وعلى رأسهم الكاهن أو الأسقف باسم المسيح نفسه، للاشتراك اشتراكاً حقيقياً في هذا العالم الجديد، حيث أن الجسد والدم القربانيان ليسا التذكار الرمزي لحدثٍ حصل وانتهى فحسب، إنما هما الحقيقة الكاملة لعالم آخر الأزمنة، المكان الذي يحيا فيه المسيح. وتزوّد الافخارستيّا جماعة المؤمنين الغارقين في العالم القديم بالاتصال الحسّي مع المسيح، في كلّ واقعية كيان المسيح الجديد القائم من بين الأموات، "الروحي" (يو63:6). إذاً الإحتفال الافخارستي يمرّ بعدّة مراحل قسّمته الكنيسة وفقاً للأناجيل مع مراعاة تقاليد الكنائس المحليّة، دون أي تغيير جوهري. فهي صلاة الشكر لله الآب، تذكار ذبيحة(8) المسيح وجسده وحضوره بقوّة كلمته وروحه. مع الإشارة إلى أنّ القدّاس، التذكار القرباني الذي تستمرّ فيه هذه الذبيحة والوليمة المقدّسة، يهدف إلى اتحاد المؤمنين بالمسيح اتحاداً حميماً بواسطة المناولة. ويحثّنا القدّيس بولس على تهيئة أنفسنا لهذه اللحظة على محاسبة ضميرنا: "من أكل خبز الربّ أو شرب كأسه، ولم يكن أهلاً لهما، فقد جنى على جسد الربّ ودمه. فليحاسب الإنسان نفسه، قبل أن يأكل من هذا الخبز ويشرب من هذه الكأس. فمن أكل وشرب، وهو لا يرى فيه جسد الربّ، أكل وشرب الحكم على نفسه" (1قور27:11-29) فالمناولة تفصلنا عن الخطيئة.

أخيراً

الافخارستيّا والتي هي مشاركة في "مائدة الربّ" (1قور20:11) هي أيضاً استباق "لمائدة عرس الحمل" (رؤ9:19) في أورشليم السماويّة. ولأنّ ليتورجيّة الكنيسة كلها تجد محورها وعبارتها الأبلغ في الاحتفال بهذا السرّ الذي هو قلبها، فالاشتراك فيه يعزّينا ويقوّينا ليشوّقنا إلى الحياة الأبديّة ويضمّنا إلى كنيسة السماء.


(1) يسوع ومن ضرورة الخدمة التي تقوده إلى الصليب، يعلن عن الحبّ الذي وحده يعطي الخدمة كرامتها وقيمتها: "وما ذلك الاّ ليعرف العالم أني أحبّ الآب وأني أعمل بما أوصاني به الآب" (يوحنا31:14). (2) إنّ الخبز الذي يهبه الله للإنسان يبدو شاملاً لكل الهبات التي نحن في احتياج اليها (لوقا3:11)، إضافة إلى أن يسوع المسيح اتخذه علامةً لأعظم هباته لنا (مرقس 22:14). (3) يعتبر الخمر الناتج عن الأرض المقدّسة، مع القمح والزيت جزءاً من الغذاء اليومي (1أيام 41:12) وهو يتميّز بكونه "يفرح قلب الإنسان" (مزمور15:104) وهو سيكون أحد عناصر الوليمة الخاصة بالمسيح، وقبل كل شيء جزءاً من عشاء الأفخارستيّا. (4) الماء يشكّل ينبوع الحياة وقوّتها، وهو في نفس الوقت يطهّر الأشياء والأشخاص ويتصّل اتصالاً وثيقاً بالحياة البشريّة. فالمسيح أتى ليزوّد البشر بالمياه المحيية التي وعد بها الأنبياء وهو الذي عندما طُعن خرجت من جنبه المياه القادرة أن تروي الشعب في سيره نحو أرض الميعاد الحقيقيّة (1قورنتس4:10 ويوحنا38:7). (5) يسوع وبصفته الكلمة، كان له وجود منذ البدء لدى الله، وكان هو نفسه الله (يوحنا1:1-2). وهذه الكلمة هي بذاتها قوّة للخلاص تنمو الكنيسة بمقدار نموّها (أعمال7:6 و 24:12 و 20:19) وفي عمل الخلاص نجد للكلمة نفس الفاعليّة التي قدّمها العهد القديم في إطاري عمل الخلق ومجرى التاريخ، والتي نسبتها الأناجيل إلى كلمة يسوع. (6) هي كلمة سادت في الاستخدام المسيحي للدلالة على العمل الذي أسّسه يسوع عشيّة موته. وقد أوردت تأسيس هذا السر أربعة نصوص: متى26:26-29، مرقس22:14-25، لوقا 15:22-20، و 1قورنتس23:11-25. (7) كيفيّة كسر الخبز وتقديمه للتلاميذ على أنّه جسد يسوع كذلك فعل بالخمر الممزوجة ماءً على أنّها دمه الذي يراق من أجل كثيرين. (8) الافخارستيّا هي ذبيحة المسيح لأنها تمثّل ذبيحة الصليب ليحقّق لنا فِداءً أبديّاً، فقد أراد في العشاء الأخير، وفي "الليلة التي أُسلم فيها" (1قور23:11) أن يورّث كنيسته، عروسه الحبيبة، ذبيحة مرئيّة، حيث تتمثّل الذبيحة الدمويّة التي كان لا بدّ أن تتمّ مرّة واحدةً على الصليب، والتي سوف تظلّ ذكراها مستمرّةً مدى الدهور، ومفعولها الخلاصي جارياً لفداء الخطايا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المراجع

  1. مقالة المعطيات البيبليّة للإحتفال الإفخارستي لجوزيف سمعان إعلامي ومتخصّص في علم اللاهوت.
  2. الوثائق المجمعيّة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني ترجمة المطارنة يوسف بشارة، فرنسيس البيسري والأب اغناطيوس عبده خليفة اليسوعي، الجزء الثالث عام 1962 منشورات المطبعة الكاثوليكيّة بيروت.
  3. معجم اللاهوت الكتابي، الطبعة الثالثة عام 1991، منشورات دار المشرق.
  4. ليتورجيّات، الأباتي عَمانوئيل خوري (1930-1993) جمع وتنسيق الأب هاني مطر منشورات معهد الليتورجيّا في جامعة الروح القدس الكسليك-لبنان 1998.
  5. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة ترجمة المتروبوليت حبيب باشا، المطرانان: يوحنا منصور وكيرلّس سليم بسترس والأب حنا الفاخوري. منشورات المكتبة البولسيّة-جونية لبنان عام 1999
  6. دراسات بيبليّة 10 أعمال الرسل عنصرة لكل العصور، محاضرات للخوري بولس الفغالي، منشورات الرابطة الكتابيّة عام 1995 وتوزيع المكتبة البولسيّة-جونية لبنان.