سوريا تحت حكم ابراهيم باشا

فى سنة 1831 هاجم ابراهيم باشا سوريا وتمرد ضد الإمبراطورية العثمانية. في ديسمبر 1832 انتصر أبراهيم باشا على الجيوش العثمانية في معركة قونية وكسب سوريا وأضنة. في 4 مايو 1833 وقع اتفاق مع العثمانيين والذين وافقوا على أن يكون حاكم سوريا وأضنة ولكنه ظل تحت حكم محمد على.

فى 1838 قام نزاع آخر بين العثمانيين وابراهيم باشا في محاولة منهم إسترجاع سوريا ولكن هزمهم إبراهيم باشا مرة أخرى. في 1839 سقطت حيفا في يد القائد ابراهيم باشا. في 24 يونيو 1839 كسب أبراهيم باشا أكبر انتصار في معركة نصيبين Nizip على القوات العثمانية انتصر في المعركة الفاصلة بين المصريين والأتراك في نصيبين ولكن الدول الأوروبية أكرهته على الجلاء عن جميع المناطق التى فتحها. في 1840 م حكم عكا.

فى يونيو أجبرت الحكومات الأوربية محمد على على توقيع اتفاق يحكم محمد على مصر حكماً وراثياً ويستقل عن الحكم العثمانى وفى المقابل يعطى سوريا وأدنا للأمبراطورية العثمانية. في فبراير 1841 قامت قوات بريطانية وأخرى من النمسا بطرد القوات المصرية من أضنة وسوريا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نظام الحكم

كانت سوريا قبل أن يستولي عليها ابراهيم باشا مقسمة الى أربعة أقسام كبرى وهي: إيالات حلب وطرابلس ودمشق وصيدا، وكانت القدس ويافا وغزة داخلة في هذا التقسيم. غير أن الوزير الذي كان يتولى الحكم على ايالة صيدا كان يبسط سلطته أحيانا على البلدان المذكورة وعلى ولاية طرابلس الشام. وهكذا كانت الحال لما زحف ابراهيم باشا بجيشه على سوريا، فان عبد الله باشا والي صيدا كان متوليا ادارة ايالة طرابلس الشام ومتسلطا على بلاد فلسطين حتى برية سيناء. وكانت حكومة الآستانة المرجع الأعلى لحكام البلاد السورية.

أما بعد استيلاء ابراهيم باشا على سوريا وانضمام كيليكليا اليها، أصبحت حكومة محمد علي في القاهرة المرجع الأعلى لحكومة سوريا وكيليكليا. ووضع تشكيل اداري جديد لحكومة البلاد، فجعل ابراهيم باشا حاكما عاما وقائدا عاما كما ذكرنا قبلا، وضمت عكا وسائر بلاد فلسطين حتى برية سيناء الاى ولاية الشام. وفي خريف سنة 1832 عين شريف باشا أحد أقارب محمد علي حاكما عليها، وأطلق عليه لقب "حكمدار عربستان" لأنه في أثناء السنين الأولى كان يتولى ادارة الآيالات السورية جميعها، وكان ابراهيم باشا قد فوض الى كاخيته منيب أفندي ادارة شؤون الحكومة في عكا عند استيلائه عليها، فاستبدله في رمضان سنة 1249 هـ = كانون ثان (يناير ) سنة 1834 بالشيخ حسين عبد الهادي من زعماء نابلس وجعله تابعا لشريف باشا.[1]

أما المدن الساحلية وهي صور وصيدا وبيروت وطرابلس ، فكان ابراهيم باشا قد وجه متسلمين اليها عند فتحها في كانون أول (ديسمبر) سنة 1831، ثم عاد في تشرين أول (أكتوبر) سنة 1832 ففوض ادارة شؤون بيروت وصيدا وصور الى الأمير بشير شهاب حاكم جبل لبنان، فولى عليها متسلمين من أقاربه، لكن عند ارجاء التشكيلات الجديدة بعد عقد الصلح بين السلطان محمود ومحمد علي رفع سلطة الأمير بشير عن السواحل، وعين متسلمين اختارهم بنفسه.

ولم تبق التشكيلات الادارية على حال واحدة في أثناء قيام حكومة محمد علي في سوريا بل ان كثرة الاضطرابات ، واتساع دائرة الأعمال أوجبتا مراقبة الأمور مراقبة شديدة لا يقوى عليها حاكم واحد. فولى سليمان باشا الفرنساوي على إيالة صيدا التي كانت قد سلخت عنها عكا، وجعل مقره مدينة صيدا وسليمان باشا كان أليق رجال ابراهيم باشا لهذا المنصب، لأنه كان أكثرهم أهلية لتنشيط التجارة، وأوسعهم خبرة بمعاملات الأجانب الذين كانت بيروت مركز قناصلهم، وكان فيه أكثر وأكبر بيوتهم التجارية. أما حلب فولى عليها في سنة 1838 اسماعيل بك أحد أبناء عم ابراهيم باشا، وعين أحمد منيكلي باشا حاكما على أدنه، وبعد انتقاله منها خلفه خورشيد باشا.

فبعد ذلك بقى شريف باشا متوليا على ايالة الشام والبلاد الفلسطينية بما فيها عكا. أما توليته في بادئ الرأي على جميع البلاد السورية، فواضع من تلقيبه "حكمدار عربستان" ويعززها الأوامر الصادرة منه الى أنحاء مختلفة من الآيالات السورية، والنصوص الواردة في تأليف بعض المعاصرين كنوفل نوفل وغيره. فقد قال نوفل في كتابه "كشف اللثام عن محيا الحكومة والأحكام" ص 493: ان جريدة ضبط مجالس المشورة كانت ترسل الى الشام ليراجعها يوحنا بك البحري". وهذا يدل على أن الشام كانت مركز الادارة العامة حينئذ.

وقال في الصفحة نفسها ما هو أكثر من هذا صراحة وهو: "ونصب لكل بلدة متسلما من أهل الاسلام، ومرجع الكل هو مركز الحكم العمومي الذي في الشام، وفيها يقيم الحكمدار العام الذي هو شريف بك خزينة دار محمد بك باشا سابقا.. وكذلك مدير الحسابات الذي هو الخواجة يوحنا بحري وهو بمنزلة دفتر دار عمود أيالات سوريا، وأخيرا صيره مير لواء وصار يدعي بحري بك". وقال معاصر آخر: "وهوفي 9 جماد الثاني 1249 عـ (1833م) حضر كتاب من شريف بك في حلب الى الأمير بشير الشهابي أن يأمر بعدد أهالي جبل لبنان، ويتحرر دفاتر بأسامي كل مقاطعة ببيان قراها، وتقسم على عشر مراتب، كل مرتبة فئة معلومة على قدر احتمالها بوجه العدل، وتختم الدفاتر من مشايخ القرى، وبعده تختم من أمراء المقاطعة وترسل الى عنده".

المتسلم: كان لكل مدينة متسلم يتولى ادارة أعمال البلد ومراقبتها، ويقوم في أحوال كثيرة بالأعمال التي يقوم بها قضاة الصلح والمجالس البلدية.

المباشر: كان بمثابة أمين سر المتسلم، ويتولى أيضا وظائف الصراف أو مدير المال وادارة حسابات المدينة وأموال الفريضة والميري. وكان المباشرون عادة من المسيحيين، لأنهم كانوا أكثر من سواهم خبرة بالأعمال الحسابية.

ديوان المشورة: وألف في كل مدينة عدد سكانها من عشرين ألف نفس فما فوق مجلس سمي "ديوان المشورة" عدد أعضائه يتراوح ما بين 12 و21 عضوا مراعين في ذلك عدد السكان، وكان هؤلاء الأعضاء ينتخبون من بين أعيان البلد وكبار تجارها ويمثلون جميع المذاهب، ففي دمشق مثلا كان هذا المجلس مؤلفا من واحد وعشرين عضوا ينتخبون من بين أعيان البلد وكبار تجارها ويمثلون جميع المذاهب ، ففي دمشق مثلا كان هذا المجلس مؤلفا من واحد وعشرين عضوا من المسلمين والنصارى واليهود، ورئيس هذا الديوان كان من أهل البلد أيضا. ولم يكن هذا المجلس خاضعا لسلطة المتسلم أو حاكم البلد، وفي بيروت كان مؤلفا من اثني عشر عضوا وقد ورد ووصف ديوان المشورة باسهاب في كتاب حروب ابراهيم باشا المصري في سوريا والأناضول، ج1 ص37 و38 وهو:

"في 14 رمضان 1249 هـ (1834 م) أمر ابراهيم باشا يصير ديوان مشورة في بيروت، وجعل اثني عشر رجلا من أكابر بيروت أصحاب فطنة والمتسلم لا يبدي بشئ الا بما يبرز به الحكم من ديوان المشورة بموجب كتاب منه الى أرباب الديوان المذكورة، وهم ستة: اسلام عبد الفتاح حمادة ناظر المجلس، عمر بيه (بيهم)، أحمد العريس، حسن البربير، أمين رمضان، أحمد جلول، وستة نصارى وهم: جبرايل حمصي، بشارة نصر الله، الياس منسا، ناصيف مطر، يوسف عيروت، موسى بسطرس، وترتيب الديوان المذكور:

(1) تعيين وقت معلوم كل يوم الى حضور أرباب المجلس، وعند حضورهم يحرر الكاتب أسماءهم بقايمة برتبة حضورهم لا برتبة مقامهم. (2) الكاتب يحرر كل يوم الأشغال الموجودة عنده وحين يحضر أرباب المجلس يعرضها عليهم حتى يعملوها ولا تبقى من يوم الى يوم. (3) اذا كانت هذه الأشغال لا تنتهي في ذلك اليوم فيصير الاجتماع ثاني يوم قبل الوقت المعين بزمان كاف لنهيها. (4) الأشغال المذكورة المتبقية من اليوم السابق لا تتقيد في أعماله بل في اليوم الذي تنتهي فيه. (5) حين يقرأ الكاتب الدعوى يطلب الجواب ممن هو خبير بها من أرباب الديوان قبل الجميع، وبعده يأخذ رأي الباقي بحيث لا يبقى أحد بدون تكلم، واذا وجد واحد من أرباب المجلس تكلم مع آخر في حديث خارج عن الدعوى ينبه عليه الكاتب أولا وثانيا، فاذا ما أفاد فيحرر في مضبطة المجلس ان فلان مشغول يشغل أحاديث خارجة عن المصلحة، والكاتب لازم يحرر كلما يتقرر بالمجلس ولا يترك منه شيئا وكلما يتقرر يكون مكتوبا ولا يتحرر الا الذي موافق الحق. (6) بعد نهاية المجلس وتمام رؤية المصالح التي نظر فيها واستقر الحكم عليها باستحسان الجميع يحررها الكاتب بمسودة، وثاني يوم يبيضها ويوجهها لمحلاتها، وبعد ذلك تتقيد في سجل المجلس، وهذه الخلاصات بعد تحريرها يأخذها الكاتب كل يوم للمجلس لكي بعد نهايته يقرأها بأعلى صوته بحضور الجميع ، فان استحسنوا رأيا أوفق من الذي تقدم فيغيروا الخلاصة، وتتقدم الخلاصات لناظر المجلس فيختمها بختم مجلس الثورة، وبعد القيد تصل الى صاحب الأمر لكي يشرح عليها الى أصحابها أمرا باجراء ما يتضمن من الحكم، واذا ما كان سعادة الحاكم دار موجودا ينشرح من طرف متسلم آغا. (7) الكاتب يمسك دفترين الواحد الى صورة المجلس المتضمنة التقرير، والآخر الى الخلاصات من بعد ختمها ويلزم حفظ المسودات اليومية ضمن كيس أيضا".

وكانت قرارات مجالس الشورة في المدن الصغيرة، تستأنف عند الاقتضاء الى مجلس مشورة عكا أو مجلس مشورة دمشق، واذا اقتضت الحال تميز قرارات هذين المجلسين الى القاهرة. على أنه لم يرو أنه حدث أي تمييز.

ومن التغييرات الادارية التي أحدثتها حكومة محمد علي القضاء على الحكم الاقطاعي، وجعل أصحاب الاقطاعات في بادئ الرأي موظفين بمرتبات مقررة لا تساوي عشر ما كانوا يستولون عليه من اقطاعاتهم، وتدرجت من ذلك الى عزلهم وتولية سواهم في أماكنهم. هكذا عاملت الامراء بني الحرفوش في بعلبك والأمراء آل شهاب في بلاد حاصبيا وراشيا، وكذلك زعماء فلسطين وغيرهم.

على أن هذه التنظيمات رغما عما لهامن حسن المظهر ومع ما في وضعها من حسن القصد، أدى تطبيقها الى خلل في الادارة واجحاف شديد بحقوق الأهلين، لأن الحكام كانوا يجهلون أو يتجاهلون حدود سلطتهم، فاتسع المجال للفوضى الادارية والاستبداد، نظرا لتجاوز كل منهم حدود وظيفته واعتدائه على سلطة غيره، وقيامهم بأعمال متناقضة وهذا ما يحدث عادة عن قلة الاختبار عند تطبيق النظامات الجديدة. انما أشاد أسباب الشكوى نشأ عن فساد العمال واستبدادهم بالعرية، من أمثلة ذلك أن شريف باشا حكمدار عربستان كان صارما مستبدا مولعا بجمع المال بطرق غير مشروعة، وحملته قرابته لمحمد علي على الظن أنه لا يحاسب على ما يفعل.

وكان اسماعيل باشا حاكم حلب محبا للمال، احتكر لنفسه الاتجار باللحوم والفواكه والبقول وما شاكل ذلك. وكان يستثمر بعض الأراضي الزراعية، ويبيع محصولاتها للتجار بالمزاد ولا يسمح لغير الذين اشتروا منه أن يبيعوا ما عندهم من جنس محصولاته، الا بعد ما يفرغ الذين اشتروا منه ما بيع ما اشتروه.

ويقال ان حنا بك بحري وأخاه جرمانوس الذي كان يتولى ادارة أموال وحسابات ولاية حلب لم يكونا أكثر نزاهة ورفقا بالأهلين من شريف باشا واسماعيل بك. وكان حنا بك يتخذ مختلف الوسائل ليزيد دخل الخزينة، وينال الحظوة لدى محمد علي وابراهيم باشا، من ذلك أنه كان يلزم بعض الاصناف التجارية في المدن كاللحم والبقول وغيرها بأسعار عالية، ويسمح للملتزمين ببيعها بأكثر من ضعفي ثمنها، فتربح الخزينة والملتزمون أرباحا فاحشة، كما يخسر الأهلون خسارة جسيمة لغلاء لوازم معيشتهم.

وكان جرمانوس يحذو حذو أخيه في سياسته المالية ، ويشارك اسماعيل بك حاكم حلب في ابتزاز الأموال. وكان المباشرون بمن تقدم، ولم يكونوا مكلفين بتقديم ضمان مالي يخشون فقده فيما لو اختلسوا الأموال، كما أن مرتباتهم كانت صغيرة لا تكفي لسد حاجاتهم واعاشة عائلاتهم، فالحاجة والفساد الاداري المنتشرة بين عمال الحكومة على اختلاف طبقاتهم، كانت تدفعهم الى اتخاذ أساليب مختلفة لكسب المال بطرق غير مشروعة. ووجود ديوان المشورة لم يحل دون وقوع المظالم بل كان هو نفسه مصدرا لكثير منها.

على أنه لا يسع المنصف الا الاعتراف بأن المبادئ التي شاء محمد علي أن يؤسس عليها الادارة والقضاء في سوريا كانت صحيحة بوجه عام، لأنها كانت ترمي الى تنظيم الأعمال وتوزيع الاختصاص بين هيئات مختلفة، ومنع الاستبداد بتقييد الحكام وغيرهم من الموظفين بالنصوص القانونية، وتدريب الأهلين على ادارة شئونهم المحلية، غير أن جهل الحكام كيفية تطبيق القوانين وفطرتهم الاستبدادية وعدم وجود مراقبة فعالة على أعمالهم، وعدم مراعاة تقاليد البلاد وعاداتها، وكثرة الاضطرابات في البلاد حالت دون بلوغ الغاية التي وضعت تلك القوانين من أجلها.

ولابراهيم باشا فضل خاص في السنين الأولى بعد الفتح في ضبط الأحكام وشدة مراقبة الحكام واجراء العدل بين الأهلين، وقد كان شديد الوطأة على المستخدمين الذين يحيدون عن السبيل القويم، فعاقب كثيرين منهم بالطرد والضرب والحبس والاعتداء على أهل البلاد أو عدم النزاهة أو غير ذلك مما يخرج عن جادة الاستقامة، فلو استمرت حكومة محمد علي في سوريا ناهجة هذا المنهج القويم الحكيم لملكت قلوب السوريين.


المصادر

  1. ^ أبو عز الدين, سليمان (2009). ابراهيم باشا في سوريا. القاهرة، مصر: دار الشروق. Cite has empty unknown parameter: |coauthors= (help)