الحقيقة تخرج من بئرها

الحقيقة تخرج من بئرها
Truth coming out of her well
الفنان جان ليون جيروم
السنة 1896
الأبعاد 91 cm × 72 cm (36 in × 28 in)
المكان متحف آن دو بوجو, مولين، أليه

لوحة الحقيقة تخرج من بئرها حاملةً سوطها لتعاقب بني آدم (بالفرنسية: l'humanité)، هي لوحة من عام 1896، رسم الفنان الفرنسي جان ليون جيروم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

السياق والتاريخ وخلق اللوحة

جان-ليون جيروم، پورتريه ذاتي، 1886.

الرسام الفرنسي جان-ليون جيروم (1824-1904) تتلمذ على أيدي الرسامَين الكبار پول دلاروش وشارل گلير، اللذين زرعا فيه لبقية عمره، شغفاً بالسفر ودراسة عادات الأمم المختلفة، وكذلك ولعاً خاصاً بالشرق. أولى لوحات جيروم لاقت تقديراً عالياً من أحد أكثر النقاد الفنيين احتراماً ونفوذاً - تيوفيل گوتييه، الذي أصبح صديقه لاحقاً. وفي فجر ثقافة الجماهير ، ذهب القروي جيروم ليقابل عامة فرنسا البورجوازية بعد أن ذاع صيته بين أرستقراطية الصالونات، بسبب پورتريهاته الأكاديمية ولوحاته الميلودرامية، ولوحاته عن الحملات الناپليونية والحياة في الأسواق العربية، وكذلك أعمال في مواضيع أسطورية وأخرى شبقية. وفي أوج حياته الفنية، كان جيروم ضيفاً معتاداً لدى العائلة الامبراطورية وتبوأ منصب الأستاذ في مدرسة الفنون الجميلة. مرسمه كان ملتقى الفنانين والممثلين والكتاب، وأصبح سيداً مبجلاً وأسطورياً، معروف بخفة دم لاذعة، وإهمال للنظام، ولكن بطرق تعليمية منظمة صارمة وكراهية متطرفة للانطباعية.[1][2][3][4].

إمرأة شرقية.

ومع نهاية عقد 1850، أصبح جيروم مغامراً، بدرجة لا تُصدَّق، في اختيار القصص التاريخية الشعبية، من الأزمنة القديمة وحتى فرنسا المعاصرة. وفي نفس الوقت، في الوقت نفسه أعاد جيروم تفكيره الانتقائي لمنهجه الأكاديمي، متأثراً بشكل كبير بجان أوگوست دومنيك آنْگـْرْ الذي رسم لوحاته من خلال منظور الحياة الشخصية واليومية، وكذلك فعل المعلم دلاروش، الذي اختار النهجي المسرحي لرسم الموضوعات التاريخية التي كانت أكثر فهماً للجمهور. بدأ جيروم بالعمل على تحقيق التوازن بين الواقعية ذات الدقة شبه الوثائقية والنهج العلمي، لإعادة التشكيل التصويرية للأحداث التاريخية، وتطوير القدرة على إدارة الإمكانات السردية المجمعة للوحاته ببراعة، مما جعلها دائمة التأثير على الجمهور. رفض جيروم التعميمات الشعرية والمثالية للشخصيات الرئيسية، ومع ذلك، فإن تقنية التفاصيل المتوازنة والدقيقة للفنان جعلت من الناحية العملية الناس شهوداً مباشرين على الأحداث الماضية.[5][6][7] في الوقت نفسه، عادة ما اتهم جيروم بالعمل من أجل تلبية احتياجات الجمهور وعدم التفكير في السعي المستقبلي لحبكات لوحاته.[8]

وفي هذه الناحية، فقد اختار جيروم موضوعاً ملتهباً في المجتمع الفرنسي آنذاك، قضية الضابط اليهودي دريفوس، التي تصاعدت حتى أنه كان من المستحيل لأي تمثيل للفن أن يبقى بعيداً عن عرضها باستخدام أحد الوسائل المتاحة للفنانين. “الدريفوسيون”، أي المدافعون عن ألفرد دريفوس، ضموا مفكرين فرنسيين مشاهير، مثل إميل زولا، برنارد لازار، إدوار دوبا-پونسان وجيروم نفسه. وثمة عدد من الروايات التي تربط اللوحة بقضية دريفوس. الاسم الذي اختاره للوحة، "الحقيقة تخرج من بئرها" هو ترجمة شائعة لقول مأثور للفيلسوف ديمقريطس، "لا نعرف شيئاً من الحقيقة، لأن الحقيقة في البئر [حرفياً: في الهاوية]" ( Greek ἐτεῇ δὲ οὐδὲν ἴσμεν, ἐν βυθῷ γάρ ἡ ἀλήθεια؛ باللاتينية: In puteo ... veritatem iacere demersam ) من “Divine Establishments‏.[9] عري الموديل يشير إلى تعبير 'الحقيقة العارية'.[10] عام 1894، رسم جيروم بالزيت على كناڤاه صورة بعنوان "الكذابون والمنافقون على الحقيقة يُقتلون ويرقدون في الحفرة" (باللاتينية: Mendacibus et histrionibus occisa in putes jacet alma veritas )، التي تستعرض عواقب الأعمال الانتقامية القاسية ضد امرأة في صورة مجازية للحقيقة، ومقتل الكذب في قاع البئر، في حين تنبع روح الحقيقة من جسدها.[11]

ووفقاً لشارل مورو-ڤوتييه وهو كاتب سيرة حياة جيروم، فإن جيروم كان ينام واللوحة معلقة فوق رأسه، ويقول بأنه عثر عليه ميتاً على سريره في عام 1904 وذراعه ممتدة على اللوحة وكأنه يودعها.


التركيب

في Nec Mergitur (Nor is she Submerged ) أو La Vérité sortant du puits (1898) لوحة للفنان إدوار دوبا-پونسان باسم "ردود فعل الكهنة تحاول جر الحقيقة إلى بئرها".

الصورة مرسومة بالزيت على كناڤاه، وأبعادها 91 × 72 سم. ويبدو واضحاً كما لو أن الشخصية المنبعثة من الحقيقة المجردة، التي تخلصت من الهدوء الصالح، عادت وبداخلها الانتقام، تم اختيارها لتخرج من البئر حاملة سوطاً في يدها لمعاقبة البشرية على أخطائها. من خلال إضفاء مظهر غير طبيعي على فخذ المرأة وساقها عن قصد، وإلقائها إياها على حافة البئر، بعد أن كانت تمسكها بكلتا يديها، أراد جيروم إظهار أنه لا يوجد شيء قبيح في الحقيقة وفي خلق الطبيعة. علاوة على ذلك، فإن ملامح وجه المرأة يبدو مشوهاً، كما لو كانت تنوي الصراخ في وجه المشاهد. عند النظر إلى العمل، من المستحيل التخلص من شعور الإحراج أمام امرأة شابة تحمل سوطاً، مستعدة للمعركة وتريد معاقبة أولئك الذين لا يريدون الاستماع إليها. من الناحية التأليفية والأيديولوجية، تشبه الصورة العمل الذي يحمل بنفسم الاسم لديب-پونسان، والمخصص أيضاً لقضية دريفوس. تشبه المرأة العارية في عمل جيروم لوحة البنات لجول جوزيف لوڤيڤر ولوك أوليڤر ميرسون وپول بودري، اللذين لجأوا في كثير من الأحيان إلى تصوير العري في أعمالهم.

عام 1895، رسم جيروم عملاً مشابهاً، الحقيقة تكمن في البئر، بعد أن قُتلت على يد الكذابين والممثلين (باللاتينية: Mendacibus et histrionibus occisa in puteo jacet alma Veritas).[12] وقد اِقتـُرِح أن كلتي اللوحتين (وكذلك لوحة مشابهة لاحقة بريشة إدوار دوبا-پونسان) كانتا تعليقاً على قضية دريفوس.[13][14] كما اقترح أن اللوحة هي تعبير عن عداء جيروم تجاه الحركة الانطباعية، التي كان يعارضها بعنف.[15] ومع ذلك، ففي المقدمة التي كتبها جيروم لـLe Nu Esthétique، لإميل بايار، أشار إلى تأثير التصوير الفوتوغرافي على اللوحة:

Cquote2.png التصوير الفوتوغرافي فن. إنه يجبر الفنانين على تجاهل روتينهم القديم ونسيان الصيغ القديمة. فيفتـِّح عيوننا ويجبرنا على رؤية ما لم نره من قبل؛ وهي خدمة رائعة لا تُقدَّر بثمن يقدِّمها التصوير الفوتوغرافي للفن. فبفضله، تخرج الحقيقة أخيراً من بئرها. ولن تعود إليه أبداً. Cquote1.png

—إميل بايار[16]

الإدراك

حسب پول مورو-ڤوتييه، كاتب سيرة جيروم، فقد كانت هذه اللوحة معلقة لفترة طويلة أعلى سرير الفنان لتكون بمثابة "استخدام الإلهة النبيلة في تكريم المضيف باستمرار". عندما توفي جيروم، عُثر عليه بلا حراك رافعاً يده وموجاً وجهه إلى الصورة، الذي تجمد فيه أعلى درجات الاحترام في وداع لحقيقة حياته كلها. حول آخر عمل بارز مكتوب لجيروم، لم تنحسر الخلافات المتعلقة بتفسير محدد للوحة. يعتقد بعض النقاد أن جيروم عبر عن قناعاته الفنية في هذه الصورة، والتي كانت تتمثل في رفض الانطباعية والاتجاهات الجديدة الأخرى في الرسم في نهاية القرن التاسع عشر. ومن أمثلة ذلك، أنه في المعرض العالمي لعام 1900، أوقف الفنان فوراً الرئيس الفرنسي إيميل لوبيه، وفي حديث معه أطلق على أعمال كلود مونيه، صاحب لوحة "الإفطار على العشب"، أنها "عار على الفن الفرنسي". في الوقت الحالي، يرفض عدد من النقاد الفنيين الفرضية القائلة بأن قضية دريفوس كانت مصدر إلهام جيروم لرسم اللوحة.

مصير اللوحة

عُرضت اللوحة في الصالون عام 1896، وكانت جزءاً من المعرض الدائم منذ عام 1978.[17] ومنذ 1978، فهي جزء من العرض الدائم في متحف آن دي بوجو في مولان بفرنسا [15]


الحقيقة العارية

تجسد لوحة جيروم أسطورة قديمة جداً، تقول الأسطورة أن الحقيقة صادفت الكذب ذات يوم، والذي بادرها قائلاً[18]:

- إن الطقس رائع وجميل هذا اليوم ما رأيكَ أن نتمشى معاً؟

نظرت الحقيقة إلى السماء وما حولها ولتقول له:

- الطقس جميل ورائع هذا اليوم هلم بنا..

وبينما كانا يتنزهان، وصلا إلى بئر كبيرة، مد الكذب يده للماء وقال للحقيقة:

- كم هي رائعة ودافئة مياه هذه البئر، ما رأيك أن نسبح معاً في مياهها الرائقة

شكَّت الحقيقة فيما يقوله الكذب ونظرت إليه بريبة، ولكن عندما وضعت يدها في الماء وشعرت بروعتها، وافقت على أن تسبح معه. وخلعا ثيابهما ونزلا الى الماء وباشرا بالسباحة معاً، غافل الكذب الحقيقة وخرج فجأة من البئر ولَبْس ثياب الحقيقة وغادر المكان يعدو مسرعاً الخطى مبتعداً.

خرجت الحقيقة غاضبة من البئر بسبب عريها، وركضت وراءه تبحث عنه فى كل الأماكن والإتجاهات فزعة، عسى أن تسترد ثوبها ولتستر عورتها، ولكن دون جدوى فقد هرب بعيداً تاركاً إياها في حيرة وعري وذهول

نظر البشر إلى عريها وأشاحوا بوجوههم عنها فى إستهجان مشمئز، وتملكهم الغضب من فعلتها الشنيعة، أما الحقيقة المسكينة، فقد عادت إلى البئر بخطى مرتبكة يلفها الغضب واليأس والقنوط، لتستقر فيه وتختفي من فرط خجلها وإلى الأبد.

وبقيَّ الكذب منذ ذاك الزمن الغابر يختال بمشيته على الأرض بلباس الحقيقة، فكل الناس لا تريد رؤية الحقيقة المجردة وهي عارية، لأنها بعريها تخالف مفاهيم وعادات وموروثات بالية توارثوها منذ الأزل وباتت لدى بني الإنسان قوانين غير مكتوبة، ومنذ ذلك الحين أيضاً، يسافر الكذب متنقلاً يطوف حول العالم مرتدياً لباس الحقيقة، بينما لايزال البشر مصرين على رفضهم رؤية الحقيقة العارية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ "Jean-Léon Gérôme". Центр Гетти. Retrieved 12 октября 2016. Check date values in: |accessdate= (help)
  2. ^ "Jean-Léon Gérôme". قالب:Нп5. Archived from the original on 2018-09-24. Retrieved 12 октября 2016. Unknown parameter |deadlink= ignored (|dead-url= suggested) (help); Check date values in: |accessdate= (help)
  3. ^ "Art review: 'The Spectacular Art of Jean-Léon Gérôme'". The Los Angeles Times. 21 июня 2010. Retrieved 12 октября 2016. Check date values in: |accessdate=, |date= (help)
  4. ^ ""Бассейн в гареме" и другие произведения Жана-Леона Жерома в собрании Эрмитажа". Государственный Эрмитаж. Retrieved 12 октября 2016. Check date values in: |accessdate= (help)
  5. ^ "The Spectacular Art of Jean-Léon Gérôme (1824-1904). Gérôme, painter of stories". Музей Орсе. Archived from the original on 2016-10-12. Retrieved 12 октября 2016. Unknown parameter |deadlink= ignored (|dead-url= suggested) (help); Check date values in: |accessdate= (help)
  6. ^ "The Getty Museum Debuts First Major Monographic Exhibition of Gérôme In Nearly Fort Years". متحف گتي. 20 января 2010. Retrieved 12 октября 2016. Check date values in: |accessdate=, |date= (help)
  7. ^ Lewis et al 2013.
  8. ^ Allan, Morton 2010.
  9. ^ Diogenes Laertius. Lives of Eminent Philosophers. IX, 72. Perseus Project, Tufts University.
  10. ^ Noël, Benoît; Hournon, Jean (2006). Parisiana: la capitale des peintres au XIXème siècle (in الفرنسية). Paris: DISLAB. p. 147. ISBN 9782952721400.
  11. ^ Brauer 2014.
  12. ^ The Academy (in الإنجليزية). J. Murray. 11 May 1895. p. 409.
  13. ^ Pouillon, François (2012). Dictionnaire des orientalistes de langue française (in الفرنسية). KARTHALA Editions. p. 466. ISBN 9782811107901.
  14. ^ Brauer, Fae (2013). Rivals and Conspirators: The Paris Salons and the Modern Art Centre (in الإنجليزية). Newcastle upon Tyne: Cambridge Scholars Publishing. pp. 205–6. ISBN 9781443863704.
  15. ^ أ ب خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة mab
  16. ^ Bibliothèque nationale (France) (1997). Autour de Turandot (in الفرنسية). Bibliothèque nationale de France. p. 33.
  17. ^ Ackerman, Gerald M. (1986). The life and work of Jean-Léon Gérôme: with a catalogue raisonné. Sotheby's. p. 276. ISBN 9780856673115.
  18. ^ "الحقيقة العارية .. والبئر الخاوية". باسنيوز. 2018-10-07. Retrieved 2019-06-16.

وصلات خارجية

  • Musée Anne-de-Beaujeu & Maison Mantin (2012). "La Vérité Est au Musée!" (PDF). Musée Anne-de-Beaujeu. Retrieved 3 Apr 2018. — A pamphlet on the painting from the Musée Anne-de-Beaujeu (in French)