الفن الإتروسكي

(تم التحويل من Etruscan art)
Fresco of an Etruscan musician with a barbiton, Tomb of the Triclinium, Tarquinia

الفن الإتروسكي Etruscan art، هو شكل من الفنون التصويرية من نتاج الحضارة الإتروسكية في وسط إيطاليا بين القرن التاسع والثاني ق.م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التاريخ

Cista Depicting a Dionysian Revel and Perseus with Medusa's Head[1] The Walters Art Museum.

يكاد الفن الإتروسكاني أن يكون وحده كل ما نعرف عن تاريخ الإتروسكيين، ففي وسعنا أن نتتبع فيه آداب الشعب وأخلاقه، وما كان للدين والطبقات من سلطان، وما كان لصلاته بآسيا الصغرى ومصر وبلاد اليونان وروما من أثر في تبدل أحوال هذا الشعب الاقتصادية والثقافية. لقد كان هذا الفن شديد التقيد بالعرف والتقاليد الدينية، وإن كانت المهارة الفنية قد أكسبته الكثير من الحرية؛ وكان يكشف عن حضارة وحشية مظلمة، ولكنه يعبر عنها في قوة؛ وقد حدد أشكاله الأولى وأنماطه الفن الشرقي- لأيوني، القبرصي، والمصري، وسيطرت النماذج اليونانية على نحته وخزفه. وأما في العمارة والتصوير فإن الفن الإتروسكاني كان تسكانياً خالصاً فذاً في نوعه.

جزء من سلسلة
تاريخ الفن القديم

Babylonian marriage market.jpg

الشرق الأوسط
بلاد الرافدين
مصر القديمة
آسيا
الهند
الصين
اليابان
Scythia
اوروپا ما قبل التاريخ
Etruscan
Celtic
Picts
Norse
Visigothic
فن كلاسيكي
اليونان القديمة
Hellenistic
روما

بقي الفن الإتروسكي مهملاً إلى الربع الأول من القرن العشرين. وكان مؤرخو الفن القديم يرون الفن الروماني متمماً للفن الإغريقي وتقليداً له، وأن الفن الإتروسكي لايعدو كونه فناً هجيناً ساذجاً ومتفرعاً عما قدمه الإغريق. إلا أن الكشوف الأخيرة برهنت على غنى هذا الفن وأصالته وخروجه عن الكلاسيكية القديمة. ولايمكن فهم مظاهر الفن والعمارة وغيرهما من أوجه الثقافة الأخرى عند الإتروسكيين منفصلة عن مثيلاتها في بقية مناطق البحر المتوسط المعاصرة لهم، ولاسيما بلاد اليونان ومستعمراتها في الشرق وفي إيطالية. ومما لاشك فيه أن للفن الإتروسكي سماته الخاصة وأنه تأثر بالأساليب الإيطالية المحلية وأنه أثر بدوره في تطور الفن عند الرومان. وقد مر الفن الإتروسكي في تطوره بثلاث مراحل كالفن الإغريقي. فقد كانت الحقبة القديمة (800- 475 ق.م) مرحلة ازدهار كبير للفن الإتروسكي حين ساد الاتحاد الإتروسكي وسط إيطالية والبحار المجاورة له، وكان للحرفيين الإغريق ومنتجاتهم أثرهم في إضفاء سمات خاصة. وفي العصر الهليني (475- 200 ق.م) انحسرت الهيمنة الإتروسكية تدريجياً وأخذ الفن الإتروسكي يبتعد عن الأسلوب الإغريقي وتدنت قيمته الفنية. وعندما بدأت رومة توحد إيطالية في القرنين الرابع والثالث ق.م عاد التأثير الإغريقي الهليني يثبت وجوده مع تعديلات فرضتها المعتقدات الدينية الإتروسكية، وازدادت هذه الاتجاهات وضوحاً في أواخر العصر الهليني الروماني (200- 1 ق.م).[2]


الفن والدين

قلادة إتروسكية قديمة (متحف جامعة پنسلڤانيا)

العمارة الإتروسكية

ولا يتعدى ما بقي من آثار فن العمارة الإتروسكية بضع قطع قليلة مبعثرة وبعض القبور؛ ولا تزال أجزاء من أسوار المدن الإترورية قائمة حتى اليوم- وهي مبان ثقيلة خالية من الملاط ولكنها شديدة التماسك قوية. وتدل بيوت أغنياء الإتروسكيين على ما كانت عليه أشكال البيوت الإيطالية في العهد القديم: فقد كان الواحد منها يتكون من سور خارجي يحجب سكان البيت عن أعين من خارجه، ومن إيوان أو حجرة استقبال في وسطه، وفي سقف الإيوان فتحة ينزل منها المطر إلى صهريج في أسفل البيت، ومن حول الإيوان طائفة من الحجرات الصغيرة يواجهها في أغلب الأحيان مدخل ذو عمد. وقد وصف ڤتروڤيوس المهندس والبناء هياكل الإتروسكيين وصفاً ينطبق في بعض الأحيان على قبورهم أيضاً. ويستفاد من هذا الوصف أن الهياكل كانت في جوهرها تتبع الطرز اليونانية، غير أن "الطراز الإتروسكاني" قد أدخل بعض التعديل على الطراز الدوري، بأن ترك العمد خالية من الحزوز، وأقامها على قواعد، وجعل نسبة الطول إلى العرض في جسم المعبد كنسبة 5:6 بدل النسبة الأتيكية Attic الرشيقة وهي 3:6. وفي وسعنا أن نصف الهيكل الإتروسكاني وصفاً موجزاً بقولنا إنه يتكون من بناء رئيسي من الآجر ورواق من الحجارة، ومن عوارض فوق العمد ومقصات من الخشب، ومن نقوش وحلي من الطين المحروق؛ ويقوم البناء كله على قاعدة متصلة أو ربوة، ويطلى بالألوان الزاهية من داخله وخارجه. وكذلك نستطيع أن نقول على قدر ما وصل إليه علمنا بتاريخ الإتروسكيين إنهم أدخلوا في إيطاليا العقود والقباب في الأبنية المقامة لغير الأغراض الدينية- كأبواب المدن، وأسوارها، ومجاري المياه ومصارفها. ويلوح أنهم جاءوا بهذه الأشكال الفخمة من بلاد ليديا Lydia، وكانت هذه قد أخذتها عن بلاد بابل ،ولكنهم لم يتبعوا تلك الطريقة البديعة طريقة تغطية مساحات واسعة من الأراضي بالأبنية الخالية من العمد والعوارض الكثيرة المختلطة المقبضة المملة. وقد ظلوا في معظم الأحوال يتبعون الأساليب التي هيأت لهم اليونان، وتركوا إلى روما أن ترتفع بالأقواس والمنحنيات إلى ذروة الكمال فتحدث بذلك انقلابًا عظيمًا في فن العمارة.


تعد المعابد الإتروسكية، التي لم يبق منها أي أثر كامل، خير مثال على ما بلغه فن العمارة عند الإتروسكيين وربما كانت المعابد الأولى مبنية من الآجر المجفف بالشمس ومن الخشب، ولم تظهر المعابد المبنية من الحجارة المربعة وفق طراز مميز إلا في القرن السادس ق.م، وهي تكثر في فيي وسيفتيا وكاتسيلانا وأورفيتو وغيرها، وهي مشيدة على نمط المعابد الإغريقية ضمن سياج مسور، إلا أن اتجاه المعبد شمالي جنوبي وفقاً للتقليد الديني الإتروسكي، ويقام فوق مصطبة عالية، وهو مستطيل الشكل، أرضه من الحجر، وله رواق معمد واحد عميق يصعد إليه على درج، ولايمكن دخوله إلا من أمام، وله صفان من الأعمدة، وهي إما ملساء خالية من الزخرف وتستند إلى قاعدة مستديرة ويعلوها تاج توسكاني الطراز، أو مخددة ذات تيجان على النمط الإغريقي، وسقف المعبد على هيئة جملون بسطحين مائلين وواجهة مثلثة ومغطى بالقرميد، وعلى حافتيه ساترات فخارية بأشكال زخرفية أو رؤوس مخلوقات عجيبة، ومثلها أشكال فخارية تستر رؤوس الجسور الخشبية التي تؤلف هيكل السقف. أما جبهة المعبد العليا المثلثة فيغطيها نحت بارز فخاري ملون، وفي العهد الهليني (ق 4 ق.م) غطت المشاهد الملونة واجهات المعبد، وينفتح الرواق على ثلاث حجرات هياكل تحتوي على تماثيل ثلاثة من الآلهة، والوسطى منها هي الأكبر. وعلى الرغم من الشبه الكبير بين المعبدين الإتروسكي والإغريقي فالخلاف بينهما واضح في المواد المستعملة في البناء وفي الزخارف والنسب بين عناصر البناء. وقد اقتبس الرومان في تشييد معابدهم الكثير من قواعد البناء الإتروسكي، وخير مثال على ذلك معبد جوبتر الضخم في كبتول رومة الذي شيد عام 509ق.م، وتزعم المصادر أن النحات الإتروسكي فولكا من مدينة فيي هو الذي نحت تمثال زيوس فوق قوصرة معبد جوبتر، والذي يمثله واقفاً فوق عربة تجرها أربعة جياد. ولاتزال بعض آثار القوصرة قائمة إلى اليوم.

أما المساكن الإتروسكية فتدل الحفريات على وجود قصور للنبلاء تتألف من باحة داخلية تحيط بها الغرف والقاعات، وإلى جانبها بيوت للعامة موحدة البناء تتألف من غرف ثلاث ومدخل.

ويبدو أن الإتروسكيين اقتبسوا بناء العقود والقباب من موطنهم الأصلي ومن بحر إيجة. وقد وجدت مدافن من القرن السادس ق.م مسقوفة بنوع من الأقباء يدعى جشوة (مصطبة tamulus) وهي فردية أو أسرية تسمى «البيت - المقبرة» وقد طورت هذه المدافن فيما بعد فصارت تضم ممراً أو بهواً صغيراً تجتمع حوله غرف الدفن. وكانت مدافن النبلاء من الإتروسكيين تميز من غيرها بواجهاتها المعمارية المقتبسة عن المعابد الهلينية مع استعارات محلية.


المدينة الإتروسكية

دمر الرومان جل المدن الإتروسكية، ثم درستها أحداث القرون اللاحقة فلم يبق من آثارها إلا النادر. وكان يعتقد أن المدن الإتروسكية القديمة كانت عشوائية البناء على نمط التجمعات الزراعية، ولكن الحفريات في بومبي كشفت عن مدينة إتروسكية منظمة من القرن السادس أو السابع ق.م يقوم بنيانها حول شارع عريض يؤلف شريانها الرئيس، ويمكن القول إنها كانت منظمة وفق مخطط الشوارع المتعامدة. ثم صار للمدن الإتروسكية في العصر الهليني بوابات ضخمة مزينة بمنحوتات، وظلت هذه البوابات مألوفة إلى ما بعد السيادة الرومانية حتى قيل إن قوس النصر الروماني لايخرج عن كونه بوابة إتروسكية معدلة. وقد سبقت الإشارة إلى أن أشهر المدن الإتروسكية وأكثرها ازدهاراً، وما بقي من أسوارها ومدافنها ومعابدها أكبر شاهد على حضارة شعب حير العلماء والمؤرخين أصله ومنشؤه.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النحت الإتروسكي

أسد إتروسكي (من البرونز)
(متحف والترز للفنون)

أما النحت في الحجارة فلم يكن في يوم ما فناً شائعاً في إتروريا. فقد كان الرخام فيها نادراً، ويبدو أن محاجر كرارا لم تكن قد عرفت بعد. لكن الصلصال الجميل كان في متناول الأيدي، وسرعان ما تشكل وظهر في صورة آلاف مؤلفة من نقوش وتماثيل صغيرة وزينات للقبور والدور من الطين المحروق. وقد أنشأ أحد الفنانين الإتروسكيين في أواخر القرن السادس قبل الميلاد مدرسة لتعليم فن النحت في فياي أخرجت على يديه آية الفن الإتروسكاني، وهي تمثال أبلوفياي الذي عثر عليه في عام 1916 في موضع هذه المدرسة، والذي ظل إلى عهد قريب قائمًا في فلاجوليا في روما. وقد صنع هذا التمثال الجذاب على غرار تماثيل أبلو اليونانية والأتيكية المنحوتة في ذلك الوقت؛ وهو ذو وجه يكاد يكون وجهاً نسائياً كالذي نشاهده في صورة موناليز، ويفتر ثغره عن ابتسامة رقيقة، وأسنان مائلة مقوسة، وجسمه تسري فيه دلائل الصحة والجمال والحياة. ويطلق الطليان على هذا التمثال اسم "إبلو الذي يمشي". وقد ارتقى المثالون الإتروسكانيون في هذا التمثال وفي غيره من الصور الجميلة الكثيرة المنقوشة على توابيت الموتى، ارتقوا بالأنماط الأسيوية من صور الشعر والشباب إلى درجة الكمال. أما في تمثال الخطيب فقد أوجدوا هم أو وارثوهم الرومان فنًا من التصوير الواقعي.

استعمل الإتروسكيون الحجر والطين النضيج (تراكوتا) والمعدن لإنتاج منحوتاتهم. ومعظمها سخر لغايات دينية كالمدافن والنواميس والمرمدات (جرار حفظ رماد الموتى) والنصب المقدمة نذوراً أو التي تزين المعابد. وقد عثر على مرمدات فخارية ذات أغطية برونزية ومرمدات على هيئة كوخ ريفي وعلى أقنعة جنازية تحمل زخارف بسيطة، كما عثر على مباخر وجرار وكؤوس فخارية ومعدنية نقشت عليها شخوص أو حيوانات أليفة أو متخيلة أو نقوش تمثل مشهداً أسرياً، وتعود جميعها إلى حقبة ما قبل التاريخ الأخيرة (القرنين 10 و9 ق.م). أو القرنين الثامن والسابع ق.م ويبدو الأسلوب الإغريقي القديم بتفصيلاته القاسية واضحاً في المنحوتات القديمة كالقنطور الذي يحرس أحد مدافن مدينة فولتشي، وهو تمثال لمخلوق خرافي نصفه رجل ونصفه حصان (نحو 600 ق.م)، كما يظهر التأثير الإيوني اللاحق في تمثال الرجل والمرأة المتكئين على أريكة من الطين النضيج على غطاء ناووس في مدينة كايري نحو (500ق.م)، أما أكثر المنحوتات إثارة فهي تماثيل الآلهة المصنوعة من الطين النضيج بالحجم الطبيعي كتمثال أبولو وهرمس (مركوري) وهرقل وغيرهم في سقف معبد في مدينة فيي أوائل القرن الخامس ق.م أما المنحوتات التي تعود إلى العصر الهليني في معبد ببرغي (نحو 450 ق.م) وهي تمثل صراعاً بين أحد الآلهة وأحد العمالقة في حضور تينية ومنيرفة، وقد عثر في بعض الأضرحة التي تعود إلى العصر الهليني، على مئات النواويس الحجرية والمرمدات المنحوتة من الحجر المسامي أو الكلسي أو الطين النضيج أو المصنوعة من الفخار وعليها ألواح جانبية منقوشة بنحت نافر قليلاً، ولها أغطية تحمل نحتاً نصف بارز يتنوع ما بين أشكال هندسية غير متقنة ونماذج واقعية وفق الأسلوب الإغريقي الهليني، ولاسيما المنحوتات المتأخرة منها. وقد مهد هذا النوع من النحت لظهور الأسلوب الروماني الواقعي فيما بعد.

أما التماثيل البرونزية الكثيرة ومن كل العصور فتشهد على مهارة الإتروسكيين في معالجة البرونز وسكبه، ومعظمها من الحجم الصغير المقدم نذوراً وتمثل محاربين أو نساء أو آلهة، ومنها ما هو بالحجم الطبيعي أو على هيئة حيوان. ولكن ثمة خلاف حول من صنع تمثال الذئب الكبتولي (نحو 500 ق.م) وتمثال شمايرا (ق5- 4 ق.م) وهل هم من الإتروسكيين أم من الإغريق في إترورية.


الخزف والفخار الإتروسكي

والخزف أشهر ما أخرجته بلاد إتروريا، تزدحم به كثير من متاحف العالم وإن كان من يطوف بهذه المتاحف لا يرى في هذا الخزف من الكمال ما يبرر أن تحشد هذه الكميات الكبيرة منه. فالمزهريات الإتروسكية، إذا لم تكن منقولة عن الأنماط اليونانية، لا ترتفع فوق الدرجة الوسطى في تصميمها، وهي فخمة خشنة في صنعها، وبدائية همجية في زينتها، وليس ثمة فن من الفنون شوه الجسم البشري كما شوهه الخزف الإتروسكاني، أو أخرج من الوجوه المتنكرة البشعة أو الحيوانات الفظة، أو الشياطين المهولة، أو الآلهة المروعة، أكثر مما أخرجه هذا الخزف. غير أن الآنية السوداء المصنوعة في القرن السادس قبل الميلاد تسري فيها إيطالية، ولعلها تمثل تطوراً محلياً من الأنماط الفلانوفية. وقد عثر على مزهريات جميلة في فلسي وتاركويناي- نقلت من أثينا أو صنعت على مثال الزهريات الأتيكية ذات الرسوم السوداء. ويلوح أن مزهرية فرنسوا وهي حجرة كبيرة ذات عروتين عثر عليها في شيوزى فرنسي يسمى بهذا الاسم- يلوح أن هذه المزهرية من صنع الفنانين اليونانيين كليتياس وإرجتيمس. أما آنية رماد الموتى التي صنعت في العهود المتأخرة، والتي رسمت عليها صور حمراء على أرضية سوداء، فهي رشيقة الصنع ولكنها أيضاً صناعة يونانية بلا ريب. وإن كثرتها لتدل على أن صناع الخزف الأتيكيين قد سيطروا على الأسواق الإتروسكية ولم يبقوا فيها للصناع الوطنيين إلا المصنوعات التي لا تمت إلى الفن بصلة. وفي وسعنا أن نقول عن فن الخزف بوجه عام إن اللصوص كانوا على حق حين تركوا كل هذا الخزف في القبور الإتروسكية بعد انتهابها.

لكننا لا نستطيع أن نستخف هذا الاستخفاف كله بفن البرونز الإتروسكاني. ذلك بأن الذين كانوا يصبون المصنوعات البرونزية في إتروريا قد وصلوا بهذا الفن إلى درجة الكمال. ويكاد ما صنعوه منه أن يبلغ من الكثرة ما بلغته الآنية الخزفية، وحسبنا شاهداً على هذه الكثرة أن مدينة واحدة من مدنهم كان فيها على حد قولهم ألفا تمثال برنزي. ويرجع معظم ما وصل إلينا من المصنوعات البرنزية إلى عهد سيطرة الرومان على تلك البلاد. وأشهر هذه الروائع الفنية كلها تمثالان هما الخطيب الذي يقف الآن في متحف العاديات في مدينة فلرنس تحف به هالة من المهابة الرومانية والتحفظ البرنزي، وتمثال الهولة الذي عثر عليه في أرزو عام 1553 والذي أعاد إليه سيلني الفنان الإيطالي بعض ما حطم من أجزائه. وثاني التمثالين بشع المنظر، وأكبر الظن أنه يمثل الوحش الذي ذبحه بلروفون، له رأس أسد وجسمه، وذيل أفعى، وقد نبت له في ظهره رأس جدي، غير أن قوته وصقله تنسياننا ما في خلقه من شذوذ وغرابة. وقد أخرج صناع البرونز الإتروسكانيون آلاف الآلاف من التماثيل الصغيرة والسيوف، والخوذات، والدروع، والحراب، وآنية للطهو ولحفظ رماد الأموات، والنقود، والأقفال، والسلاسل، والمراوح، والمرايا، والسرر، والمصابيح، وحاملات الشموع، بل صنعوا منه العربات نفسها. ومن يزر متحف الفن في نيويورك ير في صدره عربة تسكانية جسمها ودواليبها من الخشب ولكن البرونز يكسو الجسم وإطار الدواليب، وقد نقش في أعلى مقدمها صور من البرونز غاية في الرشاقة. وكان كثير من الأدوات البرونزية يحفر عليه أشكال دقيقة جميلة. وكانت طريقتهم في هذا أن يغطوا السطح الذي يريدون نقشه بالشمع، ثم يرسموا عليه الشكل الذي يريدونه بقلم معدني ذي سن حادة، يغمسون طرفها في بعض الأحماض، فتحفر الخطوط التي يزول عنها الشمع في معدن البرونز، ثم يذاب الشمع كله بعدئذ. وكان الفنان الإتروسكاني وارث الفنانين المصري واليوناني، وندهما في النقش على الفضة والذهب والعظام والعاج.

تبين مصنوعات الفخار التي عثر عليها في تركويني وكايري وفولتشي وغيرها مستوى الإتروسكيين الحضاري، وربما استورد الإتروسكيون الفخار المزين بالرسوم من بلاد الإغريق بكميات كبيرة منذ القرن الثامن أو أنهم نسخوا عنه مصنوعاتهم. ويحمل الخزف الملون من القرن السابع ق.م سمات الأسلوب الكورنثي الأول بألوانه السوداء التي تزين الزهريات وزجاجات العطر والأباريق وغيرها، وأما ما يعود منها إلى القرن السادس ق.م فيغلب عليه الأسلوب الأثنيي بألوانه الحمراء بعد عام 525 ق.م ولكن المنتجات الإتروسكية لم تبلغ النماذج الإغريقية في مستواها.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفن الجنائزي الإتروسكي

Painted terracotta sarcophagus of Seainti Hanunia Tlesnasa, about 150-130 BCE

الرسم الإتروسكي

وقد تعاون فن الرسم الإتروسكي مع فن إيطاليا اليونانية على نقل فن آخر من الفنون إلى روما. ولقد وصف بلني الأكبر Pliny المظلمات التي وجدت في أرديا Ardea بأنها "أقدم من روما نفسها"، وقال عن مظلمات كثيري إنها "أقدم من السابقة" وإنها "تفوقها روعة وجمالاً(27)". واستخدمت في الرسم الأواني الخزفية، وجدران المنازل والقبور من الداخل. ولم يبق لنا إلا مظلمات القبور والرسوم التي على المزهريات، ولكنها تبلغ من الكثرة حداً نستطيع معه أن نتتبع كل ما مر بفن التصوير الإتروسكاني من أدوار مختلفة- من طرز شرقية ومصرية، تنتقل عن طريق اليونان والإسكندرية إلى طرز روما وبمبي. ونجد في بعض المقابر النماذج الإيطالية للنوافذ ومداخل الدور، والأعمدة، وكلات الأبواب، وغيرها من الأشكال الهندسية المعمارية، مصورة بالألوان على الجدران الداخلية، ولا تفترق في شيء عما نجده منها في مدينة بمبي. وكثيرًا ما نرى ألوان هذه المظلمات حائلة، ولكن القليل منها يبدو جديداً براقاً إلى حد يدهش له الرائي، بعد أن مضى عليه أكثر من عشرين قرناً من الزمان. أما من حيث القواعد الفنية فإن هذه الرسوم لا ترقى إلى ما فوق الدرجة الوسطى، فالصور القديمة لم تراع فيها قواعد المنظور.

ولم يستخدم الضوء والظل لتمثيل العمق والامتلاء، والصور رفيعة أشبه من هذه الناحية بالصور المصرية، ويخيل إلى الناظر إليها أنه يراها من خلال مرآة محدبة أفقية؛ والوجوه كلها جانبية أيًا كانت الجهة التي تشير إليها القدمان؛ غير أن فن المنظور يظهر في النماذج المتأخرة، كما أن التناسب بين أجزاء الجسم المختلفة يراعى بمهارة وأمانة. لكن هذه الصور وتلك يبدو عليها نزق ومرح وخبث لا يسع الإنسان معها إلا أن يدهش مما كان يحيط بالحياة الإتروسكية من بهجة إذا كانت قبورهم مفرحة إلى هذا الحد. فهنا رسوم تمثل رجالاً يقتتلون، أو يستمتعون بمشاهدة القتال، أو يتصارعون وينافقون في المجتلدات، ويصيدون الآساد والخنازير البرية بشجاعة الرجال الذين يراهم النظارة، أو يتوقعون أن يروهم؛ ويلاكمون أو يصارعون في ساحة الصراع والنظارة يتناقشون بقوة تفوق قوة المصارعين؛ ويركبون خيولهم أو يسوقون عرباتهم حول المدرج، أو يصيدون السمك في هدوء واطمئنان عظيمين. ويمثل أحد الرسوم زوجين يدفعان قاربًا على مهل في مجرى هادئ المياه: ألا ما أقدم حكمة الحكماء. وفي صورة على قبر من قبور كثيرة يُرى رجل وزوجه متكئين على أريكة، والرجل متوج الرأس بالغار، ويعاهد زوجته وفي يده كأس من الشراب على أن يكون وفياً لها مخلصاً على الدوام؛ وتبتسم الزوجة وتصدقه وإن كانت تعرف أنه يكذب عليها.

ويرسم المصور الإتروسكي على جدار مقبرة أخرى ما ارتسم في ذهنه من صورة الجنة. يصور المرح الدائم، ويصور الولدان يرقصون رقصاً عنيفاً على أصوات المزمار المزدوج والقيثارة. ويلوح أن المزمار، والقيثارة، والصفارة، والبوق، كانت من مستلزمات كل وليمة وكل حفلة عرس أو جنازة، وأن حب الموسيقى والرقص كان من المظاهر الجميلة في الحضارة الإتروسكية. ونرى الصور الرسومة على جدران قبر اللبؤة في كرنيتو تدور حول نفسها في جنون المخمورين.

وكان طبيعيًا أن يوسع التسكان أملاكهم نحو الشمال والجنوب، وأن يمدوا سلطانهم إلى قواعد جبال الألب، والى مدن كمبانيا اليونانية، وأن يجدوا أنفسهم بعدئذ وجهًا لوجه أمام الناشئة على شاطئ الآخر من نهر التيبر.وقد أنشئوا لهم مستعمرات في فرونا وبدوا، ومنتو، وبارما، ومودينا، وبولونيا، وفي الجهة الأخرى من جبال أبنين في رميني، ورافنا، وأدريا، وهي فرضة صغيرة سمى باسمها البحر الأدرياوي. وأحاطوا روما بمستقرات تسكانية في فيديني، وبرنيستي (بلسترينا) وكبوا، ولعلهم استقروا أيضًا في مسكولم (تسكانيا الصغرى). وما وافى عام 618 ق.م -كما تقول رواية مشكوك في صحتها ولكنها تحدد هذا التاريخ تحديدًا عجيبًا- حتى استولى أحد المغامرين التسكان على عرش روما، وظلت الأمة الرومانية مدى قرن كامل تسيطر عليها قوة الإتروسكيين ويشكلون حضارتها.


انظر أيضاً

الهوامش

  1. ^ "Cista Depicting a Dionysian Revel and Perseus with Medusa's Head". The Walters Art Museum.
  2. ^ إلياس زيات، محمد وليد الجلاد. "الأتروسكيون (الفن)". الموسوعة العربية. Retrieved 2009-04-26.

المصادر

  • Brendel, Otto (1978). Etruscan Art. Harmondsworth: Pelican.
  • Maggiani, Adriano (1985). Artistic crafts: Northern Etruria in Hellenistic Rome. Italy: Electra.
  • Ramage, Nancy H. & Andrew (2009). Roman Art: Romulus to Constantine. New Jersey: Pearson Prentice-Hall.
  • Richter, Gisela M. A. (1940). The Metropolitan Museum of Art: Handbook of the Etruscan Collection. New York: Metropolitan Museum of Art.
  • Spivey, Nigel (1997). Etruscan Art. London: Thames and Hudson.
  • Turfa, Jean Macintosh (2005). Catalogue of the Etruscan Gallery of the University of Pennsylvania Museum of Archaeology and Anthropology. Philadelphia: University of Pennsylvania Press.


وصلات خارجية