موت التخدير
موت التخدير ويقصد به حالات الوفاة التي تحصل على طاولة العمليات وإلى حين إفاقة المريض (أي عودة المنعكسات العصبية، خصوصاً منعكس السعال). والوفاة التي تحصل خلال 24 ساعة بعد التخدير والتي تعتبر مسؤولية مشتركة بين طبيب التخدير والجراح.
أهم الأسباب
1. عدم كفاءة أجهزة التخدير (أسباب فنية) في 50% من الحالات، على سبيل المثال:
أ- وجود خلل في مقياس تدفق الهواء إلى جسم المريض مما يؤدي للوفاة بسبب نقص الأوكسجين.
ب- خلل في ربط الأنابيب الموصلة بالمريض مع أجهزة الإعطاء، خاصة إذا كان الخلل داخل جسم المريض، وخارج مجال رؤية الطبيب المخدر بحيث لاينتبه له من الخارج.
ج. الخلط في استعمال قنينة الغاز المناسبة، بحيث تستخدم مادة غير ملائمة للتداخل الجراحي أو غير مناسبة للتنفس أو استخدام أنبوبة غاز فارغة.
د. الحروق، والتي تعتبر غير مألوفة مثل اشتعال المعقمات الموضوعة على الجلد عند استخدام جهاز الكي الكهربائي، أو اشتعال الأوكسجين المتسرب من الرئتين أثناء العملية الجراحية أو انفجار مواد التخدير سريعة الاشتعال داخل غرفة العمليات كعقار السايكلوپروپين أو الإيثر.
2. أخطاء جراحية يسهل الكشف عنها أثناء التشريح، كاستئصال العضو أو الطرف السليم، قطع الشرايين والأوردة الرئيسية، نسيان الأدوات والمعدات الجراحية داخل جسد المريض وما يترتب على ذلك من مضاعفات، استخدام الأدوات غير الطبية وغير المعقمة، وغيرها.
3. أسباب تعود للحالة المرضية أو الإصابة التي أجريت العملية الجراحية من أجلها، وغالباً ما يحصل ذلك في الاصابات أو الحالات المرضية الخطيرة المهددة للحياة التي تتطلب تداخلاً جراحياً عاجلاً، وقد لا يتمكن الجراح من معالجة المريض في الوقت المناسب، فيؤدي ذلك إلى وفاته.
4. المضاعفات الناتجة عن نقل الدم للمريض أثناء العملية، كتحلل الدم الحاد الناتج عند نقل الدم غير المطابق لفصيلة المريض أو الدم المخزون لفترات طويلة، أو الدم المتحلل والمخزون في ظروف سيئة، أو الاصابة بالعدوى الخطيرة عند نقل الدم الملوث بالأحياء المجهرية ذات التأثير المرضي الضار أو عجز القلب الحاد عند نقل الدم أما بسرعة كبيرة أو بكميات تفوق قدرة القلب على التحمل.
5. النزف الدموي الحاد تحت العنكبوتية؛ نتيجة لثني الرقبة بشدة إلى الخلف أثناء تنظير القصبة الهوائية.
6. قد تحصل الوفاة نتيجة للاختناق الناتج عن الغصص بالأسنان الطبيعية أو الاصطناعية أو محتويات المعدة أو ترك قطعة من الشاش الطبي بعد انتهاء العملية خصوصاً عمليات استئصال اللوزتين أو إدخال أنبوبة الغازات التنفسية إلى المرئ بدلاً من القصبة الهوائية.
7. الوفاة نتيجة لبعض المضاعفات التي لا يمكن منعها، مثل: انكماش أو انخماص الرئة.
8. الانصمام الهوائي، قد يحدث نتيجة لانتهاء كمية السوائل المعطاة عن طريق أجهزة الإعطاء الوريدي، كما قد يحدث خلال عمليات الجراحة العصبية في الحفرة القحفية الخلفية، وعمليات الأذن الوسطى، وعملية استئصال الغدة الدرقية، وعمليات الرقبة الأخرى، وعمليات القسطرة التشخيصية والعلاجية للشرايين التاجية للقلب، وعمليات القلب المفتوح، وكذلك عند أخذ النماذج (خزعات) نسيجية من الرئتين، ونفخ الجوف البطني بالهواء خلال الجراحة الناظورية للبطن، والتنظير التشخيصي الملون لقنوات الپنكرياس والصفراء والمرارة، والغسل الكلوي والعمليات القيصرية.
9. أسباب تعود لأدوية التخدير، إذ يتعين على الطبيب اختيار طريقة التخدير، والدواء المناسب لعمر ووزن المريض وحالته الصحية، فمثلاً:
- لا يستخدم السايكلوسپورين لدى مرضى القلب؛ نتيجة لفعله السمي على القلب.
- يؤدي عقار الفلوثين إلى حدوث سكتة قلبية مفاجئة.
- أدوية الباربيتيوريت تؤدي إلى زيادة الضغط في الشرايين التاجية للقلب.
- يؤدي التخدير الشوكي إلى هبوط حاد وشديد في الضغط الدموي وشلل في العضلات التنفسية.
- تسرب أدوية التخدير الموضعي إلى الدورة الدموية أو دفعها بسرعة خلال الأوردة أو استخدامها بجرعات مفرطة كما هو الحال في بعض عمليات الأطراف العليا وشفط الدهون، حيث جرت العادة على استخدام مخدر موضعي (ليدوكين) مع عقار النورإپينفرين وبتركيز واطئ في محلول الملح الفسلجي. فقد يتم حقنه بكثرة في نسيج الجلد ونسيج تحت الجلد مما يؤدي ذلك إلى الوفاة بسبب الجرعة المفرطة من المخدر أو بأسباب أخرى كالخمج أو الموات الغازي.
- فرط الحمى الخبيث.
10. هناك أسباب أخرى قد تكون وظيفية أو فسلجية لا يمكن الكشف عنها أثناء التشريح كحالات تثبيط منعكس العصب التائه الناتج عن شد الپريتون خلال عمليات استكشاف البطن أو عند إجراء قسطرة الإحليل.
- وهناك مضاعفات للتخدير غير مميتة، كإصابة الضفيرة العضدية، أو شلل العصب الكعبري نتيجة للنوم لفترة طويلة على اليد.
فرط الحمى الخبيث
ويعتبر من الحالات النادرة ويحصل مع عقارات التخدير المتطايرة، ويعود سببها إلى خلل وراثي ينتقل من جيل إلى آخر بصفة سائدة ذات تعبير متغاير، ونفاذ جيني غير تام. إذ يمتاز الفرد بعدم انتظام معدلات الكالسيوم في العضلات الهيكلية فيؤدي ذلك إلى فرط إفراز الكالسيوم من الشبكة البلازمية الداخلية الملساء. ويعتقد بأن الطفرة التي تحصل في مستقبل ريانود 1 تعد مساهماً لهذه الحالة المرضية. ولا توجد تغيرات تشريحية مشاهدة ومعتبرة للوفاة بهذه الحالة، لذلك فأن التشخيص يعتمد على الفحوصات السريرية، والتي تشمل:
- ارتفاع مفاجئ في درجات الحرارة يصل أحياناً 43 درجة سليزية.
- تشنج مؤلم للعضلات الهيكلية.
- ارتفاع معدل ضربات القلب.
- متلازمة العوز التنفسي، وزيادة تركيز ثنائي أوكسيد الكاربون في الدم.
وعند حصول هذه الحالة يتطلب إجراء فحص لكافة أفراد العائلة بأخذ عينة من العضلات الهيكلية أو الفحص الجيني. ولقد انخفضت معدلات الوفيات بهذه الحالة في السنوات الأخيرة، فقد كانت تصل إلى 80% بينما وصلت حالياً إلى 7% بفعل عقار الدانترولين.
واجبات الطبيب المخدر
- أخذ التأريخ الكامل من المريض أو ذويه بما يتضمن حالته الصحية، وفيما لو أجرى أية عمليات جراحية سابقاً. والسؤال عن أية مضاعفات تكون قد حصلت أثناء التخدير السابق، وعن وجود الحساسية لأي نوع من الأدوية وتدوين ذلك تحريرياً.
- إجراء الفحوصات اللازمة كتحديد الفصيلة الدموية للمريض وقياس مستوى الهيموگلوبين في الدم، وESR، ونسبة السكر، وخمائر الكبد، ووظيفة الكلى، وإجراء التخطيط الكهربائي للقلب، وأشعة الصدر.
- تهيئة المريض قبل إجراء العملية بشكل حيد للحيلولة دون حصول المضاعفات المترتبة على إجراء التخدير؛ وذلك بإزالة أية أسنان اصطناعية من فم المريض؛ لمنع استنشاقها أثناء التخدير (الغصص)، وإفراغ القناة الهضمية لمنع التقيؤ، وبالتالي الاختناق؛ نتيجة لاستنشاق محتويات المعدة الحامضية، أو الإصابة بذات الرئة الاستنشاقية، وفي بعض الأحيان يتطلب الأمر أن يصف الطبيب بعض الأدوية قبل العملية؛ لتنظيم مستوى السكر في الدم، أو لاستقرار الضغط الدموي، أو تقليل الافرازات المخاطية باستخدام مادة الأتروپين.
- التأكد من توفر الأجهزة اللازمة لإجراء التخدير، ووسائل الانعاش المختلفة كجهاز التنفس الاصطناعي، وأجهزة سحب السوائل، والتحقق من كفاءة هذه الأجهزة، وكفاءة العاملين عليها.
- في صالة العمليات، وأثناء إجراء العملية على الطبيب المخدر اختيار النوعية والجرعة الملائمة من أدوية التخدير الملائمة لعمر المريض، ووزنه، وحالته الصحية. وعليه مراقبة الفعاليات الحيوية (النبض، والضغط الدموي، والتنفس) لحين إفاقة المريض ومعالجة أية مضاعفات قد تظهر أثناء التخدير أو أثناء العملية وبالسرعة الممكنة، وعدم ترك المريض إلا بوجود ممرضة أو ممرض كفوء قادر على مراقبة النبض، والضغط الدموي، والتنفس بدقة. فإذا أثبت الطبيب المخدر بأنه قام بكل هذه الإجراءات، فعندها سيكون غير مسؤول في حالة وفاة المريض لأسباب أخرى.
واجبات الطبيب العدلي
1. يتوجب على الطبيب العدلي أن يتحقق من سلامة إجراءات التخدير، وسلامة إجراءات التداخل الجراحي من خلال الاطلاع على كافة المعلومات السريرية الخاصة بالمريض المرسلة إليه من قبل المستشفى، ويشمل ذلك الملاحظات المدونة من الطبيب الجراح والمخدر والمقيم الممارس وملاحظات الممرض.
2. التوصل إلى سبب الوفاة: ويتم ذلك عن طريق إجراء الفحص الظاهري التشريحي الإصولي، وإجراء الفحوصات المخبرية لنماذج الأحشاء والسوائل الجسمية المختلفة:
- عند الشك بوجود دور لأدوية التخدير في إحداث الوفاة، حيث يفضل إرسال نماذج من الإدرار والدم للتحري عنها؛ لأن معظمها من النوع الطيار.
- أخذ نموذج من الدم الذي يعتبر أفضل السوائل الجسمية للتحري عن نسبة العقار المخدر، ويجب ملئ أنبوبة النموذج إلى النهاية وحفظها في درجة حرارة 4 مؤية مع تركيز 1% من مضاد التخثر.
- نموذج من محتويات المعدة.
- نموذج من السائل الزجاجي للعين.
- 50 غرام من كل من أنسجة الدماغ، الرئة، الكبد، الكلية، ونسيج تحت الجلد وتحفظ جميعاً في درجة حرارة تتراوح بين 4 - 5 درجة سليزية وبدون مواد حافظة.
- إجراء الفحص النسيجي لعينات الأنسجة المستأصلة أثناء العملية الجراحية إن وجدت.
أهم الصعوبات التي تواجه الطبيب الفاحص العدلي عند تشخيص موت التخدير والعمليات الجراحية
1. التغيرات التشريحية العيانية التشخيصية المتعلقة بهذه الوفيات تكون قليلة أو غير مميزة أو معدومة خاصة في حالات موت التخدير، منا يقود الطبيب العدلي الفاحص للاعتماد على معلومات المتوفي السريرية ورأي المختصين.
2. يكون تشريح الجثث بعد العمليات الجراحية صعباً؛ وذلك لوجود التداخل الجراحي الذي قد يغير من شكل الجسم والاصابات، خاصة في العمليات التي تجرى للمنطقتين الصدرية والبطنية.
3. إن التغيرات الموتية الطبيعية تزيد من هذه الصعوبة على الطبيب المشرح في معرفة إن كان سبب الوفاة متعلقاً بالعملية الجراحية من عدمه. فمثلاً التغيرات الجراحية للشقوق الجراحية لحديثة في الأحشاء الداخلية كالمعدة والأمعاء قد تظهر تسريبات في أماكن الخيوط الجراحية، فقد لا يكون ذلك ناتجاً من عدم دقة الجراح في خياطة للتبضيع، وإنما بسبب التحلل الذاتي أو أحياناً إمساك أحشاء الجثة من قبل الطبيب العدلي أثناء لفحص يؤدي إلى حصول التسريب.
4. إن بعض أسباب الوفاة قد تعود إلى الأجهزة المرتبطة بالمريض الخاصع للعملية الجراحية كأنابيب التنفس والتخدير، وأنابيب سحب الإدرار، أو أجهزة الإعطاء الوريدي، أو أجهزة المراقبة. ولذلك يجب عدم إزالة هذه التراكيب من الشخص المتوفي؛ من أجل فحص مدى صلاحيتها، وصحة أماكن ارتباطها بالجسم. فمثلاً: قد تحصل أخطاء في إدخال أنبوبة التخدير فيتم إدخالها في المرئ بدلاً من القصبة الهوائية، وبالتالي تحدث توذماً في المرئ يمكن الكشف عنه أثناء تشريح الجثة. وقد يتم التشكيك بضخ غاز التخدير عن طريق المرئ مما يتطلب أخذ نماذج من المعدة والأمعاء؛ للتحري عن الغاز، وفي أحيان أخرى ولتعدد الأنابيب المربوطة بجسد المريض أثناء العملية يحدث خلط من قبل المخدر فيقوم بإدخال سوائل في أنابيب خاطئة.
5. يجب تقديم طلب إلى مخبر المستشفى لإرسال النماذج المتبقية من الدم أو السوائل الجسمية والمأخوذة قبل إجراء العملية، وبالتالي يمكن فحصها لمعرفة احتمالية وجود سبب أدى بالمريض إلى وفاته كالحالة المرضية التي أجريت من أجلها العملية أو الحالات المرضية التي لم تكن موجبة لإجراء العملية وتفاقمت بإجراء العملية أو مضاعفات نقل الدم غير المطابق أو إجراء الفحوص السمية للكشف عن نسبة الأدوية في جسم المريض قبل العملية.
6. عدم إرسال كافة المعلومات السريرية الخاصة بالمريض من قبل المستشفى أو عدم الدقة في تدوينها من قبلهم مما قد يزيد صعوبة التوصل إلى استنتاج صحيح في تحديد سبب الوفاة.