كوليت خوري

كوليت خوري

كوليت خوري (1937) شاعرة واديبة وروائية سورية جدها رئيس الوزراء السوري السابق فارس الخوري في عهد الاستقلال . تكتب كوليت الخوري بالفرنسية والإنكليزية إلى جانب لغتها الأم العربية. وكانت تعمل محاضرة في جامعة دمشق كلية الآداب. وعملت في الصحافة السورية والعربية منذ ايام الدراسة وتعد واحدة من أكبر الأديبات السوريات والعربيات.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النشأة

وُلِدَت كوليت خوري عام 1937 في بيت من بيوت دمشق، في باب توما، والدها سهيل فارس الخوري، أما والدتها فهي ليلى حبيب كحالة، وهي أسرة وطنية مشهورة في مجالات السياسة والأدب والصحافة. تذكر نعمة خالد في كتيبها عن كوليت خوري: «حظيت كوليت خوري بإسمين: الأول كوليت، الذي اختاره أبوها عند ولادتها، تيمناً بالكاتبة الفرنسية كوليت، التي كانت تعيش مجدها كأديبة، حيث كان الوالد سهيل، يتابع ما تكتب، وما يُكتَب عنها. والاسم الثاني: هو خولة، وقد أطلقه عليها الجد فارس الخوري، الذي رتّب رغبة ابنه سهيل عوضاً عن رفضه اختيار اسم كوليت، وبسبب إيمانه الذي لا يُحدّ بالعروبة، وجد مخرجاً لابنه بقوله: كوليت بالفرنسية هو خولة بالعربية، وخولة اسم جميل، فهو الظبية، ثم إن خولة هي فارسة العرب، سيكون عندنا فارسة جديدة».

كوليت خوري في صباها.

أما دراستها فكانت عند راهبات البيزانسون، حيث تعلمت القراءة في إنجيل متى، ثم تمكنت من اللغة العربية عبر قراءة القرآن والشعر العربي القديم، وقد تتلمذت على يد جدها العلاّمة فارس الخوري.[1]

يمين-شمال: الصحفي حبيب كحالة يتحدث إلى رئيس الوزراء خالد العظم، وكوليت خوري تتحدث إلى أمين القصر الجمهوري آنذاك رياض الميداني.

وأتمت دراستها الثانوية في مدرسة اللاييك. ثم انتقلت كوليت وأهلها من باب توما، الحي الدمشقي القديم، إلى حي من أحياء دمشق الجديدة. أما دراستها الجامعية فكان أولها في الجامعة اليسوعية في بيروت، حيث بدأت بدراسة الحقوق، لكن زواجها في تلك الفترة جعلها تترك الجامعة وتعود أدراجها. وفيما بعد أنجزت دراستها في جامعة دمشق، ونالت الاجازة في اللغة الفرنسية وآدابها. وهي تكتب الشعر والرواية باللغتين الفرنسية والعربية.


زواجها

في الثامنة عشرة من عمرها تزوجت من الكونت الإسباني رودريكو دوزياس، وحصل الزواج في فرنسا. وكانت ابنتها نارة تتويجاً لهذا الزواج. توضّح كوليت: «لم يكن زواجي من الكونت بدافع الحب فقط، بل أيضاً لأني كنت دائماً أبحث عن شخص يستطيع أن يشبه أبي وسامة وحضوراً».

ذكرياتها مع الوحدة

كوليت خوري تصافح جمال عبد الناصر إبان عهد الوحدة.

دمشق في الفترة التي سبقت الوحدة كانت /ململمة/ على حد تعبيرها وكانت الشبيبة التي هي جزء منها تجتمع في النوادي الرياضية التي تأخذ طابعاً اجتماعياً أكثر، يدرسون ويتبادلون أقطاب الحديث, ففي نادي الغسانية الذي كانت ترتاده السيدة كوليت كانت تحكى الشعارات وتحيى مصر, ولم تتردد الكاتبة الشابة بأن تغني للجموع أغنية أم كلثوم /مصر التي في خاطري وفي فمي.. أحبها من كل قلبي ودمي.. يا ليت كل مؤمن يحبها مثلي أنا../ وكان جميع الشباب يرددونها معها.[2]

ونضال سورية ضد الاستعمار بكل أشكاله استمر إلى حين خروج الاستعمار الفرنسي وبعدها بدأ النضال للوحدة العربية وكانت التظاهرات شبه يومية في فترة /1957/ وفي أحد الأيام هاتفها الشاعر الكبير الراحل نزار قباني أن توافيه قرب منزله في ساحة النجمة للمشاركة في إحدى التظاهرات المؤيدة للوحدة وهذا ما حصل بالفعل فقد سارا مع المتظاهرين الذين كان غالبيتهم من الشباب المتحمس من ساحة النجمة باتجاه (أبو رمانة) وصولاً إلى السفارة المصرية, وبعد انتهاء التظاهرة تركت (نزار) وعادت إلى منزل جدها /فارس الخوري/ في حي المهاجرين لتجده جالساً على الكرسي أمام المذياع ووجهه متجهم ولم يكن راضياً عما يجري في تلك الفترة، فارس الخوري أكثر الناس حكمة في سورية آنذاك كان محتقن الوجه وغير مرتاح, أخبرته أنها كانت مع المتظاهرين المؤيدين للوحدة, فاكتفى بهز رأسه ولم يقل لها /عفي عليكي/ كعادته, ما أثار حفيظتها لتسأله /لم لست سعيداً/ فأخبرها أنه مشغول البال, قلق, في تلك اللحظة وافاه مجموعة من الكبار الذين صرح لهم بقلقه وخوفه على قضية العمر التي طالما سعوا إليها وحلم حياتهم /بالوحدة الكبرى على اتساع رقعة الوطن العربي.‏‏‏

شكري القوتلي يزور فارس الخوري في مستشفى السادات بدمشق. وفي الوسط كوليت خوري.

وقال بالحرف /الآن عملوا وحدة مسلوقة سلقاً والوحدة لا تسلق والخوف إذا ما فشلت سنعود إلى نقطة ما قبل الصفر/ وبحماستها المعهودة السيدة كوليت قالت /لا الوحدة حلوة/ لكنه أصر على أن الوحدة لا تسلق سلقاً وستكون خسارة كبيرة إذا ما فشلت, وهذا ما حصل فتنبؤات فارس خوري كلها صدقت.

ومن ذكريات السيدة الأديبة كوليت زيارتها لمصر مع جدّيها في مؤتمر رؤساء وزراء الحكومات العربية في /أوتيل مينا هاوس/ حيث كان جدها فارس خوري ممثلاً لسورية, والأمير فيصل الذي أصبح ملكاً فيما بعد ممثلاً للسعودية، وسامي الصلح ممثلاً للبنان ونظراً لكونها وجدتها السيدتين الوحيدتين في الوفود العربية اهتمت بهما زوجة الراحل عبد الناصر الرجل الاستثنائي بامتياز على حد وصفها فقد كانت مبهورة بعينيه واللمعان الذي يشع ذكاء منهما وابتسامته الصافية المريحة, وإنسانيته وعفويته التي ترجمها لها بأخذها من يدها إلى أحد الغرف في منزله ليريها ابنه الوليد حديثاً ويحمله بين ذراعيه بكل عطف وحنان ثم ليلقيه بين ذراعيها والوحدة التي فشلت برأيها لم تكن ممثلة بجمال عبد الناصر بل بالأشخاص القائمين على تطبيقها في تلك الفترة.‏‏‏

فالناس كانوا يعتقدون أن الوحدة ستوسع الدنيا معها وستفتح آفاقاً لهم لكن ما حصل عكس ذلك, فجأة اختنق الفرد وبدأ الناس بالانزعاج من الضغط على الحريات والممارسات والتجاوزات التي تمارس عليهم فخف الحماس تجاه الوحدة وبدأ الانسحاب رويداً رويداً من طريق الوحدة.‏‏‏

كوليت خوري.jpg

وبعد مرور خمسين عاماً على قيام الوحدة تبقى الاديبة كوليت خوري متفائلة بمستقبل الفكر القومي والوحدة العربية متفائلة بالمستقبل لأن شعبنا شعب عظيم وعندما ستتاح له الفرص لابد وأنه سيحقق كل ما هو جيد لهذه البلاد وتؤكد أن الظروف الصعبة التي نمر بها هي مدسوسة بيننا ودخيلة علينا ويبقى الشعب العربي أذكى من غيره ودمشق وشعبها على مر الزمن هما قلب العروبة النابض, والدرس الحقيقي الذي يمكن أن نأخذه من تجربة الوحدة هو أن الوحدة الاندماجية الكاملة صعبة, ويجب أن تكون الوحدة مدروسة وتتم على مراحل والأهم من كل ذلك لا يجوز أن ننصب من هو مسؤول عنا من الخارج /فلا نقبل من فرنسا أو أميركا أن تضع حاكماً علينا../‏‏‏

وهي حاليا مستشارة في رئاسة الجمهورية العربية السورية لشؤون الأدب.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أدبها

يشير الأستاذان بوعلي ياسين ونبيل سليمان في كتابهما «الأيديولوجيا والأدب في سورية (1967–1973)» إلى أن «كوليت خوري كما هو معروف شاعرة، ولكن باللغة الفرنسية، وعملت في التدريس الجامعي، وقد أكسب عبارتها العربية هذا التعامل مع الفرنسية، ومع الشعر، صفتين هما: الرشاقة والشاعرية. كما أكسبها جرأة في تغيير بنية الجملة (مثل: "وكان وأنا نفسين ممزقين"، ص17، في قصتها "الزنزانة" من مجموعتها "الكلمة الأنثى")، وأكسبها جرأة في أشكال التعبير القصصي. وها هي في "التهمة" تزاوج بين القصة والمسرح، وتحطم المقاييس المألوفة في التعبير والسببية، موفِّرةً زخماً حركياً عالياً. إن "التهمة" نفثة حانقة ضد التشويه الذي يحفل به العالم: زيف الرجل الأصلع، الإرهاب، الكبت المتمثل في الأشخاص الثلاثة، قتل البراءة بقتل الطفل، وسواس الجنس الذي يقض المضاجع أجمعين. والكاتبة في هذا الغمار كله لا تتعمق بل تؤثر أن تصف حالة نفسية تتسم بالمأساوية».

أما الدكتورة ماجدة حمود فتقول في أدب كوليت خوري: «تبدو اللغة مع كوليت خوري أكثر نبضاً بالحياة وأكثر جرأة منذ العنوان "أيام معه" الذي يوحي لنا بأن الرواية تقدم أيام الحب في حياة المرأة، وإن لم تذكر كلمة الحب صراحة لكن دلالات "أيام" واقترانها بالظرف "مع" وضمير الغائب الذي يدل على وجود الرجل (معه) يوحي بقصة حب بين المرأة والرجل، لكنها توحي بانتهاء أيام الحب. نلمس في هذه الرواية أيضاً جرأة في تقديم لغة الحب التي تجسد علاقة المرأة بالرجل (همهمة الشفاه، القبلة...الخ)». كما تقول: «تمتزج فيها اللغة اليومية بشفافية تجعلها أقرب إلى لغة الشعر، مما يؤهلها لتجسيد ما يعتلج في الأعماق، دون أن تخسر صلتها بالواقع، مما يمنح الرواية قدرة تعبيرية وتتيح لخصوصية الصوت الأنثوي فرصة التعبير عن ذاته». بوسعنا أن نلمح شاعرية لغتها عبر الوصف خصوصاً، فمثلاً في روايتها «ليلة واحدة» نقرأ هذه اللغة الجميلة والرائعة: «وفي صمت الليل، كانت ذراعان قويتان تزنران سمرة سكرى بالأمل، ويتمزق السكون فجأة بحشرجة حذاء ارتطم بالأرض، وتنهدات قضبان السرير، وينطوي الليل على طيفين احتواهما الدفء، فوحدهما في خيال واحد، ترنح طرباً، واحترق شوقاً، وذاب همهمة وأنيناً». أليست هذه اللغة جميلة، كما لو أنها معزوفة سوناتة ضياء القمر لبيتهوفن أو سوناتة لشوبان تفيض عذوبة وجمالاً. وأخيراً، تقول نعمة خالد: «كوليت في رواياتها، جسدت، مع كوكبة من الروائيين العرب، ومنذ وقت مبكر، الانتماء إلى الواقع، وعملت في سبيل تجاوزه لمصلحة التقدم والتغيير، إنسانياً واجتماعياً وفكرياً، ولقد نجحت في خلخلة الركود، وأطلقت العنان لنشيد الحرية، في ظروف مليئة بالتحدي».

مقدمة في أدب المرأة عموماً

إننا غالباً ما نقول بتحرير الأرض المغتصبة، حتى باتت الأرض المغتصبة تشكل، والهزائم المتكررة التي يلحقها العدو بنا، عقدة ندور في فلكها لا نبرحها مطلقاً. وربما هذا ما يريده العدو، أن نظل في فلك الهزيمة لكي لا تخرج منا إلا أجيال الهزيمة، أجيال الخنوع والتواطؤ والضياع. باتت الهوية العربية مصدر خجل لأجيال اليوم، هذا إن وُجِدَت هذه الهوية في أيامنا هذه، فالبعض قد وصلت به الحال أن ينفض يديه براءة منها. أين الأمل؟! لعل أدب المرأة، يعبِّر عن صرخة تتفجر كالينابيع من الأعماق، ونحن في حمأة هذه الهزيمة، نسمع المرأة تصرخ، وتجلجل كالرعد الذي يمتزج بالبرق، وهطول المطر. آه، ماذا تريد المرأة أن تقول لنا؟! أوَ هذا وقت صراخها؟ ونحن غارقون في عار الهزيمة التي خلقت لنا عقدة نقص تكاد تتحول إلى عقدة اضطهاد؟!

تريد المرأة أن تقول لنا: أنا هي الأرض المغتصبة، حرروا هذه الأرض الحيَّة، قبل أن تسعوا إلى قطعة أرض يابسة، حرروني ولسوف تصلون إلى ذواتكم. أنا أرض انتهكت حرمتها السلطة الذكورية، جردتها من حقوقها، ومن خصوصيتها، ومن حريتها، ووضعت عليها لواءها لكي تكون ناطقة باسم هذه السلطة، مذعنة لها. وهكذا يتوالى صراخ المرأة العربية، وهي إذا صرخت فإنها تصرخ بجسدها، وتقول: أنا لستُ أرضاً لغزواتكم ونزواتكم يا أبناء آدم، كما أنني لستُ أرضاً محرَّمة أو ملعونة. أنا أرض كالقدس بل أنا هي القدس، وربما أكثر، فأنا قد حملت في أحشائي أنبياءكم، ومرسليكم، أولياءكم، وقديسيكم. بوسعكم أن تجعلوا مني أرضاً مقدسة، وبوسعكم أن تجعلوا مني دنساً بأقدام العدو الغاصبة التي هي أقدام الجهل والتعسف والطغيان الذكوري والتعصب والاستغلال!!

مفهوم تحرر المرأة عند كوليت

في حوارها مع سامي كمال الدين تقول كوليت: «مفهومي عن المرأة المتحررة أنها المسؤولة عن نفسها والتي تربح معيشتها، فلا أستطيع أن أفهم أن هناك امرأة متحررة وزوجها أو أبوها أو أخوها ينفق عليها، المتحررة أولاً هي المتحررة مادياً، التي تملك المال، وثانياً، المثقفة، وثالثاً أن تكون مسؤولة عن نفسها، فالتحرر شعور بالمسؤولية، وحتى هذه اللحظة هناك نساء يعتبرن أنفسهن متحررات، التحرر شيء والانحلال شيء آخر، المتحررة تعرف كيف تقول لا، في حين غير المتحررة تقول نعم، وترضخ بشكل سلبي للأشياء من حولها». وفي حوار آخر لها نسمعها توضح هذا المفهوم على النحو الذي تقول فيه: «التحرر لا يأتي دفعة واحدة، يجب أن ننتظر تطور المجتمع بكامله، وسنصل مع الزمن إلى التحرر الذي نرجوه». وفي نفس الحوار تردف: «لقد قفزت المرأة قفزة بعيدة جداً أبعد مما يجب، لكنها في رأيي ستعود وتملك زمام أمرها، فتفهم معنى التحرر الصحيح».

رواية «ليلة واحدة» نموذجاً

ملخص الرواية على ما تذكره نعمة خالد هو على النحو التالي: تصبح المرأة (رشا) بين حجري رحى (أب يفصّل لها زوجاً، ورجل يقتنيها في عقد مع الأب) والأم المرأة أولاً والتي تلعب دوراً واضحاً في تمكين الأب من تنفيذ قراره، ويتحدد مستقبل حياة رشا على أيدي ممثلي النظام الاجتماعي البطريركي، دون أن يكون للمرأة أي خيار نابع من إرادتها ورغباتها الإنسانية. ولكن رشا في الرواية، وإن بعد "وقوع الفأس بالرأس" كما يقال، أي بعد خضوعها وهي في سن الرابعة عشرة، وتحوّلها زوجة للرجل الذي اختاره لها أبوها، تستعيد شيئاً من قدرتها، وتتجرأ على مكاشفة الزوج (سليم) بحقيقة مشاعرها نحوه وبطلان زواجها منه. وما تلبث رشا أن تكتشف حقيقة عقم الزواج الذي قرروه دون إرادتها. ويتمثل العقم هنا بعدم قدرة سليم الزوج على زرع بذرة الحياة في رحم رشا. ولأن المجتمع ذكوري، فإن الزوج لا يمكن أن يساوم على عدم قدرته على الإنجاب.

في مرسيليا، ثم في باريس، تنفتح رشا على عوالم جديدة. تذهب وحيدة إلى باريس، ويبقى زوجها سليم في مرسيليا، أشغاله التجارية أهم عنده من مرافقة رشا، حيث الغرض إجراء فحوصات طبية أملاً في إنجاب طفل. رحلتها كانت في القطار، وهناك تعرفت خلالها إلى رجلين هما: جورج وكميل. كان وصول رشا إلى باريس، برفقة كميل وجورج، وكان الكشف عن حبها لكميل، وهي تستعيد أحلامها، فيكون كميل معادلاً للرجل الذي كانت تلتقيه في لياليها المسهدة الطويلة عبر الحلم والتخيل. لقد رأت في كميل صدى شعور جميل بأن هناك إنساناً يهتم بها، يتحمل مسؤوليتها، لذا أحست بسعادة طاغية حين التقت به في المقهى: «لأنني كنت دائماً أتمنى أن أشعر بأنني أنثى، ومن طبيعة الأنثى أن تضعف». إن ما جعل رشا تحب كميل هو حبه للشرق والبلاد العربية، ومدينة دمشق تحديداً. هذا بالإضافة إلى حلمها برجل يملأ حياتها العاطفية، ويعوضها عن صفقة الزواج العقيم، وهكذا وطد حب المكان – دمشق – عشقها له، في إشارة صريحة إلى تعلقها بوطنها ومدينتها. وهكذا مضت رشا مع كميل حتى آخر حدود العلاقة بين الجنسين، وجمعتهما غرفة واحدة، ولم تحس نفسها غريبة معه، على العكس من إحساسها مع زوجها سليم. ولعل رشا تحس بالصدمة مما فعلت، فتصارح زوجها سليم بالحقيقة قائلة له: «لقد خنتك يا سليم، إن الكلمة قذرة، لكنها تهون أمام خيانتي لنفسي إحدى عشرة سنة قضيتها في بيت رجل لا أحبه». ثم على أثر ذلك تجد الكاتبة كوليت نهاية صعبة لبطلتها رشا فتصدمها سيارة وتموت!!


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

القضايا التي تطرحها رواية «ليلة واحدة»

أولاً) السلطة البطريركية وتعسفها

فهي لا تقيم وزناً لهذا الآخر الذي هو الأنثى، ولا تحترم حريته واستقلاله ككيان له حقوقه الإنسانية مثله مثل الرجل. ولعل الكاتبة اختارت موضوعاً حساساً يقوم على تحديد المصير وهو حرية الاختيار، وخصوصاً في مسألة مصيرية كالزواج، الذي أساسه الحب، وليس صفقة اجتماعية، تُعَامَل فيه الأنثى كما لو أنها سلعة، أوعار ما على المرء أن يتخلص منه بالزواج!!

ثانياً) الزواج الباكر

إننا نسمع البطلة رشا تكتب لزوجها: «هل أحدثك عن حياتي الماضية! أنت تعرفها جيداً، فقد عشت معك تقريباً بقدر ما عشت في بيت أهلي. نحن متزوجان منذ عشر سنوات، وقبل ذلك كنت ما أزال طفلة، فقد تركت أسرتي وأنا في الخامسة عشرة». وبالتالي فقضية الزواج الباكر تحرم المرأة فرصة النضج بكل أبعادها النفسية والفكرية والروحية، وبالتالي يترتب على ذلك تبعات وخيمة لأن حدثاً على هذا القدر من الأهمية في حياة المرء كالزواج يحدث في سن مبكرة دونما نضج حقيقي، فإن مثل هذا الحدث تتأسس عليه خطوات هامة وخطيرة في آن، وستكون نتائجها حتماً سلبية إن لم نقل مأساوية، وهذا ما أظهرته لنا الكاتبة في تصاعد الحدث الدرامي في الرواية وصولاً إلى القضية الثالثة والشائكة التي تطرحها.

ثالثاً) مفهوم الخيانة

تذكر نعيمة خالد ما يلي: «تكتشف المرأة (رشا) جسدها متحرراً، ومنسجماً مع روحها وعواطفها. تلك كانت تجربة رشا في باريس، لكن المعادلة تكمن في خاتمة الرواية التي طرحتها الكاتبة، حيث موت البطلة». إذن فإن كلّ واحد يستطيع أن يرى هذه النهاية، وهذه التجربة من منظور معين. وربما ينظر أغلبهم إلى هذه النهاية على أنها تشاؤمية أو ربما لا معنى لها، على عكس غناها بالمعاني والدلالات!! وبعبارة أخرى، لعل الخيانة التي تطرحها لنا كوليت في روايتها هذه تُظهِر معنى مزدوجاً للخيانة، فهنالك المعنى الذي يفرضه العُرْف والتقاليد، وهو عُرْفٌ أعمى. أما المعنى الآخر فيظل محجوباً عن الآخرين. وهنا يصح قول جبران خليل جبران أن قاتل الجسم مقتول بفعلته وقاتل الروح لا تدري به البشر. إذن حاكمت رشا نفسها بالخيانة بناء على حكم المجتمع أو ما يسميه فرويد «الأنا العليا»، ولكنها في الحقيقة استجابت لتجربتها الحقيقية، تجربة النضج التي حرمها إياها زواجها الباكر من جهة وحرية اختيارها مصيرها من جهة أخرى، وعلى هذا كانت صادقة مع مشاعرها، لكنه صدق له ثمن عند المجتمع والمجتمع البطريركي خصوصاً.

وبالتالي وجدت الكاتبة كوليت مخرجاً لبطلتها رشا من هذا المأزق الذي زجته بها، أو زجت نفسها به، وكأني بلا شعورها يقول لها: ليس ثمة مخرج في مجتمعنا لوضع كهذا إلا الموت، وهكذا استجاب قلمها وصدمتها سيارة وماتت. ألا يذكرنا موت رشا هذا بشخصية أو بطلة أخرى لطالما هزّت مشاعرنا كثيراً وهي صبرية بطلة رواية «دمشق يا بسمة الحزن» للكاتبة الكبيرة ألفة الإدلبي. ألم تكن نهاية صبرية هي الانتحار، لاشك أن هنالك تقاطعاً بين النهايتين، وفي الحالتين، في انتحار صبرية أو السيارة التي صدمت رشا وقتلتها سيان، المجتمع هو القاتل.

الخطاب القصصي النسوي

تذكر الدكتورة ماجدة حمود أنه «مع جلاء المستعمِر الفرنسي عن سورية (1946)، بدأت ملامح الحياة الحديثة تتشكل، فاتسعت مدينة دمشق، وظهرت فيها ملامح نهضة تعليمية وعمرانية وصناعية، كما بدأت حركة الترجمة عن الأدب الغربي تنشط في مصر ثم في سورية، حيث كان التبادل الثقافي في أوجه.

ويمكن للمرء أن يلاحظ أن معظم رائدات الرواية السورية ينتمين إلى الطبقة الغنية (ألفة الإدلبي، سلمى الحفار الكزبري، كوليت خوري...إلخ) فقد كانت هذه الطبقة أكثر انفتاحاً من غيرها، وأكثر احتكاكاً بالغرب، فشجعت تعليم الفتاة، كما كانت ملتحمة بقضايا الوطن السياسية والاجتماعية، لهذا يكاد يكون من الصعب أن نجد روائية تنتمي إلى طبقة معدمة، في تلك الفترة، في حين وجدنا روائياً ينتمي إليها (حنا مينا على سبيل المثال) فقد كان ضغط التقاليد والتخلف على المرأة الفقيرة أكثر منه على الغنية. وقد تعرضت المرأة دون الرجل إلى أنواع عديدة من القهر! يكفي أن نشير إلى معارضة تعليمها، فالعلم، حسب رأي التقليديين يزيدها استرجالاً أو تشبهاً بالرجال، ويزيدها غروراً، كما أنهم يخافون من أن تستعمل المرأة الكتابة والقراءة في مواضيع لا تليق بها أو بأهلها، وحجتهم في ذلك أن الدين الإسلامي يمنع تعليم المرأة، فهم يجهلون أن الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم». أما نعمة خالد فتدلو بدلوها في فضاء القصة وتقول: «دخلت كوليت عالم القصة من على صهوة فرس الشعر. وحين كتبت أول قطعة شعرية بعنوان "ظل حياة"، وهي حول وردة صغيرة سوف تذبل كان هدفها الاستمرار في الشعر، لكنها ذات يوم كتبت قصيدة في الليل، وعندما استيقظت صباحاً وأعادت قراءتها، شعرت بأن تلك القصيدة يمكن أن تكون قصة. ومن يومها دخلت تجربة الإبداع القصصي والروائي».

وتذكر نعمة خالد: «تتألف مجموعة "في الزوايا، حكايا" الصادرة عام 2002 من تسع قصص تحت العناوين: "وشاءت السماء"، "البنت نطقت"، "مكتوب على الجبين"، "عدالة"، "قدر.. والله"، "المصادفة القاتلة"، "الاستخارة"، "رباطة جأش"، "عطل وضرر"».

وتقول عنها: «تقدم كوليت في قصتها "وشاءت السماء" لوحة عن القيم ومفاهيم الشرف السائدة، التي تعتبر الحب جريمة نكراء ترتكبها المرأة، وتمر على مسألة الغيرة القاتلة، التي تجعل فتاة العشرين يائسة ومتهمة لأنها تحب شاباً، يتنامى إليها خبر ارتباطه بسواها، فتدفع الثمن مرتين، تخسر الرجل المخادع، وتصبح أمام الناس بلا شرف».

وتتابع نعمة خالد: «يلاحظ من يقرأ قصص المجموعة ولع الأديبة بالمكان المحدد. إنه دمشق وأحياؤها القديمة وسفوح قاسيون، والقرى المحيطة بدمشق التي لم تعلن الكاتبة اسمها الكامل، بل اكتفت بالرمز إليها بالحروف (ك.ت.ل... إلخ). ويؤكد تحديد المكان الواقعي محاولة الأديبة جعل قصصها أكثر قرباً إلى المتلقي، وأعمق تأثيراً على فكره ومشاعره».

أعمالها

كوليت خوري
  • عشرون عاماً (1957)، شعر بالفرنسية.
  • أيام معه (1959)، رواية صدر منها سبع طبعات حتى عام 2001.
  • رعشة (1960)، شعر بالفرنسية.
  • ليلة واحدة (1961)، رواية صدر منها أربع طبعات حتى عام 2002.
  • أنا والمدى (1962)، تسع قصص صدر منها طبعتان فقط حتى عام 1993.
  • كيان (1968)، قصة صدر منها أربع طبعات حتى عام 2003.
  • دمشق بيتي الكبير (1969)، قصة.
  • المرحلة المرة (1969)، قصة وأعيد طبعها مع قصتين في عام 2002.
  • الكلمة الأنثى (1971)، تسع قصص أعيد طبعها في عام 2001.
  • قصتان (1972)، قصتان ظهرتا ثانية مع المرحلة المرة في عام 2002.
  • ومر صيف (1975)، رواية صدر منها ثلاث طبعات حتى عام 2000.
  • أغلى جوهرة بالعالم (1975)، مسرحية باللغة العامية.
  • دعوة إلى القنيطرة (1976)، قصة ظهرت ثانية مع مجموعة «الأيام المضيئة» في عام 1984.
  • أيام مع الأيام (1978-1979)، رواية صدر منها ثلاث طبعات حتى عام 2004.
  • الأيام المضيئة (1984)، قصص.
  • معك على هامش رواياتي (1987)، غزل.
  • أوراق فارس الخوري: الكتاب الأول (1989)، الطبعة الثانية (2000).
  • أوراق فارس الخوري: الكتاب الثاني (1997)، الطبعة الثانية (2001).
  • العيد الذهبي للجلاء (1997)، محاضرة مع مقدمة أولى للعماد أول مصطفى طلاس.
  • امرأة (2000)، مجموعة قصص.
  • طويلة قصصي القصيرة (2000)، صفحات من الذاكرة.
  • ستلمس أصابعي الشمس (2002)، قصة رمزية نُشِرَت مسلسلةً عام 1962.
  • ذكريات المستقبل (1) (2002)، مجموعة مقالات من الفترة 1980–1983.
  • ذكريات المستقبل (2) (2003)، مجموعة مقالات من الفترة 1984–1987.
  • في الزوايا حكايا (2003)، مجموعة قصص.
  • في وداع القرن العشرين (2004)، المقالة الأسبوعية من الفترة 1998–2000.
  • سنوات الحب والحرب (2006)، مقالات وقصص.
  • عبق المواعيد (2008)، وجدانيات وقصص.[3]

المصادر

  1. ^ هناء الدويري (2009-10-31). "كوليت خوري". اكتشف سورية. Retrieved 2010-08-08.
  2. ^ هناء الدويري (2008-02-21). "الوحدة لا تسلق.. كوليت خوري: شعبنا عظيم.. والظروف الصعبة مدسوسة". صحيفة الثورة السورية. Retrieved 2010-08-08.
  3. ^ موقع اكتشف سوريا