تعدين قاع البحر

صورة توضح عملية التعدين في قاع البحر.
مركبة غاطسة تدار عن بعد تقوم بجمع عينات من قاع البحر أثناء عملية التعدين.

تعدين قاع البحر Deep sea mining، هي عملية جديدة نسبياً لاستعادة المعادن من قاع المحيطات. عادة ما تتواجد مواقع تعدين المحيطات حول مناطق واسعة من العقد متعددة المعادن أو المنافس الحرمائية النشطة أو الخاملة على عمق 1400-3700 متر تحت سطح المحيط.[1] تخلق المنافس رواسب كبريت ضخمة أو كروية، والتي تحتوي على معادن قيمة مثل الفضة، الذهب، النحاس، المنگنيز، الكوبلت، والزنك.[2][3] يتم تعدين المعادن باستخدام المضخات الهيدروليكية أو أنظمة الجرف التي تأخذ الخام إلى السطح ليتم معالجته. كما في جميع عمليات التعدين، يثير تعدين قاع البحر تساؤلات حول آثاره البيئية المحتملة. جماعات أنصار البيئية مثل السلام الأخضر وحملة تعدين قاع البحر[4] تدعو لعدم السماح بتعدين قاع البحر في معظم محيطات العالم لكون يشكل خطراً محتملاً على النظم البيئية في قاع البحر والتلوث بالمعادن الثقيلة من الأعمدة المحملة بالمعادن الثقيلة.[2]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تاريخ موجز

بحلول الستينيات ظهر مفهوم تعدين قاع البحر بواسطة كتاب نشره ج.ل. مـِرو بعنوان الموارد المعدنية في البحار.[3] يزعم الكتاب أن الموارد الغير محدودة تقريباً من الكوبلت، النيكل ومعادن أخرى يمكن العثور عليها في محيطات الكوكب. صرح مـِرو بأن هذه المعادن تتواجد في ودائع عقد المنگنيز، والتي تظهر على شكل كتل من الصخور المضغوطة على قاع البحر على عمق يقارب 5.000 متر. بعض الدول مثل فرنسا، ألمانيا والولايات المتحدة أرسلت سفن للبحث عن الودائع العقدية. ومن أمثلة هذه السفن گلومار إكسپلورر. وكانت التقديرات الأولية لقابلية تعدين قاع البحر مبالغ فيها بدرجة كبيرة. هذه التقديرات المبالغة، إلى جانب أسعار المعادن المنخفضة، أدت إلى شبه التوقف عن تعدين قاع البحر بحلول 1982. من الستينيات حتى عام 1984 أُنفق ما يقدر بـ650 مليون دولار أمريكي، بلا عائد أو بعائد محدود.[3]

على مدار أكثر من عشر سنوات بدأت مرحلة جديدة من تعدين قاعد البحر. أدى تصاعد الطلب على المعادن الثمينة في اليابان، الصين، كوريا والهند إلى دفع هذه البلدان للبحث عن مصادر جديدة. تحول الاهتمام حالياً نحو المنافث الحرمائية كمصدر للمعادن بدلاً من العناقيد المتناثرة. وقد دفع التوجه إلى الانتقال نحو البنية التحتية للمعلومات والاتصالات القائمة على الكهرباء والموجودة حالياً في المجتمعات الغربية إلى زيادة الطلب على المعادن الثمينة. الاهتمام المتجدد الحالي بتعدين عناقيد الفسفور على جذوع قاع البحر من مخصبات اصطناعي مصنوعة من الفسفور يحمل أهمية كبيرة من أجل الإنتاج الغذائي العالمي. دفع النمو السكاني العالمي إلى الاتجاه نحو استخدام الأسمدة الاصطناعية أو دمج أكبر للأنظمة العضوية في البنية التحتية الزراعية.

حالياً، أفضل موقع قاع بحر محتمل، مشروع سولوارا 1 Solwara 1، في المياه المقابلة لپاپوا غينيا الجديدة، حيث تم العثور على موارد ذهب-نحاس عالية الدرجة وأول مورد بالعالم لرواسب الكبريت الضخمة في قاع البحر.[5] مشروع سولوارا 1 يقع على عمق 1600 متر في بحر بسمارك، مقاطعة أيرلندا الجديدة.[5] باستخدام تقنية المركبات الغاطسة المدارة عن بعد ROV والتي تم تطويرها بواسطة سويل ماشين لديناميكز، نوتليوس مينرالز البريطانية أول شركة من نوعها تعلن خطط لبدء أعمال حفر واسعة النطاق من أجل العثور على الودائع المعدنية.[6] إلا أن النزاع مع حكومة پاپوا غينيا الجديدة قد أخر الإنتاج ومن المزمع بدء العمليات التجارية في أوائل 2018.[5]


الأهمية

لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته المحيطات في حياة الإنسان منذ الأزل، إذ يمكن القول إن لها دوراً أساسياً في كل شيء، بدءا من الهواء الذي نتنفسه، انتهاء بالطعام الذي نتغذى به. ومع هذا فإن معرفتنا بعالم المحيطات لا تزال محدودة بشكل كبير، وتقتصر في الغالب على المياه الضحلة، ولا تزال المياه العميقة وما فيها من ثروات وموارد معدنية لغزا يسعى العلماء إلى فك طلاسمه.

وفي الواقع، فإن السنوات الأخيرة شهدت ما يمكن اعتباره طفرة أولية في مجال التنقيب عن المعادن في المحيطات، فالتنقيب في قيعان المحيطات اقتصر لسنوات طويلة على مجال البحث عن النفط والغاز، أما الآن فالدائرة تتسع لتشمل التنقيب على المعادن. ومع نضوب مخازن الثروات المعدنية في البر، أصبح التعدين في قاع المحيطات أكثر جاذبية، باعتبار أن قاع المحيطات يحتوي على الذهب والنحاس وغيرها من رواسب المعادن الثمينة التي تستخدم في صنع الأجهزة الإلكترونية، وأدوات الطاقة المتجددة وحتى آلات التصوير الطبي.

ومنحت الهيئة الدولية لقاع البحار التابعة للأمم المتحدة، التي تنظم عملية التعدين في أعماق البحار والمحيطات عشرات من العقود الدولية للبحث عن المعادن في جميع محيطات العالم، وتظهر الدراسات أن هناك ثلاثة أنواع رئيسية من المعادن في أعماق المحيطات، من بينها النحاس والزنك والذهب والفضة وتلك المعادن توجد حول فتحات الماء الحار في قاع المحيط.

كما توجد أيضا قشور الحديد والمنجنيز، لكن على أعماق تراوح بين 400 متر إلى 5 آلاف متر تحت سطح الماء، أما النوع الآخر من المعادن فيوجد في أعماق تصل إلى أكثر من ستة آلاف متر تحت سطح البحر، إلا أن المستوى الحالي من التكنولوجيا لا يؤهل الإنسان إلى التنقيب في تلك الأعماق السحيقة.

وحسب ريتشارد دين الباحث في الهيئة الدولية لقاع البحار، "إن ما تم استكشافه من إجمالي مساحة المحيطات لا يتجاوز 5 في المائة من مساحتها الإجمالية، وخلال عقد الستينيات من القرن الماضي كان هناك تركيز شديد على البحث عن المعادن في قاع المحيطات، بعد أن أثبتت الأبحاث أن قاع المحيطات يمكن أن يصبح مصدرا رئيسيا لتلبية احتياجات البشرية من المعادن، إلا أن انهيار أسعار المعادن في السبعينيات فضلا عن السهولة النسبية للحصول عليها في الدول النامية، أدى إلى انحسار الاهتمام باستخراج المعادن من قاع البحار والمحيطات".

ويضيف ريتشارد دين، أنه "خلال السنوات الأخيرة ظهر اهتمام متجدد من القطاع الخاص والحكومات على حد سواء بإمكانية الاستغلال التجاري للمعادن البحرية، وذلك بفضل التطور التكنولوجي في عملية استخراج المعادن من المحيطات، إضافة إلى التوقعات الراهنة بزيادة الطلب على المعادن مستقبلا، نتيجة تنامي عملية التصنيع في الاقتصادات الناشئة، ونمو الطبقة المتوسطة عالميا نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة، والحاجة البشرية إلى بنية أساسية أكثر تعقيدا وتنوعا".

وينبئ التعاون المشترك بين القطاع الخاص والحكومات في هذا المجال، بعصر جديد للتعدين في المحيطات، وفي هذا الإطار، ستقوم شركة كندية خاصة خلال الأشهر المقبلة بإرسال ماكينات تنقيب عملاقة تعمل عن بعد للتنقيب عن المعادن في بابوا غنيا الجديدة، وهو ما يعتبره بعض المختصين بداية لتجربة قد تسهم في إنعاش اقتصادات عديد من البلدان الفقيرة.

ويقول الدكتور هاردي دونالد أستاذ الاقتصاد الدولي، على الرغم من تحفظه على عمليات التنقيب المعدني في المحيطات، لما قد تتضمنه من مخاطر بيئية على حد قوله، إلا أنه لا ينفي أن لها عديدا من الفوائد الاقتصادية، خاصة للجزر والبلدان صغيرة المساحة. ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "التنقيب عن المعادن في المحيطات يمكن أن يحقق التوازن بين المنافع المجتمعية لاستخراج المعادن من جانب، وعدم تضرر السكان عبر عمليات نزوح مجتمعي من جانب آخر"، مشيرا إلى أنه في البلدان صغيرة المساحة تترافق في كثير من الأحيان عملية التنقيب على المعادن مع أبعاد كتل سكانية ضخمة عن حواضنها البيئية الطبيعية، وأماكن استقرارها التاريخية، وهو ما يستبعد حدوثه في التنقيب المعدني في المحيطات.

ويستدرك دونالد "كما أن عملية التنقيب في اليابسة غالبا ما تترافق مع تعويضات مالية ضخمة للسكان المتضررين من عملية التنقيب، وهو ما يؤدي إلى تقلص العائد الحكومي لإحداث تطوير حقيقي في البنية الأساسية، وفي حال عدم تعويض السكان، فإن ذلك يترافق مع وضع من عدم الاستقرار الاجتماعي الذي يعوق عملية التنمية، وكل تلك المخاطر تتلاشى في التعدين البحري".

ويلاحظ أن معظم الاهتمام بعملية التنقيب على المعادن في المحيطات، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة يأتي من القطاع الخاص، وهذا الأمر يطرح تساؤلات حول طبيعة الفوائد التي يمكن أن يحققها هذا النوع من الاستثمار، خاصة في ظل تكلفته المالية المرتفعة للغاية.

المهندس أليكس هالبون المختص الاستشاري في مجال التنقيب على المعادن، يعتقد أن حجم الأرباح التي يمكن أن يحققها القطاع الخاص على الأمد الطويل من هذا الاستثمار ضخمة للغاية. ويضيف: أن التقديرات الراهنة وهي بالطبع أولية، لأنه لا يوجد لدينا خريطة تفصيلية بكميات المعادن في المحيطات، تشير إلى وجود نحو عشرة مليارات طن من المعادن في قيعان المحيطات "30 في المائة منها منجنيز، و1.5 في المائة نيكل، و1.5 في المائة نحاس، و0.3 في المائة كوبالت"، إضافة إلى أنواع من المعادن التي يندر وجودها على اليابسة، وأغلبها معادن تستخدم في الإلكترونيات والتكنولوجيا النظيفة مثل توربينات الرياح والسيارات الهجينة، وبعض الجيولوجيين اليابانيين يقدرون أن كل 2.3 كيلو متر مربع من قاع المحيط يحتوي على ما يكفي من المواد الأرضية النادرة لسداد الطلب العالمي لمدة سنة.

وحول العوائد المالية من التنقيب المعدني في المحيطات، يؤكد هالبون أن العائد السنوي سيراوح بين 3.5-5 مليارات دولار سنويا كبداية، وسط توقعات بتزايد هذا العائد مع اتساع نطاق ومساحة عمليات التنقيب، أما كميات الذهب المتوافرة في قاع المحيطات فتعادل ما يقارب 150 تريليون دولار، أي ما يوازي 21 ألف دولار لكل فرد من سكان الكرة الأرضية.[7]

ومع هذا، لا يزال هناك تيار عريض من الاقتصاديين يعتبرون أن عمليات التعدين في قاع المحيطات، غير ذات جدوى تنموية بالنسبة إلى البلدان الفقيرة، معتبرينها تدخلا في إطار عملية نهب الثروات التي تمارسها الشركات متعددة الجنسيات ضد تلك البلدان. الدكتورة ميشال إيفانز أستاذة التنمية الاقتصادية، تعتبر أن هناك مبالغة إعلامية في الجدوى الاقتصادية للتنقيب على المعادن في قاع المحيطات بالنسبة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض، وتوضح أن المستفيد الأكبر من عملية التنقيب، هو الشركات الدولية الكبرى وليس الحكومات، خاصة في الدول والجزر الصغيرة.

وتشير إيفانز إلى أن شركات التنقيب تبرر حصولها على الجانب الأكبر من تلك العوائد بالتكلفة الضخمة للتكنولوجيا المستخدمة في عمليات التنقيب، "ولهذا وجدنا أن حكومة بابوا غنيا الجديدة لم تحصل سوى على 15 من العوائد، بينما حظيت الشركة الكندية بالنصيب الأكبر، وهذا يجعل عمليات التعدين غير ذات تأثير جوهري في عملية التنمية بالنسبة إلى البلدان الصغيرة".

وتضيف إيفانز أن "الحديث عن إدخال تلك الشركات للتكنولوجيا المتقدمة في تلك البلدان، أو زيادة معدلات التوظيف أمر مشكوك فيه أيضا، إذ إن طبيعة عمليات التنقيب في المحيطات كثيفة رأس المال والتكنولوجيا المتطورة للغاية التي لا تتطلب كثافة عمالية، وإنما تتطلب فنيين ومهندسين وجيولوجيين على درجة عالية من المعرفة، ومن ثم فلن تؤدي إلى خفض معدلات البطالة، كما أن أغلب العاملين في عمليات التنقيب ينتمون إلى الدول المتقدمة تكنولوجيا، لأن مخرجات العملية التعليمية في الدول المستضيفة لتلك الشركات، لا تؤهلها إلى العمل في وظائف تقنية متقدمة، وأغلبها يصنف تحت بند العمالة غير الماهرة".

ومن شأن التعدين تحسين مستوى المعيشة في الدول النامية مثل الصين والهند، فضلا عن الحاجة إلى مخزون كاف من هذه المعادن من أجل استخدامها في مجال الطاقة المتجددة، مثل توربينات الرياح والألواح الشمسية التي تتطلب المعادن النادرة الموجودة في أعماق المحيط.

القوانين والتنظيمات

الموارد المعدنة

يحتوي قاع البحر على العديد من الموارد المختلفة المتاحة للاستخراج، ومنها الفضة، الذهب، النحاس، المنگنيز، الكوبلت، والزنك. توجد هذه المعادن الخام ضمن تشكيلات مختلفة على قاع البحرن وعادة ما تكون بتركيزات أعلى من المعادن الأرضية.

المعادن والأعماق المتعلقة[1]

أنواع الوديعة المعدنية متوسط العمق الموارد الموجودة
العقد متعددة المعادن 4.000 – 6.000 م النيكل، النحاس، الكوبلت، والمنگنيز
قشور المنگنيز 800 – 2.400 م الكوبلت بصفة رئيسية، بعض الڤانديو، الموليبدنيوم والپلاتنيوم
ودائع الكبريت 1.400 – 3.700 م النحاس، القصدير والزنك وبعض الذهب والفضة

طرق الاستخراج

مهد التقدم التكنولوجي الحالي الطريق لاستخدام المركبات الغاطسة المدارة عن بعد (ROVs) لجمع العينات المعدنية من مواقع التعدين المحتملة. باستخدام الحفارات وأدوات القطع الأخرى، تجمع المركبات الغاطسة المدارة عن بعد عينات ليتم تحليلها بحثاً عن المعادن الثمينة. بمجرد تحديد الموقع، يتم إرسال سفينة أو محطة تعدين للإعداد للتعدين في المنطقة.[6]

هناك شكلان رئيسيان لاستخراج المعادن في عمليات التعدين واسعة النطاق: نظام الدلو الخطي المتواصل continuous-line bucket system (CLB) ونظام الشفط الهيدروليكي hydraulic suction system. نظام الدلو الخطي المتواصل هي الطريقة المفضلة لجمع العقد المعدنية. وتعمل بشكل مشابه للحزام الناقل، الذي يمتد من قاع البحر إلى سطح المحيط حيث تقوم السفينة أو منصة التعدين باستخراج المعادن المطلوبة، واعادة النفايات المعدنية إلى المحيط.[8] ويتضمن التعدين بالشفط الهيدروليكي إنزال أنبوب إلى سطح البحر يقوم بنقل العقد إلى سفينة التعدين على السطح. ويتم مد أنبوب آخر من السفينة إلى قاع البحر لإعادة النفايات المعدنية إلى موقع التعدين.[8]

تعدين قاع البحر حول العالم

البحر الأحمر

بدأت شركة حقول الماس المحدودة الكندية بدراسة جدوى إمكانية إستخراج المعادن من المنافس الحرمائية في البحر الأحمر على عمق 2000 متر. وذلك بعد دراسة نشرت فى مارس 2011 من قبل معهد كيل للاقتصاد العالمي وقدرت أن قيمة المعادن مثل الفضة والنحاس والزنك تصل إلى أكثر من 8 بليون دولار في منفس أتلانتس. تبلغ مساحة البحر الأحمر 450 ألف كيلومتراً مربعاً ويحوى بيئة متميزة من الأسماك المتنوعة، الشعاب المرجانية، اللافقاريات، الأعشاب البحرية، العوالق النباتية والباكتيريا بالإضافة إلى تميز القاع بحوالى 25 بحيرة ساخنة عالية الملوحة وتنبعث منها كميات ضخمة من غازات الهيدروكربونات مثل الميثان والكبريت. ركزت دراسة الشركة الكندية على أكبر البحيرات، أتلانتس (أتلانتيس تو ديب) التى تقع على عمق 2200 متر وتغطى مساحة 60 كيلو متر مربع، وتتميز بإرتفاع الضغط والحرارة التى تصل إلى 68 درجة مئوية وتزيد نسبة الملوحة فيها إلى أكثر من 7 مرات عن مياه البحر. تحوى هذه البحيرة تركيزات عالية من المنجنيز، الحديد، الكادميوم، المولبيدينوم، الكوبالت، النحاس، النيكل، الرصاص والزنك.[9]

فكرة تعدين أعماق البحر الأحمر ظهرت إلى الوجود فى عام 1970 بالتعاون بين الحكومة السودانية وشركة التعدين الألمانية التى أخذت عينات من رواسب أعماق بحيرة أتلانتيس لتحليلها ومعرفة نوعية وكمية المعادن. لم يستمر هذا التعاون طويلاً نسبة لإرتفاع تكلفة التعدين فى أعماق البحار وإنخفاض أسعار المعادن فى الثمانينيات، ونتج عن ذلك تبرع الشركة الألمانية بالرواسب لمركز هيلموليتز لإبحاث المحيطات (كيل). فى عام 1974 شكلت الحكومتان السودانية والسعودية لجنة مشتركة لإستغلال المعادن فى قاع البحر الأحمرلأنه ليس من السهل تحديد الحدود الوطنية فى قاع البحر، لكن الإتفاقية لم تحدد تفاصيل تقاسم العائدات وتوزيع فرص العمل والفوائد التى قد تنتج من هذا التعاون. تجدد الإهتمام بإستغلال معادن البحر الأحمر بعد إرتفاع أسعار المعادن نتيجة لزيادة الطلب من الإقتصادات الناشئة فى الصين والهند، وفى عام 2010 تحصلت الشركة الكندية لحقول الماس المحدودة بالشراكة مع شركة منافا للتجارة الدولية السعودية على تراخيص من السودان والسعودية للتنقيب فى بحيرة أتلانتيس.

تثير إتفاقية التعاون التى وقعت فى عام 1974 بين السودان والسعودية عدة تساؤلات. أولاً، شكك بعض القانونيون الدوليون ما إذا كان السودان كدولة فقيرة سوف يستمتع بأى مزايا خاصة لوقوع حوض أتلانتيس فى حدوده الوطنية وذلك نظراً لهيكل اللجنة المشتركة التى لم تنص على توزيع عادل ومنصف للمنافع الناشئة من إستغلال المعادن فى عدة نواحى. ثانياً، عدم وجود شركة سودانية مساهمة فى عمليات التنقيب، كما أبدت البنوك السعودية رغبتها فى تمويل عمليات التنقيب بتكلفة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات. ثالثاً، كيفية تقاسم الفرص التى توفرها أعمال التعدين وإستخدام التقنيات الحديثة مثل الوظائف ذات الرواتب العالية للعلماء، الفنيين، العمال المهرة والسكان المحليين على حد سواء. رابعاً، من الناحية العملية هنالك مخاوف بأن يتحصل العلماء السعوديون على المناصب القيادية والإدارية لكونهم أفضل تدريباً من نظرائهم السودانيين من جراء تحسين نوعية التعليم العالى فى السعودية. وأخيراً، ركزت الجامعات السودانية على دراسات الجيولوجيا الأرضية فقط مثل التنقيب عن إحتياطات النفط، لكن فى المقابل ركزت الجامعات السعودية مثل جامعة الملك عبد الله على دراسات إستكشاف الجيولوجيا والبيئة البحرية.

تحتوى المنافس الحرمائية فى قاع البحر الأحمر على تنوع فريد من الأحياء الدقيقة التى لم تشملها الدراسات العلمية نسبة لصعوبة الحصول على عينات من الرواسب فى هذه البيئة العميقة وعدم وجود مراكز متخصصة لدراسة الأحياء البحرية فى الدول المطلة على ساحلى البحر الأحمر بإستثناء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية الحديثة. أظهرت دراسة نشرت فى أغسطس من هذا العام فى دورية علمية (بلوس ون) بواسطة باحثين من الجامعة الأمريكية فى القاهرة أن الباكتيريا التى تعيش على سطح بحيرة أتلانتيس المعدنية فى مقاطع غاز الكبريت تلعب دوراً مهماً فى أكسدة غاز الميثان وتساهم بذلك فى خفض الإحتباس الحرارى، كما تمثل مثل هذه الباكتيريا مصدراً مهماً فى صناعات التقنية الحيوية الطبية والصناعية نسبة لقدرتها على تحمل درجات الحرارة العالية. أبدى بعض العلماء مخاوف من تأثير التنقيب على بيئة البحر الأحمر فى المياه العميقة والسطحية. وقد وعدت شركة حقول الماس الكندية المحدودة أن تشمل الدراسة الجارية الآن على تقييم الأثر البيئى على الأحياء الدقيقة على سطح البحيرات الساخنة وسيتم إختيار نظام للضخ يتجاوز الأحياء الدقيقة والبحرية فى المياه العميقة والسطحية.

أهم تساؤل أثارته إتفافية التعاون بين السودان والسعودية لإستغلال كنوز البحر الأحمر البيولوجية والكيمائية والفيزيائية هو الفارق الكبير الذى يزداد كل عام بين القدرات المهنية والتقنية للعلماء السعوديين مع نظرائهم السودانيين. فى خلال الثلاثة عقود الماضية تطور التعليم العالى فى السعودية بصورة هائلة من خلال توفير أحدث التقنيات والمختبرات والتدريب والتعاون المشترك مع كبرى الجامعات العالمية مع الإعتماد المتزايد على اللغة الإنجليزية فى التعليم والبحث العلمى. فى المقابل تدهورت البنيات العلمية للجامعات السودانية قديمها وحديثها مع التبنى المتزايد للغة العربية فى الدراسة والبحث العلمى، وأدى هذا إلى الإنغلاق على الذات ومحدودية فرص التدريب وتبادل الخبرات والتعاون العلمى مع كبرى الجامعات العالمية. ظهر التفوق العلمى السعودى جلياً فى مقدرات مركز أبحاث البحر ألأحمر بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية الذى يهتم بوضع أساس علمى لإستدامة بيئة وجيولوجيا البحر الأحمر بهدف إستغلال خيرات البحر الإقتصادية والصناعية والطبية. قام المركز برحلتين إستكشافيتين للبحر الأحمر فى عامى 2008 و 2010 هدفت إلى دراسة الأهمية الإقتصادية والبيئية للبحيرات المائية الساخنة وبيلوجيا الشعاب المرجانية وذلك بالتعاون مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة، معهد وددز هول لعلوم المحيطات، جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنلوجيا والمركز الإغريقى للبحوث البحرية. ما يدعو للقلق هو الغياب التام للجامعات ومراكز البحوث السودانية فى دراسات البحر الأحمر مما قد يؤثر سلباً على التوزيع العادل والمنصف للمنافع الناشئة من إستغلال المعادن فى قاع البحر.

الآثار البيئية

كما هو الحال في عمليات تعدين الأخرى، فقد أثيرت مخاوف بيئية حول الأثر الذي سيتركه تعدين قاع البحر على النظام البيئي المحلي. ويشعر البعض بالقلق من أن نشاط التعدين الثقيل سيعطل الموائل الحيوية للحياة البحرية التي تزدهر بالقرب من فتحات الطاقة الحرارية الأرضية. أحد الشواغل الرئيسية ينطوي على تعكر كثيف نتيجة لمعدات التعدين الكبيرة، التي ستنثر الرواسب على مسافات طويلة، وتخنق ببطء أشكال الحياة. المخاوف هي أن تعطيل هذا النظام البيئي يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات التي تؤثر على الكثير من النظم البيئية في قاع البحر.

أظهرت دراسة علمية جديدة أجريت في 2017، أن عمليات الحفر والتعدين في أعماق البحار، لها انعاكسات على البيئة البحرية على المدى الطويل، الأمر الذي سوف يسبب ضرراً للحياة في أعماق البحار، من خلال ما أطلقوا عليه مشكلة وجود «العقد الصغيرة». قام بالدراسة، مجموعة من العلماء في المركز الوطني لعلوم البحار (NOC) في بريطانيا، واستعرضت الدراسة جميع المعلومات المتاحة عن تأثيرات التعدين، من خلال افرازات «العقد الصغيرة» أو«العُقيدات» وما تقوم به من اضطرابات في قاع البحر.. ووجدت الدراسة آثار واضحة على النظم الإيكولوجية البحرية بسبب الأنشطة التعدينية، والتي استمرت على مدى عقود.[10]

ويجري حالياً البحث عن مصادر جديدة للاحتياطيات ذات جودة عالية من المعادن اللازمة للعالم، بما في ذلك، البحث في مساحات شاسعة عن الصخور أو العُقيدات، في أعماق البحار، للاستفادة منها، لأن بقاءها في القاع يضر الحياة البحرية في الأعماق. وهذه «العقيدات» صخور صغيرة جداً في حجم البطاطس، وتحتوي على مستويات عالية من المعادن، بما في ذلك النحاس والمنغنيز والنيكل، والتي تواجدت ببطء شديد في القاع، على مدى ملايين السنين.. وعلى الرغم من عدم وجود عمليات تجارية لاستخراج هذه الموارد.. فقد أصدرت الهيئة الدولية لقاع البحار، رخصاً للتنقيب في وسط المحيط الهادئ لمجموعة متنوعة من البلدان، بما في ذلك المملكة المتحدة.


انظر أيضاً


المصادر

  1. ^ أ ب Ahnert, A.; Borowski, C. (2000). "Environmental risk assessment of anthropogenic activity in the deep-sea". Journal of Aquatic Ecosystem Stress and Recovery. 7 (4): 299–315. doi:10.1023/A:1009963912171. 
  2. ^ أ ب Halfar, J.; Fujita, R. M. (2007). "ECOLOGY: Danger of Deep-Sea Mining". Science. 316 (5827): 987. doi:10.1126/science.1138289. PMID 17510349. 
  3. ^ أ ب ت Glasby, G. P. (2000). "ECONOMIC GEOLOGY: Lessons Learned from Deep-Sea Mining". Science. 289 (5479): 551–3. doi:10.1126/science.289.5479.551. PMID 17832066. 
  4. ^ Rosenbaum, Dr. Helen (November 2011). "Out of Our Depth: Mining the Ocean Floor in Papua New Guinea". Deep Sea Mining Campaign. MiningWatch Canada, CELCoR, Packard Foundation. Retrieved December 2015.  Check date values in: |access-date= (help)
  5. ^ أ ب ت "Solwara 1 Project – High Grade Copper and Gold". Nautilus Minerals Inc. 2010. Archived from the original on 12 August 2010. Retrieved 14 September 2010. 
  6. ^ أ ب "Treasure on the ocean floor". Economist 381, no. 8506: 10. (30 November 2006)
  7. ^ "التعدين في أعماق البحار ثروة .. ذهب المحيطات يقارب 150 تريليون دولار". جريدة الاقتصادية. 2018-01-07. Retrieved 2018-07-02. 
  8. ^ أ ب خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة Nath, B. 2000
  9. ^ "التعدين فى البحر الأحمر: نعمة للسودان والسعودية أم نقمة للشعاب المرجانية". صحيفة الراكوبة. 2012-10-15. Retrieved 2018-07-02. 
  10. ^ "التعدين يضر بأعماق البحار". جريدة الوطن القطرية. 2017-03-01. Retrieved 2018-07-02. 

وصلات خارجية