عن تأخر قرار حظر التجوال في مصر

About the Author

0
كاتوبجي
ساهم بشكل رئيسي في تحرير هذا المقال

رغم مطالبات عديدة على كافة المستويات بالإعلان الفوري عن البدء في تطبيق حظر التجوال في مصر، وتحذيرات من تكرار سيناريوهات إيطاليا أو إيران -لا قدر الله- في مصر، إلا أن الحكومة المصرية -حتى اللحظة- على ما يبدو أنها لا ترغب في إعلان القرار.

أعتقد أن الحكومة المصرية لا ترغب في الإعلان عن بدء حظر تجوال لسبب مهم، ألا وهو إنه في اللحظة التي ستعلن فيها سريان حظر التجوال العام وتطبيق الحجر الصحي العام في البلاد، وإلزام الشعب (100 مليون مصري) بالبقاء في المنازل، فإنها في تلك اللحظة ستكون مطالبة بتحمل مسئوليتها في توفير حد الكفاف على الاقل للمواطنين، خصوصا ان نسبة كبيرة جدا (تفوق أكثر من نصف الشعب)يجنون رزقهم يوم بيوم او عاطلين او فقراء غير قادرين.

في حال أعلنت الحكومة القرار، فإنها ستكون قد فتحت على نفسها باب مسئوليات تتهرب منها منذ سنوات، او بالأحرى سبق وتخلت عنها، وهي غير مستعدة للعودة إليها مطلقا تحت أي ظرف، خاصة أن النظام الحالي في مصر من ألد أعداء فكرة مسئولية الدولة عن المواطنين، ومن أشد وأخلص أتباع وعبيد نظرية فريدمان الاقتصادية.

حكومتنا رأسمالية متوحشة هدفها الاول الربح والتخلي عن دعم الفقراء. وهذه أوامر صندوق النقد طبعا، وقرار الحظر يتطلب أن تلتزم الدولة برعاية: - الفقراء (ثلث المصريين تحت خط الفقر المحدد ب 736 جنيها شهريا للفرد) - بالإضافة لإعالة غير القادرين والعاطلين - وعمال اليومية البالغ عددهم 5.2 مليون عامل بنسبة 20% من قوة العمل في مصر وفق إحصاء (صادر قبل عامين)

الفئات السابقة هي التي تضررت من سياسات صندوق النقد الدولي التي ينفذها خادمه في مصر، وكانت بنك أهداف الصندوق خلال 5 سنوات مضت، ومن المستحيل أن يعودوا إلى الفتات الذي اعتادوا عليه خلال حكم مبارك، بعد ان حرمهم منه الصندوق، مستحيل ان يسترجعوا الفتات طالما الصندوق هو الحاكم.

هذه الفئات في حالة تطبيق حظر التجوال سيكون من الحتمي على الدولة تعويضهم ورعايتهم، وإلا لن يلتزموا بقرار الحظر المفروض من الدولة، وسيعودون للشارع بحثا عن لقمة العيش لأسرهم، فهؤلاء لا يملكون رفاهية ضمان المستقبل ولو بحدود الكفاف، كما أن صراعهم مع الغلاء المتوقع والجوع بالنسبة لهم أصعب من الصراع مع الوبا.

ان رعب ملايين الفقراء من توقف العمل الذى يوفر قوت يومهم ، أكبر لديهم من رعب الموت بالفيرس، لان صراع البقاء اليومى اشد وطأة من صراع يعقبه راحة أبدية .

وكسر هؤلاء للأوامر أعظم عند صبي صندوق النقد من إصابتهم بالوباء نفسه، ومن تفشي الوباء في مصر، نظام العسكرتارية المصري يحكم بالخوف والطاعة العمياء، وإذا شعر الناس بقدرتهم على كسر الأوامر والتمرد والعصيان -ولو على حساب حياتهم- سيكون في ذلك تهديد أكبر للنظام (ولو على المدى المتوسط).

لهذا، النظام الآن بين مطرقة إعلان الحظر وتحمل الدولة مسئولياتها كاملة تجاه الشعب الذي سبق وأفقرته وأهدرت ثرواته، وبين سندان إصدار الأمر للشعب مع عدم تحمل تلك المسئوليات وما قد يتبع ذلك من تمرد اجتماعي ضد النظام قد يتصاعد فيما بعد مع تفشي وباء كورونا لا قدر الله.

على هامش مطالبات حظر التجوال، من العجيب جدا حالة "الاورجازم الوطني" المتفشية والمتواجدة بكثرة بين المواطنين في حب الحكومة، في مقابل سادية عنيفة ضد إخوانهم المواطنين. رغم أن الحكومة حتى الآن مجرد منفذ لبعض توصيات منظمة الصحة العالمية، وفي حال قررت التصعيد فستكون العواقب وخيمة على الفقراء، الذين سيدفعون الثمن في كل الحالات، سواء بالتصعيد أو "التنفيض".

أتمنى أن يكون التصعيد القريب رحيما بالفقراء، وإذا كانت الدولة المصونة قد أهدرت حقوقهم لعقود انصياعا لأوامر حكام مصر الفعليين، فهل من السذاجة أن نتوقع خيرا في ظل سيطرة ذات الحكام على مقاليد الأمور؟ أم أن الفقراء سيحاصرون بين كورونا الوباء وكورونا الظلم والتعسف والغلاء.

ختاما، نؤكد أن دور الدولة ليس فقط أن تصدر القرارات، بقدر ما دورها أنها تؤمن المواطنين من عواقب تلك القرارات، مع مراعاة توقيت القرار وأنه لا يكون متأخرا. على الأقل يشعر المواطنون الذين يفترض أن القرارات تخصهم ويصدقوا فعلا أن الغرض منها حمايتهم ودعمهم.

الحكومة (على لسان مؤسسة الرئاسة) قالت إنها رصدت 100 مليار جنيه للتعامل مع الأزمة، فياريت يخصص جزء منها لإعالة غير القادرين والعاطلين وأولئك الذين يجنون رزقهم يوم بيوم، على أن يكون التخصيص متزامنا مع التطبيق الفوري لحظر التجوال. هذا لو فعلا المبلغ المعلن حقيقي وسيتم توجيهه في المكان الذي يستحقه.

مثل هذا القرار (حظر التجوال وتحمل مسئوليات القرار) كلما صدر مبكرا، سيوفر علينا كلفة انتشار الوباء التي لا نقدر عليها بالفعل.

المراجع


إضافة تعليق
يرحب المعرفة بجميع التعليقات، إذا كنت لا تريد أن تكون مجهولا، قم بالتسجيل أو سجل الدخول، إنه مجاني.