علي أغا

صورة للحاج علي آغا، آخر أغوات الجزائر (ح. 1665-1671).[1]

علي أغا (ت. 18 أكتوبر 1671)، هو رابع وآخر أغوات الجزائر، حكم من عام 1665 حتى 1671، ليبدأ عهد الدايات. أغوات الجزائر هما قادة عسكريون من الإنكشارية، حكموا إيالة الجزائر التابعة للدولة العثمانية بين عامي 1659 و1671. تميزت هذه المرحلة "بحكم الأغوات" (آغا الجبل أو آغا الحرس) الذي أعقب عهد الباشوات، وساد فيها عدم الاستقرار، الاغتيالات السياسية، والفوضى، قبل أن ينتقل الحكم إلى الدايات. وكان الأغا هو أعلى رتبة لأوجاق الإنكشارية، وكان يُطلق عليه اسم "أغا القمرين"، ويرجع ذلك إلى أنه لا يبقى في منصبه لمدة تزيد عن شهرين، لضمان عدم توطيد سلطته.[2]

عهده

الجزائر في عهد الأغوات. دراسة من إعداد محرز أمين، جامعة الجزائر. لتنزيل الملف، اضغط على الصورة.

بعد مقتل شعبان أغا، أُسند الحكم إلى معزول أغا اسمه الحاج علي، ومثل الأغوات الذين سبقوه، كان يتمتع باحترام ونفوذ كبيرين لدى الإنكشارية. ولقد وصفه الفارس دارفيو بقوله: أنه كان رجلاً نبيهاً وذا جدارة فريدة". ويذكر ابن المفتي في تقييداته أنه "عندما كلف الحاج علي أغا بالراتب، سلمت له في الوقت ذاته الإدارة العليا للبلاد. وكان الأول بالجزائر الذي حمل لقب "الحاكم" لأنه كان يتولى مقاليد الحكم بلا منازع، ولأن أوامره كانت نافذة. وهذا يدل على أنه كان أكثر حزماً في اتخاذ القرارات من سلفه شعبان أغا، الذي عُرف عنه انقياده حيال الديوان.

تجدر الإشارة إلى أنه عقب انتصاره الساحق على الفرنسيين بجيجيل في خريف 1664، اكتسب علي أغا قوة وهيبة مكنتاه بعد ذلك من إجراء إصلاحات إدارية هامة؛ وهذه الإصلاحات سعى من ورائها إلى تقوية سلطته واجتناب النهاية المفجعة التي لاقاها من سبقوه في الحكم؛ وقد ساهم التحسن المالي وحالة الرخاء الذي شهدته الجزائر بعد 1666 بشكل كبير في لجم أي اعتراض قد يتقدم به أعضاء الديوان إزاء سياساته الإصلاحية. وتمثلت الإصلاحات التي قام بها الحاج علي أغا في إلغاء آخر اختصاصات الوالي الإدارية وتنحية هيئة الأغوات المعزولين، كما عدل تشكيل الديوان الخاص الذي يترأسه بحيث صار يتكون أساساً من أصحاب المناصب الوزارية، والخوجات الأربعة الكبار، بالإضافة إلى نخبة مختارة من ضباط الأوجاق، وهم: أغا الإنكشارية، والكاهية، 24 آياباشي، و24 بلوكباشي، و24 أوضاباشي. أي ما يربو على ثمانين شخصاً؛ وحرص من جهة أخرى على توزيع المناصب الإدارية في الدولة على كبراء الأوجاق الموالين له.

إن هذا التطور الإداري واكب تقلصاً ملحوظاً لدور الديوان العام الذي بدأ يتحول منذ عهد علي أغا شيئاً فشيئاً إلى هيئة استشارية، حيث ضعفت على مر السنين صلاحياته في الإشراف والمراقبة على الجهاز التنفيذي الذي يترأسه الحاكم. وهكذا، بدأ يرتسم الجهاز الإداري والسياسي في الجزائر على الشكل النهائي الذي سيحافظ عليه إجمالا خلال عهد الدايات.

علاقاته الخارجية

الباب العالي

عام 1667، قرر الصدر الأعظم إتمام فتح جزيرة كريت التي استعصت قصبتها قانديا على العثمانيين قرابة عشرين سنة، فتوجه بنفسه لحصارها وأمر الإيالات الغربية بإرسال سفنها لتقوم بحماية السفن العثمانية الناقلة للعكسار والذخيرة. وبعد إكمال مهمتهم، دخل الرياس الجزائريون البحر الأدرياتي حيث أغارة على عدة مواقع ساحلية ونهبوها، وكانت لهم مواجهات مع البنادقة، خسروا خلالها بعضاً من سفنهم. وفي مايو 1668، بعث الباب العالي أمراً سلطانياً للديوان باستقدام عمارة بحرية، لكن الرياس ماطلوا في الخروج حتى ورد أمر آخر يستعجل مسيرهم؛ وفي بداية 1669، تحركت عشر غاليوطات من الجزائر وتونس للالتحاق بالأسطول العثماني. وفي تلك السنة، وضع العثمانيون بكل ثقلهم في المعركة وتمكنوا أخيراً من فتح قانديا، وكان الجزائريون في تعرضوا لخسائر معتبرة أثناء نقلهم الذخائر والأرزاق إليها، على يد البنادقة وحلفائهم الذين هبوا لنجدة المدينة المشرفة على السقوط. وفي طريق رجعتهم، هاجم الرياس السفن المبحرة والسواحل جنوب البحر الأدرياتي.

والملاحظ أنه بعد انتهاء حرب كريت، استمر الجزائريون في مهاجمة البنادقة انتقاماً لخسائرهم حتى سنة 1672، ولم يكفوا بعد ذلك إلى بعد طلبات متكررة من الباب العالي.

فرنسا

عندما انتهت كامل الاستعدادات، انطلقت الحملة الفرنسية على جيجل في بداية يوليو 1664 من ميناء طولون. وكانت هذه الحملة بقيادة الدوق دو بوفور، والقوات البرية التي ضمت 4.650 رجلاً بقيادة الكونت دي گادانيه، بالإضافة إلى كتيبة هولندية وأخرى إنگليزية والمئات من المتطوعين؛ أما الأسطول فقد تشكل من حوالي ثلاثة وستين قطعة بحرية. وصل الأسطول قبالة بجاية في 21 يوليو، بعد أن أرسى أياماً في جزر البليار حيث انضمت إليه سبعة قادرغات مالطية. تردد قادة الحملة في الهجوم على المدينة التي بدت شبه خالية بسبب فتك الطاعون بمعظم أهلها، ثم قرروا المضي إلى وجهتهم الأولى. وبلغت الحملة جيجل في 22 يوليو، وصباح اليوم التالي، بوشر بالإنزال شرقاً قرب أحد الجوامع، وقد قاوم الأهالي ببسالة كلفت الغزازة خسارة أربعمائة رجل. غير أن القوات الفرنسية تمكنت بدعم من مدفعية البوارج من احتلال البلدة التي هجرها أهلها، ورفعت الصليب فوق مئذنة المسجد إيذاناً بذلك. عسكر الفرنسيون في السهل الضيق الواقع بين البلدة والتلال المحيطة بها، وحاول قادتهم استمالة الأهالي، لكن هؤلاء أبوا واستمروا يناوشونهم ويغيرون على مواقعهم الأمامية من حين لآخر.

في غضون ذلك، جهز علي أغا محلة بلغ تعدادها ثلاثة آلاف إنكشاري وخمسمائة سپاهي، وسيرها إلى جيجل. واضطر الأتراك العثمانيون لشق طريقهم إلى استئذان القبائل الثائرة عليهم لتسمح لهم بالمرور عبر أراضيها؛ ولم تكتفي هذه القبائل بفتح الطريق، بل انضمت بنية الجهاد إلى المحلة التركية حتى صارت جيشاً قوامه من عشرة إلى اثنتا عشرة ألف مقاتل حسب الرواية الفرنسية بعدما التحقت به قوات باي قسنطينة. بلغ الجيش الجزائري جيجل في 1 أكتوبر وعسكر على مشارفها، وفجر اليوم الخامس، شن هجوماً عنيفاً على الحصن المتقدم غرب الخطوط الفرنسية الذي قتل قائدها وكاد يسقط لولا مسارعة دي بوفور ودي گادانيه لنجدته. وخسر الجزائريون في تلك المواجهة الدامية حوالي سبعمائة بين قتيل وجريح. وعلى إثرها، أرسل قائد الجيش في طلب قطع مدفعية كبيرة، وقوات إضافية من الجزائر، خصوصاً وأن الكثير من الأهالي انسحبوا لبذر أراضيهم. هذه المرة سير علي أغا الإمدادات شخصياً عن طريق البحر إلى بجاية ومنها أكمل المسير براً، وذلك بعد أن استخلف على الجزائر موسى أغا الذي كان على الأرجح كاهيته.

في 22 أكتوبر، رست بميناء جيجل سفن يقودها المركيز دي مارتل تحمل تعزيزات معتبرة رفعت عدد أفراد الحملة الفرنسية إلى نحو ثمانية ىلاف؛ ولقد جاء على متنها مبعوث بأمر من الملك يطلب من الدوق دي بوفور ترك القيادة لدي گادانيه ومواصلة الحرب ضد الجزائريين بحراً. وبعد يومين، وصلت قوات المدد بقيادة علي أغا، وبدأت في نصب البطاريات لمدافع الحصار التي تم إحضارها. جراء ذلك، عقد الفرنسيون مجلساً حربياً اقترح فيه دي بوفور على باقي الضباط القيام بهجوم شامل على المعسكر الجزائري، لكن هؤلاء رفضوا بحجة أن ذلك يخالف أوامر الملك. ومن ثم، غادر دي بوفور بأسطوله في 27 أكتوبر وتحرك باتجاه الشرق. في 29 أكتوبر، فتحت مدينة الجزائر نيرانها على تحصينات العدو فدكتها في ظرف أربع وعشرين ساعة فقط، وحطمت معها معنويات الفرنسيين بعد أن بدأت القذائف تطال معسكرهم ولم يجدوا مكاناً يلتجئون إليه، فصار الجنود يصيحون يأساً بأعلى أصواتهم بأنهم سيستسلمون للأتراك ويدخلون في دينهم. قررت القيادة عندها تنفيذ عملية الإنسحاب في 31 أكتوبر، وبدأ الإنسحاب فعلاً مع هبوط الليل، لكن الجزائريين، الذين فطنوا لما كان يجري في المعسكر الفرنسي، اكتسحوا الخطوط الفرنسية تؤازرهم نيران مدفعيتهم، فتحول الإنحساب إلى فرار مخزي حسب شهادة الكونت دي گادانيه نفسه.

وفي 1 نوفمبر، ابتعد الفرنسيون على متن سفن دي مارتل بعد أن خلفوا ورائهم نحو 1.400 قتيل على أرض المعركة وحوالي ستمائة أسير وكل مدفعيتهم ومعداتهم ومؤنهم، وسيقت هذه الغنائم والأسرى إلى الجزائر أواخر الشهر المذكور. لكن الخسائر الفرنسية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ حين وصلت السفن إلى طولون وجدت الطاعون متفشي فيها، فتحولت إلى جزر هيير حيث غرقت قريباً منها إحدى أكبر البوارج ومعها 1.2000 من خيرة رجال الحملة. لقد حرص لويس الرابع عشر على التقليل من وقع الهزيمة التي حاقت بجيشه مظهراً أن ذلك لم يؤثر في قواته تأثيراً كبيراً، وقد تبين ذلك في التعليمات التي أعطاها القائد للدوق دي بوفور بالخروج على رأس عمارة خلال الشتاء لمطاردة الرياس والعمل على الظهور ببعض البوارج أمام مدينة الجزائر "لكي لا يشعر الجزائريون بكونهم حققوا نصراً كبيراً". وهكذا، اضطرم الصراع في البحر بين الطرفين خلال سنة 1665 حيث قصف رصيف مدينة الجزائر في يومي 2 و27 مايو، من دون أن يصيبه ضرر كبير. وفي 27 يونيو، هاجم دي بوفور بعض السفن الجزائرية بحلق الوادي وأصاب ثلاثة منها؛ ثم في 24 أغسطس، هجم قبالة شرشال مجموعة سفن وتمكن من إحراق إثنتين والإستيلاء على ثلاثة أخرى.

من جهتهم، ألحق الرياس خسائر فادحة بالسفن والتجارة الفرنسية، وعقدوا تحالفاً مع قباطنة بوارج إنگليز ضد الفرنسيين مما مكنهم من الإستيلاء على أربعة سفن كبرى، بحيث كانت السفن والأسرى من نصيب الجزائريين وأما الحمولة وباقي المعدات فمن نصيب الإنگلي. في بداية عام 1666، أبدى ملك فرنسا رغبته في التوصل إلى تسوية مع الجزائر، لكي يتسنى له التفرغ لمسائل أهم على الصعيد الأوروپي؛ ولهذا الغرض، كلف المفوض العام للقوات البحرية تروبير بأن يتفاوض مع الجزائريين لإبرام اتفاق سلام. وكان الطريق قد مهده تاجر فرنسي يدعى جاك أرنو، الذي لعب دور مبعوث غير رسمي سعى لإقناع الحاكم علي أغا بوقف الحرب.

ولذلك، لم يجد تروبير صعوبة تذكر في الوصول إلى إتفاق مع علي أغا، رغم محاولة الإنگليز إفشال هذه المفاوضات؛ وانتهت حالة الحرب بين فرنسا والجزائر بإبرام معاهدة يوم 17 مايو 1666، التي أقرها وصادق عليها لويس الرابع عشر في 7 سبتمبر من نفس السنة. ونصت هذه المعاهدة على اعتماد الطرفين نظام الجوازات ودم جواز أسر رعايا وسفن الطرف الآخر، بالإضافة إلى إطلاق سراح أسرى البلدين بالتبادل أو الإفتداء. وبموجب هذا الإتفاق، تم تحرير 1.127 فرنسي من أسرى جيجل والمعارك البحرية وأزيد من 300 جزائري في غضون السنتين التاليتين، كما أعيد فتح منشآت الباستيون التجارية في أُسنتدت إدارها إلى السيد جاك أرنو لقاء مساهمته في محادثات السلام. وفي ربيع 1668، عاد التوتر بعض الشيء للعلاقات بين البلدين بسبب مشاركتهما في حرب كريت، حيث نشط الرياس الجزائريون ضمن الأسطول العثماني ودعمت فرنسا من جهتها الباندقة. وكانت النتيجة أسر الرياس لعدة سفن تجارية فرنسية كانت تحمل المؤن إلى قانديا.

اعتبر الفرنسين ذلك خرقاً للمعاهدة، وقاموا بإرسال المركيز دي مارتل في يونيو إلى الجزائر يطلب "تصليح الخطأ"، فوافق الديوان على طلبه حفظاً للسلم القائم وتم تسليمه السفن مع بحارتها. وفي ظرف مماثل، استولى الرياس في طريق عودتهم من الشرف عام 1669 على سفن يعود بعضها لتجار فرنسيين. وفي شهر أبريل، قدم الكونت دي ڤيڤون يطالب بمعاقبة الرياس المذنبين، فاستقبل هذا الأخير بشكل ودي في مجلس الديوان، وشُنق في حضوره ثلاثة رياس بعد محاكمتهم، ورُميت جثثهم في البحر. ويبدو أن هذا التصرف غير المتبصر عائد إلى نفوذ إسماعيل باشا المراعي للمصالح الفرنسية حسب ما نستبينه من مراسلاته. وفي نفس السنة، حمل المركيز دي مارتل رسالة من لويس الرابع عشر يعرض فيها على الجزائريين مساندته في حروبه ضد أعدائهم الأوروپيين؛ وفي حين قبل أعضاء الديوان مبدئياً بهذا العرض، فإن طائفة الرياس أبدت معارضتها لأي تحيز تجاه فرنسا. عاد دي مراتل من جديد، في فبراير 1670، على رأس عمارة للشكوى من احتجاز الجزائريين لعدد من رعايا ومراكب بلاده، ولإدراج بنود إضافية في معاهدة 1666، بهدف تجنب تكرار المشاكل بين الطرفين. ومما نصت عليه هذه البنود الملحقة المعاقبة الجسدية للقباطنة المسؤولين عن التجاوزات واعتبار السفانين مسؤولين عن الخسائر الملحقة بسفن الطرف الآخر، كما تضمنت إلغاء حق تفتيش المراكب الفرنسية.

وهكذا، استطاعت فرنسا أن تفرض شروطها على الجزائريين، ليس فقط بسبب تاثير إسماعيل باشا على الحاكم والديوان، بل أيضاً لتعاظم قوة الفرنسيين البحرية بفضل جهود كولبير؛؛ إلا أن الرياس حملوا علي أغا مسؤولية ضعف الموقف الجزائري، وحتى أن بعضهم اتهمه بتلقي الرشاوى سراً.

مع إنگلترة

فيما يخص العلاقات مع إنگلترة، بلغ التوتر بين البلدين ذروته في أبريل 1664 بعدما قام الجزائريون باحتجاز عدد من السفن الإنگليزية؛ ولقد اعتبر الأميرال لاوسون هذا التصرف خرقاً للسلم، واستولى من جهته على عدة مراكب جزائرية اقتيدت كغنائم إلى طنجة، القاعدة الاتي اكتسبها الإنگليز حديثاً. وانتقاماً لذلك، أُهين القنصل روبرت براوني ورُمي مكبلاً بالقيود في السجن. خلال الصيف، قدم لاوسون إلى الجزائر للمطالبة بتحرير القنصل، فأُخلي سبيل هذا الأخير إلا أن مقر سكناه وُضع تحت حراسة مشددة. أما السفن المحتجزة، فرفض علي أغا البت بشأنها ما لم تُعوض الخسائر الجزائرية. وفي الوقت الذي كان الجزائريون منشغلين بمحاربة الفرنسيين في جيجل، عاد الإنگليز بقيادة نائب الأميرال توماس ىلن؛ وهذه المرة توصل الطرفان إلى تسوية المشاكل العالقة بينهما على أساس معاهدة 1662، والتي أُضيف إليها بند منح القنصل حرية الإنسحاب من المدينة إلى أي مكان شاء. وقبل ذهابه، عين آلن القبطان نيكولاس پاركر لشغل منصب القنصل بدل براوني الذي تُوفي من مرض في بداية سبتمبر على ما يبدو.

خلال الحرب الإنگليزية الهولندية، انضم الرياس أكثر من مرة للإنگليز لمهاجمة السفن الهولندية والفرنسية، وذلك على الرغم من تسجيل بعض التجاوزات ضد الجزائريين من طرف الجانب الإنگليزي. وقد ازدادت الهجمات عام 1668 إلى حد اضطر علي أغا، تحت ضغط طائفة الرياس، الترخيص من جديد بمطاردة السفن الإنگليزية؛ وفي 9 أكتوبر من السنة نفسها، قدم آلن إلى الجزائر لتدارك الوضع، غير أن المحادثات التي تولاها مبعوثية بمساعدة القنصل جون وارد، الذي خلف پاركر السنة الماضية، لم تسفر عن نتيجة تُذكر سوى افتداء بعض الأسرى الإنگليز. في سبتمبر 1669، عاد آلن ثانية على رأس 25 بارجة، وبعد خمسة أيام من المباحثات غير المجدية، فتح الأسطول الإنگليزي نيرانه على برج المول؛ وعلى الفور، رد الجزائريون بقوة من حصن سيدي يعقوب الذي أُكمبل بناؤه حديثاً، وخرجت سفن الرياس للمواجهة. وجرت على مرأى من المدينة معركة ضارية تكبد خلالها الإنگليز خسائر فادحة، واضطروا للإنسحاب إلى ماهون بالبليار لرأب الأضرار.

وفي السنة التالية، سير الإنگليز عمارة مشتركة مع الهولنديين، ضمت خمس سفن تحت قيادة آلن وأربع سفن تحت قيادة الهولندي ڤيلم فان گنت، تموقعت في مضيق جبل طارق لإعتراض السفن الجزائرية. وتمكنت هذه العمارة قرب رأس سبارطل نهاية أغسطس من إغراق سفينة وإجبار ست سفن أخرى إلى الجنوح للساحل المغربي، في حين استطاع أغلب بحارتها النجاة بأنفسهم إلا أن السفن أُحرقت. وبقي الإنگليز يجوبون البحر قرب السواحل الجزائرية محاولين التضييق على تحركات الرياس؛ وخشية قيامهم بإنزالات برية، قام الحاج علي أغا بتقوية التحصينات شرق العاصمة كما جدد بناء حصن تامنفوست وخندق حوله.

في مايو 1671، هاجم الأسطول الإنگليزي بقيادة الأميرال إدوارد سپاراگ مرسى بجاية على حين غرة ودخله عنوة، وقام بإضرام النار في ثمانية من المراكب الراسية فيه واستولى على ثلاثة أخرى. وكان رد الفعل بالجزائر، وضع الديوان القنصل وكبار التجار الإنگيز في السجن حماية لهم من السخط الشعبي، بعد أن نهبت الدهماء مقر القنصلية وقُقتل الترجمان في خضم ذلك. وفي يوليو، ظهرت قطع من الأسطول الإنگليزي غير بعيد من ميناء الجزائر وشددت عليه الحصار. لقد كانت هذه العمليات الإنگليزية، إلى جانب عوامل أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً، بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات في الجزائر وأدت في النهاية إلى سقوط الحاكم.

الأقاليم المتحدة

وصل الأميرال دى رويتر إلى الجزائر في 19 يونيو 1664، أي أربعة أشهر بعد انقضاء أجل الخمسة عشر شهراً المحددة لجلب فدية الأسرى الهولنديين والأجانب الذي أُسروا على متن السفن الهولندية؛ وجد هناك جواً من الريبة والضغينة بسبب تصرفات ترومپ وتحضيرات الحملة الفرنسية على جيجل. وقد تجلى ذلك في تصلب الموقف الجزائري خلال المفاوضات، حيث تمسك علي أغا بحق التفتيش الذي يخول للرياس مصادرة املاك الأعداء، مُضيفاً أن الجزائر لم تتنازل قط عن ذلك الحق بدليل اتفاق هدنة 1662؛ وفضلاً عن ذلك، طالب بتعويضات لقاء الخسائر التي ألحقها ترومپ. كانت النتيجة الوحيدة لهذه المفاوضات إخلاء سبيل القنصل فان در برگ الذي كان تحت الإقامة الجبرية، إذ أبدل هو وأمين سره وثلاثة من خدمه مقابل سبعة وثلاثين جزائري. ولم يمنع عدم الإتفاق الطرفين من المضي في عملية الفداء. لكن بعد أن خلص نحو خمسة وخمسين هولندياً من الأسر، رفض دى رويتر طلب علي أغا في افتداء عدد من الاسرى الأجانب؛ ودون سابق إنذار، كتب رسالة إلى الديوان يُبلغ فيها أن الأقاليم المتحدة لم تعد تريد سلاماً مع الجزائريين. ويوم غد، 5 يوليو، رفع الأسطول الهولندي راية الحرب وعادة مباشرة لبلاده.

بسبب اندلاع الحرب مجدداً مع إنگلترة (1665-1667)، لم تقم الأقاليم المتحدة بأي عمل تجاه الجزائر واكتفت بتسيير سفن حربية لحماية قوافل سفنها التجارية من القرصنة، وفي غضون ذلك، كثف الرياس من عملياتهم ضد الهولنديين. وفي عام 1668، هاجم الجزائريون بارجة حربية هولندية تواكب ستة سفن تجارية، وتمكنوا من الإستيلاء على إحدى هذه السفن. إثر هذا الحادث، اتصلت الأقاليم المتحدة بالحكومة الإنگليزية وعرضت عليها التعاون من أجل معاقبة الجزائريين على جسارتهم؛ ونجم عن ذلك إرسال عمارة مشتركة إلى المضيق، عملاً بنصيحة دى رويتر، التي أسعفها الحظ صيف 1670 في تدمير سبع سفن جزائرية. ولقد قنع الهولنديون بهذا النصر وأحجموا عن المضي قدماً خشية أن يعززوا أكثر موقف الإنگليز الذين كانوا يمتلكون قاعدة بحرية هامة في المنطقة، طنجة. وهكذا، استمرت حالة الحرب بين الأقاليم المتحدة والجزائر سنيناً عدة قبل أن يتحرك الطرف الأول لطلب الصلح.

إسپانيا

في بداية خريف 1665، اغتنم الحاج علي أغا نشرة الانتصار في جيجل ووجه جيشاً صغيراً إلى وهران، لكن الحصار الذي فُرض على المدينة لم يلبث أن أثبت عدم جدواه بسبب قلة عدد الجزائريين. عام 1666، عين المركيز دي لوس ڤلز قائداً عاماً جديداً لوهران، وباشر ابتداء من السنة ذاتها عمليات الإغارة على القبائل المجاورة الموالية للأتراك. وفي أبريل 1669، قام الحاكم المذكور، تنفيذاً لتصريح ملكي، بطرد المئات من يهود وهران،؛ فالتجأ معظم هؤلاء اليهود إلى إيطاليا، بيد أنهم عادوا فيما بعد تدريجياً لمسقط رأسهم. وفي نفس السنة، عاود علي أغا الكرة من جديد ضد وهران وجهز جيشاً تدعم في الطريق بعدد كبير من المتطوعين والخيالة العرب. لكن ما حدث هو أن المعسكر رفع على عجل، بعد أن حوصر الموقع أياماً بشكل غير كامل وأقيمت عدة محاولات غير مجدية ضد أسواره. والظاهر أن السبب الكامن وراء فشل هذا الحصار هو اندلاع ثورة تلمسان الكبرى التي كانت بإيعاز من سلطان المغرب. وخلال السنتين التاليتين، اكتفت المحلات الموجهة إلى بايليك الغرب بإرسال مفارز للإغارة على أحواز وهران لإبقاء الضغط على الإسپان.

المغرب

عندما تولى الرشيد، أخ محمد بن الشريف، الملك جدد مع الجزائر عام 1665 الإتفاق الذي أقر وادي تافنة حداً فاصلاً بين البلدين، وذلك ليتفرغ لتوحيد المغرب تحت سلطانه. وبعد تمكنه من الإستيلاء على فاس عام 1667، هاجم القايد خضر غيلان الذي كان يسيطر على إقليم الغرب، وانتصر عليه قرب القصر الكبير؛ عندما استنجد غيلان بالأتراك العثمانيين معلناً ولاءه، ولكن الرشيد عاجله واضطره للإلتجاء إلى الجزائر حيث جهز فرقاطة وانصرف إلى الجهاد البحري. إثر ذلك، قام الرشيد بمهاجمة زاوية دلاء القوية في 1668 فدمرها تماماً، وحمل معه مرابطيها وشيخها محمد الحاج أسرى إلى فاس حيث احتجزهم بعض الوقت. وكانت تربط الزاوية الدلائية من قبل علاقات طيبة مع حكام الجزائر. والمرجح أن المولى الرشيد خطرت له فكرة استخدامه استخدام خصومه السابقين للعمل على تحقيق مشروع أخيه محمد التوسعي في غرب الجزائر؛ ولذلك "أبعد" هؤلاء المرابطين إلى تلمسان، وكانت النية المبيتة تحريض سكانها على الثورة.

وبالفعل، لم تمضي شهور على ذلك حتى تفجرت ثورة خطيرة بالمدينة وأحوازها ضد الأتراك العثمانيين دامت سنيناً عدة، وامتدت الإضطرابات إلى أنحاء المنطقة الحدودية. وتجدر الإشارة إلى أن المولى لم يتدخل بتلمسان بسبب انشغاله في إخماد الثورات واستكمال بسط نفوذه على كامل بلاد المغرب الأقصى.

الأوضاع الداخلية

في قسنطينة، خفت وطأة وباء الطاعون كثيراً عام 1664 قبل أن يختفي، بعد أن "قضى على خلق كثير". وفي هذه الأثناء، تحسنت الأوضاع الأمنية في البايليك بشكل كبير عما كانت عليه من قبل، خصوصاً على الجبهة القبائلية التي شهدت تآلف الأتراك والقبائليين معاً في دحر الفرنسيين عن جيجل. لكن هذا الهدوء النسبي لم يدم طويلاً، فقد أدت محاولة الباي محمد بن فرحات فرض ضريبة "اللزمة" على قبيلتي الحنانشة والداودة الممتنعتين إلى ثورتهما عام 1666. ومنتصف الصيف، زحفت جموع هؤلاء الثوار على قسنطينة، و"حاصروها وتغلبوا حتى على بعض الفرق التي أُرسلت من الجزائر، لكن لم تلتحم المحلة الثانية بباقي القوات حتى أجبروا المحاصرين على رفع الحصار والتقهقر مع بعض الخسائر". وفي أكتوبر من نفس السنة، قام الحاج علي أغا بعزل الباي المذكور ثمناً لأخطائه وصادر أملاكه، وولى مكانه عمه رجب باي.

ولما لم يستطع رجب باي، بالرغم من بعض الإنتصارات التي حققها في الميدان، من التغلب على ثورة الدواودة والحنانشة، ارتأى سبيل المصاهرة حلاً لأزمة وزف ابنته "أم هانئ" لأخ شيخ قبيلة الدواودة. غير أن الإضطرابات ظلت قائمة، وتدعم صف الحنانشة بحلفاء جدد هم قبائل بني عباس. ولقد جعل المتمردون المرور عبر منطقة البيبان جد صعب وهددوا ذلك بقطع طريق قسنطينة. لذا، أرسل علي أغا عام 1670 محلة قوية إلى تلك المنطقة مكنت الباي بعد جهود وخسائر من إخضاع بني عباس المتمردين، ولم تلبث الثورة إلا قليلاً وخدمت. وكان أهم حدث جرى في بايليك الغرب هو تفجر ثورة تلمسان الكبرى عام 1669؛ وقد فاجأ اندلاعها الأتراك العثمانيين الذين كانوا باشروا قبلها بأيام حصار وهران، مما اضطرهم إلى الإنسحاب للجزائر. وفي عام 1670، وجه الحاج علي أغا محلة لقمع الثوار لكنها لقيت مقاومة شديدة بسبب انضمام عدة قبائل إلى صف التلمسانيين وفي السنة التالية، وجه الأغا محلة أخرى إلى تلمسان ومثل سابقتها تكبدت خسائر دون أن تحقق الهدف المرجو.

أما بالنسبة لعاصمة الإيالة، فبعد السنوات الحالكة التي عرفتها لحسر وباء "الحبوب القوية" تدريجياً خلال عامي 1665 و1666، كما انتعشت الأنشطة الاقتصادية سريعاً بشكل انخفضت معه الأسعار، فتحسنت الأوضاع المعيشية للسكان تباعاً. وفي ظل هذه الظروف، عرفت الجزائر هدوءاً نسبياً حتى 1668، ففي تلك السنة، ثار أفراد جماعة الزواوة المقيمون بالفحص الذي يحمل اسمهم والواقع غرب المدينة؛ وعلى إثر ذلك، قام الأتارك بإعدام قائد جماعة الزواوة المتورط في تلك الاضطرابات وأُحرقت أشلاؤه في أماكن مختلفة من المدينة. وغالب الظن أن تمرد هؤلاء البرانية كانت له علاقة بثورة قبائل زواوة وبني عباس إذ ذاك ضد السلطة التركية.

وبالنظر إلى سير الأحداث، يتضح لنا بأن الحاج علي أغا واجه فعلاً أوقاتاً جد عصبية وخاصة خلال السنتين الأخيرتين من حكمه؛ فلقد أثارت سياسته التي اتسمت بالليونة تجاه فرنسا تذمراً متزايداً في وسط الرياس، إذ لم يغفر له هؤلاء معاقبته لرفاقهم عام 1669 وقبوله ببنود إضافية مجحفة عام 11670 فقد لترضية الطرف الفرنسي، في حين كان ذلك الطرف يستغل أية فرصة لإلحاق الضرر بالبحرية الجزائرية. كما كانت للخسائر الفادحة التي تكبدها الرياس على يد الإنگليز، وعلى الأخص بميناء بجاية عام 1671، الأثر الكبير في تهيج المشاعر ضد الحاكم رافقها وقوع إضطرابات بحي البحرية. وكتدبير احترازي، وزع الحاج علي أغا بعض الهبات، في حين ألقى بمسؤولية ما حدث على القبطان الحاج محمد التريكي وأودعه السجن بدار الإمارة؛ وعلى صعيد آخر، قام بنفي خطيب الجامع الجديد، قرباش أفندي، الذي خاض في شؤون لاحكم واتخذ موقفاً مناوئاً منه.

ولقد كان الإنكشاريون من جانبهم كذلك مستائين من الحاكم ليس للأسباب السابقة فحسب، بل لأنه كان أيضاً يشغلهم كثيراً في عمليات حربية مكلفة من حيث الأرواح والمشاق، لإخماد الثورات ولإعادة فرض النظام في المناطق الداخلية المستعصية. ولهذا السبب بالذات، تآمرت الإنكشارية للإطاحة بعلي أغا في 24 سبتمبر 1671، وكلف جنود الحامية العائدين من تلمسان بالتمرد، وكانوا قد اضطروا لإخلاء حصن المشوار بعد أن عجزت القوات الجزائرية لسنتين عن التغلب على الثوار. بيد أن الأغا تمكن من النجاة من قبضة المتمردين، وعاقب بشدة من وقع في يده منهم؛ وكان من بين المتورطين في المؤامرة، أغا الإنكشارية الذي أمر علي أغا بخنقه، وحسن شاوش الذي فر إلى الباستيون.

مقتله

وعاود اليولداش محاولة قتل الحاج علي أغا في 18 أكتوبر بنجاح هذه المرة، واجتزوا رأسه. وأعقب الإغتيال فوضى عارمة في المدينة استمرت خمسة أيام، تعقب اليولداش خلالها أتباع الأغا المقتول وقتلوا كل من لم يتمكن منهم من الهرب؛ كما أمر ديوان الإنكشارية بمصادرة أموال علي أغا، فاقتحم الشواش داره ولما لم يجدوا شيئاً، عذبت امرأته حتى باحت لهم بالمكان الذي خبأ فيه المال.

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ "Ali Agha, General der Janitscharen". jenikirbyhistory. Retrieved 2026-05-14.
  2. ^ الجزائر في عهد الأغوات (1659-1671)، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث، جامعة الجزائر، إعداد محرز أمين، إشراف د. عائشة غطاس، 2007-2008.


سبقه
شعبان أغا
أغا الجزائر
1665-1671
تبعه
بداية عهد الدايات