صور نساء شهيرات

هذا المقال يتضمن أسماءً أعجمية تتطلب حروفاً إضافية (پ چ ژ گ ڤ ڠ).
لمطالعة نسخة مبسطة، بدون حروف إضافية
"صور نساء"، غلاف طبعة 1869.
"معرض صور نساء شهيرات"، غلاف طبعة 1859. 394 صفحة.
"المعرض الجديد لصور نساء شهيرات"، غلاف طبعة 1870. 544 صفحة.

صور نساء Portraits de femmes ومعرض صور نساء شهيرات La Galerie de femmes célèbres هو كتاب من تأليف الكاتب الفرنسي شارل أوگوستان سانت-بوڤ في عام 1859. وقد أتبعه بتكملة له بعنوان معرض الصور الجديد لنساء شهيرات La nouvelle galerie de femmes célèbres في عام 1863.

إذا كان للمرء أن يفاضل بين كتب الأديب والناقد الفرنسي سانت-بوڤ الكثيرة، فإنه من دون أدنى ريب سيختار كتابه - المَعْلَم «پور-روايال». ذلك أن هذا الكتاب الذي وضعه سانت - بوف في عام 1834، أسّس لنوع صار راسخاً في ما بعد، في الأدب الفرنسي: الدراسة النقدية المنطلقة، حتى قبل ولادة سيگموند فرويد، من الدراسة السيكولوجية المعمقة. ولكن، في الوقت نفسه، يتميز كتاب آخر للناقد الكاتب نفسه، ويتفرد إلى حد أنه يبدو دائماً من الأفضل تقديم صاحبه من خلاله، وهذا الكتاب هو «صور نساء»، الذي أصدره سانت-بوف بعد «پور-روايال» بعشر سنين، وجمع فيه عدداً من دراسات معمقة كان نشرها طوال تلك الفترة. ولئن كان «صور نساء» يسير، في نهاية الأمر، على خطى «پور-روايال» من ناحية الشكل والهدف، فإن ميزته تكمن في انفراد شهيرات النساء من عصر الكاتب ومن بعض العصور السابقة عليه، بشغل فصول الكتاب كلها وصفحاته. فهو كما يدل عنوانه، كتاب عن النساء سواء كنَّ أديبات أم شخصيات تاريخية لعبت دوراً ما في السياسة أو المجتمع. أما قراءة الكتاب فتأتي من هذا الواقع بالذات: من واقع أنها كانت واحدة من المرات الأولى التي ينكبّ فيها كاتب، من قامة سانت-بوف ومكانته على تسجيل حياة سيدات الأدب والمجتمع ونشرها في كتاب واحد. طبعاً، عرف تاريخ الكتابة عشرات الكتب التي تناولت سير أدباء أو عظماء، وعشرات أخرى تناولت حياة هذه السيدة العظيمة أو تلك. غير أنها كانت المرة الأولى التي يخصص فيها كتاب بأكمله للنساء.[1]

إذاً، جاء كتاب سانت-بوف يومها، ليعطي صورة إجمالية ودقيقة في الوقت نفسه، لما يمكن أن تكون عليه امرأة المستقبل، وتحديداً من خلال ما كانت عليه نساء زمنه المتفوقات، ونساء بعض الأزمان السابقة. ولسنا في حاجة هنا، بالطبع، إلى التركيز على الإيجابية التي وسم بها الكاتب سير النساء اللواتي تحدث عنهن. وهو كان مناصراً النساء في رسمه التفاصيل، وفي حديثه عن مساهمة كل منهن في التقدم، وفي الكثير من المجالات التي اختار شهيرات سيداتها.

كما أشرنا لم يتعمد سانت - بوف، أصلاً، أن يضع كتابه على شكل متكامل مكتوب دفعة واحدة، بل إنه جمع فيه دراسات كان نشرها طوال أكثر من عشر سنوات، ومنها دراسات طورها عن كتابات مبدئية كان ضمها إلى كتابه السابق «پور-روايال»، غير أنه عاد هنا، في الكتاب الجديد وأضفى عليها من الأبعاد ما جعلها في نهاية الأمر تخدم غايته الأساسية التي تنطلق من فكرة المساواة بين الجنسين، عبر تأكيد أن المرأة، حين تتمكن من ذلك، قادرة على خوض المعتركات نفسها التي يخوضها الرجل. لكن، دائماً عبر التشديد في الوقت نفسه، على أن لدى المرأة من الخصائص الطبيعية ومن السمات المميزة، ما يجعل إنجازاتها - دائماً - أكثر رسوخاً وقوة وفائدة للمجتمع، وكذلك أكثر رهافة وحساسية من إنجازات رجال يساوونهن قوة وموهبة ويتمتعون بالفرص نفسها. من هنا، كان لا بد من اعتبار «صور نساء» في الأصل صرخة اجتماعية «ثورية»، حيث إن كثراً من دارسي سانت - بوف، استشهدوا دائماً بفصول «صور نساء» كي يدفعوا عن هذا المفكر وأحد مؤسسي تيار النقد الاجتماعي في الأدب الأوروبي، ما كان يوسم به من توجه إلى التراجع السياسي، لافتين إلى أن مفكراً ينظر إلى المرأة وإنجازاتها تلك النظرة، لا يمكن أن يكون جاداً حين ينادي باتباع سياسة متخلفة.

من ناحية الأسلوب وعمق التناول الدراسي، لا يبدو أن ثمة رابطاً حقيقياً بين الدراسات المختلفة التي تتألف منها فصول «صور نساء»، بخاصة أن من المعروف أن كل دراسة منها كتبت في مناسبة خاصة بها ووسط ظروف تختلف عن ظروف الدراسات الأخرى. ولكن قراءة واعية تكشف عن ذلك الخيط الذي يربط بين الدراسات والذي يقوم على التوغل في حيوات النساء المدروسات بغية استخلاص الملامح السيكولوجية الغائرة عميقاً داخل أرواحهن، والتمكن عبر ذلك من رسم ملامحهن وخفايا شخصياتهن. فمثلاً، حين يتناول سانت - بوف، شخصية «مدام دي سيفينييه» يركّز، على الجانب الأدبي الإبداعي لديها، غير أنه سرعان ما يربط أدبها بشخصيتها ويقول إن ما تكتبه قادر على أن يعبر عنها من خلال بطلاتها. وعلى هذا النحو تتحول الدراسة الأدبية إلى بحث سيكولوجي عن العلاقة بين الكاتب وأبطاله. وكان هذا جديداً في ذلك الحين، ومثيراً للسجال، وأيضا لـ «رعب» بعض الكتاب من الذين هالهم أن يأتي من يقول إن أدبهم إنما هو في نهاية الأمر تعرية لهم، غير مقصودة. وفي الدراسة التالية التي يكرسها سانت - بوف لـ «مدام دي ستاييل» يجد القارئ نفسه أمام لوحة تعبيرية عارمة تكشف له في ما وراء النص الأدبي، حساسية أنثوية ثورية مفرطة، ومواقف ونظريات لم يكن لذلك القارئ أن «اشتبه» بأنها يمكن أن ترتبط بحياة الكاتبة، أكثر من ارتباطها بحيوات شخصياتها. ثم تأتي الصورة التي يرسمها قلم سانت-بوف لـ «مدام رولان»، فإذا بنا مرة واحدة في خضم الثورة الفرنسية وأحداثها، منظوراً إليها من خلال تلك السيدة، ولكن عبر نظرة ثاقبة فيها «إعادة اعتبار» ضمنية، من الواضح هنا أنها تخص سانت - بوف نفسه. ولئن كانت هذه الدراسات التي أشرنا إليها تبدو مزامنة لسانت - بوف، فإن في الكتاب دراسات عدة أخرى، تعيد القارئ إلى أزمان سابقة، إلى القرن السابع عشر مثلاً، إذ من خلال حكاية حب يصفها بتعاطف تام بين السيدة كرودنر والقيصر ألكسندر الأول، يقول لنا سانت - بوف الكثير عن دور الحب الحقيقي في صناعة التاريخ. وهو يفعل الشيء نفسه من خلال حديثه المسهب، والجميل، عن «مدام دي لا فاييت» وعن غيرها. إذاً، في نهاية الأمر، فإن ما يحكيه لنا سانت - بوف في هذا الكتاب، ليس فقط أحوال هاته النساء وأفكارهن، بل أيضا العصور التي عشن فيها. فهل كان يمكن المرأة أن تنتظر ما هو أفضل من ذلك في زمن سانت - بوف؟

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الكاتب

بمقدار ما أسبغ سانت-بوف من الشهرة وإعادة الاعتبار على «نساء كتابه» تمكنّ في الوقت نفسه من أن يضفن إلى شهرته الكثير. والحال أن سانت-بوف كان في ذلك الحين في حاجة، هو أيضاً، إلى إعادة الاعتبار تلك. فالواقع أن شارل أوگوستان سانت-بوڤ (1802 - 1869) الذي كان أهله قد خططوا له منذ صباه أن يدرس الطب، تخلى عن تلك الدراسة باكراً لينخرط في الحركة الرومانطيقية، ويبدأ بكتابة الشعر والقصة، ثم النقد الأدبي. وكانت تناقضاته بدأت تبرز، بين مواقف فكرية تقدمية لديه، وأخرى سياسية رجعية نجمت عن خيبة أمله في ما حدث سياسياً. وأيضاً عن الدمار الذي ألحقه به غرامه بأديل فوشيه، زوجة ڤكتور هوگو. وهو في تلك الأثناء كان بدأ ينصرف كلياً إلى الدراسة والنقد، حيث نعرف أنه - إلى جانب تين - أسس النقد الأدبي الحديث. ولكن فيما كان تين يهتم بالجانب الاجتماعي، ركز سانت - بوف على الجانب السيكولوجي لدى الأدباء الذين يدرسهم. فأسس الأول لتيار نقدي تقدمي، يرى أن مهمة الكاتب التعبير عن مجتمعه، فيما أسس الثاني لتيار سيكولوجي اهتم دائماً بالأديب الذي يدرسه أكثر من اهتمامه بعلاقة أدب هذا الأديب بالمجتمع. ولقد خاض سانت - بوف السياسة والتعليم الجامعي واكتسب قراء كثراً لمقالاته التي كان ينشرها في أمهات الصحف، ثم يجمعها في كتب أضحت شهيرة ومؤسسة مثل «پور-روايال» و «أحاديث الاثنين» و «أحاديث الاثنين الجديدة». وهو تعرّض لأكثر من هجوم شديد، لعل ذروتها أتت لاحقاً مع مارسيل بروست الذي وضع كتاباً كاملاً عَنْوَنه بـ «ضد سانت-بوڤ». لكن هذه حكاية أخرى بالطبع.


الهامش

  1. ^ ابراهيم العريس (2014-09-06). "«صور نساء» لسانت - بوف: النصف الخفي من تاريخ المجتمع". صحيفة الحياة اللبنانية.