شفيق الكمالي

شفيق الكمالي.

شفيق الكمالي (1929 - 1983) سياسي وشاعر ووزير عراقي بعثي.

في عام 1948 كان طالباً في ثانوية الكرخ ببغداد التي كنت قد دخلتها تواً، وهو يلقي قصيدة في حشد من طلاب المدرسة قبل أن يتوجهوا للاشتراك بمظاهرة شعبية ضد معاهدة عراقية بريطانية كانت ستعقد آنذاك بديلاً لمعاهدة 1930.

وحين توفيت بعد أكثر من عامين الملكة عالية والدة فيصل الثاني واقيم حفل تأبيني في المدرسة رفض الكمالي المشاركة فيه. لكن اعلاناً على لوحة المدرسة كان يقضي بفصل عدد من الطلاب من بينهم الكمالي بتهمة احتساء البيرة على ساحل المدرسة المطل على دجلة ولا أدري ان كانت التهمة صحيحة ام مدبرة، كما لا اعرف كيف عاد الكمالي إلى المدرسة وانهى دراسته ودخل كلية الاداب ببغداد، حيث دخلتها بعد اربع سنوات.

وكان اسم الكمالي يتردد في الوسط الطلابي والى حد ما في الصحافة الادبية ومجلة الاداب البيروتية، وكانت صحيفة محلية قد ذكرت بان الشرطة السرية عثرت على وكر طباعي، وان القبض قد القي على شفيق الكمالي الذي اخلت سبيله.

والكمالي الذي ينتسب إلى مسقط رأسه في مدينة البوكمال على الحدود العراقية السورية، حافظ على علاقات طيبة مع اطراف الحركة الوطنية. لكنه وهو يؤسس أول تجمعات طلابية لحزب البعث أوائل الخمسينات لم يتكيف للحياة في المنظمة السرية، ولم يخضع لسايكولوجية المنظمة مما جعل قرار صعوده إلى القيادة الفكرية يأتي متاخراً.

ساهم الكمالي في سلطة الحزب الأولى والثانية بمواقع قيادية، ولم يسجل عليه أو له نشاط في اقبية التعذيب، بل كان على العكس داعياً من دعاة التفاهم وساعياً إلى إخراج المعتقلين من السجون قبل أن تصبح محاولة للشفاعة كهذه خروجاً على تعاليم حزبية يعاقب عليها مرتكبوها بالطرد من الحزب أو السجن إلى جانب الموقوف الذي يسعى الشفيع إلى إطلاق سراحه.

ان عدم مساهمة الكمالي في نشاطات التحقيق وسعيه إلى انتهاج سياسة التحالف مع الوطنيين العراقيين والقوميين العرب اضعف كثيراً من موقعه في الحزب.

ويسجل عليه صدام حسين بالإضافة إلى هذا انه انتدب مبعوثاً من الحزب لحضور مؤتمر قومي مع زميله عبد الله سلوب السامرائي قبل وصول الحزب إلى السلطة، لكنه لم ينقل إلى المؤتمر وصية بترقية صدام حسين إلى عضو قيادة قومية.

ولم يكن ذلك سيمر على ذاكرة صدام حسين الذي أصبح الرجل الثاني في السلطة، وكان متوقعاً للكمالي والسامرائي ان يكونا من أوائل الضحايا.

عين الكمالي وزيراً في الحكومة التي شكلها الحزب بعد 30 تموز 1968 وابعد سفيراً واعيد وزيراً.. وطرد مرة أخرى.. لكنه أصبح رئيساً لاتحاد الادباء العرب قبل أن يطرده صدام حسين ويعين مكانه بعثياً يدعى حميد سعيد.. رايت الكمالي 1967 في مكتب الشيخ جابر العلي وزير الاعلام الكويتي آنذاك، فخلوت به جانباً وقال: متى تكون للعراق العريق مؤسسات ونظام عمل كالذي استحدثه الكويتيون الناشئون في السلطة، فأجبته: سيحدث ذلك إذا تنحى حزبنا عن السلطة.

وفي بغداد وفي فترة ابعاده عن مسؤولياته الرسمية والحزبية اتخذ الكمالي طاولة له في زاوية من غرفة بجريدة الجمهورية يشترك فيها معه صحفيون آخرون.

وعندما انفرد صدام بقيادة الحزب والسلطة في تموز 1979 كان شفيق الكمالي يتوقع ان يتصدر اسمه لائحة المبعوثين الواحد والعشرين من رفاقه إلى ساحة الاعدام.

ولما لم يكن اسمه من بينهم اخذ يتصرف بهاجس من يعتقد ان قرارا بإعدامه سيصدر بين لحظة أخرى، وعليه ان يحول دون ذلك مستخدماً اداته الشعرية، فظهر امام الرأي العام العراقي غجرياً يحمل ربابته عند مضيف الشيخ، وقد قال كلاماً في صدام لم يصدر عن حاملي الربابة الغجرية، وكانت قصائده التي يحملها بنفسه إلى مطربات الاذاعة راجياً تلحينها وتقديمها للمستمعين تخرج من اطار المسؤولية المشتركة والعمل المشترك في حزب واحد.

ان انهيار صورة الكمالي كانت ترضي مشاعر التشفي في قلب صدام.

لكن ذلك لم يكن يكفيه، وكان على الأجهزة المختصة ان تعد له سيناريو لعملية يوضع الكمالي طرفاً فيها.

لقد اعتقلوا نجله الأكبر (يعرب) واعتقل الوالد الذي اتهم بمحاولة تهريبه خارج العراق، وقتل الابن، هكذا نعلم واخرج الكمالي من السجن ليموت فجأة ولم يكن يشكو من مرض.

مات شفيق الكمالي أحد صانعي المنظمة السرية، لأنه لم يستطع أن يلبي حاجاته السرية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

رواية فخري قدوري

عن تلك الفترة ذكر الدكتور فخري قدوري في كتابه هكذا عرفت البكر وصدام : “عندما كان طالباً للماجستير في القاهرة رشح لرئاسة الأتحاد الوطني للطلبة العراقيين هناك ، فانتخبه الطلاب بالاكثرية فيما حصل صدام على صوتين فقط! صاغ شفيق البيان الأول الذي تلاه البكر على الشعب من راديو بغداد صبيحة ١٧ تموز ١٩٦٨

وكلف شفيق بحمل قرار تشكلية الوزارة الأولى بعد ٣٠ تموز الى دار الأذاعة لأعلانه وتسنم هو حقيبة وزارة الشباب. وقد عين عضواً في مجلس قيادة الثورة في تشرين الثاني ١٩٦٩ واخرج منه عام ١٩٧٠ ، كما اعفي من وزارة الشباب وعين سفيراً في أسبانيا حيث بقي في مدريد للفترة ١٩٧٠-١٩٧١ ، ثم جرى تعيينه وزيراً للاعلام واعفي من المنصب أواسط ايار ١٩٧٢ وعين عضواً في مكتب الشوون التربوية التابع لمجلس قيادة الثورة. حين كان وزيراً للثقافة والاعلام أسس داراً لثقافة الأطفال التي اصدرت مجلة مجلتي وانشأ دار الأزياء العراقية وامر بتشكيل الفرقة القومية للفنون الشعبية. . كان رئيس اتحاد أدباء العراق والامين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب ورئيس تحرير أفاق عربية. وكتب عنه أيضاً جليل العطية في كتابه “فندق السعادة” “عندما تسلل صدام الى رئاسة الجمهورية عام ١٩٧٩ كان الكمالي ضمن لائحة التصفية ، ونجا بأعجوبة من أكبر مجزرة علنية شهدها العراق الحديث، وراح ضحيتها بعض قادة الحزب الحاكم. انهار الكمالي ، ووجد نفسه مضطراً لكتابة قصائد مديح ركيكة للرئيس الجديد! وراح المغنون يغنون قصائده في تمجيد صدام ، مما أثار استهجان واستغراب محبيه ومقدري مكانته الأجتماعية. في هذه الفترة انزوى لادارة دار أفاق عربية وبدأت أعراض الضغط والسكر والقلب تؤثر فيه ووجد صعوبة بالغة في ترك التدخين – بناء على نصائح الأطباء- وكان يتألم لكل ما يجري داخل العراق بينما لايزال يحمل منصباً حزبياً هو : العضو الاحتياط للقيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي! التقيت بصديقي العتيق شفيق في الكويت أثناء أحدى زياراته لها ، انفردت به في مقهى تطل على البحر، وكنت كعادتي احتفظ بقصاصات مما نشره في تلك الفترة المحزنة.

سألته :- لماذا أبا يعرب تكتب خلافاً لرأيك الحقيقي في صدام وتقول في قصيدة محجلة تلقيها بنفسك في تلفزيون بغداد ، “رأيت الله في عينيك” ؟ سقطت الدموع من عينيه ونفث سيجارة- رغم المنع الطبي الشديد واعترف لي قائلاً :- أسمي على لائحة التصفيات، ولم يبق سوى تحديد موعد التنفيذ ، وانت تعرف حقده علي وعلى أمثالي ممن يعرفون ماضيه. قلت له: أنت ألان خارج العراق، أبق حيث أنت يمكنك العيش أجابني بحزن عميق:واسرتي؟… لقد فكرت كثيراً بالابتعاد ، ولكنني أعرف أنه سيبيد عائلتي كلها..”. ويكمل فخري قدوري ” أدرك شفيق قبل رحيله بسنوات أن الحكم بات يناصبه العداء لارائه وانتقاداته المريرة ، لكن لم يكن من بد سوى الأذعان لانحسار دوره في الحزب والدولة خشية مما هو أعظم، في أخر لقاء جمعني به في داره ببغداد يوم ٢٩ حزيران ١٩٨٢ تحدث عن سياسات الحكم الطوباوية بقلب مليء بالاسى وعينين تراقبان أياماً سوداء أتية قال لي : يا فخري لقد نفد الصبر ولم يعد لي ألا تجنب ما يحاك لي في الظلام ، ولم يعد يهم حتى العمل بالبقالة في عمان بضمير مرتاح! وفي ختام حديثه ألح علي بعدم العودة الى بغداد ، دفعاً لما قد يدبر ضدي أنا الأخر من مكائد. كان شفيق يعلم “أن صدام لا ينظر الى الرفاق الذين سبقوه انتماء الى الحزب ويحظون بمكانة أجتماعية بعين الرضا، فاستخدم شعره ، في اطراء صدام والنظام لكن هذا لم يجده في شيء فدفع الثمن الباهظ الذي دفعه غالياً السابقون والذين لحقوا به”. ففي “أوائل شهر تموز ١٩٨٣ ألقت أجهزة الأمن العراقية القبض أولاً على نجله الأكبر يعرب- الطالب في كلية العلوم جامعة بغداد- أمام منزله واقتادوه الى سيارة أمن كانت تنتظر . وعلم ابنه أثناء التحقيق والتعذيب أن السبب يكمن في شريط مسجل له مع احدهم خلال تبادل دعابات ساخرة بالسلطة وبعض رموزها. قبع الأبن في أقبية اجهزة الأمن اسابيع دون أن يتمكن والده فعل شيء ، فقد كان الأخر مغضوباً عليه من قبل صدام ومراقباً من قبل أجهزة الأمن والمخابرات. وبعد مضي نحو شهر اضطر الأبن ، تحت تأثير التعذيب ، للاعتراف بان كل ما ردده في الشريط المسجل كان مقتبساً من والده ونحو الساعة الثالثة بعد ظهر أول أيام شهر أب ١٩٨٣ توجهت أجهزة المخابرات الى دار شفيق بهدف القاء القبض عليه. وحين لم يجدوه اقتادوا زوجته وجميع من كان في المنزل أنذاك الى أحدى السيارات الأربع أمام الدار. في ذلك الوقت كان شفيق مايزال في مدينة الموصل ، ويبدو أن المخابرات خشيت افلاته من قبضتها ، فرددت اشاعة حول نيته الهرب الى سوريا. جيء بشفيق الى المخابرات في بغداد عند الساعة الحادية عشرة والنصف مساء. وفي منتصف الليل أخلت المخابرات سبيل الزوجة والمحتجزات الأخريات وتركتهن أمام البناية في حيرة … منعتها المخابرات من العودة الى منزلها نتيجة قرار بحجزه وبقية املاكه الأخرى. من المفارقات التي يصعب على الأنسان استيعابها أنه فيما كان النشيد الوطني العراقي (وطن مد على الافق جناحا..) يذاع صباح مساء وتردده ملايين الحناجر كل يوم كان مؤلفه شفيق الكمالي يئن من العذاب في المخابرات العراقية. أطلق سراحه بعد ثلاثة شهور واضطر بعد ذلك الى المكوث في منزله لا يبارحه ، بعد أن منع من ممارسة نشاطه الأعلامي ، وشطبت عضويته في المجلس الوطني لغيابه ثلاثة شهور بدون عذر مشروع ! كما ورد حرفياً في قرار الشطب ، وهي الفترة التي امضاها في المخابرات مكرهاً. وحتى تكتمل السبحة سحبت منه سيارته التي كان تلقاها من صدام في وقت سابق ، فبات يمضي وقته كئيباً منزوياً في منزله. تعرض بعد أطلاق سراحه الى تغيرات صحية حيث اكتشف الأطباء اصابته بسرطان الدم مؤكدين أنه لن يحيا ألا فترة وجيزة . أسر الى زوجته تلقيه حقنة أثناء وجوده في المخابرات على أساس مساعدتها في خفض ضغط الدم الذي كان يعاني منه وظلت هذه الحقنة محل تساؤل الجميع بعد مغادرته المعتقل ثم وفاته بعد فترة قصيرة والاحتمال انه مات مسموما


الهامش