رمضان أغا
رمضان أغا (ت. 10 سبتمبر 1661)، هو ثاني أغوات الجزائر، حكم من عام 1660 حتى 1661. أغوات الجزائر هما قادة عسكريون من الإنكشارية، حكموا إيالة الجزائر التابعة للدولة العثمانية بين عامي 1659 و1671. تميزت هذه المرحلة "بحكم الأغوات" (آغا الجبل أو آغا الحرس) الذي أعقب عهد الباشوات، وساد فيها عدم الاستقرار، الاغتيالات السياسية، والفوضى، قبل أن ينتقل الحكم إلى الدايات. وكان الأغا هو أعلى رتبة لأوجاق الإنكشارية، وكان يُطلق عليه اسم "أغا القمرين"، ويرجع ذلك إلى أنه لا يبقى في منصبه لمدة تزيد عن شهرين، لضمان عدم توطيد سلطته.[1] وهو ابن عم الأغا السابق خليل أغا.
عهده

في يوم مقتل خليل أغا، أُسندت الأغوية إلى ابن عمته رمضان البلقباشي، المعرف أيضاً باسم يورك رمضان، الذي حكم لاحقاً باسم رمضان أغا. ولتوطيد سلطته، قام رمضان فور اعتلائه الحكم بتوزيع الأعاطيات على الجنود الإنكشارية، وبذلك استحق في نظرهم لقب بابا رمضان. وفي عهد رمضان، تعاظم نفوذ الأغوات المعزولين، من أعضاء مجلسه، الذين تقاسموا فيما بينهم مختلف المناصب العليا في الدولة؛ وإذ ذاك بدأت تتشكل في ما يمكن تسميتها بالمناصب الوزارية على نفس النحو تقريباً الذي بقيت عليه خلال عصر الدايات. وبينما كان سلفه يمكث تحت رواق قصر الجنينة حيث يجتمع الديوان عادة، كان الأغا الجديد يفضل غالب الأحيان عقد مجلسه حكمه في وسط البادستان، وهي السوق التي كانت تباع فيها الغنائم. ولعل ذلك مؤشراً عن الاهتمام الذي أبداه رمضان أغا منذ الوهلة الأولى فيما يخص نشاط الغزو البحري.[2]
علاقاته الخارجية
مع الباب العالي
لقد أبدى عدد متزايد من الجزائريين، وبالأخص من الأتراك، استياءه مما آلت إليه العلاقات مع الدولة العثمانية من قطيعة وحصار؛ ولذا، حاول رمضان أغا إعادة الأمور إلى نصابها مع الباب العالي، وقام بإرسال وفد آخر خلال شتاء 1661 لطلب الشفاعة من السلطان ولتجديد الولاء له. ولما حظي أعضاء هذا الوفد بمقابلة السلطان، اشتكوا له وضع البلاد وأقروا: "لو أرسلت لنا كلباً لقبلناه باشا علينا"؛ ولكن الأمر كله كان بيد محمد پاشا كوپريلي الذي لم يسمع لهم ولم يقبل استشفاعهم. وهكذا، لم يملك الوفد الجزائري من خيار سوى الانتظار بصبر أن يلين موقف الصدر الأعظم.
مع فرنسا
من جهة أخرى، كانت طائفة الرياس عموماً غير راضية عن سياسة المسالمة التي انتهجها خليل أغا خاصة بعد حملة الفرنسيين الأخيرة على الجزائر. إلا أن رمضان أغا استطاع كبح جماح الرياس سعياً منه إلى تسوية مشكلة الباستيون وتطبيع العلاقات مع فرنسا. في بداية 1661، أوفد الوزير مازران إلى الجزائر أحد مقربيه، پيير دي رومينياك، لإرجاع باقي الأسرى الجزائريين الذين بيعوا في ليفورنة، والتفاوض بشأن إعادة فتح المنشآت التجارية الفرنسية. وبعد مفاوضات دامت شهر تقريباً، توصل دي رومينياك إلى عقد اتفاق مع السلطات الجزائرية. غير أن الملك لويس الرابع عشر رفض المصادقة على هذه المعاهدة، لأنه "كانت لديه نوايا أخرى ضد الجزائر". وكانت هذه النوايا عدائية محضة تنم بالدرجة الأولى عن الروح الصليبية التي هبت على أوروپا المسيحية آنذاك في إطار الحرب ضد العثمانيين في المشرق وضد "القراصنة البربر" في المغرب.
لم تحقق حملة الفارس پول الثانية التي استمرت من مارس إلى سبتمبر أي نتيجة تذكر. وذلك في حين كان النائب الرسولي فيليپ لو ڤاشيه يلح من الجزائر على قدوم عمارة حتى ميناء المدينة لتعطي الجزائريين "فكرة عن عظمة الملك ومآربه". لكن لم يسمح عدد القطع البحرية الملكية في ذلك الوقت ببلوغ مستوى طموحات الملك، لذا تمثل الجهد الحربي حيال الجزائر بشكل أساسي في تصعيد عمليات القرصنة التي كان يقودها الفرسان الفرنسيون المنتسبون إلى فرسان مالطة، حيث قام هؤلاء بقيادة الفارس دي فالبل بمهاجمة السواحل، وأسر حوالي خمسمائة شخص، أما الكونت دي ڤيرو فقد كمن في شهر مايو بإحدى الخلجان الصغيرة القريبة من الجزائر، وتمكن من الاستلاء على مركب كان على متنه عدد من أعيان المدينة.
وعلى إثر هذا الحدث، أمر رمضان أغا ببناء برج رأس تافورة الاستراتيجي قرب باب عزون وبرج أصغر بمرسى الذبان، كما قام في وقت لاحق بترميم برج تامنفوست الذي يشرف على خليج الجزائر من جهة بغية تعزيز دفاعات المدينة. لم يبقى الرياس الجزائريون مكتوفي الأيدي أمام هذه الهجمات المتكررة، بل قاموا بالخروج في شهر يوليو في عمارة أغارت بقوة على المناطق القريبة من مارسيليا، وغنمت الكثير من الأسرى. وإزاء ذلك، اتجه رد الفعل الفرنسي إلى التخطيط لحملة عسكرية كبيرة بقصد احتلال موقع ساحلي بين بجاية وطبرقة، تم تكليف المهندس العسكري دي كالرڤيل بمهمة التعرف على أمثل نقطة لموطئ قدم دائم.
إنگلترة
وفيما يخص الطرف الإنگليزي، فإن الديوان ضاق ذرعاً من طول المداولات التي بدأت نهاية السنة الماضية؛ لذلك، استدعى رمضان أغا القنصل براوني وأخبره أنه، في انتظار التوصل إلى اتفاق بين البلدين، سيسمح للرياس بتفتيش جميع السفن التجارية بما فيها الإنگليزية وإحضار تلك التي تنقل ركاب أو بضائع دول معادية. وبالفعل، ففي ظرف بضعة أسابيع، قام الجزائريون بجلب خمسة سفن إنگليزية، ثلاثة منها كانت تحمل جنوداً فرنسيين إلى الپرتغال. وقد بلغ عدد السفن التي اقتيدت إلى الجزائر، خلال خريف 1660 وحده، حوالي إثنا عشر سفينة إنگليزية، تسعة هولندية، وإثنى عشر فرنسية أو إيطالية. هذا التجدد في النشاط البحري جعل أحد الأوروپيين المعاصرين يقول عن الجزائر أن "بالرغم من كونها مدينة واحدة"، فقد كانت في حرب مع العالم أجمع. وفي ظل هذه الظروف، أذعن القنصل الإنگليزي لمطالب الجزائريين في المعاهدة التي أبرمها في ديسمبر 1660. إلا أن هذه المعاهدة رفضت لندن المصادقة عليها كونها أقرت بحق تفتيش حمولات السفن ومصادرة الأملاك المشحونة العائدة لأعداء، وذلك على رغم تعهد الجزائريين بدفع ضعف أجرة شحن السلع المصادرة كتعويض للقباطنة الإنگليز.
وللضغط على الجزائريين وحملهم على التراجع، قررت إنگلترا إرسال قوة بحرية بقيادة الأميرال إدوارد مونتاگو، كونت دي ساندوتش إلى المنطقة وفاتحت هولندا بفكرة القيام بعمل مشترك؛ لكن الهولنديين لن يستجيبوا لتلك المبادرة. رسى الأسطول الإنگليزي المؤلف من حوالي عشرين سفينة كبيرة في الأيام الأخيرة من يوليو 1661 قبالة خليج الجزائر. وبعث مونتاگو موفده إلى البحر بعلم الأغا والديوان بعدم قبول الملك شارل الثاني لمعاهدة الصلح وبضرورة إعادة النظر في بعض بنودها. لكن المداولات التي استمرت أياماً وصلت إلى طريق مسدود، بسبب تمسك رمضان أغا بنص المعاهدة الأخيرة. عندها قرر الأميرال قصف المدينة معلناً الحرب، فردت عليه مدفعية الأبراج بشدة واضطرته إلى الانسحاب بعد أن تضرر عدد من قطع أسطوله. وترك الأميرال مونتاگو وراءه عمارة بيد نائبه، السير لاوسون، ليواصل بها الحرب ضد الجزائريين، وقفل راجعاً إلى بلاده.
مع الأقاليم المتحدة
في صيف 1661، أرسلت الأقاليم المتحدة الأميرال ميخيل دى رويتر مرة أخرى إلى الحوض الغربي للمتوسط في مهمة مماثلة للتي أُوكل بها مونتاگو. وعندما بلغ دى رويتر ميناء قادس الإسپاني مع نهاية أغسطس 1660، صادف هناك وجود الأسطول الإنگليزي المتضرر العائد من الجزائر. ولم يحفز ذلك الأميرال الهولندي على المضي قدماً، بل قرر التموقع بسفنه الثماني عشر في مضيق جبل طارق. فقد كانت نيته اعتراض أكبر عدد ممكن من سفن القرصنة الجزائرية، ومن ثم التوجه إلى الجزائر وهو في موضع قوة. لكن بالمقارنة مع حملة 1655، كانت الحصيلة مخيبة فعلاً: سفينتين فقط مع ما مجموعه 180 أسير بيع معظمهم، رغم تعليماته في مايورقة.
الأوضاع الداخلية
وهكذا، نرى أن في عهد رمضان أغا، انضمت إلى سرب الدول المعادية للجزائر كل من فرنسا وإنگلترة، وأصبحت الإيالة في موقع حرج كانت في غني عنه بالنظر إلى الأوضاع الداخلية العصيبة التي كانت تمر بها. فقد عرف عام 1661، بالموازاة مع تواصل ثورات بايليك الشرق، بداية جفاف شديد شمل جميع مناطق البلاد. وهذا القحط الذي دام نحو سنتين، أتى على قسم كبير من المحاصيل والمواشي، مؤدياً بذلك إلى انتشار مجاعة مروعة. كان تمحصلة الجفاف والمجاعة والاضطرابات التي ترافهما دوماً حدوث تراجع ذريع في النشاطات الاقتصادية للإيالة، ترتب عنه نضوب الموارد الجبائية التي كانت القسم الأكبر منها عبارة عن ضرائب عينية. وهذا ما دفع رمضان أغا بحكم الضرورة إلى تشجيع الغزو البحري لأقصى حد، عله يعوض بإيراداته جزء من العجز المالي. ولما ساؤت الأمور أكثر، لم يجد رمضان أغا بدأً هو وأعضاء مجلسه من التحكم بسوق البادستان، حيث كانوا يشترون الغنائم بأسعار جد منخفضة. وهذا ما أثار حنق أفراد طائفة الريس والإنكشارية المساهمين معهم على السواء الذين رأوا في تصرفات الطغمة الحاكمة عبئاً لهم في حقهم، فأضمروا لهم السوء.
مقتله
ولهذا السبب، ثار الإنكشارية ضد رمضان أغا، وقتلوه مع مقربيه في وسط البادستان، في 10 سبتمبر 1661. وحسب رواية إمانويل دارندا فإن رمضان أغا "ذُبح هو و28 شخصاً من مجلسه، ورميت جثتهم في الأزقة للكلاب، وذلك لأنه تملك بواسطة أفراد من مجلسه قسماً من غنيمة قمح أكبر من الحق الذي يتعين له. في حين اضطر باقي أعضاء مجلسه إلى النجاة بأنفسهم إلى المرسى، حيث استولوا بالقوة على قارب صيد، ابتعدوا به عن البر، وعن هيجان الجنود الصاخبين، ليقعوا في قبضة المالطيين".
انظر أيضاً
المصادر
- ^ الجزائر في عهد الأغوات (1659-1671)، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث، جامعة الجزائر، إعداد محرز أمين، إشراف د. عائشة غطاس، 2007-2008.
- ^ الجزائر في عهد الأغوات (1659-1671)، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث، جامعة الجزائر، إعداد محرز أمين، إشراف د. عائشة غطاس، 2007-2008.
| سبقه خليل أغا |
أغا الجزائر 1660-1661 |
تبعه شعبان أغا |