خليل أغا
خليل أغا (ت. أكتوبر 1660، هو أول أغوات الجزائر، حكم من عام 1659 حتى 1660. أغوات الجزائر هما قادة عسكريون من الإنكشارية، حكموا إيالة الجزائر التابعة للدولة العثمانية بين عامي 1659 و1671. تميزت هذه المرحلة "بحكم الأغوات" (آغا الجبل أو آغا الحرس) الذي أعقب عهد الباشوات، وساد فيها عدم الاستقرار، الاغتيالات السياسية، والفوضى، قبل أن ينتقل الحكم إلى الدايات. وكان الأغا هو أعلى رتبة لأوجاق الإنكشارية، وكان يُطلق عليه اسم "أغا القمرين"، ويرجع ذلك إلى أنه لا يبقى في منصبه لمدة تزيد عن شهرين، لضمان عدم توطيد سلطته.[1]
عهده

كان خليل البلقباشي، الذي حكم الجزائر لاحقاً باسم خليل أغا، واحداً من أبرز أعضاء الديوان الخاص ومن أكثرهم نفوذاً؛ ولقد أُسند إليه منصب الأغا رسميأً في يوليو 1659، وعين الديوان لتصريف شؤون الحكم هيئة ذات سلطات استشارية وتنفيذية مكونة من 24 معزول أغا يرأسها الحاكم الجديد، والمرجح أنها حلت محل الديوان الخاص الذي لم يعد قائماً في شكله المعهود بعد الانتقال إلى نظام الأغوات؛ ووضعت هذه الإدارة الجديدة تحت رقابة أعضاء الديوان العام. استهل خليل أغا حكمه باتخاذ تدابير من شأنها تنظيم مالية الدولة، إلى جانب توفير موارد إضافية للخزينة، حيث قام بناء على عرائض من ممثلي التجار المحليين والأجانب بإلغاء جميع الغرامات المجحفة التي كان يفرضها الولاة عليهم، وأكثر من ذلك، خفض نسبة التعريفات الجمركية في سعيه لتفعيل حركة التجارة. كما أولى عناية خاصة بمسألة الجباية، وتجلى ذلك في المتابعة الصارمة التي فرضت على الملتزمين، وفي استبدال عدد من القادة المشكوك في نزاهتهم بآخرين من صف الأغوات المعزولين.
وقد استطاع خليل أغا بفضل حسن تدبيره دفع أجور الجنود الإنكشارية كاملة، وفي وقتها المحدد، بل وحصل فائضاً أودع في الخزينة، وهذا ما جعل الإنشكارية تحترمه وتنظر إليه بعين الرضى، حتى أنها درجت على تلقيبه "بابا خليل".
علاقاته الخارجية
الباب العالي
فور وصول علي پاشا إلى إزمير، قدّم تقريراً عماً رآه وطلب الإذن من قاضيها لإبلاغ إسطنبول بذلك. استشاط الصدر الأعظم محمد پاشا كوپريلي غضباً من انتفاضة الجزائر، معتبراً إياها عصياناً للسلطان العثماني. وبسبب غضبه الشديد، استدعى علي پاشا إلى إسطنبول وأمر بإعدامه. في تلك الأثناء، أرسل ديوان الجزائر وفداً محملاً بالهدايا إلى الباب العالي لطلب پاشا آخر، لكن الصدر الأعظم العثماني رفض استقبال الوفد وأصدر مرسوماً إلى الجزائريين يحذرهم فيه بالرسالة التالية: "وأخيراً، لن نرسل إليكم والياً. بايعوا من شئتم. السلطان ليس بحاجة إلى طاعتكم. لدينا آلاف الممالك مثل الجزائر، سواء كانت مملكة واحدة أو لا شيء. وإذا اقتربتم من الأراضي العثمانية، فلن ترضوا." بعد ذلك، أصدر الصدر الأعظم مرسوماً آخر إلى موانئ جميع السواحل العثمانية، وكذلك إلى إيالتي مصر وشريف مكة، يطلب منهم منع الجزائريين من أداء فريضة الحج، وعدم بيع الأسلحة لهم، ومنعهم من الاقتراب من السواحل العثمانية. ويترتب على ذلك تعطيل موسم الحج والتجارة إلى الشرق، وما قد يترتب عليه من استياء محتمل لدى السلطات الدينية والسكان المحليين، فضلاً عن توقف عملية التجنيد الحيوية لجيش الأوجاق، مما يهدد وجوده.
وقع الجزائريون في حيرة من أمرهم، فقد أظهرت هذه القرارات غير المتوقعة حاكمهم الجديد خليل أغا بمظهر المتمرد على السلطان، وذلك في حين ظل وفدهم قرابة عام كامل في إزمير دون أن يُسمح له بمقابلة الصدر الأعظم. وكمخرج مؤقت من المأزق، عمد الأغا والديوان إلى إخراج إبراهيم باشا من السجن، وأعادوه إلى منصبه بشرط أن لا يتدخل في أمور السياسة مطلقاً.
مع فرنسا
على الصعيد الأوروپي، سممت مشكلة الباستيون العلاقات بين الجزائر وفرنسا. لكن خليل أغا سمح مع ذلك للمقيمين الفرنسيين بمزاولة أنشطتهم التجارية بكل حرية وأمر طائفة الريس بعدم التعرض لسفنهم، بعد حصوله على ضمانات من حكام مارسيليا بخصوص إرجاع الأسرى الجزائريين. وهذا يدل بقدر كافي على أن "السلطات الجزائرية لم تكن لديها رغبة أكبر من العيش في سلم مع الفرنسيين". في نهاية يونيو 1659، جاءت بعثة مارسيليا يقودها لوي كامپون ، الذي فوضه ملك فرنسا ليكون الحاكم الجديد للباستيون؛ ورغم أنه حمل معه نحو خمسين جزائرياً ممن خطفهم پيكه، إلا أن الديوان رفض إقراره في منصبه حتى يعاد باقي الأسرى الذين بيعوا في ليفورنة وتُستوفى بالإضافة لذلك كامل ديون الباستيين.
في ذلك الوقت، كانت العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا تمر بفترة من الفتور بسبب المساعدات التي بذلتها فرنسا للبندقية في حرب كريت. واستاء البلاط الفرنسي كثيراً من المعاملة السيئة التي عومل بها السفير دي لاهي ونجله، وتجسد هذا الستياء في الإعداد لتحركات عدائية ضد "الدولة البربرية"، وهو الاسم الذي كان الأوروپيون يطلقونه على الإيالات العثمانية الثلاث في شمال أفريقيا، الجزائر وتونس وطرابلس. كان أبراهام دوكين قد اقترح على الوزير مازران في أكتوبر 1659 تنظيم حصار بحري ضد الجزائر، تونس، وطرابلس. وفي فبراير 1660 توجه الملك لويس الرابع عشر إلى طولون، حيث أبدى استحسانه لمشروع حملة أعده الفارس پول. وليس من المستبعد أن لويس الرابع عشر، خلال مقامه في طولون، استحث فرسان مالطة الذين كانت أغلبيتهم من الفرنسيين على مهاجمة القراصنة البربر؛ فالملاحظ أنه منذ ذلك الوقت تحديداً كثف الفرسان من نشاطهم ضد طائفة الريس. وعلى إثر الخسائر التي كبدها الفرنسيون تحت غطاء فرسان مالطة للجزائريين قرب سواحل فرنسا وإسپانيا، أضحت السفن الجزائرية تتفادى الخروج إلى البحر منفردة كما عُنف القنصل الفرنسي بارو في مجلس الديوان.
وبحلول صيف 1660، كلف الفارس پول، على رأس خمسة عشر سفينة، بمهمة القيام بحملة ضد "أوكار القراصنة" في شمال أفريقيا للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين. وبعد مروره بطرابلس ثم حلق الوادي في يوليو، حيث استجيب لمجمل مطالبه، اقترب پول من سواحل الجزائر في الأيام الأخيرة من أغسطس. ولقد حاول الهجوم بغتة على ميناء الجزائر وإضرام النار في السفن الراسية فيه، لكن الجزائريين كانوا على علم مسبق بقدوم العمارة الفرنسية واتخذوا كامل احتياطاتهم. لذا، قفل الفارس پول راجعاً إلى طولون دون أن يحقق مرماه.
إنگلترة
أما بخصوص إنگلترة، فإن تمويه أعلام السفن لصالح دول أجنبية الذي مارسته إدارة كرومويل على نطاق واسع، أثار سخط طائفة الريس ودفع الديوان إلى توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى حاكم إنگلترة المذكور. ولقد اشتكى القنصل براوني من تهديدات الجزائريين له وما أبدوه من "تصرف فظ وصارم" تجاه رعاياه. وفي نهاية 1659، تفادياً لحدوث قطيعة بين البلدين، أصدرت تعليمات إلى اللورد وينشلسي، سفير إنگلترة الجديد لدى إسطنبول، ليعرج إلى الجزائر تمهيداً لعقد معاهدة سلام. لكن المحادثات لم تسفر عن نتيجة تُذكر. فقد طالب خليل أغا بأن تفتح الموانئ الإنگليزية للسفن الجزائرية، والأهم أن يُسمح للرياس بتفتيش حمولات السفن التجارية الإنگليزية. وبناء على ذلك، كان الجزائريون يسعون إلى ضمان حياد تام لإنگلترة في الحرب طويلة الأمد التي كانوا يخوضونها ضد الإمبراطورية الإسبانية، عدوتهم اللدود.
وقبل ذهابه، أذن وينشلسي للقنصل الإنگليزي بمواصلة المحادثات، ونصحه بإلهاء الجزائريين "بمواعد كاذبة لتركهم يأملون ختاماً [مناسباً]". وهكذا استمرت المحادثات عدة شهور بدون جدوى.
مع الأقاليم المتحدة
أما الأقاليم المتحدة فكانت في حالة حرب مع الجزائر منذ حملة الأميرال دي رويتر عام 1655. وخلال الفترة 1656-1661، تمكن الرياس من مطاردة وأسر خمسة وثلاثين سفينة تجارية هولندية؛ لكنهم تكبدوا أيضاً من جهتهم خسائر ليست بقليلة. ففي 1660، فقد الجزائريون في مضيق جبل طارق ثلاثة سفن كبيرة كان على متنها نحو 900 رجل، ضبطوا من طرف قائد العمارة يان فان كامپ.
الأوضاع الداخلية
لم تكن الأحوال على الصعيد الداخلي بأحسن منها على الصعيد الخارجي. وقد تميزت خاصة بعودة الاضطرابات بشرق البلاد، حيث امتنعت العديد من القبائل في بايليك قسنطينة عن دفع الضرائب بحجة أن تخريب الباستيون من طرف توماس پيكه حرمها من الدخل الذي كانت تجنيه من التجارة مع الفرنسيين. وفي بلاد القبائل، وسع أمير كوكو أحمد بن أحمد المدعو بختوش نفوذه إنطلاقاً من تامغوت، وتمكن من بسط سلطته على عدد من المناطق الساحلية بين بجاية وأعالي سباو؛ وللتصدي له اعتمد العثمانيون على زعيم قبيلة قشتولة، الشيخ قاسم بن محمد، في غرب جرجرة. وبالرغم من كل هذه المتاعب، فقد تمكن خليل أغا بفضل إدارة المالية المحسنة من جعل الديوان يُجدد عهدته عامأً آخر.
مقتله
أُغتيل خليل أغا في بداية أكتوبر 1660، ويذكر صاحب "مرآة الصدقة المسيحية" بهذا الصدد أن الحاكم "قُتل مع نهاية الصيف في زقاق بمدينة الجزائر على يد قاتلين وُضعا ليترصداه من طرف بعض الكبراء في الدولة، الذين استصدر خليل أغا أمراً مجحفاً في حقهم باسم الديوان".
انظر أيضاً
المصادر
- ^ الجزائر في عهد الأغوات (1659-1671)، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث، جامعة الجزائر، إعداد محرز أمين، إشراف د. عائشة غطاس، 2007-2008.
| سبقه عهد الباشوات |
أغا الجزائر 1659-1660 |
تبعه رمضان أغا |