ثقافة

التعبير الرمزي الإنساني تطور بوصول إنسان ما قبل التاريخ إلى الحداثة السلوكية.
الدين والفن من الجوانب الهامة في الثقافة الإنسانية.
الاحتفالات، الطقوس، وأنماط الاستهلاك هي جوانب هامة من الثقافة الشعبية.
يختلف التنظيم الاجتماعي والسياسي من ثقافة لأخرى.
التقنيات، مثل الكتابة، تسمح بدرجة عالية من التركيب الثقافي.

الثقافة Culture ( /ˈkʌlər/)، من أكثر المصطلحات استخداما في الحياة العربية المعاصرة، لكنه من أكثر المصطلحات صعوبة على التعريف ففي حين يشير المصدر اللغوي والمفهوم المتبادر للذهن والمنتشر بين الناس إلى حالة الفرد العلمية الرفيعة المستوى، فإن استخدام هذا المصطلح كمقابل لمصطلح (Culture) في اللغات الأوروبية تجعله يقابل حالة اجتماعية شعبية اكثر منها حالة فردية، فوفق المعنى الغربي للثقافة: تكون الثقافة مجموعة العادات والقيم والتقاليد التي تعيش وفقها جماعة أو مجتمع بشري، بغض النظر عن مدى تطور العلوم لديه أو مستوى حضارته وعمرانه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أصل الكلمة

الثقافة في اللغة العربية أساسا هي الحذق والتمكن، وثقف الرمح أي قومّه وسواه، ويستعار بها للبشر فيكون الشخص مهذباً ومتعلماً ومتمكناَ من العلوم والفنون والآداب، فالثقافة هي إدراك الفرد و المجتمع للعلوم و المعرفة في شتى مجالات الحياة؛ فكلما زاد نشاط الفرد ومطالعته واكتسابه الخبرة في الحياة زاد معدل الوعي الثقافي لديه، وأصبح عنصراً بناءً في المجتمع.

وكان أول من استعمل مصطلح ثقافة ليقابل به لفظة culture في العصر الحديث هو سلامة موسى1.

ويستخدم مصطلح الثقافة وفق المفهوم الغربي للإشارة إلى ثقافة المجتمعات الإنسانية، وهي طريقة حياة تميّز كل مجموعة بشرية عن مجموعة أخرى. والثقافة يتم تعليمها ونقلها من جيل إلى آخر؛ ويقصد بذلك مجموعة من الأشياء المرتبطة بنخبة ذلك المجتمع أو المتأصلة بين أفراد ذلك المجتمع، ومن ذلك الموسيقى، الفنون الشعبية، التقاليد المحببة، بحيث تصبح قيما تتوارثها الأجيال ومثال ذلك الكرم عند العرب، الدقة عند الأوروبيين، أو رقصات أو مظاهر سلوكية أو مراسم تعبدية أو طرق في الزواج .

استعملت أيضاً كلمة «ثقافة» في اللغات الأوربية لاسيما الألمانية، وفي الأدبيات الأمريكية مرادفاً لكلمة «حضارة» civilization، لانطواء مفهومها على معنيين اثنين: أحدهما ذاتي هو ثقافة العقل، وثانيهما موضوعي هو مجموع العادات والأوضاع الاجتماعية والآثار الفكرية والمنجزات الفنية والعلمية والتقنية وأنماط التفكير والقيم السائدة، أي كل ما يتداوله الناس في حياتهم الاجتماعية من مكتسبات تُحصّل بالتناقل والتعلم. أما في اللغة العربية، فهناك تمييز واضح بين كلمة «حضارة» التي تدل على جملة المنجزات والمكتسبات الإنسانية في كافة الميادين، وكلمة «ثقافة» التي تعني مظاهر التقدم الفكري والعقلي، وبهذا المعنى يقال الثقافة اليونانية، والثقافة العربية، والثقافة اللاتينية، والثقافة الحديثة. كما يقال امتزاج الثقافات كالثقافة الهلنستية، والنشاط الثقافي، والعلاقات الثقافية أو التبادل الثقافي (التثاقف بأشكاله المتعددة: التمثيل أو التكامل أو التوفيق)، وحتى التخلف الثقافي. وانطلاقاً من هذا المفهوم للثقافة حصراً ينتفي معناها كصورة إجمالية لحضارة مجتمع معين، أو كمرادف لها، بل يصبح دالاً على التقدم في مستوى الرقي. ومن شروط الثقافة العلم، والملائمة بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبين المجتمع، وبينه وبين القيم الروحية والإنسانية.

ويفيد تاريخ الفهم الفلسفي للثقافة أن السفسطائيين اليونانيين ميزوا بين الإنسان في حالته الطبيعية الفطرية وبين وضعه الثقافي المكتسب بواسطة الاتصال الاجتماعي والتربية. كذلك عرف شيشرون الفلسفة بأنها «تثقيف الفكر».

أما في عصر النهضة فقد اقتصر مفهوم الثقافة على دلالاته الفنية والأدبية، وبخاصة في الدراسات المتعلقة بالتربية والإبداع، فعمد فلاسفة القرن السابع عشر إلى تطبيق المناهج العلمية في دراسة المسائل الإنسانية ضمن مجال الثقافة. فاعتمد فرنسيس بيكون صورة التثمير الزراعي للدلالة على هدف الفلسفة من عملية التثقيف. واستخدم توماس هوبز كلمة تثقيف بمعنى العمل الذي يبذله الإنسان بهدف التطوير، مقارناً بين التثقيف المادي والتثقيف النفسي كالنشاط التربوي مثلاً أو التعمق في المسائل الإيمانية.

وعالج الفلاسفة الألمان في القرنين التاسع عشر والعشرين، طبيعة الثقافة وطبيعة الحياة الروحية، واهتموا بالعلاقة بين «العلوم الثقافية» والعلوم الطبيعية. وبنى هيگل والفلاسفة الرومانسيون أمثال: نيتشه ودلتاي وفيندلباند وريكرت وسيميل، الخطوط العريضة للتفكير الفلسفي والاجتماعي على القيم المتجسدة في الإنتاجات الثقافية، وعلى طبيعة القيم الثقافية، وعلى التفاعل بين الذاتي والموضوعي ضمن عملية تحول الثقافات.

وخلافاً للنظريات المثالية التي تنكر الأسس المادية للثقافة وتعدها النتاج الروحي للصفوة، ميزت الماركسية اللينينية بين الثقافة المادية (نظام الحياة المادية للمجتمع) والثقافة الروحية (نظام المعاني والقيم في المجتمع، أي المنجزات في مجال العلم والفن والدين والأدب والفلسفة والأخلاق والتربية وغيرها)، فجعلت الأولى (الثقافة المادية) أساس الثقافة الروحية ومصدرها. وخصت لفظ «ثقافة» بالثقافة الروحية؛ و«حضارة» بالثقافة المادية. ووجدت الماركسية أن للثقافة طابعاً طبقياً سواء فيما يتعلق بمضمونها الإيديولوجي، أو وظيفتها الاجتماعية وأهدافها العميقة. لهذا تنقسم الثقافة الوطنية، في ظل الرأسمالية مثلاً، إلى ثقافتين: الثقافة المسيطرة وهي الثقافة البرجوازية، والثقافة الاشتراكية للجماهير المقهورة.

كما قصر ماكس ڤبر مفهوم الثقافة على مجال المعاني والقيم، وعد الحضارة نتاجاً للتقدم العلمي والتقني، فهي تراكمية تعزى أساساً للطبيعة أكثر من عزوها للإنسان، في حين أن الثقافة على عكس ذلك هي المعاني والقيم التي يضفيها الإنسان عليها، أو أنها التأويل الإنساني في صورة معان وقيم، في الفلسفة والدين والفن، لأغراض الحياة والمجتمع.

كما انطلق بعض المفكرين الإنكليز في المسائل السياسية والدينية لينظروا إلى الثقافة من زاوية تطبيقاتها العملية. فعرّف ماثيو أرنولد الثقافة بأنها «عملية تراق نحو الكمال الإنساني تتم بتمثل أفضل الأفكار التي عرفها العالم، وبتطوير الخصائص الإنسانية المميزة».

أما علماء الأنثروبولوجيا، الأمريكيون خاصة، فإنهم يرون أن الثقافة أوسع من الحضارة، لأن الثقافة هي نمط أو طريقة الحياة في مجتمع ما، تشمل كل أنماط السلوك التي يعبر بها الإنسان عن نفسه والتي يشاركه بها الآخرون. فهي تشمل الأدب والفن والديانات والميثولوجيات والأخلاق أو الآداب القومية والشعبية وكافة مظاهر الحياة الاجتماعية. أما الحضارة في رأيهم فهي إما ثقافة العالم بأسره، أو ثقافة مجتمع كبير نسبياً تدوم لفترة زمنية طويلة، وتتضمن قيام المدن والتنظيمات السياسية والإدارية الواسعة، وتضم التخصص في المهن والأعمال والأدوار الاجتماعية، أي أن لا تكون مجرد ثقافة شعب بدائي فقط (لأنه ليس له حضارة خاصة). فالحضارات هي من صفات المجتمعات المتطورة الحائزة على قسط من العمران والتمدن، فهي تشير إلى شكل متطور من الثقافة. فللهنود الحمر والإسكيمو على سبيل المثال ثقافة لكن ليست لهم حضارة، وإن كانت ثقافة الشعوب مهما كانت بدائية تساهم في التطور الحضاري العام. لهذا كانت الثقافة أوسع من الحضارة، فهي عامة لكل المجتمعات. أما الحضارة فهي خاصة بالمجتمعات الأكثر تطوراً، وهي حصيلة كل الثقافات. والنتيجة أن الحضارة شريحة خاصة من شرائح الثقافة فليست كل الثقافات حضارات في حين أن كل الحضارات ثقافات أو أن الحضارة الواحدة هي التركيب الأعلى لجميع الثقافات.

وتكاد الحضارة بهذا أن تكون عملية تثقيف متواصلة، تتولاها قومية من القوميات الواحدة تلو الأخرى. وفي كل مرحلة تتلخص الحضارة العالمية في ثقافة قومية خاصة. وعندما تؤدي الثقافة دورها تعود لتصبح خاصة بالمجموعة الإنسانية التي أنتجتها. إن الثقافة القومية تستطيع في وقت من الأوقات أن تبلغ القمة فتصبح هي والحضارة صنوين. من هنا يمكن الحديث عن الحضارة الإغريقية والحضارة العربية والحضارة الغربية الحديثة.

وفي القرن العشرين تعرف الثقافة، بأنها حصيلة التفاعل بين الإنسان وبيئته كما هو الحال عند جون ديوي John Dewey، في حين يركز الفلاسفة الوجوديون على العوامل الخلاقة التي تنطوي عليها الثقافة في تخطيها الحتميات الطبيعية. وقد لجأ الأنثروبولوجي كلود ليفي ستراوس إلى مقابلة الثقافة بالطبيعة، باعتبار الطبيعة نظام، والثقافة انعكاس هذا النظام وسيطرة الفكر البشري عليه.

وبالمقابل، هاجم بعض المفكرين الثقافة وعدوها السبب الرئيسي في تعثر الحياة وإحباط النزعات الطبيعية. وأشهر ممثلي حركة الاعتراض على الظاهرة الثقافية والدعوة إلى تحرير الطبيعة من سيطرتها هربرت ماركيوز، الذي لا يرفض الثقافة كثقافة، لأنه يؤمن بأن الثقافة لا تتضاد جوهرياً مع الطبيعة، بل يعترض على تغييبها للطبيعة بشكل متجني وعدائي، فعملية الزجر التي تمارسها الثقافة حيال النوازع الطبيعية تخطئ من حيث أنها تفرض موجبات عبثية، إذ تصف الطبيعة باللاإنسانية والإنسان باللاطبيعي. غير أن الاعتراض على مفهوم الثقافة يعود إلى عصر التنوير، وبخاصة في كتابات جان جاك روسو.


عناصر الثقافة

يرى بعض العلماء أن الثقافة تقسم إلى قسمين رئيسيين:

  • عناصر مادية: وهي تتضمن كل ما ينتجة الانسان من مخترعات حسية.
  • عناصر غير مادية :تتضمن الاعراف والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق، وهي عناصر سلوكية التي يمارسها الفرد خلال حياته.

ولكن الغالبية العظمى ترى ان العناصر الثقافية ثلاثه وعلى رأس هؤلاء العلماء رالف لنتون الذي قسم العناصر الثقافية الى:

- أولا – العموميات او العالميات الثقافية : وهي تلك العناصر من الثقافة التي تشترك فيها الغالبية العظمى من الامة (( عموميات )) او الغالبية العظمى من العالم (( عالميات )) .. و تشمل هذه العناصر المخترعات المادية و الممارسات المعنوية . و هذه العناصر مثل الافكار العامة ، العادات و التقاليد ، النظم ، و الاستجابات العاطفية ، و المخترعات التي تخدم الامه و تميزها عن غيرها و تجعلها متميزة باسلوب حياة معينة و استعمالات للمخترعات التي بين يديها بطريقة خاصة بها . فالزواج من حيث المحتوى او المفهوم يعتبر من العالميات أما من حيث الشكل و الطريقة فيعتبر من العموميات . ثانيا – الخصوصيات او التخصصات الثقافية : هي العناصر التي يشارك بها بعض الافراد المجتمع ، او فئة من المجتمع ولكن ممارسة تلك الفئة من الناس لهذا النوع من الثقافة يعود بالفائدة دوما على المجتمع ككل ، ولا يضر بأحد كما انه ذو فائدة كبيرة للجماعة .. مثال على ذلك ما يقوم به البعض من سلوكيات او مهارات او قدرات تعود بالفادة على الجميع .. و الخصوصيات او التخصصات تقسم الى عدة اقسام منها:

  • الخصوصيات المهنية : هي العناصر الثقافية التي يمارسها اصحاب مهن معينة دون غيرهم (( كلباس الاطباء او الجنود ..الخ )) او اسلوب حياة عمال المناجم ، ام طريقة غناء الصيادين ..الخ .
  • الخصوصيات الطبقية : كتصرفات و لباس و طريقة حياة طبقة معينة من طبقات المجتمع ، أو طريقة حديثهم .
  • الخصوصيات العقائدية : يظهر ذلك في ممارسة الافراد للشعائر الدينية او طريقة الملبس او المأكل او اقامة الطقوس الدينية المختلفة في المناسبات العامة .
  • الخصوصيات العنصرية : فهناك عادات و قيم و طريقة حياة يومية يمارسها جنس معين في مجتمع معين ولا يمارسها جنس اخر في نفس المجتمع و تعود هذه الممارسة للعنصر الذي انحدر منه هؤلاء الافراد .

الأنماط الثقافية

ان العناصر المعيارية لاي ثقافة تاخذ شكل نماذج تمثل انماط السلوك الفردي التي يمارسها اعضاء المجتمع . و تعطى هذه الانماط التماسك و الاستمرارية و الشكل المميز لاسلوب الحياة للناس و المتبنين لها . و للتخطيط الثقافي مظهران متكاملان : سلوك ظاهري ماخوذ بدلالته المميزة و قيم نفسية مفهومة ضمنا . إن هذه القيم الضمنية تؤثر في الاشكال الظاهرية الممارسة . و القيم المختلفة تتضح في اشكال المختلفه و هذا ما يمكن رؤيته مثلا من انماط الزواج بين الامريكين و العرب فاختيار القرين او الطرف الاخر يقوم به الافراد في ثقافة معينه و يفرض من العائلات الاخرى و هكذا.

وفي المجتمعات الاوربية يعتبر تقديم الاشياء الثمينة خلال الخطبة وفي وقت الزواج ثانويا (( و شكليا )) وفي المجتمعات اخرى كالمجتمعات العربية يعتبر اساسية و منظمة و متبعه .

و مع هذا نتعرف على الطريقة الصحيحة في كلا المجتمعين ظاهريا و (( ضمنيا )) و اكثر من هذا يستطيع اعضاء كل من المجتمعين القول بان انماطهم و طريقتهم في الزواج هي الاصح . و هكذا يمكن القول ان النمط الثقافي هو : " انعكاس العناصر المشتركة على السلوك الفردي لهولاء الذين يعيشون في الثقافة التي ولدوا في احضانها.


التغير

نقش من القرن 19 يظهر السكان الأصليين الأستراليين يعارضون وصول الكاپن جيمس كوك عام 1770.


الكشوفات الحديثة المبكرة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الرومانسية الألمانية

دعا يوهان هردر إلى الاهتمام بالثقافات القومية.
طور أدولف باستيان النمط العالمي للثقافة.

الرومانسية الإنگليزية

الشاعر والناقد البريطاني ماثيو أرنولد رأى "الثقافة" كزرع للمثل العليا الإنسانية.
الأنثروپولوجي البريطاني إدوارد تايلور كان واحداً من أوائل الدارسين باللغة الإنگليزية الذين استخدموا مصطلح culture بمعناه الشامل العام.


علم الإنسان

نقوش صخرية في گبوستان، فيما هو اليوم أذربيجان، وتعود إلى سنة 10,000 ق.م. وتدل على ثقافة مزدهرة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

علم الاجتماع


الباحثون المبكرون وتطور علم الاجتماع الثقافي

الدراسات الثقافية

الديناميكا الثقافية

الثقافة والحضارة والمدنية

لا توجد في الحقيقة حدود فاصلة وحاسمة بين مفهوم الثقافة ومفهومي الحضارة والمدنية في اللغات الأوربية الحديثة، فمعانيها متقاربة وكثيراً ما تستخدم كلمة حضارة بمعنى مدنية أو ثقافة وبالعكس. وقد درج الكتّاب والمؤلفون على استخدام هذه المفاهيم الثلاثة كمترادفات، ولهذا تترجم culture أحياناً بالثقافة أو الحضارة، بينما تترجم civilization بالمدنية.

إن فهم الحضارة في الغرب في القرن الثامن عشر، بأنها حركة المجتمع ككل، التي تشمل الآراء والأعراف الناتجة عن تفاعل الحرف والصناعة مع المعتقدات والآثار الجميلة والعلوم، حيث لا تمييز فيه بين المظاهر المادية والمعنوية، قد أكسب مفهوم الحضارة أبعاداً جديدة، ميزته عن المعنى الذي خصّه به ابن خلدون (العمران). ومع ذلك مازال مصطلح الحضارة يستخدم بكثير من عدم الدقة، ليعبر تارة عن الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي، وتارة أخرى عن الانتماء الديني، كأن يقال الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية والحضارة البوذية.

وهذا يدل على تلازم مفهومي الحضارة والثقافة في استيعاب الإنجازات الإنسانية الكبرى. ويؤدي بدوره إلى ضرورة التسليم بوجود علاقة وثيقة بين الثقافة والحضارة مع افتراض أسبقية الأولى زمنياً على الأخرى. لأن كليهما إنجاز إنساني يتوقف أحدهما على الآخر. فلا بد من ثقافة لوضع التقدم العلمي والتقني في مصلحة البشرية وخدمتها، لا أن يكون على حسابها ومعيقاً لها. ولهذا تم إدراج معظم التعاريف المعطاة لمصطلح الحضارة تحت إحدى المقولتين التاليتين: الأولى تقول بوجود ثقافات قومية متعددة وحضارة إنسانية واحدة، حيث تتنوع الثقافات وتتسع العناصر المكونة لها. ومع اتحادها واندماجها وانصهارها في القالب الواحد تصبح حضارة. والثانية تقول بوجود حضارات إنسانية عدّة، تصل عند توينبي Toynbee إلى نحو عشرين حضارة إنسانية. والحضارة في هذه الحالة هي ثقافة مجتمع كبير تدوم لمدة طويلة من الزمن.

وقد أجاد جورج باستيد في أواسط القرن العشرين رسم خطوط جلية بين هذه المفاهيم. فخص كلمة حضارة بالدلالة على الجانب المتحقق من المطلب الإنساني في تجربة حياة البشر الاجتماعية التاريخية، وهو مطلب إبداع إنسانية الإنسان، بما تهدف إليه الأخلاق؛ وقصر كلمة المدنية للدلالة على هذا المطلب الأخلاقي ذاته: فهي الجهد الإنساني المشترك الذي يبدع الحضارات، ويحقق الحضارة العامة، ويثابر على الاستمرار ماثلاً في مسعى الاستقلال عن أسر الطبيعة وضبط ضروراتها والسيطرة عليها لتحرير الإرادة المبدعة. فالمدنية هي القيمة العليا والملاذ الوحيد لالتقاء عقول الناس وقلوبهم على الرغم من تباين عقائدهم وتنوع ثقافاتهم وتقاليدهم. فهي إذن المثل الأعلى الذي يضطلع بتوحيد النوع البشري في مضمار جهد جمعي متآزر غرضه التثاقف acculturation والمعايشة السلمية والمضي في ابتكار مصير إنساني جدير بكرامة الإنسان.

أما الثقافة فإنها تدل على كل معرفة يمكن أن تنقل وتنتقل فتنير الأذهان حول معقولية الموضوع ( العلم)، أو عمق الهيجانات (الفن)، أو أنماط السلوك من حيث غائية المصير (الأخلاق والفلسفة، والدين)، أو أنها تتناول جدوى الوسائل (التقنية). وكل ثقافة هي عمل مشترك يقتضي أن يثبت في إشارات وأدوات كوسائل تنمية وانتقال. وهذا ما أكده ماكيفر في ربطه بين الثقافة أو الحضارة والغايات، وجعل المدنية خاصة بالوسائل، بينما جعل النظام التقني ضمن إطار النظام الثقافي للمعاني والقيم. ومع ذلك لن نعدم الكتب والمؤلفين الذين يكتبون culture بمعنى ثقافة فقط، أو بمعنى حضارة، وcivilization بمعنى مدنية فقط، أو حضارة بشكل عام.

انظر أيضاً

الهوامش

  • 1: "كنت أول من أفشى لفظة الثقافة في الأدب العربي الحديث ولم أكن أنا الذي سكّها بنفسه فإني انتحلتها من ابن خلدون، إذ وجدته يستعملها في معنى شبيه بلفظة (كلتور) الشائعة في الأدب الأوروبي الثقافة هي المعارف والعلوم والآداب والفنون يتعلمها الناس ويتثقفون بها، وقد تحتويها الكتب ومع ذلك هي خاصة بالذهن". عن سلامة موسى: الثقافة والحضارة - مجلة الهلال

مراجع إضافية

كتب
  • محمد عودة، أسس علم الاجتماع، بيروت، دار النهضة، 2009
  • ابراهيم العثمان، مقدمة في علم الاجتماع، القاهرة، دار الشروق، 2008
  • محمد حسن البرغثي، الثقافة العربية والعولمة، بيروت، دار الفارس، 2007
  • سامي خشبة، نقدالثقافة، بغداد، دار الكتب والوثائق العراقية، 2004
  • ابراهيم ناصر، دلال ملحس، 1996، علم اجتماع تربوي، بيروت، دار الجيل
  • أحمد رأفت عبدالجواد، مبادئ علم الاجتماع، القاهرة، نهضة الشرق، 2013
  • Barker, C. (2004). The Sage dictionary of cultural studies. Sage.
  • Terrence Deacon (1997). The Symbolic Species: The Co-evolution of Language and the Brain. New York and London: W. W. Norton.
  • Ralph L. Holloway Jr. (1969). "Culture: A Human domain". Current Anthropology. 10 (4). doi:10.1086/201036.
  • Dell Hymes (1969). Reinventing Anthropology.
  • James, Paul; Szeman, Imre (2010). Globalization and Culture, Vol. 3: Global-Local Consumption. London: Sage Publications.
  • Michael Tomasello (1999). "The Human Adaptation for Culture". Annual Review of Anthropology. 28: 509–529. doi:10.1146/annurev.anthro.28.1.509.
  • Whorf, Benjamin Lee (1941). "The relation of habitual thought and behavior to language". Language, Culture, and Personality: Essays in Honor of Edward Sapir. Menasha, WI: Sapir Memorial Publication Fund.
  • Walter Taylor (1948). A Study of Archeology. Memoir 69, American Anthropological Association. Carbondale IL: Southern Illinois University Press.
  • "Adolf Bastian", Encyclopædia Britannica Online, January 27, 2009
  • Ankerl, Guy (2000) [2000]. Global communication without universal civilization, vol.1: Coexisting contemporary civilizations: Arabo-Muslim, Bharati, Chinese, and Western. INU societal research. Geneva: INU Press. ISBN 2-88155-004-5.
  • Arnold, Matthew. 1869. Culture and Anarchy. New York: Macmillan. Third edition, 1882, available online. Retrieved: 2006-06-28.
  • Bakhtin, M. M. (1981) The Dialogic Imagination: Four Essays. Ed. Michael Holquist. Trans. Caryl Press. ISBN 978-0-252-06445-6.
  • Barzilai, Gad. 2003. Communities and Law: Politics and Cultures of Legal Identities University of Michigan Press. ISBN 0-472-11315-1
  • Benedict, Ruth (1934). "Patterns of Culture". Boston: Houghton Mifflin Company.
  • Bourdieu, Pierre. 1977. Outline of a Theory of Practice. Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-29164-4
  • Cohen, Anthony P. 1985. The Symbolic Construction of Community. Routledge: New York,
  • Dawkins, R. 1982. The Extended Phenotype: The Long Reach of the Gene. Paperback ed., 1999. Oxford Paperbacks. ISBN 978-0-19-288051-2
  • Findley & Rothney. Twentieth-Century World (Houghton Mifflin, 1986)
  • Geertz, Clifford. 1973. The Interpretation of Cultures: Selected Essays. New York. ISBN 978-0-465-09719-7.
  • 1957. "Ritual and Social Change: A Javanese Example", American Anthropologist, Vol. 59, No. 1. DOI:10.1525/aa.1957.59.1.02a00040
  • Goodall, J. 1986. The Chimpanzees of Gombe: Patterns of Behavior. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press. ISBN 978-0-674-11649-8
  • Hoult, T. F., ed. 1969. Dictionary of Modern Sociology. Totowa, New Jersey, United States: Littlefield, Adams & Co.
  • Jary, D. and J. Jary. 1991. The HarperCollins Dictionary of Sociology. New York: HarperCollins. ISBN 0-06-271543-7
  • Keiser, R. Lincoln 1969. The Vice Lords: Warriors of the Streets. Holt, Rinehart, and Winston. ISBN 978-0-03-080361-1.
  • Kroeber, A. L. and C. Kluckhohn, 1952. Culture: A Critical Review of Concepts and Definitions. Cambridge, MA: Peabody Museum
  • Kim, Uichol (2001). "Culture, science and indigenous psychologies: An integrated analysis." In D. Matsumoto (Ed.), Handbook of culture and psychology. Oxford: Oxford University Press
  • McClenon, James. "Tylor, Edward B(urnett)". Encyclopedia of Religion and Society. Ed. William Swatos and Peter Kivisto. Walnut Creek: AltaMira, 1998. 528-29.
  • Middleton, R. 1990. Studying Popular Music. Philadelphia: Open University Press. ISBN 978-0-335-15275-9.
  • O'Neil, D. 2006. Cultural Anthropology Tutorials, Behavioral Sciences Department, Palomar College, San Marco, California. Retrieved: 2006-07-10.
  • Reagan, Ronald. "Final Radio Address to the Nation", January 14, 1989. Retrieved June 3, 2006.
  • Reese, W.L. 1980. Dictionary of Philosophy and Religion: Eastern and Western Thought. New Jersey U.S., Sussex, U.K: Humanities Press.
  • Tylor, E.B. (1974) [1871]. Primitive culture: researches into the development of mythology, philosophy, religion, art, and custom. New York: Gordon Press. ISBN 978-0-87968-091-6.
  • UNESCO. 2002. Universal Declaration on Cultural Diversity, issued on International Mother Language Day, February 21, 2002. Retrieved: 2006-06-23.
  • White, L. 1949. The Science of Culture: A study of man and civilization. New York: Farrar, Straus and Giroux.
  • Wilson, Edward O. (1998). Consilience: The Unity of Knowledge. Vintage: New York. ISBN 978-0-679-76867-8.
  • Wolfram, Stephen. 2002 A New Kind of Science. Wolfram Media, Inc. ISBN 978-1-57955-008-0
مقالات

وصلات خارجية

يمكنك أن تجد معلومات أكثر عن ثقافة عن طريق البحث في مشاريع المعرفة:

Wiktionary-logo-en.png تعريفات قاموسية في ويكاموس
Wikibooks-logo1.svg كتب من معرفة الكتب
Wikiquote-logo.svg اقتباسات من معرفة الاقتباس
Wikisource-logo.svg نصوص مصدرية من معرفة المصادر
Commons-logo.svg صور و ملفات صوتية من كومونز
Wikinews-logo.png أخبار من معرفة الأخبار.