الثورة العربية في فلسطين 1834

ابراهيم باشا قاد الجيوش المصرية في بلاد الشام.

الثورة العربية في فلسطين 1834، قامت كرد فعل على التجنيد الإلتزامي في الجيوش المصرية بقيادة محمد علي.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية

إن أوامر محمد علي القاضية باحتكار تجارة الحرير وتحصيل الفردة ونزع السلاح واجراء التجنيد وصلت الى ابراهيم باشا وهو أركان حربه في مدينة يافا، فبادر الى اذاعة هذه الأوامر في البلاد السورية التي قامت وقعدت لهذا الحادث العظيم، وكان أول ظهور بوادر الاستياء والاضطراب بين القبائل العربية النازلة في جوار البحر الميت التي لم تخضع في عهد الحكومة العثمانية لأي نوع من التكاليف التي فرضها عليهم محمد علي، فلم يكن زعماء جبل نابلس كأل طوقان وأل الجرار أقل استياء منهم، لأن زمام حكومة بلادهم كان بيدهم في عهد حكومة العثمانيين، فنزعه ابراهيم باشا منهم، وقل مثل ذلك عن آل أبي غوش أصحاب قرية العنب الواقعة ما بين القدس ويافا، فان حكومة محمد علي حالت ما بينهم وبين ما كانوا يبتزونه من الحجاج الى بيت القدس. فدارت المفاوضة ما بين هؤلاء وغيرهم من زعماء فلسطين لاجل توحيد الكلمة على رفض مطاليب الحكومة.[1]


الثورات

إعلان الثورة في نابلس

نابلس، رسم W. C. P. Medlycott, in H. B. Tristram, 1865.[2]

ان سياسة التفريق التي اتبعها ابراهيم باشا مع زعماء فلسطين استمالت اليه آل آبي غوش وآل عبد الهادي، فأمن على خط مواصلاته ما بين يافا وداخلية فلسطين، وضاق نطاق الثورة فبر بالوعد لأبناء أبي غوش بأن أخلي سبيل والدهم الذي كان سجينا في عكا، وجعل الابن الاكبر زعيما لقومه والابن الثاني متسلما على القدس، وجعل الشيخ حسين عبد الهادي من رجاله المقربين.

أما الشيخ قاسم الأحمد فرغما عن انفصال أبناء أبي غوش واتباعهم عنه، لم يزدد إلا إصرارا على مقاومة ابراهيم باشا فحشد رجاله في بلده تدعى الدير، وزحف ابراهيم باشا للقائه، ونزل بجيشه في قرية زيتا قبالة قرية الدير المار ذكرها، فاشتباك الجيشان في قتال عنيف، كان فيه النصر لابراهيم باشا، وقتل من النابلسيين نحو سبعمائة رجل، وأخذ منهم عددا كبيرا ما الأسرى. ومن زيتا تقدم الى غيرها من قرى نابلس، فكان يؤمن من يطلب الأمان، ويحرق القرى التي يفر أهلها من وجهه، ولما اقترب من بلدة نابلس خرج أهلها لملاقاته طالبين الأمان، فأجاب طلبهم ونزل على ماء خارج البلدة، وأخذ يقبض على من تصل اليه يده من الذين اشتركوا في حركة الانتفاض ويقتلهم. وكان بين الذين قبض عليهم وقتلهم الشيخ مسعود الماضي وولده. أما المشايخ قاسم الأحمد وعيسى البرقاوي وعبد الله الجرار من زعماء الثوار وغيرهم من الزعماء والأتباع الذين ظلوا مصرين على المقاومة ففروا إلى الخليل.


القدس

اتصل خبر هذه الحركة بابراهيم باشا فاسرع في الذهاب الى القدس مع جيشه، فوصلها في اليوم التالي، وخيم تحت أسوارها. وعلى أثر وصوله دعا الحكام وشيوخ القبائل المجاورة للاجتماع في نيسان (أبريل) سنة 1834، فسرعة زحف ابراهيم باشا أوقفت حركة دعاة الفتنة، وأدخلت الخوف على قلوب الزعماء، اذ لم يترك لهم متسعا من الوقت لتوحيد كلمتهم والتفاهم على الخطة التي يتخذونها لمقاومته، فأكثر المدعوين لبوا الدعوى، فأبلغهم ارادة والده وطلب منهم اجابته عما اذا كانوا مستعدين لتنفيذها، فأجابوا بالايجاب اذ لم يروا مفرا من ذلك بازاء قوة ابراهيم القاهرة، غير أنهم حاولوا أن يستبدلوا التجنيد بتعويض مالي أي بزيادة الضرائب، كما أنهم توسلوا اليه ان يعفيهم من تسليم السلاح، غير ان ابراهيم باشا لم يحد قيد شعرة عن أوامر والده، وأبلغ الشيوخ أنه ليس الا وسيطا بينهم وبين العزيز، فقبلوا مطالبه كارهين، لكنهم أخبروه أن لابد لهم من المداولة مع الذين أنتدبوهم، ورجوا منه ألا يعتبرهم مسئولين شخصيا اذا لم يفلحوا في اقناع قومهم بقبول ما جرى الاتفاق عليه بينه وبينهم أما ما وقع الاتفاق عليه من حيث التجنيد، فهوأن يقدموا رجلا واحدا للجندية من كل اثني عشر رجلا، وعين رؤساء لمشايخهم، الشيخين قاسم الأحمد وحسين عبد الهادي من كبار زعماء جبل نابلس، وأبقاهما بصفة رهائن عنده ، وجهل ابن قاسم الاحمد متسلما على القدس.

يافا

وبعد انتهاء الاجتماع عاد ابراهيم باشا الى يافا لينتظر فيها ورود الأخبار والنجدات من مصر. أما باقي المشايخ فتفرقوا في البلاد لدعوة الأهلين الى التجنيد حسبما اتفقوا عليه مع ابراهيم باشا، لكن قلوبهم كانت ممتلئة حقدا عليه. وكانت الحكومة العثمانية في أثناء ذلك تدس الدسائس في سوريا لحكومة محمد علي، فذاع في طول البلاد وعرضها خبر مؤاده ان الدولة العثمانية قد حشدت جيشا جرارا في سيواس ، وعهدت بقيادته الى محمد رشيد باشا الذي كان قد أسره ابراهيم باشا في موقعة قونية، وأنها تتأهلب للزحف على سوريا لأجل استرجاعها.

وكان العدد الأكبر من الجنود المصرية قد عاد الى القطر المصري أما الجنود التي كانت لا تزال باقية في سوريا فكانت مفرقة في المدن المختلفة. فهذه الاشاعة لقيت أذانا صاغية من السوريين الذين أصبحوا ناقمين على حكومة محمد علي، وشددت عزائمهم على مقاومة مطاليبه، فعاد العربان الضاربون بجوار البحر الميت الى الانتفاض، وتبعهم أهل جبل نابلس الأشداء وفر الشيخ قاسم الاحمد من معتقله في يافا الى نابلس، وتولى قيادة الثوار هناك وأرسل جماعة الى القدس فأحضرت ولده الذي كان متسلما عليها.

وانضم الى الثوار آل أبي غوش انتقاما من الحكومة لأنها سجنت والدهم وكبير قومهم في عكا لابتزازه أموال الحجاج الى بيت المقدس، وكان لانضمام هؤلاء الى الثوار تأثير عظيم لشدة بأسهم وزعامتهم في البلاد الواقعة ما بين القدس ويافا، فتحرج مركز الحامية المرابطة في القدس التي كان يبلغ عدد رجالها نحو ألف مقاتل، فعزم قائدها على الانسحاب منها الى يافا، فاعترضها آل أبي غوش برجالهم وهاجموهم بشدة وقتلوا منها نحو خمسين جنديا، وشتتوا شمل الباقين ، فاضطر القائد الى الرجوع الى القدس مع الجنود التي تسنى له جمع شتاتها ودخل بهم القلعة واعتصم بها. فلما اتصل الخبر بابراهيم باشا وجه آلايا من جيشه بقيادة الميرالاي حسن بك لرفع الحصار عن حامية القدس، فتصدى له آل أبي غوش أيضا، ونشبت بينهم معركة ادمية قتل فيها حسن بك ونحو ثلاثين جنديا، وأكره الباقون على الرجوع الى يافا.


الخليل

الخليل في عام 1839، رسم داڤيد روبرتس

وكان الثوار في أثناء ذلك قد هاجموا حامية الخليل المؤلفة من مايتي جندي وذبحوهم، وحضرت جموع غفيرة لمهاجمة القدس فانسل بعضهم الى جهة باب داود، وقتلوا الحرس وفتحوا الباب، فدخل الثوار منه واشتد القتال بينهم وبين الحامية المحاصرة في القلعة، ونهبو دكاكين البلد وبعض بيوت اليهود..وكانت حينئذ قد وصلت الامدادات من مصر فنهض ابراهيم باشا من يافا في 4 حزيران (يونيه) سنة 1834 ومعه سليمان باشا الفرنساوي يقودان ستة آلاف مقاتل، فلما بلغوا قرية العنب بلدة آل أبي غوش الواقعة على مسيرة نحو ثلاث ساعات من القدس، اشتبكوا مع الثوار في موقعة دامية استمرت من الظهر الى العشاء دون أن يفوزوا منم بطائل ، فباتوا ليلتهم هناك.

وفي الصباح تجدد القتال فأبلى الفريقان أحسن بلاء، وأخيرا تغلب ابراهيم باشا على الثائرين، وفتح طريقه الى القدس، فوصلها في اليوم الثالث بعد قيامه من يافا، وفرق جموع الثائرين الذين كانوا قد دخلوها. وعلم أن مسلمي القدس ساعدوا الثائرين، وأن الذين قاموا بالمساعدة قد فروا مع الثوار، فأباح لجنوده نهب منازلهم، ونهبت في أثناء ذلك بعض اليهود خطأ لقربها من منازل المسلمين. غير أنه وجد موقفه في القدس محرجا بازاء الثوار الذين كانوا يحيطون به من كل جانب، فالنابلسيون كانوا يهاجمونه من جهة، وعربان البحر الميت من جهة أخرى، ومواصلاته مع يافا مقطوعة لاعتراض آل أبي غوش في الطريق. فحصلت بين ابراهيم باشا والثوار ثلاث وقائع، كان النصر فيها لابراهيم باشا، لكنه فقد في احداها قائدا من رجال برتبة لواء ، غير أن قوة الثائرين لم يصبها وهن وهممهم لم تفتر عن القتال.

مذبحة صفد

كان المسلمون في صفد ممن لبى دعوة الثورة، فشقوا عصا الطاعة على حكومة محمد علي في أواسط حزيران (يونيه) سنة 1834، وهاجموا مواطنيهم اليهود ونهبوا أموالهم وقتلوا بعضهم. وكان الأمير أمين ابن الأمير بشير حاكم جبل لبنان قد حضر الى يافا موفدا من والده، لأجل السلام على محمد علي، ولتأكيد اخلاصه له، فأمره العزيز أن يبلغ والده أن يسير برجاله الى بلاد صفد ويؤدب ثوارها، فبارح الأمير بشير بيت الدين قاصدا الى صفد في 28 حزيران (يونيه) سنة 1834، ولما اتصل بأهل صفد خبر قدومه، وأوفد الشيخ صالح قاضي ترشيحا لملاقاته، وعرض طاعتهم عليه، فقبل الامير منه ذلك، وطلب أن يوافقه مشايخ بلاد صفد الى قرية بنت جبيل، فامتثيل المشياخ للأمير وقدموا طاعتهم له فطيب خواطرهم، وأمرهم باعادة ما سلب من اليهود فوعدوا باعداته. ثم سير الأمير أفندي شهاب حاكما راشيا الى صفد ومعه عسكر ليتسلم قلعتها، ويحصل أموال اليهود المسلوبة. أما هو فتقدم الى الصفصافة، ومنها ذهب الى صفد وقبض على أكثر الذين سلبوا أموال اليهود، وارسلهم الى سجن عكا وبذلك انتهت ثورة الصفديين.


المصادر

  1. ^ أبو عز الدين, سليمان (2009). ابراهيم باشا في سوريا. القاهرة، مصر: دار الشروق. Cite has empty unknown parameter: |coauthors= (help)
  2. ^ H. B. Tristram: The Land of Israel: Travels in Palestine, p. 142, 1865