ثورة 1919

أعلام الثورة المصرية 1919.
نساء مصريات يتظاهرن ضد الإنجليز في شوارع مصر برفقة الرجال في ثورة 1919، ضد نفي القادة الوطنيين المصريين وعلى رأسهم سعد زغلول
جزء من سلسلة عن
تاريخ مصر
Ancient Egypt Wings.svg

Re-Horakhty.svg
Ankh.png
Mut.svg
التاريخ القديم
ما قبل الأسرات
عصر نشأة الأسرات
عصر الأسر المبكرة
الدولة القديمة
الفترة الإنتقالية الأولى
الدولة الوسطى
الفترة الإنتقالية الثانية
الدولة الحديثة
الفترة الإنتقالية الثالثة
مصر الفارسية
العصر المتأخر
الفترة الفارسية الثانية
مصر الإغريقية والرومانية
الإسكندر الأكبر
مصر البطلمية
مصر البيزنطية والرومانية
مصر المسيحية
مصر البيزنطية
الاحتلال الفارسي
مصر الإسلامية
مصر الطولونية
مصر الفاطمية
مصر الأيوبية
مصر المملوكية
مصر العثمانية
مصر الحديثة
الحملة الفرنسية
أسرة محمد علي
خديوية مصر
سلطنة مصر
المملكة المصرية
الجمهورية
ثورة 25 يناير
Portal icon مصر portal

الثورة المصرية 1919، هي ثورة شاملة قامت ضد الاحتلال البريطاني لمصر والسودان. قامت الثورة بقيادة سعد زغلول زعيم الحركة الوطنية، وكان من أهم أسبابها المعاملة القاسية التي كانت بحق المصرين من قبل البريطانين والأحكام العرفية التي أصدرت بحق المصرين، بالاضافة إلى رغبة المصرين بالحصول على الاستقلال.

كانت ثورة 1919 هي المرة الوحيدة التي قامت فيها حركة شعبية على نطاق شمل البلد بأكمله وشاركت فيها جميع الطبقات التي أجمعت على مطلب واحد هو الاستقلال. في هذا السياق، أصبح من الشائع بين القلائل الذين اهتموا بثورة 1919 أن يتخذوا من الإجماع الشعبي على القضية الوطنية آنذاك مبررا لخلق تصور لا يرى في الثورة سوى انتفاضة شعبية لتحقيق المطالب الوطنية، ومن ثم لتجاهل أي بعد طبقي للثورة يربط بينها وبين حالة الفقر والحرمان التي خلقتها أربعة سنوات من الحرب، ولتجاهل أهمية حركة الجماهير من أسفل وما كشفت عنه من انقسامات داخل القوى المشاركة في الثورة.

خلفية تاريخية

صور جنازات الشهداء في ثورة 1919.[1]
مصر التى في خاطرى .. 1919

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، عانى المصريون من سوء الأحوال المعيشية وأعلن الإنجليز الأحكام العرفية على مصر. وفي أثناء الحرب كانت كانت تصادَر ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحصول لأجل المساهمة في تكاليف الحرب، كما حرصت السلطات العسكرية على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التي تتناسب مع متطلبات الحرب، وبيعها بأسعار قليلة. وتم تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسري للمشاركة في الحرب فيما سمي بفرقة العمل المصرية التي استخدمت في الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال في سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكا وغيرها.

نقصت السلع الأساسية بشكل حاد، وتدهورت الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن، وشهدت مدينتي القاهرة والأسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب. ولم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، في التخفيف من حدة الأزمة، كذلك تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التي تحرم التجمهر والإضراب.

في الوقت نفسه شهدت هذه الفترة ارتفاعا للأسعار بشكل ملحوظ، بما فيها أسعار السلع الأساسية. حيث سجلت الأرقام القياسية للأسعار ارتفاعا بلغ 216 عام 1918 مقارنة بسنة 1914. وارتفع سعر القمح بمعدل 131% والسكر 149% والفول 114% والبترول 103% كما بلغ سعر الفحم في نهاية الحرب تسعة أمثال ما كان عليه قبل اندلاعها. وارتبط ذلك أيضا بنقص حاد في السلع الاساسية. وكان لهذه الأوضاع أن أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن. حيث شهدت مدينتي القاهرة والأسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب. ولم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، في التخفيف من حدة الأزمة. على الجانب الآخر كان هناك استياء من قبل كبار الملاك بسبب تدخل السلطات في نوع المحصول على حساب زراعة القطن ولصالح السلع الغذائية وأهمها القمح، رغم أن هذه الطبقة قد استفادت من ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بما فيها القطن والسلع الغذائية.

من ناحية أخرى، أدت سنوات الحرب إلى ازدهار بعض أقسام الرأسمالية المصرية بسبب إغلاق الطرق البحرية، ومن ثم صعوبة وردود المنتجات الأجنبية، وهو ما أتاح فرصة للتوسع الصناعي والتجاري. وبشكل عام ارتفعت معدلات العمالة خلال سنوات الحرب. غير ان هذا التوسع تزامن مع زيادة الأسعار ونقص الغذاء، كما سبق القول، إضافة إلى تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التي تحرم التجمهر والإضراب. وفي حقيقة الأمر فقد شهدت الفترة منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الحرب، قدرا من النمو في حجم الطبقة العاملة بسبب تدفق الاستثمارات الأجنبية والتوسع في شبكات النقل. ومنذ بداية القرن العشرين وحتى نشوب الحرب، خاض عمال الصناعة والنقل عددا من الإضرابات للمطالبة برفع الأجور وتقليل ساعات العمل، كما تشّكل عدد من النقابات للدفاع عن حقوق العمال مثل الرابطة الدولية لعمال السجائر والورق في القاهرة، ونقابة عمال الصناعة اليدوية. ولكن مع نشوب الحرب تم إجهاض النشاط النقابي وأصبح العمال عاجزين عن الدفاع عن حقوقهم.


نشأة الوفد

احدى مظاهرات في ثورة 1919.

عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1918، تم وضع مصر تحت الحماية البريطانية، وظلت كذلك طوال سنوات الحرب التي انتهت في نوفمبر عام 1918، أُرغم فقراء مصر خلالها على تقديم العديد من التضحيات المادية والبشرية. وقد مثّل اضطراب وتفكك النظام الأوروبي نتيجة الحرب، إضافة إلى ما ارتبط بهذا من تفاقم القهر والاستغلال لشعوب المستعمرات، وقيام الثورة الروسية وما طرحته من إمكانية قلب الأنظمة السائدة، دوافعا لتطور الحركات الوطنية في كثير من المستعمرات. ومن ثم فقد اندلعت ثورة 1919 في ظل موجة من الحركات الوطنية شملت الهند والصين وأيرلندا وبعض مناطق أمريكا اللاتينية.

ثورة 1919 في مصر.

عندما انتهت الحرب العالمية الأولي بفوز الحلفاء وردد العالم مبادئ ويلسون الأربعة عشر علي اعتبار أنها ستنصف الشعوب المقهورة استناداً إلي مبدأ حق تقرير المصير، ذهب زعماء مصر يرأسهم سعد زغلول إلي المندوب السامي البريطاني ونگت للحصول منه علي موافقة علي السفر إلي باريس لعرض قضية استقلال مصر علي مؤتمر الصلح هناك.

في هذا السياق قام ثلاثة من أعضاء الجمعية التشريعية، هم سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي، بمقابلة المندوب السامي البريطاني مطالبين بالاستقلال. وأعقب هذه المقابلة تأليف الوفد المصري، وقامت حركة جمع التوكيلات الشهيرة بهدف التأكيد على أن هذا الوفد يمثل الشعب المصري في السعي إلى الحرية. وطالب الوفد بالسفر للمشاركة في مؤتمر الصلح لرفع المطالب المصرية بالاستقلال. وإزاء تمسك الوفد بهذا المطلب، وإزاء تعاطف قطاعات شعبية واسعة مع هذا التحرك، قامت السلطات البريطانية بالقبض على سعد زعلول وثلاثة من أعضاء الوفد هم محمد محمود وحمد الباسل وإسماعيل صدقي، ورحّلتهم إلى مالطة في الثامن من مارس عام 1919. وكان ذلك إيذانا بقيام الثورة التي اجتاحت جميع انحاء البلاد، وتصدت لها القوات البريطانية وقوات الأمن المصرية بأقصى درجات العنف.

كان من المتوقع أن يدعم مؤتمر الصلح في باريس الحماية البريطانية المفروضة علي مصر، ولكن مصر كانت تريد أن تعرف حقوقها تجاه بريطانيا كما كانت تعرف حقوقها تجاه الخلافة العثمانية. ولكن ونجت رفض، وأدعي أن سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي لا يمثلون الشعب.

ولابد أن نذكر حقيقة تاريخية ظهرت بعد نشر المراسلات بين ونجت و الحكومة البريطانية، وهي أن ونگت كان يوافق علي عرض مصر لمطالبها في مؤتمر الصلح فيقول في مراسلاته للحكومة البريطانية “إذا لم تعالج هذه المسألة المشتعلة الآن، فمن المحتمل أننا سنواجه صعوبات كبيرة في المستقبل، واعتقد أنه من العدل أن يعرف السلطان والوزراء والمصريون جميعاً موقفهم”. ولكن رد الخارجية البريطانية التي كان يرأسها بلفور جاء كالتالي ” الوقت الذي يصبح فيه ممكناً منح مصر حكماً ذاتياً لم يحن بعد”.

وحتي تكون لسعد زغلول صفة الوكالة عن الشعب في المطالبة بحقوقه، بدأت حملة توقيعات علي عرائض بتوكيل سعد وأصحابه. وأشعلت حركة توقيع التوكيلات المشاعر الوطنية وأصبح الشعب في مواجهة سلطات الاحتلال التي نشطت في قمع حركة توقيع التوكيلات.

وزاد الاضطراب بعد قبول استقالة وزارة حسين رشدي الذي استقال احتجاجاً علي عدم السماح للوفد بالسفر إلي مؤتمر الصلح وفي باريس، عدم السماح أيضاً لحسين رشدي ووزير المعارف عدلي يكن بالذهاب إلي لندن لمناقشة آمال مصر في الاستقلال مع الحكومة البريطانية.

وكان قبول استقالة وزارة حسين رشدي الوطنية من السلطان فؤاد إذاناً بالقطيعة بين السلطان فؤاد و الوفد بزعامة سعد زغلول، فقد أرسل الوفد خطاباً قاسياً للسلطان فؤاد فيه كثير من التأنيب علي قبول استقالة حسين رشدي وكان الأولي بالسلطان فؤاد أن يقف بجانب الوزارة المتمسكة بحق مصر في عرض قضيتها وآمالها في الاستقلال. كان هذا الخطاب الموجع هو ورقة الطلاق بين السلطان فؤاد والوفد، فانتهز الإنجليز الفرصة وقاموا في 8 مارس 1919 باعتقال سعد زغلول ومحمد محمود وحمد الباسل وإسماعيل صدقي و ساقتهم إلي ثكنات قصر النيل ومنها إلي بورسعيد ثم نفتهم إلي جزيرة مالطة.

قيام الثورة

احدى مظاهرات في ثورة 1919.

ما كاد نبأ اعتقال ونفي سعد يسري بين الشعب حتي اندلع لهيب الثورة يوم 9 مارس في القاهرة والمدن الكبري ثم القري، ولم يعد هناك مكان إلا ويضج بالثورة الوطنية. ففي 9 مارس 1919 صبيحة اعتقال سعد زغلول وأعضاء الوفد، أشعل طلبة الجامعة في القاهرة شرارة التظاهرات. وفي غضون يومين، امتد نطاق الاحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر. وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع الأنحاء من قرى ومدن.

وخرجت جميع طوائف الشعب في هذه الثورة، فقد كانت ثورة شعبية بحق، شارك فيها العمال والطلبة و الفلاحين. حتي المرأة خرجت في مظاهرات فهزت المجتمع بجرأتها ووطنيتها. وانقض الفلاحون علي خطوط السكك الحديدية والبرق فقطعوها.

ففي القاهرة قام عمال الترام بإضراب بدء يوم 11 مارس مطالبين بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل وغيرها، وتم شل حركة الترام شللا كاملا، تلا ذلك إضراب عمال عنابر السكك الحديدية يوم 15 مارس، والذي جاء عقب قيام السلطات البريطانية بإلحاق بعض الجنود للتدريب بورش العنابر في بولاق للحلول محل العمال المصريين في حالة إضرابهم، مما عجّل بقرار العمال بالمشاركة في الأحداث.[2]

ولم يكتف هؤلاء بإعلان الإضراب، بل قاموا بإتلاف محولات حركة القطارات وابتكروا عملية قطع خطوط السكك الحديدية – التي أخذها عنهم الفلاحون وأصبحت أهم أسلحة الثورة واستمر إضراب عمال العنابر حتى أواخر إبريل. وأضرب سائقو التاكسي وعمال البريد والكهرباء والجمارك ، تلا ذلك إضراب عمال المطابع وعمال الفنارات والورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالإسكندرية.كما اضرب المحامون في 2 إبريل وانضم موظفي الحكومة للإضراب في نفس اليوم 2 ابريل.

ولم تتوقف احتجاجات المدن على التظاهرات وإضرابات العمال، بل قام السكان في الأحياء الفقيرة بحفر الخنادق لمواجهة القوات البريطانية وقوات الشرطة، وقامت الجماهير بالاعتداء على بعض المحلات التجارية وممتلكات الأجانب وتدمير مركبات الترام. شارك النساء بفاعلية في الثورة وقاموا بمظاهرات كبري منها واحدة يوم 16 مارس واخري يوم 20 مارس.

في حين قامت جماعات الفلاحين بقطع خطوط السكك الحديدية في قرى ومدن الوجهين القبلي والبحري، ومهاجمة أقسام البوليس في المدن. ففي منيا القمح أغار الفلاحون من القرى المجاورة على مركز الشرطة وأطلقوا سراح المعتقلين، وفي دمنهور قام الأهالي بالتظاهر وضرب رئيس المدينة بالأحذية وكادوا يقتلونه عندما وجه لهم الإهانات.

وفي الفيوم هاجم البدو القوات البريطانية وقوات الشرطة عندما اعتدت هذه القوات على المتظاهرين. وفي أسيوط قام الأهالي بالهجوم على قسم البوليس والاستيلاء على السلاح، ولم يفلح قصف المدينة بطائراتين في إجبارهم على التراجع، أما في دير مواس بالقرب من أسيوط، هاجم الفلاحون قطارا للجنود الإنجليز ودارت معارك طاحنة بين الجانبين.

وعندما أرسل الإنجليز سفينة مسلحة إلى أسيوط، هبط مئات الفلاحين إلى النيل مسلحين بالبنادق القديمة للاستيلاء على السفينة. وعلي الجانب الأخر كان رد فعل القوات البريطانية من أفظع أعمال العنف الذي لاقاه المصريون في التاريخ الحديث، فمنذ الأيام الأولى كانت القوات البريطانية هي أول من أوقع الشهداء بين صفوف الطلبة أثناء المظاهرات السلمية في بداية الثورة.

وعقب انتشار قطع خطوط السكك الحديد، أصدرت السلطات بيانات تهدد بإعدام كل من يساهم في ذلك، وبحرق القرى المجاورة للخطوط التي يتم قطعها. وتم تشكيل العديد من المحاكم العسكرية لمحاكمة المشاركين في الثورة. ولم تتردد قوات الأمن في حصد الأرواح بشكل لم يختلف أحيانا عن المذابح، كما حدث في الفيوم عندما تم قتل أربعمائة من البدو في يوم واحد على أيدي القوات البريطانية وقوات الشرطة المصرية. ولم تتردد القوات البريطانية في تنفيذ تهديداتها ضد القرى، كما حدث في قرى العزيزية والبدرشين والشوبك وغيرها، حيث أُحرقت هذه القرى ونُهبت ممتلكات الفلاحين، وتم قتل وجلد الفلاحين واغتصاب عدد من النساء.

هكذا كان الإضراب العام في عام 1919 والذي شل الحياة وحركة النقل بين المدن وكذلك داخل المدن من خلال إضراب (عمال عنابر السكك الحديدية وعمال الترام وسائقي التاكسيات) واستمرارهم في الإضراب وكذلك الموظفين والطلبة. وانضمام الفلاحين للثورة وقطع خطوط السكك الحديدية.

انقسام قوى الثورة

مظاهرة أمام قصر عابدين 1919.

كان طبيعيا أن يعكس اختلاف الانتماءات الطبقية نفسه على سلوك ومواقف القوى المشاركة في ثورة 1919. وفي حقيقة الأمر، لم يكن يخطر ببال أعضاء الوفد المصري أن حركتهم ستؤدي إلى ثورة شعبية. فقد كان أقصى ما يبتغيه الوفد هو تعبئة الطبقات العليا وقطاعات من الطبقة المتوسطة للحصول على الاستقلال عن طريق التفاوض. وقد ظهر ذلك جليا من خلال النهج الذي اتبعه قادة الوفد خلال نحو أربعة اشهر منذ أن قابلوا المندوب السامي في نوفمبر 1918 وحتى اندلاع الثورة في مارس من العام التالي. فخلال تلك الفترة، تركز نشاط الوفد في أرسال البرقيات الي الأطراف التي كان يعتقد أنها ستساند المطلب المصري بالاستقلال، مثل قناصل الدول ورؤساء وزراء الدول الأوروبية والرئيس الأمريكي ولسون وغيرهم. وكان هدف حركة التوكيلات التي قام الوفد بجمعها الحصول على تفويض من أعضاء البرلمان والأعيان والمتعلمين، ولم يكن مخططا أن تتخذ الحركة طابعا شعبيا يشمل مختلف الطبقات – وهو ما حدث بعد ذلك. وفي اليوم التالي لترحيل سعد زغلول ورفاقه، توجه وفد من الطلبة إلى عبد العزيز فهمي يسألونه عن رد الفعل الذي يجب أن يقوموا به، فطلب منهم العودة إلى جامعتهم وعدم "اللعب بالنار" وألا يزيدوا غضب الانجليز، لكنهم لم يمتثلوا لذلك وبدأوا في التظاهر كما سبقت الإشارة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أن اعضاء الوفد الذين ظلوا في مصر أرسلوا برقيات إلى السلطان فؤاد الأول يؤكدون أن لا صلة لهم بأعمال الجماهير. وفي الرابع والعشرين من مارس وجه الوزراء والأعيان وأعضاء الوفد – وأغلبهم من الأعيان – نداء إلى المصريين يحذرونهم من الآثار المترتية على قطع خطوط السكك الحديدية ومهاجمة الممتلكات، ويستحلفونهم بإسم مصلحة الوطن تجنب كل الاعتداءات حتى يستطيع الذين يخدمون الوطن بالطرق المشروعة المضي قدما في مساعيهم. ومن الغريب أن العنف الذي مارسته القوات البريطانية ضد الجماهير لم يكن محل اهتمام مماثل من "زعماء الأمة". ولعله كان من البديهي أن تتبنى النخبة والزعامات الوطنية – سواء من أعضاء الوفد أو من خارجه – هذا النهج. فمن جهة كان تعطل خطوط السكك الحديدية والاعتداء على الممتلكات يضر بالمصالح المباشرة لهؤلاء. ومن جهة أخرى، فإنه لم يكن مطروحا بالنسبة لهذه الزعامات أي برنامج للإصلاح الاجتماعي. فهدف الاستقلال، وما يرتبط به من انتهاء الهيمنة الاقتصادية للاحتلال، كان سيترتب عليه إتاحة مزيد من الفرص للطبقات العليا من كبار الملاك والأقسام المختلفة والمتداخلة من الرأسمالية. لذلك فلم يكن متصورا ولا مقبولا أن تكون الدعوة للاستقلال مرتبطة بحركة شعبية يكون من آثارها إيقاع أي أضرار بنمط الملكية السائد.

نهاية الثورة

استدعت الخارجية البريطانية ونگيت، وحل محله اللورد اللنبي الذي استعمل الفرق البريطانية للسيطرة علي الثورة، وحدثت صدامات بين الثوار والقوات الإنجليزية، وقتل عدد غير قليل من المصريين في هذه الصدامات.

وفي النهاية تراجعت إنجلترا وقامت بالإفراج عن سعد زغلول ورفاقه، وأعلنت أنها مستعدة للتفاوض بشأن استقلال مصر، و سمحت لوفد سعد زغلول بالسفر إلي أوروبا، ولكنهم وجدوا الأبوب موصدة أمامهم، فقد وافقت الدول الكبري علي الحماية البريطانية علي مصر، ولم يسمح لمصر عرض قضيتها.

نتائج الثورة

أهم ما في ثورة 1919 من ناحية استقلال مصر، هو أنها مثلت الأسوأ علي الإطلاق في كل الاحتمالات التي وضعها الاحتلال البريطاني في التعامل مع ملف استقلال مصر، وظلت الثورة بعد ذلك تمثل الفزاعة التي يخاف منها الإنجليز ويخشون تكرارها، مما جعلهم مستعدين لتقديم مزيد من التنازلات في موضوع الاستقلال.

كما أن مطالب سعد زغلول في الاستقلال كانت تمثل أعلي درجات الاستقلال، ويقابلها في نفس الوقت عرض بريطانيا الذي كان يمثل أقل درجات الاستقلال الذي ترغب بريطانيا في إعطائه لمصر، فجاءت ثورة 1919 وتضامن كل فئات الشعب مع مطالب سعد وانتشار روح الوطنية والتوحد خلف قائد واحد ، جاء كل ذلك ليعطي وزناً أكبر لدرجة الاستقلال التي يتبناها سعد، وأجبرت بريطانيا عن أن تعلي من سقف تنازلاتها لتصل إلي نقطة الالتقاء مع أي حكومة مصرية تقبل التفاوض معها.

انخفضت حدة ثورة 1919 في أبريل عقب قرار السلطات البريطانية بإطلاق سراح أعضاء الوفد والسماح لهم بالسفر لعرض مطالب مصر في مؤتمر الصلح. فعقب إصدار هذا القرار، والذي جاء تاليا لأسابيع من العنف الهائل من جانب السلطات في مواجهة الشعب، بدأت تهدأ الاحتجاجات شيئا فشيئا، وذهب الوفد إلى فرنسا لحضور المؤتمر الذي اعترفت الأطراف المسيطرة فيه، وأهمها الولايات المتحدة ممثلة في الرئيس ولسون، بالحماية البريطانية على مصر، مما كان بمثابة ضربة كبرى لنهج التفاوض. إلا أن ذلك لم يثن الوفد عن الاستمرار في المفاوضات العقيمة لسنوات طويلة.

الثورة وإن لم تؤد إلى تحقيق الاستقلال – إذا ما تغاضينا على الاستقلال الشكلي الذي منحته بريطانيا لمصر في فبراير عام 1922 – فأنه قد كانت لها آثارا مهمة على تطور الحركة الديمقراطية والنقابية. فقد أسفرت عن نشأة حزب الوفد وأحزاب الأقليات ووضع أول دستور لمصر في عام 1923 وقيام أول حكومة منتخبة هي حكومة الوفد. من ناحية أخرى أدت ثورة 1919 إلى بعث الحركة النقابية التي كانت قد أصيبت بموات خلال فترة الحرب، فتشكلت العديد من النقابات، وانبثقت حركة إضرابات قوية في الأعوام التالية. في الوقت نفسه، فقد نبهت الثورة الطبقات العليا من البرجوازية وكبار الملاك إلى خطورة التحرك الجماهيري، ومن هنا كان حظر الوفد للحزب الشيوعي وسعيه للسيطرة على الحركة النقابية.

أمام الإضراب العام الذي شل الحركة في مصر اضطرت إنجلترا إلي عزل الحاكم البريطاني والإفراج عن سعد زغلول وزملائه وعودتهم من المنفي إلي مصر في 7 ابريل عام 1919. وسمحت إنجلترا للوفد المصري برئاسة سعد زغلول بالسفر إلي مؤتمر الصلح في باريس، ليعرض عليه قضية استقلال مصر.

كانت هناك نقابات لعمال الترام وعمال العنابر ولكن لم توجد نقابة للموظفين العموميين فكونوا لجنة سميت "لجنة موظفي وزارات ومصالح الحكومة ومصالحها" والتي عاودت الإضراب اعتباراً من يوم 12 ابريل.

يوم 16 ابريل اضرب التجار وأصحاب المهن والحرف الحرة لتأييد إضراب الموظفين وأصدرت السلطة الانجليزية قرار باعتقال كل من يؤيد إضراب الموظفين ولكن الموظفين لم يعودوا للعمل إلا بعد إقالة وزارة رشدي باشا.

كتب

انظر أيضا

الهوامش

المراجع

  • عبد الرحمن الرافعي ثورة 1919 ـ تاريخ مصر القومي ـ مكتبة الاسرة 1999 .
  • عبد الرحمن الرافعي ـ في أعقاب الثورة المصرية ـ الدار القومية للطباعة والنشر 1966.
  • د. عاصم محروس عبد المطلب ـ دور الطلبة في ثورة 1919 ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990.
  • أمين عز الدين ـ تاريخ الطبقة العاملة المصرية منذ نشؤها حتي سنة 1970 ـ دار الغد العربي ؟ـ 1987

قراءات إضافية