نقش زبد

(تم التحويل من Zabad inscription)
نقش زبد ثلاثي اللغات، يعود لعام 512، ويظهر فيه النص العربي القديم (أسفل) إلى جانب النصين اليوناني والسرياني.

نقش زبد (ويُعرف أيضاً باسم نقش زبد ثلاثي اللغات) هو نقش تذكاري مسيحي يعود تاريخه إلى عام 512، ويُعد من أقدم وأهم النقوش التي تثبت وجود اللغة العربية المكتوبة في مراحلها المبكرة قبل الإسلام. تم اكتشاف النقش في قرية زبد الواقعة في شمال سوريا، وهو منقوش على عتبة بوابة كنيسة محلية كانت مخصصة للقديس سرجيوس، ويُخلّد ذكرى بناء هذا الصرح الديني. تكمن أهميته القصوى في كونه مكتوباً بثلاث لغات هي: اليونانية (لغة الإمبراطورية البيزنطية)، والسريانية (اللغة الطقسية والكنسية في المنطقة)، والعربية القديمة (بلغة المجتمع المحلي الذي رعى بناء الكنيسة).[1] يُحفظ النقش حالياً في متحف الفن والتاريخ بمدينة بروكسل في بلجيكا.

الوصف العام

لا يُعتبر نقش زبد مجرد ترجمة بسيطة لنص واحد إلى ثلاث لغات، بل هو وثيقة تعكس التنوع الثقافي والديني للمجتمع الذي أنتجه. فالنصوص اليونانية والسريانية والعربية، رغم ارتباطها بحدث واحد، إلا أنها تقدم معلومات متكاملة ومختلفة أحياناً، مما يشير إلى الأدوار المتميزة التي لعبتها كل جماعة لغوية في بناء الكنيسة ورعايتها.[1] على سبيل المثال، النص اليوناني وحده هو الذي يذكر صراحة أن البناء هو "صرح شهيد" (martyrion) مخصص للقديس سرجيوس، كما يسرد أسماء المسؤولين عن البناء والمهندسين المعماريين.[2]

يمثل الجزء العربي من النقش شهادة نادرة على استخدام اللغة العربية في السياقات الرسمية والدينية داخل الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية). ويُعتبر هذا النقش، إلى جانب نقشي حران وأم الجمال، دليلاً على تطور الكتابة العربية من مرحلتها النبطية المتأخرة إلى ما يُعرف الآن بالخط العربي القديم، الذي هو الجد المباشر للخط العربي الإسلامي.[3]

الموقع والتاريخ

قرية زبد

تقع قرية زبد في شمال سوريا، بالقرب من مدينة حلب القديمة. كانت المنطقة في مطلع القرن السادس الميلادي جزءاً من مقاطعة سوريا البيزنطية، وشهدت نشاطاً عمرانياً ودينياً كبيراً، حيث انتشرت الكنائس والأديرة التي كانت تتلقى الدعم من القبائل العربية المحلية، خاصة الغساسنة المتحالفين مع البيزنطيين.[4]

تاريخ الإنشاء

يحدد النقسان اليوناني والسرياني تاريخ البدء في بناء الكنيسة. وفقاً للتقويم السائد في سوريا آنذاك، التقويم السلوقي، تم وضع الأساس في عام 823. وهذا التاريخ يوافق عام 512 حسب التقويم الميلادي. ويذكر النص اليوناني أن ذلك كان في اليوم الرابع والعشرين من شهر "جوربياوس" (وهو الشهر المقدوني الموافق لشهر سبتمبر).[5]

النص الكامل والترجمة

الترجمة التالية هي للعالم جورج بيفان (George Bevan)، والتي تعكس بدقة محتوى كل جزء من النقش.[6]

النص اليوناني

«في سنة 823 (512م)، في اليوم الرابع والعشرين من شهر جوربياوس، تم بناء صرح الشهيد القديس سرجيوس على أساساته، وذلك في زمن رجال الدين المتجولين: يوحنا، وأنيوس بن بوكيوس، وسرجيوس بن سرجيوس بن سرجيوس. وكان سمعان بن أمراس بن إلياس، وليونتيوس هما المهندسين المعماريين اللذين بنياه. آمين. ساتورنينوس، عزيزوس. قدم عزيزوس بن سرجيوس وعزيزوس مارا بركة (هدايا).»

النص السرياني

«المجد للآب والابن والروح القدس. في سنة 823، من شهر سبتمبر، تم وضع الأساسات. وقد وضع يوحنا البيريود، تبارك ذكره، الحجر الأول. وكان مارا هو الذي كتب (النقش). وكان أناس وأنطيوخس هما المؤسسان.

(في الهامش) أبو سرجيوس.»

النص العربي القديم

«حفظ الإله (أو "اللهم" احفظ) : سرجو بن عبد مناف، وهلاني (أو حلاني) بن مرء القيس، وسرجو بن سعدو (أو سعدى)، وشرو (أو شراحيل)، وسيجو (أو سعدى؟).

(يتبع هذا النص كتابة قصيرة بالسريانية:) وقد أعاد بناءه أبو سرجيوس، وأنطيوخس، ومقيم (أو مقيم بن تيماي)، وماري.»

تفسير وتحليل النقوش

يكشف تحليل النصوص الثلاثة عن طبقات متعددة من المعلومات والمساهمين في هذا المشروع المعماري والديني:

النص اليوناني (الطابع الرسمي والإداري): يركز على الجانب الرسمي والإداري للمشروع. فهو يحدد بدقة تاريخ بدء البناء باستخدام الشهر المقدوني الرسمي، ويُعرِّف المبنى القانوني بأنه "صرح شهيد" (martyrion) مخصص للقديس سرجيوس. كما يسرد أسماء الشخصيات الرئيسية المتبرعة (مثل عزيزوس) وأسماء المهندسين المعماريين (سمعان وليونتيوس)، مما يعكس دور النخبة البيروقراطية والفنية.[7]

النص السرياني (الطابع الكنسي والمحلي): يعكس الاهتمامات الكنسية والمحلية. يبدأ بصيغة دينية ("المجد للآب...")، ويذكر اسم يوحنا "البيريود" (وهو لقب كنسي) كمن وضع الحجر الأول، مما يضفي طابعاً روحياً على الافتتاح. كما يُعرِّف الكاتب المادي للنقش (مارا) والمؤسسين المحليين (أناس وأنطيوخس)، مسلطاً الضوء على المشاركة المجتمعية المباشرة.[7]

النص العربي (الهوية المحلية والرعاية العائلية): يُعتبر الجزء الأكثر تميزاً. يتضمن قائمة بأسماء عربية (سرجو بن عبد مناف، حلاني بن مرء القيس، وغيرهم) مع الدعاء لهم بـ "حفظ الإله". هذا يشير إلى دور بارز لعرب المنطقة في رعاية الكنيسة، حيث يُخلد ذكرهم بلغتهم الخاصة. استخدام عبارة "حفظ الإله" (أو "اللهم احفظ") هي صيغة دعائية وجدت أيضاً في نقوش عربية قديمة أخرى من تلك الفترة، مما يؤكد على استمرارية التقاليد اللغوية والدينية.[8]

أهمية لغوية وتاريخية

دور في تطور الخط العربي

يُعتبر نقش زبد حلقة وصل رئيسية في فهم تطور الكتابة العربية. فهو يمثل مرحلة "العربية القديمة" (Palaeo-Arabic)، حيث تظهر الحروف في مرحلة انتقالية بين الخط المسند الجنوبي والخط النبطي من جهة، والخط العربي الإسلامي اللاحق من جهة أخرى. تختلف أشكال بعض الحروف في هذا النقش عن النقوش العربية الإسلامية المبكرة، مثل حرفي "الدال" و"الهاء"، مما يساعد الباحثين على تتبع مسار التطور الخطي.[8]

دليل على الاستمرارية الثقافية

وجود صليب فوق النص العربي في نقش زبد (كما هو الحال في نقش آخر من نفس الفترة هو DaJ144PAr 1) يؤكد على الهوية المسيحية لهذه الجماعات العربية الناطقة بالعربية. هذا يقدم دليلاً على استمرارية التقاليد الكتابية والدينية في المنطقة، حيث أن صيغة "حفظ الإله" استمر استخدامها في نقوش إسلامية لاحقة مثل نقش يزيد.[8]

الاكتشاف ورحلة النقش إلى بروكسل

تم اكتشاف نقش زبد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد المستشرق الألماني يوهان جوتفريد فيتزستين. قام العالم إدوارد ساشاو بتسجيله ونشره لأول مرة في عام 1881. ظل النقش في مكانه الأصلي بقرية زبد حتى عام 1894 على الأقل، ولكن بحلول عام 1898، وُجد بحوزة تاجر آثار في مدينة حلب. بفضل مساعي المستشرق الشهير هنري لامنس، تم شراء النقش وضمه إلى مجموعة متحف الفن والتاريخ في بروكسل بحلول عام 1904، حيث لا يزال معروضاً حتى اليوم.[9]

انظر أيضًا

وصلات خارجية

نقش زبيد: نقش ثلاثي اللغات ما قبل الإسلام باليونانية والسريانية والعربية من عام 512 م (موقع Islamic Awareness) – باللغة الإنجليزية.

المصادر

  1. ^ أ ب Fisher, Greg (2020). Rome, Persia, and Arabia: shaping the Middle East from Pompey to Muhammad. London New York: Routledge, Taylor & Francis Group. pp. 186–188. ISBN 978-0-415-72880-5.
  2. ^ Fisher, Greg (2022). The Roman world from Romulus to Muhammad: a new history. London New York: Routledge, Taylor & Francis Group. p. 634. ISBN 978-0-415-84286-0.
  3. ^ Pedersen, Johannes (1984). The Arabic book. Modern classics in Near Eastern studies. Princeton, N.J: Princeton University Press. pp. 6. ISBN 978-0-691-06564-9.
  4. ^ Fiema, Zbigniew T.; al-Jallad, Ahmad; MacDonald, Michael C.A.; Nehmé, Laila (2015). "Provincia Arabia: Nabataea, the Emergence of Arabic as a Written Language, and Graeco-Arabica". In Fisher, Greg (ed.). Arabs and empires before Islam. Oxford, United Kingdom: Oxford University Press. pp. 410–411. ISBN 978-0-19-965452-9.
  5. ^ Robin, Christian Julien (2006). "La réforme de l'écriture arabe à l'époque du califat médinois". Mélanges de l'Université Saint-Joseph. pp. 336–388.
  6. ^ Bevan, George (2015). "Arabs and Christianity". In Fisher, Greg (ed.). Arabs and empires before Islam. Oxford, United Kingdom: Oxford University Press. pp. 347–349. ISBN 978-0-19-965452-9.
  7. ^ أ ب Trombley, Frank R. (2004). "Epigraphic Data on Village Culture and Social Institutions: An Interregional Comparison (Syria, Phoenice Libanensis and Arabia)". In Bowden, William (ed.). Recent research on the late antique countryside. Late antique archaeology. Leiden: Brill. pp. 92–95. ISBN 978-90-04-13607-6.
  8. ^ أ ب ت Alhatlani, Abdullah Saad; Al-Otibi, Ajab Mohammad (2023). "A Palaeo‐Arabic inscription from the Ḥismā Desert (Tabūk region)". Arabian Archaeology and Epigraphy. 34 (1): 183–193. doi:10.1111/aae.12235. ISSN 0905-7196. Archived from the original on 2024-02-12.
  9. ^ "E01817: Greek, Syriac, and Arabic inscriptions from the door-lintel of a martyr shrine (martyrion) of *Sergios (soldier and martyr of Rusafa, S00023) in Zabad (near Anasartha, to the southeast of Chalkis and Beroia/Aleppo, north Syria). Dated 511". figshare (in الإنجليزية). 2016-08-22. Archived from the original on 2024-02-13. Retrieved 2024-02-13.