18نونبر


الذكرى الخمسون "لــعيد استقلال" المغرب

الاربعاء 23 نونبر 2005

 توني هودجز  

 
 نظمت الدولة حملة ايديولوجية واسعة احتفاءا بالذكرى الخمسين لـ " استقلال" المغرب. وشاركت القوى المتحدرة من الحركة الوطنية في هذا الجهد بوسائلها الخاصة، لتؤكدها دورها المكمل لاجهزة النظام في هذا المضمار ايضا. وتناسى يسار تلك القوى نعث "الشكلي " الذي كان يلازم في خطابه، طوال عقود، كل اشارة إلى "الاستقلال" المذكور، وحتى النقد الذاتي الجزئي الذي اتاه بنبركة قبل 43 سنة بخصوص تسوية ايكس ليبان اصبح عرضة للتجاهل، مع كل النفاق السياسي الذي صاحب الاحتفاء، قبل شهر، بالذكرى الاربعين لاغتيال صاحب النقد الذاتي. ركزت الحملة الايديولوجية على ابراز دور الملكية في معركة الاستقلال، مواصلة بذلك المعركة على الجبهة الفكرية للفوز بعقول الاجيال الشابة، مستغلة تقصير اليسار في كشف حقيقة المنعطف الذي عاشه المغرب أواسط خمسينات القرن الماضي. وقد كان من ابرز ما يكشف تلك الحقيقة تصفية جيش التحرير بالجنوب بتضافر جهود القوتين الاستعماريتين، فرنسا واسبانيا ، وتواطؤ النظام المغربي، والضعف السياسي الخطير للقيادة السياسية ليسار الحركة الوطنية. بقصد القاء الضوء على مؤامرة تصفية جيش التحرير بالجنوب، نقدم للقارئ الفصل التالي : جيش التحرير الفصل 7 من كتاب " الصحراء الغربية، أصول ورهانات حرب في الصحراء" توني هودجز

تعريب جريدة المناضل-ة





استقلال المغرب وجيش التحرير

كان وصول المغرب إلى الاستقلال في مارس - أبريل 1956 ، والنداءات إلى الانتفاضة المعلنة من قبل قادة جيش التحرير بجنوب المغرب، هما ما حدا بالصحراويين للإنتفاض لأول مرة منذ التهدئة العسكرية سنة 1934. كان جيش التحرير حركة حرب أنصار قروية بدأت في تجنيد مقاتلين في جبال الريف والأطلس المتوسط خلال صيف 1955 بعد سنتين من تنحية محمد الخامس تعسفا من قبل الفرنسيين ونفيه إلى مدغشقر، بسبب تعاونه مع حزب الاستقلال. كان جيش التحرير قد قام في أكتوبر 1955 بانتفاضة في الريف وبعض أقسام الأطلس المتوسط، وأسر عددا كبيرا من الجنود الفرنسيين. وقد كانت جبهة التحرير الجزائرية قد شرعت هي أيضا في كفاح مسلح سنة 1954؛ لذلك قررت الحكومة الفرنسية، من أجل تفادي حرب على جبهتين، أن تسعى إلى مساومة مع محمد الخامس الذي أعادته من مدغشقر يوم 31 أكتوبر وسمحت له، بعد محادثات في فرنسا، بعودة مظفرة إلى المغرب يوم 16 نونبر . لكن بدل القاء السلاح بعد هذا النصر الأول، شدد جيش التحرير ضغطه على فرنسا بينما تتواصل المفاوضات بين الحكومة الفرنسية والسلطان. جرى قتل القياد( جمع قايد) الذين لم يبدوا حماسة وطنية، وتم أسر العديد من الجنود الفرنسيين في وجدة . وسريعا ما تعززت حركة حرب العصابات قوة ووزنا، سيما بعد دمج عدد كبير من قدماء القوات المساعدة التابعين للقوات المسلحة الفرنسية، الكوم والمخازنية، الذين تخلى عنهم الجيش الفرنسي في فبراير 1956. كان جيش التحرير، لما أنهت فرنسا الحماية واعترفت باستقلال المغرب يوم 3 مارس، يسيطر على جزء كبير من الريف وجبال الأطلس وأقصى جنوب المغرب.

بعد تخلي فرنسا عن حمايتها، لم يبق لدى الحكومة الاسبانية، التي واجهت خلال الخمسينات تنامي الحركة الوطنية المغربية بحدة اقل بكثير مما فعلت السلطات الفرنسية، بديل آخر غير أن تحدو حدو فرنسا. شرع السلطان في مفاوضات مع فرانكو في مدريد، و يوم 7 أبريل 1956 اعترفت الحكومة الاسبانية بسيادة المغرب الكاملة والتزمت " باحترام الوحدة الترابية للملكة التي تضمنها الاتفاقات الدولية " (1) . غير أن فرانكو كان مصمما على الحفاظ على ما بقي لاسبانيا من مستعمرات في أفريقيا ، بما في ذلك غرب افريقيا الاسباني. واسندت إدارتها لمكتب جديد ، la Direccion General de Plazas y Provincias Africanas التي عوضت la Direcciôn Gencral de Marruccos y Colonias التي الغيت يوم 21 غشت (2) . لم يكن فرنكو آنذاك مستعدا، لا سياسيا ولا ايديولوجيا، لقبول امكان تخلي اسبانيا عن " مهمتها الاستعمارية" في أفريقيا، وكان فضلا عن ذلك بحاجة إلى قاعدة آخرى للفيف الأجنبي الذي سينسحب من شمال المغرب. لم تكن القوات الاسبانية المرابطة هناك تقل عن 175000 رجل منهم 65000 إسباني، ولم يكن الضباط راضين بنهاية الحماية. جرى انزال وحدات عديدة في إفني وفي الصحراء أو في جزر كناريا. علاوة على أنه، رغم انعدام أي قيمة اقتصادية لافني، كان الجنرال فرانكو يعلم منذ سنوات عديدة أن باطن أرض الصحراء الغربية ينطوي على ثروات معدنية هامة. التقى فراكو سنة 1950 خلال زيارة للعيون بعالم الجيولوجيا مانويل عاليا ميدينا، الذي اكتشف الفوسفاط في المنطقة سنة 1940 ؛ وفي سنة 1952 أحدثت Direcciôn General de Marruccos y Colonias مصلحة للمعادن ،Servicio Minero ، الذي استند مهمات اخرى للتنقيب عن الفوسفاط إلى l’Adaro de Investigacioncs Mineras ،وهي هيئة مرتبطة ب L’I.N.I. (المعهد الوطني للصناعة) (3) . وأخيرا كانت الموارد السمكية للساحل الأطلسي الصحراوي ثمينة للغاية بالنسبة لجزر كاناريا. أعلن نظام فرانكو أن له حقوقا شرعية للبقاء في إيفني وفي الصحراء الغربية. قال إن إيفني سلمت " إلى الأبد" بموجب معاهدة إسبانية- مغربية سنة 1860 ، وإن لإسبانيا سيادة مطلقة على الساقية الحمراء ووادي الذهب بموجب اتفاقات فرنسية - اسبانية لسنة 1904 و 1912 . لم يعترف الجنرال فرانكو بحقوق للمغرب سوى في جنوب المغرب الاسباني ، الذي كان أدمج في منطقة الحماية الاسبانية بموجب اتفاقية سنة 1912 وانسحب في أبريل 1958 .

غير أن خبر نجاح الكفاح من أجل الاستقلال في المغرب وصل بسرعة إلى الصحراء. كان رحل الصحراء الغربية والمناطق المجاورة يترددون بكثرة على كولميم أو أسواق واد نون وباني الأخرى: هناك علموا أن مقاتلي حرب العصابات يسيطرون على جزء كبير من الريف المغربي . تكونت نواة لحرب العصابات في بداية الأمر جنوب المغرب سنة 1954 في تزنيت من طرف إبراهيم النمري (إبراهيم تزنيتي )، لكنها لم تصبح حركة جماهيرية حقيقية إلا سنة 1956. وأثناء ندوة عقدت في مدريد من طرف زعماء جيش التحرير في يناير 1956، أحدثت ثلاث مناطق عملياتية، في الريف وفي الأطلس المتوسط والأطلس الكبير وفي الجنوب حيث سلمت قيادته العامة لبنحمو المسفيوي، قائد سابق لحرب العصابات في الريف. عندما قام المخازنية والكوم، غالبا بعد نهب مستودعات الاسلحة، بالانضمام بقوات جيش التحرير أصبح هذا سيدا على جزء كبير من جنوب سوس والأطلس الصغير والمناطق الواقعة جنوب تلك الجبال خلال ربيع 1956 ، مقيما المراكز الرئيسية لقيادته العامة في تزنيت و بويزكارن و كولميم. كان بعض الضباط الفرنسيين باقين في تلك المناطق بأماكن معزولة: أختطف إثنان منهم في يونيو وفي أكتوبر 1956 ولن يظهر لهها اثر أبدا(4).

كان على حكومة الملك محمد الخامس بالرباط ان تنتظر سنتين بعد نهاية الحماية كي تتمكن من السيطرة شيئا ما على الأحداث التي تجرى في تلك المناطق. رغم ذلك لم يرغب محمد الخامس في الترخيص للجيش الفرنسي، الذي لازال آلاف من جنوده بالمغرب، لاعادة ارساءالنظام بالجنوب لأنه يخشى أن يثير بذلك غضب الوطنيين ؛ وبمعنى ما، لم يكن مغتاظا إلا خلال سنة 1956 ، عندما ركز جيش التحرير عملياته في أقصى جنوب مملكته أي بعيدا عن مراكز البلد الكبرى الاهلة بالسكان. بيد أنه لم يكن ُينظر إلى قادة حرب العصابات بعين الرضا لا من طرف زعماء حزب الاستقلال، الذين لقوا صعوبات جمة في محاولة اخضاعهم لسلطة الحزب أو من طرف القصر، الذي اعتبر أؤلئك "غير النظاميين" خطرا كامنا على الملكية وسعى إلى دمجهم في الجيش النظامي الجديد، القوات المسلحة الملكية (F.A.R). كانت القوات المسلحة الملكية غداة تأسيسها سنة 1956 مكونة من الوحدات المغربية القديمة في الجيش الفرنسي والاسباني وحوالي ألفين من الضباط وضباط الصف الفرنسيين، وكان رئيس هيئة أركانها ولي العهد الامير الحسن. كان كل قائد من جيش التحرير، يتمكن في جعل أكثر من مائة مقاوم يلقون السلاح ، ُيجازى بمنصب ضابط في صفوف الجيش النظامي. على هذا النحو التحق حوالي عشرة آلاف من قدماء جيش التحرير مع نهاية سنة 1956 بالقوات المسلحة الملكية ليصل بذلك عددها إلى ثلاثين ألف رجل(5). لكن كان ثمة آلاف من غير النظاميين الآخرين، لاسيما بالجنوب، رفضوا إلقاء السلاح والانضمام إلى القوات المسلحة الملكية. لا بل كان العديد من قادة النضال ضد المحتل مصابين بخيبة امل بفعل مساومة محمد الخامس مع فرنسا بعد الاستقلال . " بدأ البعض يتساءل إذا لم تكن ثورتنا قد فشلت بعد الإعلان عن الاستقلال ، ذلك ما سجلته في غشت 1956 الهيئة العليا لجيش التحرير وحركة المقاومة بالمدن، أي المجلس الوطني للمقاومة. ليست الانتصارات التي حققناها لحد الآن انتصارات إلا بالقدر الذي نتج عنها تحرير السيادة المغربية في مجال الدبلوماسية والعدالة. ولم تتحقق التحولات المطلوبة في الوضع الداخلي، أكثر من ذلك لم يظهر أي تحول يستحق الذكر"(6). وبوجه خاص، كان قبول محمد الخامس لبقاء عدة آلاف من جنود فرنسا على تراب المغرب، بينما فرنسا تحارب جبهة التحرير الوطنية في الجزائر، قد أذهل كثيرين. في الواقع، كان نضال المغرب من أجل استقلاله يندرج، بنظر العديد من زعماء حرب العصابات، في نضال تحرر المنطقة المغاربية والعربية بوجه عام. وقد جرى في يونيو 1955 تشكيل لجنة تنسيق جيوش تحرير المنطقة المغاربية، وبعد استقلال المغرب، بدأت بعض مجموعات جيش التحرير المغربي تشارك في تزويد جبهة التحرير الوطني بالسلاح سريا.

الانتفاضات في إيفني وفي الصحراء

على نفس المنوال، كان رجال بنحمو المسفيوي بجنوب المغرب، يشجعون قبائل أيت بعمران في إيفني والصحراويين على الكفاح من أجل حريتهم وقدموا لهم الدعم. وانضمت مجموعة من حوالي خمسة وعشرين صحراويا، منهم شاب ينتمي للركيبات اسمه عبا الشيخ، إلى جيش التحرير جنوب المغرب سنة 1956 ، وأرسل فيما بعد إلى الصحراء لتشجيع الرحل على الانتفاضة (7). كانت حجتهم أن النجاح في إرغام فرنسا وإسبانيا على منح الاستقلال للمغرب تأكيد لإمكان طردهما من الصحراء التي لم يخضعاها إلا قبل عشرين سنة. إقتنع العديد من الصحراويين بإمكان إستعادة حرياتهم السابقة بالعودة إلى تقاليدهم القتالية، هكذا صممت العديد من الجماعات، خصوصا قبائل تيكنا والركيبات، على الاقتداء بجيش التحرير. بدأوا بتكوين وحدات من رجال حرب الغوار مشكلة حصرا من الصحراويين الذين كانوا، رغم استعمال بعض الأسلحة المتطورة المسلمة من جيش التحرير، يقتدون في تكتيكهم بتقنيات الغزوات التي مارسونها قديما.

استهدفوا في المقام الأول المراكز الفرنسية الواقعة في الحمادة قرب تندوف. هاجمت مجموعة من مقاتلي حرب الغوار، انطلاقا من قاعدة واقعة بوادي درعة، مركزا حدوديا فرنسيا في أم العشار على بعد 145 كلم شمال تندوف في يونيو 1956، وبعد فترة وجيزة سحب الفرنسيون فرقة من تقنيي التنقيب عن البترول عاملة في حاسي سيدي المنير حوالي 120 كلم بعيدا في الشمال الشرقي . وفي يوليو وقعت قافلة فرنسية قادمة من بشار إلى تندوف في كمين في الحمادة غير بعيد عن تنفوشي، على بعد زهاء 290 كلم شمال تندوف. و استمرت المناوشات في تلك المنطقة سنة 1957 حيث يهاجم جيش التحرير باستمرار المراكز الفرنسية في أم العشار وفي حاسي سيدي المنير(8). غير أن حرب العصابات وسعت مجال نشاطها عندما هاجم 200 من مقاتليها يوم 15 فبراير 1957 دورية فرنسية في شمال موريتانيا، في أكمار أحد الأبار الواقعة على بعد 80 كلم شمال المركزا لفرنسي فور ترانكي ( بئر أم غرين ). جرى قتل 3 ضباط و20 جنديا فرنسيا، بعد ذلك تجاوز المهاجمون الحدود وتوغلوا في الصحراء الأسبانية (9). أصيبت السلطات الفرنسية بالرعب. إذ أن حربا للعصابات في شمال موريتانيا تهدد مشاريع الشركة consortium العالمية لمناجم الحديد في موريتانيا ( Miferma ميفيرما) التي تأسست سنة 1952 من طرف شركات فولاد فرنسية وبريطانية وايطالية وألمانية غربية ومن طرف المكتب المنجمي لفرنسا ما وراء البحار، التابع للحكومة الفرنسية، وذلك بقصد إقامة صناعة منجمية قرب فور غورو ( الزويرات) - حيث اكتشف معدن الحديد سنة 1935 - وارساء بنية تحتية ضرورية مثل خط سكة حديدية يبلغ حوالي 650 كلم مفضي إلى البحر ومنشآت مينائية في بور إتييان (نواديبو). يملك الفرنسيون زهاء 55 % من اسهم ميفيرما وتتطلع حكومة فرنسا، من أجل تمويل مشروع الزويرات، إلى الحصول على قرض مهم من البنك العالمي . والحال أن نيل قرض مماثل متعذر في حالة حرب عصابات(10). و من جهة أخرى لن يروق لفرنسا سياسيا، وقد باتت في حرب ضد جبهة التحرير في الجزائر، ان تواجه انتفاضة في الصحراء. كما كانت الهجمات تعرض للخطر سعي فرنسا إلى إقامة حكومة مستقلة في موريتانيا، طبقا لقانون- اطار حول أفريقيا الفرنسية، المصادق عليه في يونيو 1956 من أجل حماية المستعمرات الفرنسية في أفريقيا السوداء من الرياح الثورية الآتية من شمال الصحراء ، والقاضي بتولي جامعي بارز، المختار ولد دادا - عضو في قبيلة زوايا الترارزة ذات النفوذ والمنتمية لأولاد بيري - في ماي 1957 ، وظيفة نائب رئيس مجلس حكومة جديد برئاسة الحاكم (11).

هذا ما دفع ، اياما بعد هجوم اكمار، إلى تنظيم ندوة عسكرية في تندوف. حضرها الجنرال إيلي Ely رئيس هيئة اركان القوات الفرنسية وكدا الجنرال غابرييل بوركوند Gabriel Bourgund ، قائد القوات الفرنسية في غرب أفريقيا الفرنسي، والجنرال ووني كونييه René Cogny ، قائد القوات الفرنسية الباقية بالمغرب، وعسكريين آخرين من مراتب عليا في غرب افريقيا الفرنسي وفي الجزائر. أعلن كاتب الدولة للقوات المسلحة يوم 26 فبراير 1957 أن "الندوة العسكرية التي انعقدت في تندوف اتاحت اتخاد إجراءات أمنية اتجاه عصابات ما يسمى بجيش التحرير المغربي التي تعبر الصحراء الاسبانية وواد الذهب وتلجأ اليها بعد إغارتها على التراب الفرنسي(12)". و ساد لدى الفرنسيين انطباع العودة إلى غزوات عهد ما قبل 1934 ، حيث كان المتمردون المناهضون للوجود الفرنسي يلجؤون إلى التراب الاسباني. هكذا أذن غاستون دوفير Gaston Defferre ، وزير أراضي ماوراء البحار في حكومة غي موليه Guy Mollet ، للمفوض الأعلى في غرب افريقيا الفرنسي، غاستون كوزان Gaston Cusin ، للقيام بمطاردة ضارية للمتمردين على التراب الاسباني . " دلت أحداث موريتانيا الاخيرة من جهة ان المتمردين استفادوا من تسهيلات في التراب الاسباني للتحرك والتجمع وإقامة قواعد التموين والانطلاق، ومن جهة أخرى أنه تعذر علينا القضاء نهائيا على تلك العصابات لعدم تمكننا من مواصلة عملنا خلف الحدود . قررت إذن أن أرخص لكم، في حالة هجوم جديد للمتمردين، بملاحقتهم وتدميرهم بكل الوسائل دون مراعاة تلك الحدود" (13) . وقد كان الجنرال روخو Rojo ، قائد القوات الاسبانية في الصحراء الغربية، قد وافق ضمنيا على هكذا ملاحقات ؛ وأكدت ذلك السلطات الاسبانية في لقاء مع الضباط الفرنسيين في فور إيتيان(نواديبو) يوم 25 فبراير . وبعد يوين أعلن كوزان في دكار :" مدتنا السلطات الاسبانية في وادي الذهب بكامل عونها أثناء أحداث موريتانيا الاخيرة ، لكن في حدود ما كان بوسعها من الوسائل العسكرية التي كانت محدودة جدا (14)".

استبعدت الحكومة المغربية، من جهتها، كل مسؤولية لها عن هجمات جيش التحرير. صرح أحمد بلافريج ، وزير الشؤون الخارجية يوم 8 مارس في دكار، عاصمة غرب أفريقيا الفرنسي ، بعد لقائه بغاستون كوزان، ان " الاحداث" سببتها "عناصر قلنا أنها غير متحكم بها ومن الصعب التحكم بها (15)".

عينت مدريد في يونيو حاكما عاما جديدا لإدارة غرب افريقيا الاسباني l’A.O.E. وصل الجنرال ماريانو غوميز زامالوا Mariano Gômez Zamalloa إلى إيفني لتولي مهامه بالضبط لحظة تفجر العنف في تلك الحبيسة (الأرض المحصورة) التي كانت حتى تلك اللحظة هادئة. إغتال الوطنيون يوم 16 يونيو جنديين مغربيبن عاملين بالجيش الاسباني. وردت السلطات الاستعمارية بإغلاق مقر حزب الاستقلال بالمدينة وأوقفت العديد من المناضلين ونفتهم إلى جزر كاناريا . عندها بدأت الاضرابات ومقاطعة الادارة الاسبانية، ويبدو أن العديد من المتظاهرين الوطنيين قتلوا(16 ). كانت ثمة اسباب عديدة تدعو غوميز زامالوا إلى التخوف. فقد تكون احداث إيفني مقدمة لهجوم من جيش التحرير الذي لم يسبق، لحد الآن،ان ضرب الاسبان لكنه اكتفى بعبور التراب الاسباني في الصحراء للاغارة على الفرنسيين في موريتانيا. وكان يعلم أن ليس لديه ما يكفي من مقاتلين وعتاد ليدافع، في حال هجوم من جانب المتمردين، عن أصغر المراكز الأمامية في إيفني أو الصحراء الغربية. كان غوميز زامالوا جاهزا تماما، في تلك الظروف، للتعاون العسكري مع الفرنسيين. إلتقى يوم 12 يوليو ، فور تعينه، الجنرال بوركوند في فيلا سيسنيروس(الداخلة)، وأذن للقوات الفرنسية بالتقدم 80 كلم داخل التراب الاسباني بغية ملاحقة مقاتلي جيش التحرير، وقبل قيام الطيران الفرنسي بجولات استطلاع على مسافة 100 كلم داخل الحدود الاسبانية. لكن لسوء حظ الجنرال بوركوند، لم يحصل غوميز زامالوا على تعزيزات واضطر للتخلي عن كل المراكز الإسبانية الواقعة داخل الصحراء الغربية تقريبا، بما فيها السمارة، من أجل الدفاع عن المنشآت الساحلية وفيلا سيسنيروس والعيون وطرفاية (17).

آنذاك، كان الجنرال بوركوند يفكر مليا في خطة هجوم مضاد فرنسي إسباني ستسمى أوراغون (الاعصار). وعندما التقى مجددا غوميز زامالوا في داكار يوم 20 شتنبر، قبل هذا الأخير الفكرة كليا. لا ينقصهما سوى نيل موافقة حكومتي باريس ومدريد. بعد شهرين سيدرك الجنرال فرانكو ماكان جيش التحرير يمثل من تهديد فعلي لما اجتاح مئات من مقاتليه يوم 23 نونبر مدينة إيفني وهاجموا في الآن ذاته سبعة من المراكز الحدودية. وسقط بعضها توا بيد المتمردين، فوجب استقدام تعزيزات من جزر كاناريا. أرسل الطيران الاسباني طائرات Messerschmitts المستعملة في الحرب العالمية الثانية للقيام بعمليات قصف، وهاجمت حسب ولي العهد الحسن أهدافا في إقليم اكادير وإيفني ، بينما وصل أسطول صغير من أربعة سفن حربية إسبانية إلى جزر كاناريا ثم اخترق المياه الاقليمية المغربية على بعد كلمترين من سواحل أكادير يوم 7 دجنبر. واستعادت القوات الاسبانية في نفس الأسبوع المراكز الرئيسية التي سيطرعليها مقاتلو جيش التحرير في نونبر(18). لكن فجأة امرت الحكومة الإسبانية بالتراجع. وأعلنت يوم 11 دجنبر أنه " تم الجلاء عن كل المراكز المعزولة التي تشرف عليها حاميات صغيرة في أراضي إيفني لاتاحة قيام القوات الاسبانية بعمل منسق ضد عصابات المهاجمين التي لازالت في الحبيسة وضد التي قد تلتحق لتعزيزها. وقد تمكنت القوات الإسبانية في 48 ساعة الأخيرة من إتمام ارساء الآلية الجديدة التي ستمكنها من بسط سيطرتها على الأراضي ". وأضافت الحكومة أن 62 من الجنود الاسبان لقوا مصرعهم هناك(19). وكان الجنود الإسبان بمنطقة إيفني (7000 إلى 8000 ) متحصنين في رقعة صغيرة ممتدة على زهاء عشرين كلم فقط بعيدا عن العاصمة سيدي إيفني . ظلت القوات الاسبانية، طيلة حوالي إثنى عشر سنة، متربصة في تلك الحبيسة الصغيرة التافهة الذي لا يتعدى سكانها، المعتمدين كليا على التموين القادم من جزر كاناريا، 24 الف نسمة. ولم يكن ثمة أبدا أي سعي إلى استعادة الأراضي المتخلى عنها في دجنبر 1957 .

خلال تلك الفترة، كان جيش التحرير قد بدأ هجماته في الصحراء الغربية. وصل مقاتلون منه يوم 29 نونبر إلى منارة رأس بوجدور غير المحروسة عمليا وقبضوا على الجنود الإسبان السبعة الموجودين بها و خربوا المنارة وعطلوها عدة ايام . وأعلن وزير الحرب في مدريد يوم 3 دجنبر أن مقاتلي جيش التحرير هاجموا قافلة إسبانية في أربعاء مستي قرب العيون(20). وجرت مواجهة آخرى على بعد 20 كلم من العيون يوم 22 دجنبر. و هاجم جيش التحرير يوم 3 يناير 1958 مواقع إسبانية في العركوب مقابل فيلا سيسنيروس ( الداخلة)، من الجانب الآخر من خليج واد الذهب(21).

عملية أوراغون (الإعصار) ouragon -*-

كانت فكرة عملية عسكرية مشتركة مع الجيش الفرنسي تزداد اغراء للحكومة الآسبانية؛ وكان ذلك طبعا اعترافا بنقص مهول في وسائل اسبانيا العسكرية، لكن مدريد صرفت النظر عن ذلك الاذلال. كانت لذلك العمل العسكري المشترك ميزة أخرى: قدم لإسبانيا فرصة فريدة للتحرر من الخزي الدولي وفك ما تعاني من عزلة منذ الحرب العالمية الثانية. غير أن كوزان وبوركوند إصطدما، في باريس، بنوع من التحفظ من جانب الاشتراكيين الفرنسيين الموجودين بكثرة في حكومة فليكس غايار Félix Gaillard الذي وصل إلى السلطة في نونبر: لم يرقهم منظور خوض عملية عسكرية مشتركة مع جيش فرانكو. لذلك قيل أن كوزان وبوركوند نظموا " تمثيلا سنيمائيا " بقصد الضغط على الحكومة الفرنسية. هكذا يبدو أنه جرى تشجيع المختار ولد دادا على اعلان انذار يوم 16 دجنبر طالبا من الجيش الفرنسي التدخل عسكريا في ظرف 48 ساعة ضد عصابات جيش تحرير في واد الذهب(22). نظم كوزان وبوركوند في اليوم الموالي في أتار، و يوم 19 دجنبر في بور إتييان، لقاءات إخبارية مع الضباط الفرنسيين المرابطين شمال موريتانيا. كانت الجيوش والمعدات جاهزة للقيام بهجوم مضاد واسع في الصحراء الإسبانية. فضلا عن ذلك، إستفاد بوركوند وكوزان من حدث غير منتظر: جاء أحد قادة مقاتلي حرب العصابات إلى فور ترانكي ليخبر بوقوع انشقاق في جيش التحرير وطلب اسلحة لكي يتدخل. يتعلق الامر بخاطري ولد سعيد ولد الجماني، شيخ من البيهات، إحدى أكبر القبائل المنتمية لركيبات الشرق. يبدو انه أعتقل شخصيا مع العديد من الركيبات الآخرين من طرف زعماء حرب العصابات المغاربة(23)، و تمكن من الفرار متخفيا في هيئة امرأة. و بعد اسابيع كتب يوم 15 يناير 1958 إلى كوزان " باسم كل زعماء ركيبات زمور " لكي يطلب منه " السلم والدعم ضد جيش التحرير الذي يهاجمنا على أرضنا، مسببا خسائر للبلد والممتلكات والأشخاص". وأضاف: " يتمثل هذا الدعم، بوجه خاص، في الدفاع عن أرضنا، الممتدة من خاراوي إلى المحيط الأطلسي، ومن ساحل أدرار سوتوف إلى كدية إيدجيل، والى بئرأ م غرين، و إلى تندوف، والى وادي درعة. ذلك هو البلد الذي نلتمس دعمكم من أجل الدفاع عنه"(24). إلتحق زعيم آخر لركيبات الشرق يوم 19 يناير، حبوها ولد الحبيب، بالفرنسيين في عين بن تيلي .

لا يُعرف سوى القليل عن أسباب تلك الردة. قد يكون السلوك الغربي للثوريين المغاربة الشباب القائمين على رأس جيش التحرير أغاظ الرحل الزهد والتقليدويين (25). وربما ايضا قد يكون بعض رجال حرب العصابات الصحراويين يكنون حقدا لأولئك المغاربة، وكلهم تقريبا من الامازيغ - الذين أقصوهم من قيادة الحركة. علاوة على أن أمرا بالتراجع نحو شمال الصحراء، صدر في شتاء 1957- 58 ، اثار شكوكا لدى الصحراويين الذين اعتقدوا أن بنحمو المسفيوي والقادة الآخرين يتلاعبون بهم كي يستعملوهم لاحقا. لماذا ُطلب من مجموعات مقاتلي حرب العصابات أن تتجمع شمال درعة عندما تراجع الإسبان نحو الساحل(26)؟ هل كان السبب عزم قادة الحركة المغاربة على إستعمال الصحراويين لوقف تقدم القوات المسلحة الملكية في الجنوب المغربي؟

عندما علم كوزان بما يفترس جيش التحرير من خلافات ومشاعراحباط، إقتنع بوجوب إطلاق عملية اوراغون (الإعصار) دون تأخير. جرىاستعراض الوضع يوم 30 دجنبر، في باريس، أثناء اجتماع لجنة وزارية مشتركة أستدعيت لمناقشة أحداث موريتانيا . كانت دعوات المختار ولد دادا، وقضية خاطري، وشبه تيقن من غض محمد الخامس الطرف عن حملة عسكرية ضد مسلحين غير نظاميين كثيرا ما حذر منهم، عناصر كافية لإقناع الوزراء ليأذنوا لعملية اوراغون. تلقى سفير فرنسا بمدريد، البارون غي دو لاتورنيل، الأمر من الرئيس غايار بالسعي إلى لقاء فوري بوزير الشؤون الخارجية الإسباني، فرناندو ماريا كاستيا. قبل هذا الأخير عملية اوراغون بلا تردد، وبعد ايام قلائل التقى ضباط فرنسيون واسبان لمناقشة خطة الهجوم. وفي الآن ذاته، قامت الحكومة الإسبانية، كي تبرز أنها لن تستسلم للمتمردين، بالمصادقة يوم 10 يناير 1958 على قانون يلغي غرب افريقيا الاسباني، ويحول الصحراء الإسبانية وإيفني إلى "إقليمين " إسبانيين(27). لم يعد هذان الإقليمان مستعمرتين، بل " جزءا من إسبانيا". أصبح الحاكم العام السابق، الجنرال غوميز زامالوا، حاكما عاما لإيفني ، وعين ضابط كبير آخر بالجيش، الجنرال خوسي هيكتور فاسكيز José Héctor Vàzquez ، حاكما عاما لإقليم الصحراء الجديد (28).

غير أن جنوب المغرب الإسباني ُفصل عن الإقليمين الجديدين، مما دفع إلى اعتقاد أن إسبانيا ستنهي "حمايتها" بتلك المنطقة. في الواقع كان كاستيا قد وعد، أثناء محادثات مع محمد الخامس وأحمد بلافريج في طنجة من 15 إلى 17 شتنبر 1957، بالجلاء عن الأراضي الواقعة بين درعة وخط العرض 27° 40’ فور استتباب القوات المسلحة الملكية النظام في جنوب المغرب وانهاء هجمات جيش التحرير(29). لكن إسبانيا لم تتحرك لحد الآن. ونشرت الحكومة الإسبانية يوم 7 دجنبر بلاغا يذكر أنها أثارت مند ستة أشهر "على نحو حبي، لكن بالحاح، إنتباه السلطات المغربية إلى الوضع غير العادي المتمثل، بالنسبة لدولة ذات سيادة، في عدم التحكم الفعلي بمنطقة شاسعة جنوب سلسلة جبال الأطلس، وهو وضع غير جديد في تاريخ المغرب فضلا عن ذلك". و أضاف البلاغ أن الحكومة الإسبانية ستخل بواجب المسؤولية الدولية إن هي تخلت عن منطقة الجنوب تلك للخارجين عن طاعة جلالة ملك المغرب واالرافضين الامتثال لقانون وإنضباط ملكهم الشرعي (30).

في يناير وفبراير، بينما كانت تكتمل الإعدادات لعملية أوراغون، واصل المقاتلون الصحراويون هجماتهم. اغاروا ليلة 12 يناير على مراكز إسبانية معزولة قرب العيون. وفي صباح اليوم الموالي، غادر جنود من اللفيف الاجنبي العاصمة للقيام بعملية مطاردة. وجدوا تركزا كبيرا للمتمردين في الدشيرة على بعد عشرين كلم، فقاتلوهم طلية يوم كامل. وأعلنت سلطات مدريد بعد أيام سقوط 51 جنديا إسبانيا بين قتيل وجريح(31). في غضون ذلك كان العسكريون الفرنسيون والإسبان في لاس بالماس و دكار يضعون اللمسات الأخيرة على خطة أوراغون. يتعلق الأمر بعملية خاطفة على مرحلتين: الساقية الحمراء أولا لاستعادة السمارة، ثم وادي الذهب. ستأخذ المناورات الإسبانية التي ستعبئ 9000 جندي و60 طائرة إسم أعلى قمة في جزر الكناري ، جبل تيد Teide ، و من جانب فرنسا التي ستعبئ 5000 جندى و70 طائرة سيطلق على العملية اسم مشفر " إكوفيون" (الممسحة). وبقصد تفادى الإصطدام بالقوات النظامية المغربية، التي شرعت في مناورات في مناطق جنوب المغرب التي يراقبها جيش التحرير، صدر الامر بعدم تجاوز خط عرض 27°40’. تقرر ان تتواصل العملية طيلة أسبوعين وتستهدف توجيه ضربات مباغثة وعنيفة للمقاتلين الصحراويين(32). كانت القيادة العامة للجيش الفرنسي بيد الجنرال بوركوند ومن الجانب الإسباني بيد القبطان العام لجزر كناريا، المقدم لوبيز فالونسيا، والحاكم العام الجديد في الصحراء الإسبانية ، الجنرال هيكتور فاسكيز . وتحسبا لرد فعل معاد من المنظومة الدولية، وجب إيجاد ذريعة لتبرير إنطلاق العملية. وفي أواخر يناير وقع تبادل إطلاق نار بسيط ، بيم مجموعة متمردين وبعض الجنود الموريتانيين على بعد 50 كلم من فور ترانكي ، فكان ملائما تماما للرئيس غايار. حدد يوم 6 فبراير لإنطلاق العملية، ثم أجل أربعة أيام بسبب الظروف الجوية(33).

يوم 10 فبراير، بينما غادرت القوات المؤللة بقيادة الجنرال هيكتور فاسكيز العيون وطرفاية، إنطلقت القوات الفرنسية من تندوف ومن شمال موريتانيا، وتخطت الحدود واتجهت نحو الساقية الحمراء. وأنزل مظليون إسبان فوق السمارة. وتمت يوم 20 فبراير المرحلة الأولى من العملية بنجاح. ومع أن العواصف الرملية مكنت متمردين كثيرين من الفرار نحو الشمال، دون رصدهم، للإلتحاق بقواعد جيش التحرير في وادي درعة، فإن القوات المسلحة الإسبانية إستعادت العديد من المراكز المهمة داخل الصحراء، مما نال كثيرا معنويات المتمردين. وتقدمت القوات الفرنسية والإسبانية بين 20 و 24 فبراير نحو وادي الذهب،واستعادت بئر انزران وأوسرد وأكراشا والمراكز الأخرى المتخلى عنها. قتل خلال العملية كلها 8 جنود إسبان و7 جنود فرنسيين(34 ).

كتب خاطري ولد سعيد ولد الجماني إلى كوزان " ليشكره باسم كافة سكان الصحراء لما قدم وما سيقدم لهم". أما المتمردون، فقد بلغ سقوط معنوياتهم، بعد عملية أوراغون، مستوى زالت معه كل رغبة في النضال(35). وتفاقمت الإنشقاقات داخل جيش التحرير وانتهت بتمرد ضد قادة الحركة المغاربة في طانطان، وهو مركز بجنوب المغرب الإسباني لكن الجيش الإسباني جلا عنه سنة 1957( 36 ). هذا فضلا عما اصاب الحركة من وهن بفعل الفرار من الجيش. يجهل العديد من رجال حرب العصابات مصير أهلهم خلال عملية أوراغون، وفقدوا قسما كبيرا من ماشيتهم. فذهب العديد من المتمردين المصابين بخيبة امل من درعة نحو الساقية الحمراء ووادي الذهب أو شمال موريتانيا كي يتأكدوا من ضمان إمكان الافادة من مراعيهم القديمة. واستحدثت فرقة خاصة في موريتانيا لاستغلال اجباط المتمردين. ووزعت هبات وصل مبلغها 4،15 مليون فرنك CFA للمنسحبين من جيش التحرير للالتحاق بأحد المراكز الأمامية الفرنسية في شمال موريتانيا. وبحساب ثمن ما وزع من دقيق وشاي وارز وملابس واغذية أخرى، يبلغ مجمل ما انفق 20 مليون فرنك CFA(37). و أدى ثلاثة آلاف من الركيبات قسم الولاء أثناء الحفلات الخاصة المنظمة في فور غورو وفور ترانكي يوم 10 و 11 أبريل، بحضور المختار ولد دادا، الذي أعلن بتشدق أن التحاقهم عين الصواب لأنهم، بصفتهم "بيضان"، موريتانيون وليسوا مغاربة. وصرح في فور غورو:" أنتم الركيبات رجال هذه المنطقة من شمال موريتانيا، لكنكم أبناء موريتانيا الكبرى، لأننا نريد خلق الأمة الموريتانية، أي أن موريتانيا ستصبح قبيلة كبرى تمثل فيها القبائل الحالية مجرد أسر. بالإتحاد، يمكننا لوحدنا أن نصل إلى كل شيء: وبانفراط عقدنا سنضعف، ولن يؤدي ذلك سوى إلى تشجيع مطامع أعدائنا(38)". وبعد فترة وجيزة، من 2 إلى 5 ماي، حضر خاطري ولد سعيد ولد الجماني مؤتمر تأسيس حزب التجمع الموريتاني ( P.R.M. ) للمختار ولد دادا في أليغ Aleg (39). في غضون ذلك، أرسل البنك العالمي في أبريل مجموعة اولى من الخبراء إلى المنطقة الغنية بمعدن الحديد الواقعة قرب فور غورو. وقرر، بعد معاينة عودة الهدوء منح 66 مليون دولار قرضا لشركة ميفرما Miferma .

خلال تلك الفترة، بدأ الجيش النظامي المغربي يستعيد تحمكه بأقصى جنوب المغرب. أعلنت اللجنة العليا للدفاع الوطني للمغرب يوم 3 مارس، بعد أسبوع من عملية أوراغون، أنها أرسلت " تعزيزات" إلى بويزكارن وإلى كولميم اللتين كانتا من القواعد الرئيسية لبنحمو المسفيوي. وبفعل رضاها على اخضاع القوات المسلحة الملكية لآخر عناصر جيش التحرير، شرعت الحكومة الإسبانية في مفاوضات مع حكومة الرباط حول موضوع اعادة جنوب المغرب الاسباني. وبعد محادثات تمهيدية بين سفير إسبانيا في الرباط ، الكوفر سوريدا Alcover Sureda وبلافريج يوم 18 مارس، إلتقى كاستيلا Castiella وبلافريج في سانترا بالبرتغال يوم 1 أبريل، ووقعا اتفاقا تستعيد بموجبه الادارة المغربية يوم 10 أبريل النقطة الوحيدة بالمنطقة الباقية تحت احتلال الجيش الإسباني، طرفاية. وستظل وحدات الجيش الإسباني بطرفاية (1500 رجل) مرابطة بها مؤقتا " في ظل نفس نظام نظيراتها بباقي التراب المغربي إلى حين توقيع اتفاق يشمل مجمل تلك القوات(40)". في الواقع وجب تأجيل حفل نقل السلط المرتقب في طرفاية يوم 10 أبريل، لأن رتل القوات المغربية المنطلق من كولميم بقيادة محمد أوفقير لم يتمكن من الوصول،إذ حاصرته مجموعة كبيرة من الصحراويين على طول وادي شبيكة على بعد 150 كلم من طرفاية(41). أخيرا جرى حفل نقل السلط يوم 22 يوليو، لما جاء ولي العهد الامير الحسن في طائرة مروحية إلى طرفاية، ونظم اجتماع مصالحة مع الشيوخ الصحراويين في بوقشيبية، قرب وادي شبيكة، ووعد بإطلاق سراح المتمردين الصحراويين المعتقلين(42).

كان السواد الاعظم من الصحراويين الذين قاتلوا في جيش التحرير وأخضعوا حاليا للحكومة المغربية يعيشون في عوز تام . كان أولئك الرجال في الواقع، باستتناء بعض التيكنا Tekna ، لا جئين من المناطق الباقية تحت مراقبة إسبانيا وفرنسا. كان الكثير منهم قد فقد قسما من قطيعه او كله، وفاقم الجفاف الرهيب الذي بدأ سنة 1959 وضعهم، ولم تعش غالبيتهم سوى بفضل مساعدة من السلطات المغربية(43). طبعا كان العديد من أولئك الرجال سعداء بنيل فرصة التجند في صفوف الجيش النظامي المغربي: إنضم إليه عدة آلاف مع نهاية نهاية 1959 (44). وابعد من ثمة شمالا، تم تدريجيا نزع سلاح آخر مجموعات محاربي جيش التحريرالمغاربة وتشتيتهم. وجرى تشجيعهم على التعاون مع الحكومة بمختلف ضروب التكتيك من جزرة وعصا، منها اغراء بوظائف في الشرطة والجيش أو الإدارة، ووعد بمنح أراضي كانت بملكية معمرين، ومنها السجن والتعذيب لاكثرهم معاندة (45).

لم يبق ثمة ما قد تخشاه السلطات الإسبانية في الصحراء الغربية من جانب جيش التحرير بعد عملية أوراغون ودخول القوات المسلحة الملكية أقصى جنوب المغرب. توقفت الهجمات وأطلق سراح 40 إسبانيا اسرهم جيش التحرير في إيفني وفي الصحراء الغربية في 1957 – 58، وذلك يوم 7 مايو 1959 أثناء حفل بالقصر الملكي بالرباط (46). ولم يقع إلا حادث منفرد بعد سنتين يوم 11 مارس 1961 عندما اختطفت مجموعة مسلحة 11 شخصا - من جنسيات أمريكية وفرنسية وكندية وإسبانية - كانوا ضمن مجموعة من تقنيي التنقيب عن البترول، عاملة لفائدة يونيون وويل union Oil والشركة الأيبرية للبترول قرب الحدود المغربية. لكنهم سقطوا بسرعة بيد القوات المسلحة الملكية وأطلق سراحهم بعد عشرة أيام من اختطافهم(47). ولم تستأنف حرب العصابات إلا بعدا إثنى عشر سنة، عام 1973 بعد تأسيس جبهة البوليساريو.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

==

- عملية أوراغون : مشهورة باسم جانبها الفرنسي ايكوفيون احالات: 1 - ذكره رشيد الأزرق ، النزاع الترابي بين المغرب واسبانيا(دار الكتاب،الدار البيضاء،1974) ص 427.