يوزف هايدن

"هايدن" تحوّل إلى هنا. لمطالعة استخدامات أخرى، انظر هايدن (توضيح).
ابراهيم العريس.jpg هذا الموضوع مبني على
مقالة لابراهيم العريس.
جوزيف هايدن
Joseph Haydn.jpg
پورتريه لهايدن، رسم توماس هاردي، 1792
الميلاد 31 مارس (أو 1 ابريل) 1732
روهرو، النمسا
الوفاة 31 مايو 1809
فيينا، النمسا

فرانز توماس هايدن Franz Joseph Haydn ( play /ˈzəf ˈhdən/; النطق الألماني: [ˈjoːzɛf ˈhaɪdən]  (Speaker Icon.svg listen); 31 March[1] 1732 – 31 مايو 1809), شهرته يوزف هايدن,[2] هو مؤلف موسيقي نمساوي وكان أشهر المؤلفين الموسيقيين في الفترة الكلاسيكية. يعد من أهم الأشخاص الذين قاموا بتطوير الآلات الموسيقية ، وقد أطلق عليه اسم أبي السمفونية لأنه قام بتطويرها من الشكل البسيط القصير التأليف الموسيقي إلى الشكل المطول المستخدم مع الأوركسترا الطويلة ، كتب أكثر من 80 مقطوعة رباعية مازال العديد منها يحظى بشهرة واسعة مثل الطائر (1781 ), ويعد الموشحان اللذان خلفهما من أفضل ما قدم وهما شروق الشمس ( 1799 ) والامبراطور ( 1799 ) ، كما كتب هايدن أوبريتات وأعمالاً صوتية أخرى .

مقدمة

كان تعاقب الفصول من أمور الطبيعة التي حيرت الانسان دائماً ودفعته الى التأمل. لدى الناس العاديين يتّخذ هذا التأمل سمات صامتة وإيماناً بأن ثمة وراء هذا الانتظام الكوني قوة ناظمة خارقة ليس من السهولة الوصول الى معرفة كنهها وغايتها. أما بالنسبة الى العلماء فإن له تفسيرات تتصل في غالب الأحيان بالإيمان الذي يعانقه بقية البشر، مع محاولة دائبة للتفسير العقلاني الذي لا يتناقض، في نهاية الأمر - وأيضاً في غالب الاحيان -، مع ذلك الإيمان. أما بالنسبة الى فريق ثالث من الناس، لا ينتمي الى عاديّي البشر، ولا الى صنف العلماء او الفلاسفة، فإن المسألة تصبح انتقالاً منطقياً من ملكوت التأمل والتفسير، الى ملكوت الإبداع. ومن هنا ما نلاحظه دائماً، وربما منذ أقدم عصور الوعي الانساني في بلاد الرافدين ومصر واليونان، من إبداع الفنانين والكتّاب أعمالاً ترتبط بتلك الفصول وتبدلاتها. والحقيقة ان هذه الأعمال هي من التعدد والتنوع بحيث يحتاج مجرد الإشارة الى عناوينها وأسماء مبدعيها صفحات وصفحات. كما انها من الجمال والجاذبية بحيث تبقى في أذهان الناس منذ لحظة إبداعها وحتى الى ما لا نهاية... وهي ازدهرت في الكتابة الشعرية وفي الموسيقى كما ازدهرت في الفن التشكيلي والروايات والمسرحيات وما الى ذلك.. [3]

حياته

خريطة توضح الأماكن التي استقر فيها أو زارها هايدن. للمزيد، انظر قائمة مقرات إقامة يوزف هايدن.
پورتريه لهايدن، رسم Ludwig Guttenbrunn، رسم ح. 1791-2، تصور هايدن ح. 1770
منظر Eszterháza


Prince Nikolaus Esterházy, Haydn's most important patron
پورتريه لموتسارت، رسم Joseph Lange


Portrait of Beethoven as a young man by Carl Traugott Riedel (1769–1832)

عندما قدم هذا العمل في فيينا للمرة الأولى عام 1801، كان هايدن يقترب من السبعين من عمره، هو الذي ولد عام 1732 وسيرحل عام 1809. كما انه كان قد حرّر نفسه من سطوة تأثير أسرة أمراء استرهازي، التي أمضى جل سنوات عمره وانتاجه الفني الكبير تحت رعايتها. ونعرف ان هايدن الذي سيكون له تأثير كبير على معظم موسيقيي الأجيال التالية له، كان يلقب بـ «الأب الشرعي للسيمفونية» و «الأب الشرعي للرباعيات الوترية»، حتى وإن كنا نعرف ان إنتاجه كان شديد التنوع وغزيراً الى درجة مدهشة، متراوحاً بين سيمفونيات عدة وسوناتات وأوبرات وأوراتوريو ناهيك بالرباعيات الوترية وضروب الكونشرتو. ولقد عاش هايدن معظم سنوات حياته وانتاجه الخصب في النمسا وتحديداً في فيينا. وبقي ان نذكر أخيراً ان لهايدن اخاً موسيقياً مثله هو ميشال هايدن ما يسبب خلطاً في الأذهان بين الاثنين حتى وإن كان معروفاً ان الاخير يقل موهبة عن اخيه بدرجات.

من الأيسر علينا أن نحب هايدن، فهاهنا رجل لم يتشاجر مع إنسان غير زوجته، رجل يشيد بمنافسيه كأنهم أصدقاؤه، رجل أشرب موسيقاه بالمرح، وكان بمزاجه الفطري عاجزاً عن المأساة.

ولم يحبه الحظ شرف المولد. فقد كان أبوه صانع عربات ونقاشاً في روراو، وهي مدينة صغيرة على الحدود بين النمسا والمجر. أما أمه فكانت طاهية لأشراف هاراش وكان أبواه كلاهما من أصل سلافي كرواتي لا ألماني. وكثير من ألحان هايدن تردد صدى الأغاني الكرواتية. وكان الثاني بين اثني عشر طفلاً مات ستة منهم في مستهل طفولتهم. وقد عمد باسم فرانتس يوزف هايدن، ولكن كان من المألوف يومها أن ينادى الأطفال باسمهم الثاني.

فلما ناهز السادسة أرسل ليعيش مع قرب يدعى يوهان ماتياس فرانك، صاحب مدرسة في هاينبورج. هناك كان يومه يبدأ بدروس في الفصل من الساعة السابعة إلى العاشرة، ويلي القداس، ثم الرجوع للبيت لتناول الغداء، ثم دروس من الثانية عشرة إلى الثالثة، ثم دروس في الموسيقى. وقد درب على التدين ولم يفقده قط. وكانت أمه تتوق إلى تخرجه قسيساً، وأحزنها حزناً عميقاً اختياره حياة الموسيقى التي لا ضمان لاستقرارها. على أن فرانك شجع ميل الطفل للموسيقى وعلمه كل ما في طاقته أن يتعلمه، وألزمه نظاماً صارماً للدرس. وقد ذكر هايدن في شيخوخته هذا الرجل وغفر له قائلاً "سأكون ما حييت شاكراً لذلك الرجل أنه الزمني العكوف على العمل وإن اعتدت أن أنال من الجلد أكثر مما أنال من الطعام(26)". وبعد أن قضى يوزف عامين مع فرانك أخذه إلى فيينا جبورج روتير، مدير فرقة المرتلين في كاتدرائية القديس اسطفانوس، ورأى رويتر إن صوته "الضعيف الحلو" قد يجد مكاناً متواضعاً في فرقة المرتلين. وهكذا ذهب الغلام الحيي المشتاق ليعيش في مدرسة المرتلين "الكانتوربي" الملحقة بالكاتدرائية. وهناك كان يتلقى دروساً في الحساب والكتابة واللاتينية والترتيل والكمان. ورتل في الكاتدرائية وفي المصلى الإمبراطوري، ولكنه كان لا ينال إلا أتفه الغذاء، فكان يرحب بدعوات للغناء في البيوت الخاصة يستطيع أن يملأ معدته فضلاً عن إنشاد أغانيه.

وفي 1745 أنظم إليه في مدرسة المرتلين أخوه ميخائيل الذي كان يصغره بخمس سنين. وحوالي هذا التاريخ بدأ صوت يوزف يصبح أجش، فعرض عليه أن يخصى ليحتفظ بصوته السوبرانو، ولكن أبويه لم يوافقا. واحتفظ به رويتر أطول ما يستطيع، وأخيراً في 1748 وجد يوزف نفسه وهو في السادسة عشرة حراً ومفلساً، لم يؤت من حسن السمت وجاذبيته ما يكسبه رضى الحظ عنه. فقد نقر الجدري وجهه، وكان أنفه بارزاً، وساقاه أقصر مما يناسب جسمه، ولباسه رثاً، ومشيته لا رشاقة فيها، ومسلكه خجولاً متردداً. ولم يكن بعد قد حذق العزف على أي آلة، ولكنه كان في تلك الآونة يقلب الألحان في رأسه.

وعرض عليه زميل في صف المرتلين حجرة على السطح، وأقرضه أنطوان بوخهولتز 150 فلوريناً ردها إليه هايدن الأمين فيما بعد. وكان عليه أن يجلب الماء صعداً إلى حجرته العليا كل يوم، ولكنه حصل على كلافير (لوحة مفاتيح) قديم، وبدأ يعلم بعض التلاميذ، فأعانه هذا على الحياة. وكان أكثر الأيام يعمل ست عشرة ساعة بل أكثر، ويعزف على الكمان في الكنيسة، ثم على الأرغن في مصلى خاص للكونت هاوجفتز وزير ماريا تريزا، ويغني بصوت التينور بين آن وآخر في كاتدرائية القديس اسطفانوس. وكان لمناستازيو الشهير شقة في الميناء ذاته فحصل لهايدن على وظيفة معلم موسيقى لابنة صديق له، وعن طريق مناستازيو التقى هايدن ببوربورا، ووافق هايدن على أن يخدم أمير معلمي الغناء هذا على أي وجه شاء مقابل تعليمه التأليف الموسيقي. ثم تلقى دروس التأليف الثمينة، وكان ينظف حذاء المايسترو ومعطفه وباروكته ويقوم بمصاحبة بوربورا وتلاميذه على الكلافير. وقد قال هايدن وهو يذكر تلك الأيام فيما بعد "يستطيع الشباب أن يتعلموا من أن شيئاً يمكن أن يخرج من لا شيء. فكل ما أنا عليه الآن إنما هو ثمرة أوقات الشدة التي عانيتها(27)".

وعن طريق أصدقائه الجدد تعرف إلى جلوك، ودترزدورف وعدة أفراد من النبلاء. وأخذ كارل يوزف فون فورنبرج (1755) ليمكث معه طويلاً في بيته الريفي-فيتزيرل-بقرب ملك، هناك وجد هايدن أوركسترا من ثمانية عازفين واتسع بعض الفراغ للتأليف. فكتب الآن أولى رباعياته. ثم أضاف إلى هيكل الصوناتا المكون من ثلاث حركات والذي نقله عن كارل فيليب إيمانويل باخ منويتا، ودون الحركات الأربع لقطع أربع، ثم أعطى الآلية شكلها الحديث. وعاد إلى فيينا في 1756 ولفت أنظار نفر من التلاميذ النبلاء مثل الكونتيسة فون تون. ثم قبل (1759) وظيفة مدير الموسيقى للكونت مكسمليان فون مورتزن الذي كان أوركستراه الخاص المؤلف من اثني عشر إلى ستة عشر عازفاً يعزف في فيينا شتاءً، وفي فيللا الكونت بلوكافيك ببوهيميا صيفاً. ولهذه المجموعة كتب هايدن أولى سمفونياته (1759).

وإذ كان يكسب الآن مائتي فلورين في العام يضاف إليها المسكن والمأكل، فقد رأى أن في وسعه المغامرة بالزواج. وكان من بين تلاميذه ابنتان لصانع باروكات. فأغرم بالصغرى ولكنها ترهبت، وأقنع الأب هايدن بأن يتزوج شقيقتها ماريا أنا (1760). وكانت في الحادية والثلاثين وهو في الثامنة والعشرين. وتبين أنها مشاغبة متعصبة مسرفة عقيم. يقول هايدن "لا يهمها مثقال ذرة أن كان زوجها فناناً أو إسكافياً(28)". وبدأ ينظر إلى غيرها من النساء.

وكان يختلف إلى بيت مورتزن أحياناً للاستماع إلى الموسيقي الأمير يال أنطوان استرهاتسي. فلما حل مورتزن أوركستراه أستخدم الأمير هايدن (1761) مساعداً لمدير الموسيقى في مقره الريفي بأيزنشتات في المجر. ونص العقد على أن يتقاضى هايدن أربعمائة فلورن في العام بالإضافة إلى مكان على مائدة الموظفين، و "يلاحظ بصفة خاصة أنه حين يدعي الأوركسترا للأداء أما جمهور أن يبدو الموسيقيون في بزة رسمية مرتدين الجوارب الطويلة البيضاء والقمصان البيضاء...وضفيرة أو باروكة(29)". وفي أيزنشتات كان رئيس فرقة المرتلين جريجور فرنر عاكفاً على الموسيقى الكنسية، فجهز هايدن الحفلات وألف لها الموسيقى. وكان يترأس على أربعة عشر موسيقياً وسبعة مغنين وكورس أختير من بين خدم المير. وقد شارك حجم الأروكسترا الصغير، وطابع المستمعين، في تقرير نوع الموسيقى الخفيف اللطيف الذي كتبه هايدن لأسرة استرهاتسي. وأكسبته طبيعته محبة الموسيقيين ولم يمض على مجيئه إلى أيزنشتات كثير حتى راحوا يلقبونه "بابا هايدن" رغم إنه لم يتجاوز وقتها التاسعة والعشرين(30). وألف لهم الصوناتات والثلاثيات والرباعيات والكونشروتوات والأغاني والكنتاتات ونحو ثلاثين سمفونية. وكثير من هذه المؤلفات وإن كانت ملكاً للأمير حسب نص العقد نشر أو تداوله الناس مخطوطاً في فيينا وليبزج وأمستردام وباريس ولندن، ولم يحل عام 1766 حتى كان اسم هايدن ذائعاً دولياً.

فلما مات بال أنطون (18 مارس 1762) خلفه في رآسة أسرة إسترهاتسي أخوه ميكلوس يوزف الذي كاد يحب الموسيقى حبه لحلته المرصعة بالماس. وكان يحسن العزف على "الفيولادي بوردوني". (وهي شكل مختلف من أشكال الفيولادا جامبا)، وكان سيداً لطيفاً لهايدن طوال عشرتهما التي امتدت قرابة ثلاثين عاماً. يقول هايدن "كان أميري على الدوام راضياً عن أعمالي فلم احظ منه بمجرد تشجيع الاستحسان الدائم، ولكن بوصفي قائداً للأوركسترا استطعت أن أجري التجارب وألاحظ ما يحدث منها أثراً وما يضعف هذا الأثر، وهكذا كنت في وضع أتاح لي إن أحسن، وأغير..وأغامر كما أشاء. لقد كنت مقطوع الصلة بالعالم وما من أحد يشوش علي أو يعذبني، فأكرهت على الابتكار(31).

ومات فرنر في 5 مارس 1766، وأصبح هايدن رئيساً لفرقة المرتلين. وسرعان ما انتقلت الأسرة إلى القصر الجديد "قلعة هاتسي" التي كان ميكلوس قد بناها في الطرف الجنوبي لنويزيدلر زي في شمال غربي المجر. وكان الأمير شديد التعلق بهذا القصر حتى يسكنه من مطلع الربيع حتى آخر الخريف، ثم ينتقل شتاء إلى فيينا مصطحباً موسيقييه أحياناً. وكان العازفون المغنون يكرهون هذه العزلة الريفية لاسيما لأنها كانت تفصلهم عن زوجاتهم وأبنائهم ثلاثة فصول في العام، ولكنهم كانوا يتعاطون أجوراً حسنة ولم يجرؤا على الشكوى. وذات مرة أراد هايدن أن يلمح لميكلوس بأن موسيقييه مشتاقون إلى أخذ إجازة، فألف "سمفونية الوداع" (رقم 5) وفي ختامها كانت الآلة تلو الأخرى تختفي من المدونة والعازف يطفئ شمعته ويتناول موسيقاه وآلته ثم يغادر المسرح. وفطن الأمير إلى القصد فرتب الفرقة إلى فيينا في وقت قريب.

وسمح لهايدن على سبيل الاستثناء بأن يصحب معه زوجته إلى استرهاتسي، ولكنه لم يقدر هذا الامتياز. ففي 1779 وقع في غرام لويجا بولتسللي، وكانت مغنية وسطاً استخدمتها استرهاتسي مع زوجها عازف الكمان أنطونيو. ويبدو أن هايدن أحس أنه ما دامت الكنيسة الكاثوليكية لم تسمح له بتطليق زوجته المتعبة فإن عليها من قبيل الرأفة أن تسمح له بإنحرافة أو اثنتين، ولم يبذل كثيراً من الجهد في إخفاء علاقته الغرامية هذه. أما أنطونيو فقد بلغ من الكبر والمرض ما منعه من الاحتجاج الفعال، وكان يعلم أن الفضل في بقائه في وظيفته راجع إلى أن رئيس فرقته يستطب لويجا. وكانت قد قدمت إلى استرهاتسي بغلام في الثانية، وفي 1783 ولدت صبياً آخر نسبته الشائعات إلى بابا هايدن، وتعلق قلب هايدن بالغلامين جميعاً وكان عوناً لهما طوال حياته.

وخلال تلك السنوات الحافلة بالشواغل في استرهاتسي لم يتطور هايدن في فن التلحين إلا تطوراً بطيئاً لأنه افتقد الحافز والمنافسة الخارجيين، فلم ينتج شيئاً يستحق أن يذكر به إلى أن أبلغ الثانية والثلاثين-وهي سن كان موتسارت قد أكمل فيها "أعماله الكاملة" باستثناء "الناي السحري" و"القداس الجنائزي". وقد أنتج هايدن أبدع أعماله بعد بلوغه الخمسين، وأولى سمفونياته الكبرى حين قارب الستين، و"الخليقة" حين كان في السادسة والستين. وكتب عدة أوبرات تؤدى في استرهاتسي، ولكن حين دعته براغ لتقديم أوبرا فيها، ضمن سلسلة تقرر أن تحتوي على الزواج فيجارو ودون جوفاني، أحجم في رسالة كلها تواضع نبيل (ديسمبر 1787)، قال:

"تريد مني أوبرا هازلة...فإذا كان قصدك إخراجها في براغ فأني لا أستطيع أن أسدي إليك هذا الصنيع. ذلك أن أوبراتي لا تنفصل عن المجتمع الذي كتبت له، ولن تحدث التأثير المقصود منها إذا عزلت عن بيئتها الأصلية. ولكن يكون أمراً آخر أن أشرف بتكليفي بكتابة أوبرا جديدة لمسرحكم. على أنه حتى في هذه الحالة، سيكون من المغامرة أن أضع نفسي منفساً لموتسارت العظيم. ولو أنني استطعت فقط أن ألهم كل عاشق للموسيقى، خصوصاً بين العظماء، بمشاعر تبلغ في عمقها مشاعري، وفهم واضح كفهمي، وهم يستمعون إلى أعمال موتسارت الممتنعة على التقليد، إذن لتبارت الأمم على حيازة هذه الجوهرة الكريمة داخل حدودها. وعلى براغ أن تجاهد الاحتفاظ بهذا الكنز في قبضتها، ولكن بمكافأته المكافأة اللائقة. وإغفال هذا الجزء كثيراً ما يكون مصدر حزن في حياة عبقري عظيم، وتثبيط للمزيد من الجهود ولمستقبل الأيام. وأني لأشعر بالسخط لأن موتسارت لم يستخدم إلى الآن في أي بلاط إمبراطوري أو ملكي. عفواً إن كنت قد خرجت عن الموضوع، فموتسارت رجل عزيز علي جداً"(32).

وكان هايدن نفسه يتوق إلى بلاط تنشر فيه موهبته جناحيها على نطاق أوسع، ولكن كان عليه أن يقنع بالمجاملات الملكية. ووصلته الهدايا من فرديناند الرابع ملك نابلي وفردريك وليم الثاني ملك بروسيا وماريا فيودروفنا الأرشيدوقة الروسية. وفي 1781 بعث إليه شارل الثالث ملك أسبانيا علبة سعوط ذهبية مرصعة بالماس، وسافر السفير الأسباني لدى فيينا إلى استرهاتسي ليقدم إليه هذا الكنز الصغير بشخصه. ولعل لبوكيريني يداً في هذه اللفتة، وكان يومها يقيم في مدريد، لأنه اقتبس أسلوب هايدن بحماسة شديدة حتى لقد لقب بــ"زوجة هايدن"(33). ولما قرر مجلس الكاتدرائية في قادس تكليف موسيقى بوضع الإطار الموسيقي لــ"كلمات مخلصنا السبع الأخيرة" رسا التكليف على هايدن، فاستجاب بأوراتوريو (1785) لم يلبث أن أدى في أقطار كثيرة-في الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخ مبكر (1791). وفي 1784 طلب مخرج باريسي ست سمفونيات، فأتحفه هايدن بست "سمفونيات باريسية". ووصلته عدة دعوات ليقود الحفلات الموسيقية في لندن. وشعر هايدن بأنه مربوط باتسرهاتسي برباط الولاء كما هو مربوط برباط التعاقد، ولكن خطاباته الخاصة تشي بشوقه المتزايد إلى مسرح أرحب لفنه.

وفي 28 سبتمبر 1790 مات الأمير نيكلوس يوزف. ولم يكن الأمير الجديد أنطون استرهاتسي ولوعاً بالموسيقى، ففصل كل الموسيقيين تقريباً، ولكنه احتفظ بهايدن اسمياً في خدمته، ومنحه معاشاً سنوياً قدره ألف وأربعمائة فلورين، وسمح له بأن يسكن حيث يشاء. وانتقل هايدن إلى فيينا لتوه تقريباً، وتلقى الآن عدة عروض، أعجلها من يوهان بيتر سالومون، الذي صرح له بهذه العبارة "لقد جئت من لندن لآخذك معي، وسنبرم اتفاقنا غداً". وعرض عليه 300 جنيه لقاء أوبرا جديدة، و300 أخرى نظير ست سمفونيات، و200 أخرى نظير حق تأليفها، و200 أخرى نظير عشرين حفلة موسيقية في إنجلترا، و200 أخرى نظير حفلة موسيقية تحيا فيها لصالح هايدن-ومجموعها كلها 1200 جنيه. وكان هايدن يجهل الإنجليزية ويخشى عبور المانش. وتوسل إليه موتسارت ألا يضطلع بهذه الأعباء والمغامرات قائلاً "يا أبت لم تتلق أي تعليم يؤهلهم للعالم الواسع، وأنت لا تتكلم إلا القليل جداً من اللغات!" وأجاب هايدن "ولكن لغتي مفهومة في العالم كله".(34) وباع البيت الذي منحه إياه الأمير ميكلوس يوزف في أيزنشتات، ودبر معاش زوجته وخليلته، ثم انطلق إلى مغامرته الكبرى. وأنفق مع موتسارت الأيام الأخيرة قبل الرحيل، وبكى موتسارت حين رآه يرحل (إنني أخشى يا أبتاه أن يكون هذا آخر وداع لنا).

وغادر هايدن وسالومون فيينا في 15 ديسمبر 1790، ووصلا إلى لندن في أول يناير 1791. وكانت أولى حفلات هايدن الموسيقية (11 مارس) انتصاراً له. وختمت "المورننج كرونكل" تقريرها عنها بهذه العبارة "لا نستطيع أن نخفي أملنا الوطيد في أن يكون في هذا الترحيب البالغ الذي لقيه منا أعظم عباقرة الموسيقى في جيلنا هذا ما يغريه بأن يتخذ مقامه في إنجلترا"(35). ونجحت كل الحفلات الموسيقية، وفي 16 مايو أبهجت قلب هايدن حفلة أحييت لصالحه بــ350 جنيه. وفي ذلك الشهر حضر حفلة تذكارية لهندل في كنيسة وستمنستر. واستمع إلى (المسيا) وبلغ به التأثر حد البكاء، وقال في تواضع (هندل، أستاذنا جميعاً)(36). واقترح بيرني على جامعة أكسفورد أن تمنح هندل الجديد درجة فخرية، وقبل الاقتراح، وذهب هندل إلى الجامعة في يوليو، وأصبح دكتوراً في الموسيقى، وقاد هناك سمفونية في مقام G الكبير (رقم 92) وكان قد ألفها قبل ثلاث سنوات، ولكن التاريخ يعرفها منذ ذلك الوقت بسمفونية أكسفورد.. وتذكرنا حركتها البطيئة الجميلة بالأغنية الشعبية الإنجليزية القديمة "لورد راندول".

ولقد أتيح لهايدن أن يستمتع بمشهد الريف الإنجليزي الذي رأى فيه تمجيداً سماوياً للنبات والمطر، لذلك قبل مغتبطاً عقب عودته إلى لندن دعوات لبيوت ريفية. وهناك وفي لندن كسب الكثير من الأصدقاء بترحيبه بالعزف والغناء في حفلات خاصة. واتخذ له تلاميذ متقدمين في الموسيقى ليعلمهم التأليف، ومن بينهم أرملة وسيمة غنية تدعى يوهانا شروتر. ومع أنه كان في الستين، فأن هالة شهرته أدارت رأسها فعرضت عليه حبها. وقد ذكر هذا الحديث فيما بعد فقال "أغلب الظن أنني كنت متزوجها لو كنت عزباً"(37). وفي غضون هذا كانت زوجته تلح عليه في العودة. وفي خطاب أرسله إلى لويجا بولتسيللي قال متذمراً (إن زوجتي -الوحش الجهنمي-كتبت لي أشياء بلغت من الكثرة ما أكرهني على الجواب بأنني لن أعود أبداً)(38).

وراح يشتغل بهمة رغم ما أثقل ضميره وجيبه من النسوة الثلاث، فألف الآن ستاً (رقم 93-98) من سمفونياته اللندنية الأثنتي عشرة. ونرى فيها تطوراً ملحوظاً من إنتاجه في إيزتشتات واسترهاتسي. ولعل سمفونيات موتسارت قد شحذت فنه، أو لعل احتفاء إنجلترا به قد اخرج خير ما فيه، أو لعل استماعه إلى هندل حرك فيه أعماقاً لم تمسها بيئته الساكنة الهادئة في ربى المجر، أو لعل علاقاته الغرامية قد رفعته إلى العواطف الرقيقة كما بعثت فيه الفرحة البسيطة. وشق عليه إن يبرح إنجلترا؛ ولكنه كان مرتبطاً يعقد مع الأمير أنطون استرهاتسي الذي أصر الآن على عودة هايدن ليشارك في المهرجانات الممهدة لتتوج الإمبراطور فرانسيس الثاني. ومن ثم نراه يقتحم المانش ثانية في أواخر يونيو 1792، وينتقل من كاليه إلى بروكسل إلى بون، ويلتقي ببيتهوفن (الذي كان آنئذ في الثانية والعشرين)، ويحضر التتويج في فرانكفورت، ثم يصل إلى فيينا في 26 يونيو.


ولم تشر صحيفة واحدة إلى عودته، ولا نظمت له حفلات موسيقية، ولا حفل به البلاط. ولو كان موتسارت موجودا لاحتفى بمقدمه، ولكن موتسارت كان قد قضى. وكتب هايدن إلى أرملته، وتطوع بإعطاء دروس مجانية لابنه؛ وحث الناشرين على طبع المزيد من موسيقى موتسارت. ثم ذهب ليعيش مع زوجته في المنزل المحتفظ به الآن متحفاً لهايدن (هايدن-جاسي 19). وأرادته الزوجة أن يكتب لها البيت فرفض. وازدادت مشاجراته معها حدة. وقدم بيتهوفن في ديسمبر 1792، ليدرس عليه. ولكن العبقريين لم ينسجما معاً، فقد كان بيتهوفن متكبراً مسيطراً، وكان هايدن يلقبه "المغولي الأكبر"(39). وقد شغله استغراقه في عمله هو عن تصحيح تمرينات تلميذه بأمانة، ووجد بيتهوفن سراً معلماً آخر، ولكنه واصل تلقي الدروس عن هايدن. فقال الجبار الصغير "لم أتعلم منه شيئاً(40)"، ومع ذلك فكثير من قطعه الأولى تنهج نهج هايدن، وقد أدهى بعضها لمعلمه الشيخ.

وازداد تقدير القوم لهايدن في النمسا وفي روراو، فأقام الكونت فون هاراخ في روراو، عام 1792، تمثالاً لابن البلدة الذي غداً الآن ذائع الصيت، ولكن ذكرى انتصاراته وصداقاته في إنجلترا كانت لا تزال حارة، ومن ثم لم يتردد الموسيقى في الموافقة على العرض الثاني الذي قدمه لم سالومون بالذهاب إلى لندن وتكلفه كتابة ست سمفونيات جديدة. فغادر فيينا في 19 يناير 1794 ووصل إلى لندن في 4 فبراير. وكانت إقامته هذه التي امتدت ثمانية عشر شهراً في إنجلترا نصراً مؤزراً شدد عزمه كنصره الأول. وظفرت المجموعة الثانية من "السمفونيات اللندنية" (أرقام 99-104) باستقبال طيب، وخرج هايدن من حفلة أحييت لصالحه بدخل صافي قدره 400 جنيه. وكان تلاميذه يدفعون له جنيهاً إنجليزياً في الدرس، وكانت السيدة شروتر تسكن بقربة، وعاد الأثير المقرب للطبقة الأرستقراطية، فاستقبله الملك وأعداء الملك على السواء، وأمير ويلز، وعرضت عليه الملكة مسكناً في ونزر طوال الصيف إذا أطال مقامه في إنجلترا موسماً آخر. ولكنه اعتذر بأن أمير استرهاتسي الجديد يدعوه للعودة، وأنه لا يستطيع الغياب عن زوجته فترة طويلة كهذه (!). وكان الأمير أنطون قد مات، وأراد خلفه الأمير ميكلوس الثاني أن يعيد الحفلات الأوركسترالية في ايزنشتات. وهكذا غادر هايدن لندن في 15 أغسطس 1795 بعد أن حزم حقائبه وجيوبه عامرة ويمم شطر وطنه.

وبعد أن زار تمثاله في روراو قدم نفسه لميكلوس الثاني في ايزنشتات ونظم الحفلات الموسيقية لشتى المناسبات هناك. على أنه كان يقيم في بيته في أطراف فيينا باستثناء الصيف والخريف. وفي عامي 1796-97 كان نابليون يسوق النمساويين أمامه في إيطاليا، وهدد تصاعد المشاعر الثورية في النمسا نظام هابسبورج الملكي، وتذكر هايدن كيف شدت الحماسة التي أثارها إنشاد النشيد الإنجليزي "حفظ الله الملك" إزر أسرة هانوفر في إنجلترا، وساءل نفسه إلا يمكن أن يفعل نشيد قومي مثل هذا في شد أزر الإمبراطور فارنسيس الثاني؟ وتقدم صديقه البارون جوتفريد فان زفيتن (ابن طبيب ماريا تريزا) بهذا الاقتراح إلى الكونت فون زاوراو وزير الداخلية. وعين زاوراو ليوبولد هاشكا ليؤلف نصاً للنشيد، واستجاب الشاعر بنشيده "حفظ الله الإمبراطور فرنسيس، إمبراطورنا الصالح فرانسيس".

ووفق هايدن لهذه الكلمات لحناً لأغنية كوراتية قديمة، وكانت النتيجة نشيداً قومياً مؤثراً رغم بساطته. وأنشد علانية في عيد ميلاد الإمبراطور في 12 فبراير 1797 في جميع المسارح الكبرى في مملكة النمسا والمجر. وقد ظل مع بعض التغيير في ألفاظه-النشيد القومي النمساوي حتى 1938. وطور هايدن اللحن، مع تنويعات، ليصبح الحركة الثانية في رباعيته الوترية (76 رقم 3).

ثم حاول أن ينافس "المسيا" وهو ما يزال أسيراً لسحر هندل. وكان سالومون قد قدم له نصاً مصنفاً من قصيدة لمتن "الفردوس المفقود"، وترجم فان زفيتن النص إلى الألمانية، ولحن هايدن الأوراتوريو الضخم "دي شويفونج" (الخليقة). وأدى إوراتوريو "الخليقة" أمام جمهور دعى إلى قصر الأمير فون شفارتسنبرج في 29-30 إبريل 1798. وبلغ احتشاد الجمهور خارج القصر مبلغاً اقتضى معه حفظ النظام استخدام خمسين شرطياً من الخيالة (كما يؤكدون)(41). ومول الأمير حفلة عامة في المسرح القومي في 19 مارس 1799، ونفح مؤلف الموسيقى بكل دخلها (الذي بلغ أربعة آلاف فلورن). وحيا السامعون الموسيقى بحماسة أشبه بالحماسة الدينية، وما لبث الأوراتوريو أن استمع إليه الناس في كل مدينة كبرى تقريباً في العالم المسيحي. وأدانت الكنيسة الكاثوليكية اللحن لأنه أخف وأجذل من يصلح لموضوع جليل كهذا، ووافق شيلر بيتهوفن في السخرية من تقليد هايدن لحيوانات جنة عدن، أما جوته فقد أشاد بالعمل، وظفر اللحن في بروسيا بعروض في القرن التاسع عشر فاقت في كثرتها أي لحن كورالي آخر.

وقدم فان زفيتن نصاً آخر اقتبسه من قصيدة جيمس طومسن "الفصول". وعكف هايدن عليه بهمة قرابة عامين (1799-1801)، مما أضر كثيراً بصحته. وقد قال "أن "الفصول" قصمت ظهري". وحظيت حفلة العرض الأولى باستقبال طيب، ولكن اللحن لم يثر حماسة واسعة أو دائمة. وبعد أن قاد هايدن "كلمات المسيح السبع الأخيرة" لصالح أحد المستشفيات اعتزل حياته النشيطة.

وكانت زوجته قد ماتت في 20 مارس 1800، ولكنه كان الآن قد بلغ من الكبر حداً لا يتيح له الاستمتاع بحريته وإن لم يمنعه من الاستمتاع بشهرته. فقد اعترف به الناس أمام المؤلفين الموسيقيين، وتكاثرت عليه أسباب التشريف من شتى المدن، ووفد عليه مشاهير الموسيقيين-أمثال كيروبيني، وآل فيبر، واجناز بلييل، وهوميل-لتقديم واجب الاحترام والإجلال له. ولكن الروماتزم والدوار وغيرهما من الأصواب أورثتهالاكئتاب وسرعة الغضب والتشبث الرهيب بأهدب الدين. وحين زاره كاميل بلييل في 1805 وجده "ممسكاً بمسبحة في يديه، وأعتقد أنه يقضي أكثر يومه في الصلاة، وهو لا يفتأ يقول أن نهايته قد دنت...ولم نطل المكث معه لأننا رأينا أنه يريد أن نصلي(42). في ذلك العام انتشرت شائعة كاذبة زعمت أن هايدن مات. وكتب كيروبيني كنتاتا عن موته، وخططت باريس لحفلة موسيقية تذكارية يعزف فيها قداس موتسارت الجنائزية، ثم وصل نبأ بأن الشيخ ما زال على قيد الحياة. فلما سمع هايدن بالأمر قال معقباً "إذن لسافرت إلى باريس لأقود القداس الجنائزي بنفسي"(43).

وظهر آخر مرة أمام الجمهور في 27 مارس 1809 حين رتلت "الخليقة" في جامعة فيينا احتفالاً بعيد ميلاده السادس والسبعين الوشيك. وأرسل الأمير استرهاتسي مركبته لنقل الرجل العاجز إلى الحفلة الموسيقية. وحمل هايدن على كرسي ذي مسندين إلى القاعة بين الجمهور من النبلاء ومشاهير القوم، ولفت الأميرات شيلانهن حول جسده المرتعش. وجثا بيتهوفن وقبل يده. وغلب التأثر المؤلف العجوز، ولم يكن بد من إعادته إلى بيته في فترة الاستراحة.

وفي 12 مايو 1809 بدأت مدفعية نابليون تقصف فيينا. وسقطت قنبلة على مقربة من بيت هايدن فهزته هو وسكانه، ولكن هايدن قال ليطمئنهم "يا أبنائي لا تخافوا، فحيث يوجد هايدن لن يصيبكم سوء". وصدق قوله إلا عن نفسه، فقد حطم القصف جهازه العصبي. فلما استولى الفرنسيون على المدينة أمر نابليون بأن يرابط حرس شرف أمام بيت المؤلف. ورتل ضابط فرنسي عند دخوله لحناً من "الخلقية" بطريقة فيها كثير من الرجولة والسمو حتى أن هايدن عانقه وفي 31 مايو قضى نحبه وهو في السابعة والسبعين، وأقامت كبرى مدن أوربا كلها الصلوات تذكاراً له.

يقتصر إنجاز هايدن التاريخي على تطوير الأشكال الموسيقية. وقد أضفى على الأوركسترا حيوية جديدة بما أوجده من توازن بين الأوتار وآلات النفخ والنقر. وإذ بنى فوق جهود سامارتيني وشتامنز وكارل فليب إيمانويل باخ: فإنه أرسى شكل الصوناتا باعتبارها عرضاً وتفصيلاً وتلخيصاً لموضوعات متعارضة وأعد لموتسارت الموسيقي الخفيفة المسلية المسماة "ديفرتمنتو" باعتبارها أقل شكلية من المتتالية وأنسب اللقاءات الاجتماعية. وأعطى الرباعية الوترية صورتها الكلاسيكية بإطالتها إلى أربع حركات، وبإعطاء الحركة الأولى "شكل الصوناتا". وهنا كان على خلفائه أن يستخدموا عدد ونوع الآلات التي استخدمها هايدن، وقد حقق في كثير من الحالات جمالاً مشرقاً رقيقاً يعود إليه بعضنا متخففاً من التعقيدات العسيرة التي نجدها في رباعيات بيتهوفن الأخيرة.

ولا تزال على قيد الحياة تسمع سمفونيات أو عشر من السمفونيات هايدن المائة والأربعة. ولم تكن الأسماء التي تحملها من اختياره ولكنها من وضع المعلقين أو الناشرين. وقد لاحظنا في مكان سابق تطور "السمفونية" (رأى الأصوات المجمعة) من المقدمة بفضل تجارب سامرتيني وشتامتز. وقد سبق كثيرون هايدن في صياغة بناء السمفونية "الكلاسيكية" فلما خرج من استرهاتسا إلى عالم أرحب لم يكن قد بلغ من الكبر حداً يعجزه عن أن يتعلم من موتسارت كيف يملأ البناء مغزى وعاطفة. وتحدد "سمفونية أكسفورد" مرحلة صعوده إلى مدى أبعد وقوة أعظم، وترينا "السمفونية اللندنية" هايدن في قمة آفاقه السمفونية. والسمفونية رقم 101 (سمفونية الساعة) مبهجة، ورقم 104 لا يقل مستواها عن سمفونيات موتسارت.


شخصيته وشهرته

Haydn's signature on a musical work. He writes in Italian, a language he often used professionally: di me giuseppe Haydn, "by me Joseph Haydn".


Haydn's musical handwriting: the original copy of Gott erhalte Franz den Kaiser (click to enlarge)

ويمكن القول بوجه عام إننا نحس في موسيقاه طبيعة لطيفة سمحة ربما لم تشعر بأعماق الحزن أو الحب، طبيعة اضطرت إلى الإنتاج في عجلة لم تسمح بإنضاج الفكرة أو الموضوع أو الجملة. لقد كان هايدن أسعد من أن يبلغ العظمة العميقة، ولقد تكلم أكثر مما يتيح له التعبير عن الكثير. ومع ذلك فإن في هذه الأنغام اللعوب ذخيرة من البهجة الصافية الهادئة، فهنا كما قال "قد يستمتع المتعبون المكدودون، أو الرجل الذي أثقلته هموم الحياة، ببعض السلوى والانتعاش(44)"[4]

وعقب موت هايدن انصرف العصر عن موسيقاه. فلقد عكست أعماله عالماً إقطاعياً ثابتاً وطيد الأركان، وبيئة من الأمن والدعة الأرستقراطيين، وكان في هذه الأعمال من المرح والرضى عن النفس ما لا يشبع قرناً ملؤه الثورات والأزمات والنشوات الرومانسية واليأس. ولكن الناس عادوا يقبلون عليه حين امتدحه برامز وكتب دبوسي "تحية إجلال لهايدن" (1909). عندها أدرك الناس أنه إذا كان روفائيل وميكل أنجيلو الموسيقي اللذان جاء بعده قد سكبا فكراً أعمق مع تمكن أرهف في مؤلفاتهما الموسيقية، فأنهما لم يستطيعا ذلك إلا لأن هايدن ومن سبقوه صاغوا الأشكال التي تلقاها فنهما الرائع. قال هايدن "إني أعلم أن الله منحني موهبة، وأنا شاكر له هذه المنحة وأحسبني قمت بواجبي وكنت ذا نفع..فليصنع الآخرون كما صنعت"(45).

أعماله

منزل في ڤيينا حيث عاش هايدن أواخر أيامه، تحول إلى متحف حالياً
المقالة الرئيسية: الفصول الأربعة (هايدن)

من الناحية الموسيقية يمكن القول دائماً إن قطعة فيفالدي الرائعة «الفصول الأربعة» تظل الأشهر وربما الأكثر بساطة وشعبية من بين كل الاعمال الموسيقية المتحدثة عن الفصول وتعاقبها، وهي غالباً ما شبّهت، من ناحية التنوّع والقوة بسلسلة اللوحات التي رسمها آرشمبولدو عن الفصول الأربعة، مستخدماً في رسم الوجوه «البشرية» المعبرة عنها فواكه كل فصل ونباتاته. والحال ان قطعة فيفالدي الرباعية طغت، شهرة، على كل ما عداها من أعمال موسيقية مشابهة، الى درجة أن واحداً من الأعمال الكبرى، حول هذا الموضوع، يبدو دائماً مظلوماً، هو الذي لا يقل قوة عن «فصول فيفالدي الأربعة»، حتى وإن كان يختلف من حيث التصنيف. ذلك انه اذا كان عمل فيفالدي اوركسترالياً، فإن العمل الذي نشير اليه هو من نوع «الاوراتوريو». والاوراتوريو للتذكير، هو عمل موسيقي غنائي يقوم على تلحين نص شعري يلقيه المغنون إلقاء من دون أي تمثيل درامي وهو يختلف عن الأوبرا في هذا. ولئن كان الاوراتوريو ارتبط دائماً بنوع من العمل الديني، فإنه اتخذ في أحيان كثيرة طابعاً دنيوياً. وتلك هي، في حالتنا هذه، سمة «الفصول» ذلك الاوراتوريو الكبير الذي لحنه فرانتز جوزيف هايدن، في نهاية القرن الثامن عشر، ليقدم للمرة الأولى عام 1801 في فيينا. ولقد استند التلحين الى قصيدة طويلة في العنوان نفسه ترجمها البارون فان سويتن (الذي كان قبل ذلك قد اعد لهايدن نفسه النص الشعري الذي بنى عليه الاوراتوريو الآخر والأشهر « الخلق») عن قصيدة جيمس تومسون، مع اضافات وتعديلات تناسب الذوق النمسوي، مقابل اشتغال تومسون على قصيدته لتلائم ذوق مواطنيه الانكليز.

منذ البداية لا بد من أن نشير الى ان هايدن نفسه، كان خلال السنوات الاخيرة من حياته يعتبر هذا الاوراتوريو من اعماله الضعيفة، وحجته في هذا انه لحّنه تحت ضغط، في وقت كان يعاني فيه من المرض. ولئن كان حديث هايدن عن ظروفه هذه صحيحاً (هو بالفعل سقط فريسة المرض المانع من العمل، بعد العرض الاول لهذا الاوراتوريو مباشرة)، فإن حكاية عدم حبه له، لا تبدو لنا مبررة. ولا بدت مبررة في ذلك الحين، يوم قدم الاوراتوريو للمرة الأولى فاستقبل، جماهيرياً ونقداً، بترحاب غير متوقع ما عوّض على ملحنه، معنوياً على الأقل، سنوات الجهد الطويلة التي انفقها فيه.

طبعاً لسنا في حاجة ماسة هنا الى الحديث تفصيلياً عن «موضوع» هذا العمل، فهو وكما يدل عنوانه عمل يصف تعاقب الفصول وتبدلات الطقس من حولها، إضافة الى انه يربط عادات الحياة اليومية للناس، بذلك التعاقب. وهذا ما يعطي «الفصول» كما لحنها هايدن بعدها الدنيوي النادر. حتى وإن كان ثمة قبل لحظة الختام، شيء من التأمل الميتافيزيقي الصوفي غالباً حول معنى الحياة، ولحظة النهاية يوم ينفخ في البوق، وحياة ما بعد الموت. هنا يبدو الأمر وكأن هايدن بعدما سرد لحظات دنيوية شعبية واقعية، أراد في النهاية أن يسجل نوعاً من الوصية الوجودية. ويعزز هذا الاعتقاد الى المشاهد الختامية تلك كان فان سويتن هو الذي اضافها الى نص تومسون الشعري، الذي كان في الأصل دنيوياً خالصاً لا يحمل أي بعد ميتافيزيقي.

يتألف اوراتوريو «الفصول» من أربعة أجزاء أساسية تتوزع على 44 قطعة مختلفة الأداء: من بينها ما هو اوركسترالي، وما هو عزف منفرد، من بينها ما هو غناء كورس جماعي، وما هو مؤدى من طريق أصوات فردية. وكأن الموسيقي أراد هنا ان يجرب كل الأنواع التي تنتمي الى فن «الليدر» انما في عمل شامل، حتى وإن كان من الظلم النظر الى هذا العمل الشامل على انه تجاور لأغنيات (ليدر) متنوعة. ذلك ان للعمل وحدته الموسيقية بعد كل شيء.

في الجزء الأول من العمل وهو «الربيع» يبدأ السرد بافتتاحية أراد هايدن منها ان تكون تصويراً للعبور من فصل الشتاء الى فصل الربيع، ومن هنا نبدأ مع عاصفة تشمل عناصر الغضب الطبيعي التي سرعان ما تهمد بالتدريج ليعلو صوت مغن منفرد يعلن انتهاء فصل العواصف والزوابع، يتلوه كورس ينادي فصل الزهور والعبق الناعم بكلمات مغرقة في الرومانسية ولحن يبعث الامل والفرح في النفوس، ما يمهد لظهور فجر الفصل الجديد. ويرى كثر من المؤرخين ان هذا المقطع يعتبر من أكثر ألحان هايدن احتفالاً بالحياة. بعد «الربيع» يأتي «الصيف» حيث يتخذ اللحن طابعاً رعوياً واضحاً (ومن هنا ما يراه نقاد من أن لهذا الجزء من عمل هايدن تأثيراً بيناً على بيتهوفن يلوح بخاصة في الحركة الثالثة من سيمفونية بيتهوفن – الرعوية - السادسة، تماماً كما ان تصوير العاصفة عند مفتتح «الربيع» ثم في الجزء الرابع «الشتاء»، سنجد آثاراً له في ثنايا الحركة الرابعة من نفس هذه السيمفونية لبيتهوفن). وهكذا على التوالي، يحرك هايدن موسيقاه، في تتابع بين مختلف وسائل الأداء الموسيقية والصوتية، عبر الفصلين التاليين، «الخريف» و «الشتاء» لتكتمل في النهاية صورة عميقة لإحساس الانسان بتبدلات الطبيعة وحتى بنزواتها. غير ان هايدن لم يكتف بهذا... أي لم يكتف بأن تكون العلاقة في هذا العمل، بين الطبيعة والانسان فقط، بل نراه في واحدة من لحظات القوة يقدم أنشودة، صوتية ووترية في الوقت نفسه، تحية لما يسميه «الآلة» (أو «الصناعة» بحسب بعض الترجمات)، حيث نجد كلام النشيد يقول: «ان الأكواخ التي تأوينا/ والصوف الذي يغطينا/ والطعام الذي يغذينا/ كله هبة، عطية منك ايتها الآلة النبيلة». ولسوف يقول هايدن حين يُسأل عن مغزى حضور الآلة في هذا العمل، انه هو نفسه كان دائماً من أنصار العصر الصناعي، بيد انه لم يقيض له قبل ذلك ان يعبّر عن هذا في أيّ من ألحانه، وما كان في إمكانه ان ينهي حياته من دون ان يفعل.

الإعلام

انظر أيضاً

أعماله

المعاصرة

موضوعات أخرى

هوامش

  1. ^ The date is uncertain. Haydn himself told others he was born on this day (Geiringer (1982, 9); Jones (1810, 8)), but some of his family members reported 1 April instead (Geiringer). The difficulty arises from the fact that in Haydn's day official records recorded not the birth date but rather the date of baptism, which in Haydn's case was 1 April (Wyn Jones 2009, 2–3).
  2. ^ Although he is sometimes called "Franz Joseph Haydn", the name "Franz" was not used in the composer's lifetime and is avoided by scholars. (Webster, James: "Haydn, Joseph", Grove Music Online ed. L. Macy (Accessed 18 January 2007), http://www.grovemusic.com)
  3. ^ ابراهيم العريس (2010-10-13). "«الفصول» لهايدن: الموسيقى تمجّد الطبيعة و... الصناعة في آن معاً". جريدة الحياة اللبنانية. 
  4. ^ خطأ لوا في ...nsions/Scribunto/engines/LuaCommon/lualib/mwInit.lua على السطر 17: bad argument #1 to 'old_pairs' (table expected, got nil).

المصادر

مصادر سيرة
  • Dies, Albert Christoph (1963). "Biographical Accounts of Joseph Haydn". In Gotwals, Vernon, translator and editor. Haydn: Two Contemporary Portraits. Milwaukee: University of Wisconsin Press. ISBN 0299027910.  A translation from the original German: "Biographische Nachrichten von Joseph Haydn nach mündlichen Erzählungen desselben entworfen und herausgegeben" ("Biographical accounts of Joseph Haydn, written and edited from his own spoken narratives") (1810). Camesinaische Buchhandlung, Vienna. One of the first biographies of Haydn, written on the basis of 30 interviews carried out during the composer's old age.
  • Finscher, Ludwig (2000). Joseph Haydn und seine Zeit. Laaber: Laaber-Verlag. ISBN 3921518946.  Highly detailed discussion of life and work; in German.
  • Geiringer, Karl; Geiringer, Irene (1982). Haydn: A Creative Life in Music (3rd ed.). University of California. ISBN 0520043162.  The first edition was published in 1946 with Karl Geiringer as the sole author.
  • Griesinger, Georg August (1963). "Biographical Notes Concerning Joseph Haydn". In Gotwals, Vernon, translator and editor. Haydn: Two Contemporary Portraits. Milwaukee: University of Wisconsin Press. ISBN 0299027910.  A translation from the original German: "Biographische Notizen über Joseph Haydn" (1810). Leipzig. Like Dies's, a biography produced from interviews with the elderly Haydn.
  • Hadden, James Cuthbert (2010). Haydn (Reissue ed.). London: Cambridge University Press. ISBN 1108019870. 
  • Hughes, Rosemary (1970). Haydn (Revised ed.). New York: Farrar Strauss and Giroux. ISBN 0460022814.  Originally published in 1950. Gives a sympathetic and witty account of Haydn's life, along with a survey of the music.
  • Jones, David Wyn (2009a) The Life of Haydn. Oxford University Press. Focuses on biography rather than musical works; an up-to-date study benefiting from recent scholarly research on Haydn's life and times.
  • Jones, David Wyn (2009b) Oxford Composer Companions: Haydn. Oxford University Press. A one-volume encyclopedia with detailed contributions from many Haydn scholars.
  • Landon, H.C. Robbins (1976–1980). Haydn: Chronicle and Works. Bloomington, IN: Indiana University Press. ISBN 0253370035.  An extensive compilation of original sources in five volumes.
  • Landon, H. C. Robbins; Jones, David Wyn (1988). Haydn: His Life and Music. Indiana University Press. ISBN 978-0253372659.  Biography chapters by Robbins Landon, excerpted from Robbins Landon (1976–1980) and rich in original source documents. Analysis and appreciation of the works by Jones.
  • Larsen, Jens Peter (1980). "Joseph Haydn". New Grove Dictionary of Music and Musicians.  Published separately as The New Grove: Haydn. New York: Norton. 1982. ISBN 0-393-01681-1. 
  • Webster, James; Feder, Georg (2001). "Joseph Haydn". The New Grove Dictionary of Music and Musicians.  Published separately as a book: The New Grove Haydn. New York: Macmillan. 2002. ISBN 0-19-516904-2.  Careful scholarship with little subjective interpretation; covers both life and music, and includes a very detailed list of works.
مصادر نقدية وتحليلية
  • Brendel, Alfred (2001). "Does classical music have to be entirely serious?". In Margalit, Edna; Margalit, Avishai. Isaiah Berlin: A Celebration. Chicago: University of Chicago Press. pp. 193–204. ISBN 0-226-84096-4.  On jokes in Haydn and Beethoven.
  • Clark, Caryl, ed. (2005). The Cambridge Companion to Haydn. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-83347-7.  Covers each of the genres Haydn composed in as well as stylistic and interpretive contexts and performance and reception.
  • Griffiths, Paul (1983). The String Quartet. New York: Thames and Hudson. ISBN 0-500-01311-X. 
  • Hughes, Rosemary (1966). Haydn String Quartets. London: BBC.  A brief (55 page) introduction to Haydn's string quartets.
  • Rosen, Charles (1997). The classical style: Haydn, Mozart, Beethoven (2nd ed.). New York: Norton. ISBN 0-393-31712-9.  First edition published in 1971. Covers much of Haydn's output and seeks to explicate Haydn's central role in the creation of the classical style. The work has been influential, provoking both positive citation and work (e.g., Webster 1991) written in reaction.
  • Sisman, Elaine (1993) Haydn and the classical variation. Cambridge: Harvard University Press. ISBN 067438315X.
  • Sutcliffe, W. Dean (1989). "Haydn's Musical Personality". The Musical Times. 130 (1756): 341–344. JSTOR 966030. doi:10.2307/966030. 
  • Sutcliffe, W. Dean (1992). Haydn, string quartets, op. 50. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-39103-2.  Covers not just Op. 50 but also its relevance to Haydn's other output as well as his earlier quartets.
  • Webster, James (1991). Haydn’s "Farewell" symphony and the idea of classical style: through-composition and cyclic integration in his instrumental music. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-38520-2.  This book focuses on a single work, but contains many observations and opinions about Haydn in general.

</div>

وصلات خارجية

Wikiquote-logo.svg اقرأ اقتباسات ذات علاقة بيوزف هايدن، في معرفة الاقتباس.

تسجيلات


خطأ لوا في وحدة:Authority_control على السطر 346: attempt to index field 'wikibase' (a nil value).

<span class="FA" id="eo" /> <span class="FA" id="hu" />