تراث الإسلام (كتاب)

تراث الإسلام-الجزءالأول
AM 008.JPG
المؤلف جوزيف شاخت كليفورد بوزورث
المترجم د. محمدزهير السمهوري د. حسين مؤنس د.إحسان صدقي العمد
الموضوع شئون سياسية
الناشر سلسلة عالم المعرفة
الإصدار مايو 1978
عدد الصفحات 235

تراث الإسلام (الجزء الأول), هو كتاب من تأليف جوزيف شاخت كليفورد بوزورث, وهو الإصدار الثامن لكتب سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 1978.


محتويات الكتاب

تقديم

هذه المقدمة التي تحتل الصفحات الأولى من الكتاب هي المقدمة الرابعة فيه. وسوف يتلوها من بعدها مقدمات ثلاث أخرى تشكل في مجموعها مداخل ثقيلة الظل , كالدهاليز التي تحجب القصر عن الزائر المجهول. ولقد وددنا لو اكتفينابمقدمات الكتاب الأصلية وانتهى الأمر , أو لو حذفناها جميعا وحلت مقدمة واحدة مختصرة بدلا منها , ولكن ضرورات الإيضاح من جهة وأمانة النقل من جهة أخرى فرضت إبقاء المقدمات الأصلية , كما فرضت كتابة مقدمة عربية لهذه الترجمة فكان لابدمما ليس منه بد... أول ما يجب إيضاحه أن هذا الكتاب ليس بكتاب »تراث الإسلام « الذي عرفه المشرق العربي مترجما منذ أربعين سنة تقريبا. ذلك الكتاب الأول وضع مشروعه توماس أرنولد ثم نشر بالإنجليزية سنة ١٩٣١ بعد موته , ثم ترجم في القاهرة سنة ١٩٣٦ م , ثم ترجم مرة أخرى في بغداد سنة ١٩٥٤ م وطبع ثم طبع... أما هذا الكتاب الذي بين يديك فهو كتاب آخر مختلف كل الاختلاف عن الأول وإن كان يحمل اسمه نفسه , وكان أيضا , في زعم الدكتور شاخت الذي وضع مشروعه وأشرف على وضعه حتى مات سنة 1969 يريد أن يحل محل الكتاب الأول بإضافة ما استجد إلى مواضيعه في عالم البحث والاستشراق. وبالرغم من الاشتراك في العنوان بل في عناوين الفصول فالكتاب غير الكتاب من جهة, كما أنه لا يغني أحدهما عن الآخر من جهة أخرى... وليست الفصول التي يحتويها هذا الكتاب هي الكتاب الأصلي كله. إنها نصفه الأول فقط, لقد تقاسمنا ترجمته فانفردنا بهذا القسم الأول , وفيه ثلاثة مواضيع في خمسة فصول: درس مكسيم رودنسون أولا صورة الإسلام في الغرب عبر القرون , في فصل مديد. ثم درس مجموعة من الباحثين في فصلين تاليين أثر الإسلام وامتداده على أطراف بلاده الأصلية,عبر البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا وتركستان والهند وفي إندونيسيا. ودرس مستشرقان آخران موقفه السياسي الدولي في السلم والحرب وإنجازه الاقتصادي في الفصلين الآخرين. أما باقي الكتاب , الذي سوف يظهر في جزء خاص آخر , يتلو هذا الجزء في السلسلة , فقد انفرد الأخ الأستاذ الدكتور حسين مؤنس مع الأستاذ إحسان صدقي العمد بترجمته والتعليق عليه ,فالقارىء منه على موعد قريب(*). الإيضاح الثاني أن هذا الكتاب إذا كان يحمل عنوان »تراث الإسلام « وقد أوضح أصحابه المقصود بكلمتي العنوان هاتين في الأسطر الأولى منه... فإننا , مع ذلك .. نجد الضرورة للمزيد من الإيضاح في هذا اﻟﻤﺠال. إن كلمة »تراث « لا تفهم هناك في الغرب ويجب ألا تفهم هنا في الكتاب بمعنى الإرث الذي مات صاحبه ,ولكن بمعنى ما قدمت هذه الأمة أو تلك إلى سوق الإنسانية من خير. وما أضافت إلى حضارة الإنسان من منجزات وقيم وما تركته من أثر في الناس. وبهذاالمعنى يتحدثون أيضا عن تراث الإسلام و الصين والهند وروما وفارس والغرب , وما ماتت الهند ولا الصين ولا الإسلام ولا الباقيات ولكنها جميعها, بلى , سبق أن قدمت لبني الإنسان حتى الآن شيئا... إن لم تكن قدمت له الكثير... وكلمة الإسلام بدورها يجب إيضاحها أيضا في هذا اﻟﻤﺠال. إن أكثر الكلمات شيوعا واستعمالا قد تكون أكثرها حاجة للإيضاح.


تصدير

كانت لتأليف هذا الكتاب الجديد حول تراث الإسلام قصة لا تختلف عن تلك التي عرفها الكتاب الأصلي الأول سنة ١٩٣١ . فالسير توماس آرنولد المشرف الأساسي على الكتاب الأول توفي قبل ظهور الكتاب , وكان الأستاذ الفرد غيوم هو الذي أخرجه في النهاية. وفي حالة هذا الكتاب فإن الأستاذ جوزيف شاخت بدأ مشروعه باعتباره المشرف الوحيد على إخراجه , ولكنه توفي في ١ أغسطس سنة ١٩٦٩ تاركا فراغا بين علماء الإسلاميات البارزين , بوصفه الأول دون منازع Facile Princeps فيما يتعلق بالدراسات الإسلامية القانونية. والفصل الخاص به في هذا الكتاب »الشرع الإسلامي ,« وهو جامع موجز مملوء بالبصيرة النافذة , يكشف عن أستاذيته في هذه الناحية المعقدة من دراساتنا. ولقد اختار شاخت بنفسه جميع الذين ساهموا في تحرير الكتاب, بحيث إنه حين توفي كانت مخطوطات الأبحاث موجودة كلها تقريبا لديه , على حين أن بعضها مما كتب بلغات أجنبية كانت تجري ترجمته إلى الإنجليزية. وكان الكتاب قد وصل هذه المرحلة حين دعاني مندوبو مطبعة جامعة أوكسفورد إلى أن أتسلم متابعة إخراجه بما في ذلك إكمال التحرير ومراقبة طباعة الكتاب في المطبعة. ونظرا إلى أنه لم يكن قد أتيح لشاخت فرصة إلقاء النظرة الشاملة على الأبحاث المشاركة بعد أن أضحت في شكلها الطباعي النهائي , فقد وجدت أن ثمة بعض التكرار الذي لا مناص منه , وبعض التباين في المنطلقات التي يقوم التأكيد عليها , وخيل إليَّ أن من الواجب التغاضي عن تباين وجهات النظربين المسهمين في الكتاب , وكل منهم خبير في ميدانه الخاص , ولو كان ذلك فقط من قبيل اعتبار هذا التباين دليلا على أن في دراساتنا مشاكل عديدة , يمكن أن تعالج وتفسر بأكثر من وجهة نظر واحدة. ولكني على أي حال كان علي أن أسعى لضم الفصول بعضها إلى بعض عن طريق الإشارة في كل منها إلى الأخريات كلما اقتضى الأمر ذلك , وأن أقيم الفهرس الأبجدي للمزيد من مساعدة القارىء حيثما يمتد الموضوع الواحد في أكثر من فصل. وقد نجم عن وفاةالمشرف الأول , وعن الفجوة التالية لذلك , تأخر في الطبع لم يكن في الإمكان تفاديه. وهكذا فإن بعض الفصول تعكس في موضوعها الحالة التي كانت عليها المعارف المتعلقة بها قبل سنوات سابقة. وفي كثير من الحالات كان علينا أن نعيد النظر في المراجع لجعلها تتفق مع مرحلتها الراهنة. ولكن لم يكن من الممكن إدخال أي تعديلات أساسية على النص نفسه. إن القارىء الذي يقارن »تراث الإسلام « الجديد هذا مع الكتاب الأصلي الذي مضى عليه الآن حوالي ٤٢ سنة , سوف يلاحظ أن بعض الفصول هي بصورة عامة متماثلة في اﻟﻤﺠلدين. ومثال ذلك الفصول المتعلقة بالفن والعمارة والأدب والقانون وعلم الكلام Theology والعلوم الطبيعية والموسيقى , لكن الفصول الأخرى على الرغم من أن العناوين الدقيقة قد تختلف قد جرت فيها تغيرات كبرى في المنظوروفي المنطلقات أو نقاط التأكيد. إن الفصول التي تتناول , في الكتاب الأصلي , مواضيع محددة من مثل: إسبانيا والبرتغال,والحروب الصليبية قد أستبدلت بها دراسات حول الإتجاه العام للتفاعل الثقافي والأيديولوجي والاقتصادي بين الإسلام والعالم الخارجي, وبخاصة بين الإسلام والمسيحية الغربية من خلال التقائهما في حوض البحر الأبيض المتوسط. وعلاوة على ذلك فقد أضيف بحث للتحدي والاستجابة في الميدان السياسي والعسكري , كما أضيف بحث عن تأثير الإسلام في مناطق غير مسيحية من العالم القديم مثل البلاد الواقعة جنوبي الصحراء الأفريقية وأعماق آسيا وشبه القارة الهندية الباكستانية , وجنوب شرقي آسيا.

الفصل الأول:

الصورة الغربية والدراسات الغربية الإسلامية ٢٩

١-العصور الوسطى: الصراع بين عالمين: كان المسلمون يشكلون تهديدا للعالم المسيحى الغربي قبل أن يصبحوا مشكلة بزمن طويل. فقد حدث (في نظر الأوروبيين في مطالع العصور الوسطى) تحول في القوى في الأقسام البعيدة من الشرق , وقام شعب هائج(*) (هم العرب أو السراسنة)(* ١) عرف بالسلب والنهب-وهو علاوة على ذلك شعب غير مسيحي-فاجتاح وخرب أراضي واسعة , وانتزعها من قبضة المسيحية (من أجل مناقشة مفصلة للنواحي السياسية والعسكرية لهذه الأحداث التاريخية انظر الفصل الرابع). ولقد وصلت الكارثة أخيرا إلى إسبانيا والشواطئ الإيطالية وبلاد الغال , وكانت موجة البرابرة الغزاة ذاتها هي دائماالمسئولة. وعندما قام بيدالمبجل(* ٢) (Venerable Bede) بمراجعة التاريخ الكنسي للإنجليز قبيل وفاته عام ٧٣٥ م لخص الأحداث الأخيرة بهذه الكلمات: »في ذلك الوقت قام الوباء الموجع المتمثل بالسراسنة (المسلمين) بتخريب مملكة بلاد الغال بعد مجازر أليمة وبائسة ,لكنهم سرعان ما لقوا عقابهم الذي يستحقونه على غدرهم ١)« ). يبدو أنه لم تطرح إلا أسئلة قليلة عن هذا الشعب , فهم في أعين البلاد المسيحية في الغرب عبارة عن مجرد كارثة. مثلهم كمثل الشعوب البربرية الأخرى. ولم يكن للحملات التي كانت تتراوح بين النجاح والفشل والتي كانت تشن على حدود إسبانيا بما فيها حتى التحالفات مع الأموييين المنشقين الذين كانوا يأتون أحيانا إلى اكس لا شابل طلبا للمساعدة , كما لم يكن للقتال ضد الغزاة في بلاد الغال وضد القراصنة في سواحل بروفانس وكورسيكا وسردينيا وإيطاليا, ولعمليات أخرى من مثل نزول بونيفاس لوكا في تونس الأغالبة عام ٨٢٨ م: كل هذه الأمور لم يكن لها تأثير يذكر في موقف الفرنجة الأساسي. لقد كان المسيحيون قد سمعوا بالسراسنة (العرب) قبل الإسلام بزمن طويل , وعندما غير السراسنة دينهم لم يكد أحد يلحظ ذلك في بادىءالأمر. فمثلا يذكر تاريخ للعالم يعود إلى القرن الرابع أن السراسنة كانوا يحصلون »بقوة القوس والنهب على ما يحتاجون إليه في الحياة ٢)« ). ولم يكن هنالك أي حاجة للمزيد من المعلومات عنهم. فكان الباحثون وحدهم هم الذين يتجادلون حول اسمهم االمشتق من ساره, زوجة إبراهيم, برغم أنهم من سلالة هاجر , كما يدل على ذلك اسمهم الثاني «Agareni» وهاجر هي الأم التي طردت إلى الصحراء مع ابنها إسماعيل. هذا التضارب كان مشكلة... والوحيدون الذين بحثوا في الأمر أكثر من ذلك , لأسباب بديهية , هم المسيحيون في إسبانيا المغربية المعروفون باسم (المستعربون) The Mozarabs ذلك أن سيطرة المسلمون السياسية التي كانوا يعيشون في ظلها أطلقت العنان لمؤثرات ثقافية عربية أضرت بالدين المسيحى , لذا فقد كان لابد لهم من أن يكونوا صورة أوضح , وإن لم تكن أكثر دقة ,عن أسيادهم وعن أفكار أسيادهم. وكما هو الحال في جميع الأراضي الخاضعة للاحتلال في الشرق, فقد انتشرت أساطير مشوهة ومهينة بين عامة الشعب من المسيحيين واليهود تخالطها بعض الانطباعات الصحيحة الناشئة عن الاتصالات اليومية. ومرة ثانية , وكما كان هدف المدافعينi المسيحيين الشرقيين مثل يوحنا الدمشقي , كان هدف العلماء في الغرب أن ينشروا تحليلهم للإسلام لكي يقاوموا مايمكن أن يكون له من تأثير. لكن الحماسة العدائية التي أظهرها أمثال أبولوجيوس والفاروس وأتباعهما في الفترة القصيرة الممتدة من عام ٨٥٠ وعام ٨٥٩ م , ومحاولاتهم غير اﻟﻤﺠدية لإقناع طبقة الكهنوت المسيحية وعامة الشعب المسيحى (بالمقاومة) وتعطشهم للاستشهاد , كل هذا حال دون بذل الجهد الفكري اللازم لمعرفة خصومهم وفهمهم( ٣). وفي القرن الحادي عشر أصبحت صورة العالم الإسلامي أكثر دقة .

الفصل الثاني:

الإسلام في عالم البحرالمتوسط ٨٥

ولد الإسلام في منطقة من أكثر مناطق العالم القديم بدائية وتخلفا(*) , ولكنه سرعان ما تجاوز حدوده وتطور من ظاهرة محلية وعامل داخلي في حياة الأمة العربية إلى عقيدة كونية وقوة عالمية , وذلك في عملية لا يزال المؤرخون يختلفون حولها حتى اليوم. إنها بالنسبة لأولئك الذين يدرسون الديناميكية الغامضة لهذه العملية, لا تعد شرقية ولا غربية , كما لايمكن إعطاؤها أي تحديد جغرافي أو ثقافي. إنها فقط القوة العجيبة التي تشع من العقيدة الجديدة , ومن الدولة التي أقامتها هذه العقيدة ,والتي نمت في كل اتجاه وأنتجت حضارة موحدة إلى حد يدعو إلى الدهشة , وذلك رغم الاختلاف الشديد بين البيئات والمستويات الثقافية التي ازدهرت عليها. لكن هدف هذا الكتاب وهذا الفصل ليس تتبع وتصوير الحضارة الإسلامية بتمامها, وإنما دراسة أثرها و »تراثها « في العالم الغربي , ونعني بهذه الكلمة في هذا الفصل بصورة خاصة , العالم الغربي المطل على البحر المتوسط أي البلاد التي انتشرت فيها في وقت من الأوقات الإمبراطورية الرومانية والتي كانت لا تزال ,حين ظهور الإسلام, تخضع جزئيا لبيزنطة , »روما الثانية ,« وإن كانت قد تحررت جزئيا منها من جراء الاضطرابات العميقة التي نجمت عن الاجتياحات والهجرات البربرية. وقد قدر لبعض هذه البلدان , فيما بعد , أن تصبح أراضي إسلامية دائمة (دار الإسلام) ولم تزل كذلك حتى يومنا هذا. أما بعضها الآخر فكان على هذا الوضع في العصور الوسطى , وظل على هذا النحو في الأزمنة الحديثة لمدد متفاوتة , ثم لم يعد كذلك. وهذه البلاد هي أول ما يخطر على البال حين يتحدث المرء عن إرث أو تراث بقي منذ العهد الإسلامي في تاريخها وثقافتها اللاحقين. وثمة أراضٍ أخرى لم يقدر لها أن تعرف استيطانا إسلاميا دائما ضمن حدودها , ولكنها تعرضت بحكم مجاورتها للبلاد التي اعتنقت الإسلام أو على الأقل من جراء الاتصال الروحي والمادى بها , إلى تأثير الحضارة الإسلامية العميق. وفي هذا الفصل سنشير بصورة أساسية إلى الفئتين الثانية والثالثة من بلاد البحر الأبيض المتوسط , أعني تلك التي اعتنقت الإسلام بصورة غير دائمة , وتلك التي كانت على اتصال وثيق , حتى ولو لم يكن اتصالا مباشرا , بعالم الإسلام. وإذا تحدثنا بلغة جغرافية فإن هذا يعني شبه جزيرة إيبيريا وصقلية وكريت , ثم قسما كبيرا من أراضي اليونان والبلقان. أما بالنسبة للبلدان التي تأثرت بالإسلام ولكن لم تقع ضمن سيطرته فإن هذا يعني جزءا كبيراممايشكل في الحاضر, أو كان يشكل فيما مضى ,المنطقة السياسية-الجغرافية (الجيوبوليتيكية) والثقافية لأوروبا أي فرنسا وشبه جزيرة إيطاليا وأوروبا الوسطى Mitteleuropa وكل البلقان. تقسم اتصالات الفتح والتغلغل التي كانت لجميع تلك البلدان الأوروبية مع الإسلام من الناحية الزمنية إلى فترتين وناحيتين رئيسيتين وأولاهما هي الأهم من وجهة نظرنا: »فتراثها « يغطي العصور الوسطى المبكرة والتالية , وهو يتعلق أساسا بالإسلام في أصوله العرقية العربية التي تخللها عنصر بربري قوي. أما الثانية التي تتعلق بأوروبا الشرقية وحدها تقريبا , فإنها تقع ضمن فترة العصور الحديثة, والإسلام الذي لعب دور البطولة فيها هو إسلام الأتراك الذي يشكل آخر موجة من الفتح تحت شعار دين محمد (ص) في عالم البحر المتوسط. هاتان الفترتان , رغم دينهما الواحد , مختلفتان اختلافا عميقا. ففي الفترة الأولى كانت الحضارة الإسلامية ما تزال هي نفسها في طور التشكل , وكانت تتمثل عناصر من الثقافات الشرقية السابقة لها , ومن الثقافة الهلينية , وبصورة عامة من العصر الكلاسيكي المتأخر , وتنقلها(* ١) بعد تمثلها وتطويرها إلى البلدان والشعوب التي احتكت بها. وتلك هي أخصب وأمجد مرحلة »للتراث ,« وفيها قدمت الحضارة الإسلامية إلى الغرب في عصره الوسيط ,بالإضافة إلى الغارات والفتوحات , أكمل ثمار تراثها الثقافي , ذلك التراث الذي كان ذا أثر بالغ في تطور الغرب في المستقبل. أما خصائص الفترة التالية , تلك الفترة التي عاصرت أو تلت عصر النهضة الأوروبي , فهي مختلفة بعض الاختلاف. ففي تلك الفترة كان الغرب قد أصبح واعيا كل الوعي بذاته , وكان يسير بحيوية ونشاط على درب الحضارة الحديثة , بينما لم يكن الشرق الإسلامي الذي كان يناهضه ويهدده جزئيا قد تقدم بالدرجة نفسها. فقد غزت قوة جديدة , هي الأتراك العثمانيون , أقل المناطق تقدما في جنوب شرق أوروبا , ولكنها حينما حاولت التغلغل إلى قلب أوروبا رُدَّتْ على أعقابها. وقد حمل الإسلام التركي معه ثقافة مبنية إلى حد بعيد على الأسس العربية-الفارسية القديمة, رغم أنه ليس صحيحا القول بأنه لم تبرز أي سمات ثقافية شخصية وأصلية في الإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك فإن هذا »التراث « الثاني , رغم أنه دام كالأول عدة قرون , كان أفقر منه وأقل سهولة في تحديد معالمه. وهذا الفرق النوعي بين الفترتين يبرر, فيما نعتقد , المقياس اﻟﻤﺨتلف الذي سنطبقه عليهما والطريقة اﻟﻤﺨتلفة التي سنعالجهما بها في هذا الفصل. لذا فإننا عازمون على تخصيص الحيز الأكبر من البحث للفترة الأولى الأكثر أهمية,أي »للتراث « الأوسطي الذي خلفه الإسلام العربي لدى الغرب المقسم إلى ثلاث مناطق جغرافية: حوض البحر المتوسط (صقلية وإيطاليا,وبصورة غير مباشرة فرنسا والعالم الجرماني), والحوض الغربي من البحر المتوسط (شبه جزيرة إيبيريا) , ثم نعمل على تخصيص عرض واحد وموجز لتقييم الحكم التركي Turkoeratia في أوروبا الشرقية في العصور الحديثة. ونحن ندرك جيدا أن بقية هذا المؤلف ستعالج بصورة تحليلية مجالات معينة للاتصال والتأثير , من اﻟﻤﺠال العسكري ,إلى الاقتصادي , إلى التاريخي والفني , إلى الأدب والثقافة , وأن هذه المعالجةحتى حينماتمتد لتشمل مناطق خارج أوروبا , لابد لها من أن تدور حول محور أوروبا,وذلك بالنسبة إلى أكثر من ظاهرة واحدة من ظواهر النقل والتأثير. أما في الفصل الحالي , أعني في بداية اﻟﻤﺠلد فنحن نرى أنه يتوجب علينا أن نلقي نظرة عامة على ما كان يعنيه اقتحام الإسلام لأوروبا البحرالمتوسط ,وأن نستبق بذلك النتائج الرئيسية لهذا الاتصال في مختلف الميادن التي حدث فيها.


الفصل الثالث:

الحدود القصوى للإسلام في أفريقيا وآسيا ١٣٣

الفصل الرابع:

السياسة والحرب ١٨٧

الفصل الخامس:

التطورات الاقتصادية ٢٤٥

تقديم

الفصل السادس:

الفن والعمارة ٢٨٧


تحميل الكتاب

Issue-008.pdf

انظر أيضا

المصادر