الفتح السعودي للحجاز

الفتح السعودي للحجاز
جزء من توحيد السعودية
التاريخسبتمبر 1924-ديسمبر 1925
الموقع
النتيجة انتصار سلطنة نجد
الخصوم

Flag of the Second Saudi State.svg سلطنة نجد

Flag of Hejaz 1917.svg مملكة الحجاز
القادة والزعماء

Flag of the Second Saudi State.svg ابن سعود

  • Flag of the Second Saudi State.svg سلطان بن بجاد بن حميد
Flag of Hejaz 1917.svg الشريف حسين بن علي
Flag of Hejaz 1917.svg نورس باشا
القوات
5,000 رجل 500 رجل[1]
8 Aircraft[2]
الخسائر
غير معروفة عدد غير معروف من الضحايا
تدمير 5 مركبات مدرعة
1 airplane shot down
الاجمالي: 450 قتيل

الفتح السعودي للحجاز، أو الحرب السعودية الهاشمية الثانية أو الحرب السعودية النجدية، هي حملة، قادها السلطان السعودي عبد العزيز بن سعود، للسيطرة على مملكة الحجاز الهاشمية عام 1924-1925، انتهت الحملة بفتح الحجاز وضمها للسعودية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية

يرجع تاريخ النزاع بين آل سعود في الرياض وأشراف الحجاز إلى زمن محمد بن عبد الوهاب والذي يعد أعظم مصلح ديني انتشرت رسالته في أرجاء الجزيرة العربية بأكملها. وفي حصار الحجاز عام 1803 حدثت سلسلة من المواجهات العسكرية بين الجيوش السعودية المحتلة وأشراف الحجاز والتي انتهت بالسيطرة الكاملة للشريف حسين على المنطقة بأثرها في عام 1908. ومنذ ذلك الحين لجأ الطرفان المتناحران إلى طلب المساعدات الخارجية، حيث ناشد بن سعود العون البريطاني، بينما الشريف حسين إلى قبرص.لرئيس للمعلومات والمتابعة، متحدثاً رسمياً باسم الرئاسة. ليكون بذلك أول متحدث رسمي باسم الرئيس.[3]

وعندما منع حجيج نجد من الدخول إلى المناطق المقدسة في الحجاز، قام بن سعود بإعداد حملته العسكرية ومهاجمة الحجاز، وفي 29 أغسطس 1924 تمت محاصرة مدينة الطائف بلا أية مقاومة تذكر. ولقد طلب الشريف حسين المساعدة البريطانية التي رفضت الأمر بدعوى رفض الدخول في النزاعات الدينية، ولقد أجبر الشريف حسين علي النزول علي رغبة ابنه في عدم إشعال فتيل الحرب الأهلية في الحجاز. وفي 29 أكتوبر 1924 تم عقد مؤتمر إسلامي في الرياض حيث تم الاعتراف بابن سعود والياُ علي مكة.


حكم الشريف حسين بن علي

تمثلت السياسية الداخلية لحكم الشريف حسين بن علي، في اتجاهاته المتناقضة بين الاقليمية والقومية والاسلامية. اذ كانت دوافعه الرئيسة في الثورة على الاتراك اقليمية، أي انفراده بحكم الحجاز ثم اضطر دون وعي قومي ان يربط سطحيا بين امانيه الاقليمية وبين أمانيه القومية العربية حيث اعلن نفسه ملكا على العرب، غير انه اضطر للتراجع سريعا عن ذلك اللقب واكتفى بلقب ملك الحجاز كما اشرنا لذلك في الفصل الاول. ثم داعبته فكرة اخرى الا وهي الخلافة الاسلامية . فجلبت عليه سخط جهات اسلامية عربية وغير عربية، وفاقم من مواقفها السلبية تجاهه، وقد تجلت في ظرفه العصيب خلال الهجوم الوهابي الاخير على الحجاز. يأتي عبد العزيز بن سعود في بداية الذين عارضوا خطوة الحسين الاخيرة، ولا غرابة في موقفه، بعد ان كان له سبق الاعتراض على ملكية الاخير، اما تعليل السلطان لموقفه هذا فمرده الى عدم اعتماد خطوة الحسين على التقاليد الدينية المتبعة، ولكونها تمّت دون استشارة المسلمين فضلا عن اعتقاده بعجز الحسين عن تحمل اعباء الخلافة.[4]

واتخذت مصر موقفا معارضا من خلافة الحسين، ودعت لعقد مؤتمر اسلامي يبحث مصير هذا المنصب. وهي خطوة أراد بها علماء الازهر ـ كما يبدو التمهيد لتقليد الملك فؤاد هذا المنصب، كما تبين من ارجاءات وزارة ـ الاوقاف المصرية التي تمخضت عن هذا الموقف، بإحلالها اسم الاخير بدلا من الخليفة المخلوع في المساجد ايام صلاة الجمعة، وسواء أكانت الرغبة الاخيرة هدفا اساسيا او ثانويا فإن الموقف المصري كان مبدأيا في تعارض مع خلافة الحسين، وتخبط في الاقتراحات التي تؤكد تثبيته، كأن يقر الخليفة المخلوع محددا على خلافته بعد دعوته للاقامة في مكة، وبعد ان يتحمل المسلمون دعمه ماديا معنويا، او السعي المتفاهم مع الكماليين وإصلاح ما فسد... والجهة الاخرى التي عارضت خلافة الحسين كانت (جمعية الخلافة الهندية) وهي بموقفها انما تعكس بقاء الموقف السلبي الذي كان يكنه الهنود المسلمون تجاه الحسين، (اذ تمكن بنظرهم خائنا للدين، واحد المتمردين على الخليفة الشرعي وقد عكست الجماعة الاخيرة هذه المشاعر في ما نسقته من مواقفها من ابن سعود خلال هجومه الاخير على الحجاز كما سيتضح .

اما بالنسبة لموقف الحلفاء من خلافة الحسين فكان سلبيا هو الآخر. فلم تتوان السلطات الفرنسية في سورية من اتباع الاجراءات الكفيلة بإضعاف أي اثر لهذا المنصب في نفس مؤيديه، ومنعها لذكر اسم الحسين في المساجد او التعبير عن مبايعته . فيما اتخذت بريطانيا موقف الحياد والصمت إزاء خلافة الحسين ، لكونها كما اوضح مسؤولوها ـ قضية دينية تهم المسلمين، ولا مجال للتدخل فيها. وشددت اوامرها على موظفيها بالامتناع عن أي قول او عمل يمكن ان يشم منه الاعتراض بالمنصب الجديد.

لقد جاء الموقف البريطاني الاخير ضمن الموقف العام الذي اتخذته بريطانيا من النزاع الحجازي النجدي بعد فشل مؤتمر الكويت الذي انتهى في هذه الفترة تقريبا وهو امر يدل على الدقة في التخطيط الذي ارتاته بريطانيا، بقدر خطورته على الحسين ـ فحيادها يعني تخليها عن حماية الحجاز في وقت تفاقمت فيه مبررات الصدام مع نجد بعدما عكسه الحسين من السلبيات في مؤتمر الكويت، وبالتالي اعلانه الخلافة ولعل الامر يبدو اكثر منطقية حينما تصر بريطانيا على موقفها المسمى بالحيادي حتى اواخر أيام المملكة الحجازية وهي في نزعها الاخير.

وأخيرا لابد من الالتفات الى مواقف الهنود ومصر من خلافة الحسين، والتمعن في حقيقتهما. اذ غالى الهنود في تدخلهم بقضية الخلافة، وحشروا انفسهم بقضايا لا تمت اليهم كليا، كالنزاع الاخير بين الحجاز ونجد، مما يثير الريبة وكان الامر بدفع من بريطانيا نفسها أي (حكومة الهند)، خصوصاً وان عداء الاخيرة للحسين وعائلته كان معروفا من السابق، فضلا عن انسجامه مع موقف الهنود الذي كان مناهضا للحسين منذ قيامه بوجه السلطان العثماني.

ولا غرابة ايضا ان تدعم بريطانيا الموقف المصري من خلافة الحسين او ان تؤثر فيه، بحكم نفوذها القائم في البلاد على الرغم مما كان يحتفظ به المصريون من القناعة بموقفهم إزاء الخلافة. كانت هذه سلبيات سياسة الحسين الداخلية وآثارها عليه، اما سياسته الخارجية فقد اعتمد على انكلترا اعتمادا كليا في وضعه المادي والمعنوي، فوقع في شباك الدسائس الاستعمارية خاصة بين انكلترا وفرنسا في معاهدة سايكس ـ بيكو، الى وعد بلفور ثم الانتداب. بالاضافة الى التواء السياسة البريطانية تجاه البلاد العربية بين مدرستي الهند والقاهرة. وممالأة الاولى السياسة السعودية ضد الحسين. فهيأت سياسة الحسين المتعثرة داخليا وخارجيا الظروف المناسبة لتحقيق الحلم الوهابي في التوسع غربا حيث الحجاز وسواحله على البحر الاحمر.


حكم بن سعود

من المفارقات اللافتة، أن كل الذين حكموا الحجاز سلماً أو عنوة لم ينطلقوا من رؤية عقدية تكفيرية للمجتمع الحجازي، باستثناء الوهابيين منذ بدء حملاتهم الأولى في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث كانوا ينظرون الى مكة والمدينة بوصفهما مدينتين مشركتين وأهلهما مشركون. هكذا تكشف الرسائل والوفود التي بعث بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى علماء الحجاز حيث تبدو اللغة الرسولية بارزة بصورة ملفتة. وحتى بعد احتلال مكة المكرمة، فقد صعد الغازي السعودي ـ الوهابي المنبر في المسجد الحرام وصار يلقي على من حضر أصول الإعتقاد، ويأمرهم بتجديد الدخول في الإسلام بإعلان الشهادتين والإلتزام بأركان الدين والإبتعاد عن الحرام.

لم تكن الرؤية العقدية مقتصرة على الطبقة الدينية الوهابية، بل أصبحت جزءً من الخطاب السياسي السعودي، فقد اعتبر الملك عبد العزيز أهل مكة مشركين. وقد نقل جون فيلبي الحوار الذي دار بينه وبين عبد العزيز في صيف 1918 ـ 1336هـ قال فيه: إذا قدّمت أنت الإنجليزي إبنتك لي كزوجه سأتزوجها ولا أشترط إلا أن يكون أولادي مسلمين ولكني لا أتزوج إبنة الشريف ولابنات أهل مكة ولاغيرهم من المسلمين الذي نعتبرهم مشركين..

هذه الرؤية صدرت قبل أن يغزو عبد العزيز الحجاز بست سنوات، ثم جرى تسييلها خلال المعارك الوهابية في الطائف والمدينة ومكة وجدة، حيث أخذت شكلاً دموياً، ولم يتورّع جنود عبد العزيز عن اقتراف مجازر وحشية في (تربه) بالطائف، وأخرجوا السكّان الآمنين من ديارهم، وصادروا مملتكاتهم ثم جاءوا بمعاولهم في مكة يهدمون ويخرّبون ما زعموا بأنها أصنام تعبد من دون الله!

لم يكن استعمال عبد العزيز لفظة (الفتح) بعد غزو الحجاز مجرد هفوة لغوية، إذ يمكن لمن يقرأ الوثائق هنا أن يجد كلمة الفتح تتكرر في بياناته، بل إن التوصيفات التي وردت فيها، وكذلك في كتب مؤرخي الدولة السعودية الأولى (عثمان إبن بشر وحسين بن غنام) حيث يبدؤون رواياتهم عن الغزوات الوهابية بـ (غزا المسلمون..) وأمثالها.

وصف عبد العزيز غزوه للحجاز فتحاً، لما لذلك من دلالات دينية وتاريخية، فما قام به ليس سوى امتثالاً لمملى رسولي يخرج به أهل الحجاز من الظلمات إلى النور، ويعملهم الكتاب والحكمة بعد أن كانوا في ظلال مبين..هكذا هو التصوير الوهابي السعودي لاحتلال الحجاز!

ولأنه يدرك تماماً ماذا يعني احتلال الحجاز بالنسبة للمسلمين، عمد إلى قضمه بالتدريج وليس دفعة واحدة، ليس لأن المقاومة كانت شديدة فحسب، بل الأهم من ذلك لأن إحتواء ردود الفعل الإسلامية وتمرير الخدعة تطلب خطوات تمهيدية محسوبة بدقة بالغة.

بدأ مخطط القضم بتوجيهه خطاباً الى أهالي جدة مرفقاً مع كتابة إلى القناصل الأجانب، نشرته جريدة (أم القرى) في عددها الأول الصادر في 15 جمادى الأولى 1343هـ/12 ديسمبر 1924م، وجاء في الخطاب (فلا بد أنه بلغكم أن أغلب العالم الإسلامي قد أبدى رغبته وعدم رضاه عن حكم الحجاز بواسطة الحسين وأولاده).

أراد عبد العزيز من هذه الرسالة تهيئة أجواء خطواته القادمة، فهو يقدّم نفسه مخلّصاً للحجاز من حكم الأشراف، ما يلمح إلى أنه جاء فاتحاً ومن هذه حاله يستحيل أن يسلّم الحجاز لمن يراه مشركاً أو فاسد العقيدة، وإن دعوى تسليم مقاليد الحجاز للحجازيين سوى بداية الخديعة.

في بداية احتلال الحجاز، أوحى عبد العزيز للمسلمين بأنه سيعيد الحجاز لأهلها، وهم يختاروا من يحكمهم بل وشكل الحكم التي يرتضون، على أن تكون السيادة للأمم الإسلامية عامة، ثم تغيّر الحال فأصبح هو مجرد مشرف على شؤون الحجاز فيما يترك لسكانه تقرير نظامه الإداري، ثم أصبح حاكماً عليها على أن يعطى لمجلس الشورى المنتخب في الحجاز ولاية عليه، ولما تمكّن من إحكام قبضته على الحجاز بالكامل وتبدّدت مصادر تهديد سلطانه على الحجاز سحب البساط من مجلس الشورى وبدأ في توهيب الحجاز قضائياً وإدارياً وحتى سياسياً.

بداية انتفاضة الحجازيين ضد الأتراك

بعد بداية الانتفاضة المناهضة للأتراك في الحجاز كانت المهمة الرئيسية للحكومة البريطانية في شبه الجزيرة العربية هي حث عبدالعزيز على الانضمام إلى الشريف حسين ، أو على الأقل ، الحيلولة دون اشتداد التناقضات بينهما . إلا أن عبدالعزيز لم يكن منذ البداية يثق بالشريف حسين . وعندما علم أمير الرياض من بيرسي كوكس بنبأ الانتفاضة في الحجاز في حزيران (يونيو) 1916 أعرب عن مخاوفه من أن رغبة الحسين في قيادة العرب يمكن أن تخلق وضعا غير مقبول إطلاقا بالنسبة له .

وبعد بداية انتفاضة الحسين كان النجديون يساعدون الأتراك تارة ويساعدون الحجازيين تارة أخرى ، كما يقول المؤرخ الزركلي الموالي للسعوديين .

وكتب مرسيل يقول أن فصائل عبدالعزيز قامت بغزوات على القبائل الخاضعة للشريف حسين وخصوصا في المناطق الحدودية . وأقام إبن سعود صلات مع الوالي العثماني والقائد العام للقوات التركية في أطراف المدينة المنورة . وفي أواخر أيلول (سبتمبر) 1917 توجه وفد نجدي إلى دمشق لمناقشة مختلف القضايا مع السلطات العثمانية ، مع أن عبدالعزيز نفسه زار الإنجليز في البصرة في أواخر نشرين الثاني (نوفمبر) .

ويبدو أن عبدالعزيز أحس بالجهة ذات الكفة الراجحة . فصادر 700 جمل اشتراها أحد التجار الأثرياء لأجل الأتراك وسلمها إلى الإنجليزي في الكويت . ولاحظ الشريف حسين أن الجهود البريطانية عاجزة عن وقف منافسه النجدي فبعث رسولا إلى عبدالعزي يحمل ذهبا ودعوة للعمل ضد العدو المشترك (ضد الأتراك) .

وبعد اندلاع الانتفاضة في الحجاز بدأت إمارة جبل شمر تستلم من الأتراك أسلحة . وعندما أدرك عبدالعزيز أن القدرة العسكرية لحائل بعثت من جديد أخذ يسعى إلى تحسين العلاقات مع الشريف حسين ، إلا أن السبب الرئيسي في تغير موقفه العدائي من الحجاز هو الضغط البريطاني .

وفي 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1916 عقد پرسي كوكس في الكويت اجتماعا حضره عبدالعزيز وشيخ الكويت جابر وشيخ المحمرة خزعل وامتدح ابن سعود أعمال الشريف حسين وأكد على ضرورة تعاون جميع العرب المخلصين معه للدفاع عن القضية العربية . ولكن الأمير ، كما هي العادة ، لم يعد بتقديم دعم ملموس . وأقنع الإنگليز الحسين بإرسال برقية تحية إلى الحاضرين في اجتماع الكويت .

وقرر عبدالعزيز أثناء هذا الاجتماع التزام جانب بريطانيا كليا. وآنذاك استلم مع شيخ الكويت جابر الوسام البريطاني. وأقسم الرجال الثلاثة اليمين على التعاون بإخلاص مع بريطانيا. وعند ذاك قدم عبدالعزيز إلى الإنجليز بصورة تظاهرية ألـ 700 جمل التي كانت مخصصة للأتراك.

وبعد اجتماع الكويت زار إبن سعود البصرة حيث استعرض الإنجليز أمامه الأسلحة الحديثة ورأى الطائرات لأول مرة . ولم يبد الأمير إعجابه الشديد فهو قليل الكلام ، ولكن الآليات الحديثة ، كما هو المفروض ، قد تركت لديه انطباعا عميقا . وفي تلك الفترة تم الاتفاق على المعونة الشهرية لأمير الرياض بمبلغ 5 آلاف جنيه إسترليني .

وبالإضافة إلى المعونة المالية عرض پرسي كوكس على أمير نجد 4 رشاشات وثلاثة آلاف بندقية مع ذخيرتها ، وردا على ذلك وعد عبدالعزيز بتجنيد 4 آلاف شخص ضد حائل.

ومع ذلك تأكد الإنجليز من عدم إمكان دفع أمير الرياض إلى العمليات المباشرة ضد جبل شمر ، وكانوا يؤملون ، على الأقل ، في أن ترغمه المعاهدة الموقعه معه على فرض الحصار على الأتراك في الحجاز وسورية . إلا أن أمير الرياض ، شأنه شأن الحكام الآخرين ، لم يعيقوا حتى نهاية الحرب التهريب الذي كانت ترد عائدات منه إلى الخزينة . وذات مرة نقلت قافلة من 3 آلاف جمل بضائع إلى الحجاز فظهرت بسبب ذلك تعقيدات في علاقات إبن سعود مع الإنگليز .

وعندما أعلن الشريف حسين أنه ملك العرب أعرب أمير الرياض عن احتجاجه وطالب برسم الحدود بين نجد والحجاز والاتفاق على عائدية بدو الحدود .

واعتبارا من عام 1917 حاول بيرسي كوكس أن يصرف أنظار إبن سعود عن أعمال الحلفاء في الحجاز ، وظل يحرضه على مهاجمة إمارة جبل شمر التي كانت تقلق القوات الإنكلوهندية في وادي الرافدين من جهة الجناح . (وفي تلك السنة صار پرسي كوكس معتمدا مدنيا لبريطانيا في بغداد لدى فيلق العمليات الإنكلوهندي) . وحاول الإنگليز من جديد وبدون جدوى أن يوقفوا التهريب عبر بوادي الجزيرة . وكان سبل البضائع يجري كذلك من العراق الذي ترابط فيه قواتهم ، ومن موانئ الخليج ، بما فيها الكويت . ثم كانت القوافل تتجه إلى القصيم أو جبل شمر ، ومن هناك إلى المدينة المنورة أو دمشق .

وفي خريف 1917 كانت فصائل الحسين تقاتل بفتور . فطالب المندوب السامي البريطاني الجديد في مصر وينهايت بممارسة ضغط أشد على إبن سعود لجعله يقوم بعمليات أنشط ضد جبل شمر . وتوجه ستورس الرياض أصيب بضربة شمس فاضطر إلى مغادرة الجزيرة العربية . وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1917 نزل ممثلوا بيرسي كوكس وعلى رأسهم الكولونيل هاملتون في العقير وتوجهوا إلى الرياض ليناقشوا الوضع مع الأمير في أواخر الشهر .

وكان في هذه البعثة فيلبي الذي غدا من أكبر دارسي الجزيرة العربية وربط حياته فيما يعد بعبد العزيز والعربية السعودية . وغدا مندوبا دائميا لبريطانيا عند أمير الرياض . وكتب فيلبي نفسه أن مهمته كانت دفع عبدالعزيز لشن الحملة على جبل شمر والحيلولة دون تأزم العلاقات مع الحجاز والعثور على حل لمشكلة العجمان . ووعد عبدالعزيز ببدء العمليات النشيطة إذا قدموا له السلاح .

ولكن الإنجليز ، في نيسان (إبريل) 1918 عندما تم احتلال القدس ، لم يعودوا بحاجة إلى تصفية إمارة جبل شمر ، بل وصاروا يرفضون إرسال ماطلبه فيلبي في كانون الأول (ديسمبر) 1917 ، فخابت آمال عبدالعزيز .

وفي 5 آب (أغسطس) 1918 بدأت الحملة على جبل شمر ، وشارك فيها فيلبي الذي كتب عنها بحث مفصلا . وفي أيلول (سبتمبر)) 1918 تحرك الإخوان رافعين راياتهم نحو حائل . وكان عند النجديين حوالي 5 آلاف شخص . وفي تلك الأثناء تأزم الوضع على الحدود مع الحجاز بسبب واحة الخرمة . وعقد الحسين صلحا مع حائل ، وأقلق ذلك كله أمير نجد . وعندما كان الشمريون على وشك الاستسلام قرر الإنجليز أن انتصار إبن سعود في حائل سيثير رد فعل سلبيا عند الحسين فأمروا الحملة بأن تعود . واشتاط عبدالعزيز غضبا . إلا أن هذه الحملة عادت عليه بغنيمة كبيرة هي ألف وخمسمائة جمل وآلاف الأغنام و10 آلاف خرطوشة . ولكنه أدرك أن الإنجليز لم تعد لهم مصلحة في أعماله ضد حائل ناهيك عن احتلاله جبل شمر .

وأثناء حصار الهاشميين للمدينة المنورة الذي استمر من آذار (مارس) 1917 حتى تشرين الأول (أكتوبر) 1918 حدث في معسكر عبدالله بن الحسين خلاف بين أحد شيوخ عتيبة وبين أمير واحة الخرمة الشريف خالد بن منصور بن لؤي . وتعرض هذا الأخير لإهانة إثارات غضبه .

وفي خريف 1917 أدت مجموعة كبيرة من النجديين فريضة الحج ، وقابلهم الحسين بالتكريم . وأصر النجديون على تعيين حدود رسمية بين الدولتين ، ولكن الملك حسين تملص من الجواب وربما انتهز خالد فرصة الحج ليجري اتصالات مع النجديين ويتبنى التوحيد الوهابي . وقد لاحظ الحسين ذلك . وبعد فترة قصيرة طرد خالد من الخرمة القاضي الذي بعثه شريف مكة . وعندما طلب الشريف من خالد أن يحضر لتوضيح هذا التصرف رفض خالد الحضور وقد أحس بأن حياته في خطر .

وفي عام 1918 بعث الملك حسين فصيلا للاستيلاء على الخرمة ، إلا أن عبدالعزيز تمكن آنذاك من إرسال الإخوان لنجدة خالد ، ولذا دمروا بجهود متضافرة القوات التي جاءت من مكة عن بكرة أبيها.

وكان ذلك تحديا سافرا للشريف حسين . إلا أن خالد قد تقوى آنذاك وأخذ يقوم بغارات على المناطق الخاضعة للحسين . وكانت المدينة المنورة لاتزال في أيدي الأتراك ، وكان ذلك العمل في الواقع تعاونا مع الأتراك . وأخيرا استسلمت حامية المدينة المنورة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1918 ، وانتهت الحرب العالمية الأولى بالنسبة للجزيرة العربية . وجرت الأحداث لاحقا في تربة والخرمة الواقعتين بين الحجاز ونجد . وكان في تربة حوالي ثلاثة آلاف نسمة ، وكان فيها عدد من الأشراف يمتلكون كثيرا من أرضها . كانت هذه الواحة تعتب بوابة الطائف من جهة نجد . أما الخرمة فكان فيها حوالي 5 آلاف نسمة بعضهم من قبيلة سبيع وبعضهم من العبيد والمعتوقين . كما كانت فيها بضع عشرات من الأشراف .

الحملة السعودية

الهجوم الوهابي وزوال مملكة الحجاز

مثل الحجاز، منذ التوسع الوهابي مذهبيا وعسكريا حاجزا امام الدعوة الوهابية وتطلعات حكامهم منذ اوائل القرن التاسع عشر. ناهيك عن ان التوسع الوهابي ـ بشكليه المذهبي والعسكري ـ نحو الجهات الحجازية قد يستهدف ايضا الوصول الى سواحل البحر الاحمر في تلك الجهات للخروج بالوهابيين من عزلتهم الصحراوية التي فرضتها عليهم الطبيعة الجغرافية ببلادهم. لهذا كان يتخذ التوسع النجدي التاريخي على حساب الحجاز اشكالا مختلفة ومبررات متنوعة بحسب الظروف السياسية لمنطقة الحجاز. وهذا ما يمكن ملاحظته من العلاقات السلبية بين الوهابيين وكل من الدولتين العثمانية والحجازية.

وقد رأى الوهابيون فرصة سانحة لإستئناف رسالتهم التوسعية على حساب الحجاز عند فشل مؤتمر الكويت المنعقد في عام 1923. وقد تذرع الوهابيون ببضعة ذرائع لتصفية الحساب مع الحسين كفصم عرى القوى الهاشمية المهددة لنجد من جهات العراق والاردن والحجاز ، ولوضع حد لمضايقات السلطات الحجازية للحجاج النجديين.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

سقوط الطائف سبتمبر-أكتوبر 1924

تحركت القوات النجدية صوب الطائف في أغسطس 1924 بقيادة كل من خالد بن لؤي وسلطان بن نجاد بطلا معركة تربة، وتمكنت من اكتساح مخافر الحدود الامامية، وواصلت تقدمها نحو الطائف. فيما سارع الحسين ـ وبعد سماعه بهذه الاخبار ـ الى إرسال نجله الامير علي مع عدد من قواته لدرء الخطر الذي يهدد الطائف ، الا ان الامير اخفق في ايقافهم وفشل في خطته التي ارتآها بالانسحاب عن المدينة، استعدادا لمواجهتهم. فقد أربك انسحابه وضع المدينة بعد خلوها من القيادة والقوات الكافية، مما سهل مهمة في اقتحام الطائف واحتلالها في 7 سبتمبر 1924.

ارتكبت القوات النجدية في الطائف بعض اعمال السلب والقتل، ذاع صداها خارج الجزيرة العربية ، مما اضطر عبد العزيز بن سعود الى اصدار بيان بهذا الشأن لتبرير الموقف، اعرب فيه اسفه لاحداث الطائف وارجع بعضهما لقوات البدو التي رافقت الامير علي، واتستغلالها فرصة انسحابه امام القوات الزاحفة وقيامها بالاعمال المذكورة.

وعلى أية حال فإن انسحاب الامير علي الى منطقة الهدى استعدادا لوقف التقدم النجدي نحو مكة لم يغير النتيجة، اذ تمكن النجديون من دحر علي في معركة سميت باسم الموقع الذي دارت فيه( معركة الهدى) وذلك في حوالي 26 أكتوبر 1924. ومما ساعد في هذه الهزيمة موقف البدو والذين قاتلوا جانب الامير، وانضمامهم الى القوات النجدية فاضطر علي للإنسحاب الى مكة، حيث امر بإخلائها من الاطفال والنساء بما فيهم عائلة الحسين وبعد دخول الملك عبدالعزيز الطائف بايع شيوخ عتيبة في الحجاز الشيخ ساعد بن مطر والشيخ تركي بن هليل

تنازل الحسين عن الحكم لنجله الأمير علي

ارتأى اعيان جدة بعد التشاور مع اعيان مكة تأليف لجنة مشتركة لمطالبة الحسين بالتنازل عن العرش لنجله علي، في هدف ايقاف القتال ، واكدوا على الامير ـ لدى اجتماعهم به في جدة ـ قبول منصب والده، ولم يوقفهم اعتذاره عن ذلك، وواصلوا خطوتهم هذه وابرقوا للحسين بمكة في 3 تشرين الاول 1924 يبلغوه بإجماع الامة على تنازله لنجله علي، بعد فناء الجيش وانتشار الفوضى في البلاد. وذهبت البرقية واوضحت صلاحيات الملك الجديد، حيث سيكون " ملكا على الحجاز فقط مقيدا بالدستور على شريطه ان ينزل على رأي المسلمين واهل الحجاز في تحقيق آمالهم ورغائبهم في اصلاح شؤون البلاد المادية والمعنوية ". واقترحت هذه الجماعة في برقيتها تشكيل مجلسين احدهما نيابي وطني لادارة الامور الداخلية والخارجية والآخر شوري يتكون من اعضاء منتخبين من المسلمين على اختلاف بلادهم، ومهمته الارشاد وتقديم العون لاصلاح شؤون البلاد المختلفة . ومع استجابة الحسين لهذه الدعوة فإنه رفض موافقتهم تنصيب نجله من بعده، الامر الذي دفع بهذه الجماعة الى تجديد دعوتها، لانقاذ الموقف الحرج، وحملوه مسؤولية الارواح التي ستزهق جراء القتال، اذا ما اصر على موقفه فأجاب الحسين مشترطا لموافقته، قبول الامير علي نفسه بهذا العرض، ليمكن تنصيبه محله ، ورفض مجددا دعوة مماثلة وبنفس المضمون ، ولكنه عاد وابرق لهم في 4 أكتوبر 1924، يطلب ارسال من يختارونه لاشغال منصبه والاسراع في ذلك فشكرته هيأة الاعيان، ورجته بمحاربة لتهدئة الوضع.

نودي بالامير علي ملكا على الحجاز فقط وجرت له البيعة في نفس اليوم (4 أكتوبر 1924) على ان يخضع للشروط الدستورية المنوه عنها قبل حين والمتمثلة في خضوعه لارادة الامة والتقيد بالدستور، وان يشكل في البلاد مجلسا نيابيا ينتخب اعضاؤه من المدن الحجازية بموجب قانون اساسي يضعه مجلس تأسيسي لتولي ادارة البلاد بشؤونه الداخلية والخارجية، بواسطة وزارة دستورية مسؤولية امام المجلس ولحين تشكيل المجلس النيابي قرر احالة اعمال الحكومة الى هيأة يتم تشكيلها لمراقبة هذه الاعمال، بسبب ضيق الوقت الحالي، ولا يمكن اتخاذ اي اجراء دون تصديق الهيأة المذكورة . لذا وبموجب الشروط الاخيرة كان على الملك علي ان يخضع لنظام دستوري في الحكم وان تحصر سلطاته على الحجاز فقط، اضافة الى نقطة اخرى هي نتيجة طبيعية لهذه الشروط ونعني بها ترك مسالة الخلافة للعالم الاسلامي والتي كانت سببا لاكثر المتاعب التي لحقت بالحسين، ومن هنا فلم يكن من المعقول ان يتمسك علي بها.

وجدير بالذكر ان الحسين اعترض على شكل النظام الجديد في الحجاز واعرب عن احتجاجه ـ في كتاب بعثه في 14 تشرين الأول، الى نائب رئيس وزراء الحكومة الهاشمية ـ لحصر سيادة الحجاز في الحجاز نفسه، واحتجاجه على طبيعة الحكم الدستورية لتعارض الخطوة الاولى مع اهداف نهضته المتمثلة في استقلال البلاد العربية بحدودها المتفق عليها عام 1916، وتعارض الخطوة الثانية مع الاحكام الدينية التي جاء بها القرآن... " وعليه بلغو الهيئة الموقرة احتجاجي القطعي اولا على تحديد نفوذ الحجاز، وثانيا على ما فيه إبدال العمل بكتاب الله. ولذا فإني احفظ حقوق اعتراضي وإنكاري بالمادة والمعني لكلما ذكر" . غير ان اعتراضات الحسين وحتى التغيير الذي اصاب نظام الحكم لم يغيّرا من حقيقة الموقف بشيء، او ان يكون له أثره في ايقاف التقدم الوهابي كما كان يعتقده اعضاء لجنة الاعيان المشتركة، واستمر الوهابيون يتقدمون نحو مكة.

مصير الشريف حسين

طلبت لجنة الاعيان المشتركة من الحسين ـ كما تقدم وبعد بيعتها لنجله علي بالمكلية ـ ترك البلاد لتهيئة الاوضاع، فترك الحسين مكة الى جدة ووصلها في 9 تشرين الأول 1924 ولم يمكث بها سوى ستة ايام، غادرها متجها الى العقبة المقر الذي ارتأى الاقامة فيه . غير ان الحكومة البريطانية استكثرت على الحسين ـ كما يبدو ـ رغبته الاخيرة ومع تظاهر مسؤوليتها بالموافقة على اقامته في العقبة كما طلب ، فإنها ابدت تململها من ذلك بحجة عدم تحملها مسؤولية سلامته الشخصية. وأبدت نفس الموقف المغالط تجاه فكرة قدوم الحسين الى العراق. ففي الوقت الذي تظهر موافقتها لذلك، تنبه الملك فيصل الى " التلبكات الخطيرة التي يمكن حصولها من جراء اقامة جلالة الملك حسين في العراق واذا استقر رأيكم (والكلام موجه الى فيصل) استشارة وزرائكم في الامر فلا شك في انكم ستفحصون هذه الصعوبات بالمداولة معهم".

وما اكد الموقف البريطاني هذا، النشاط الذي اخذ يزاوله الحسين في العقبة لدعم نجله علي في جدة، ومساعيه ـ بالتعاون مع نجله عبد الله ـ التي اخذ يسخرها لحشد القوات والامدادات وارسالها الى جدة، الامر الذي دفع عبد العزيز بن سعود للتهديد بمهاجمة العقبة ومعان، لولا اقناع الحكومة له واستجابتها لطلبة في إبعاد الحسين عن العقبة، رغم كونها من املاك الحجاز حتى ذلك الحين. وقد جاءت هذه الاستجابة بعد الاجتماع الذي تم اثناء حصار جدة بين عبد العزيز بن سعود وكاتب القنصل البريطاني (منشئ احسان الله) الذي نصحه بوقف قواته المتجهة الى العقبة، لتلبية رغبته عن طريق الحكومة البريطانية، علما ان هذه المحادثات كانت سرية.

ولما كان اخراج الحسين من العقبة امرا غير مشروع بحكم تبعية المنطقة للحجاز، كان على بريطانيا اللجوء الى اساليبها الملتوية لتجاوز هذه العقبة، فكان لها ما ارادت حينما ضمت المنطقة (العقبة ومعان) الى شرقي الاردن الواقعة تحت انتدابها كما تقدم.

وعندما اشرفت عملية اقتطاع العقبة ومعان على الانتهاء شرع المسؤولون الانكليز بتنفيذ خطتهم في إبعاد الحسن، فأوعزوا بادئ الامر (منتصف مارس 1925) الى نجله الامير عبد الله لاقناع والده بمغادرة العقبة حسما للنزاع، وبحجة الحفاظ على استقرار المنطقة، وقد حاول الامير عبد الله ذلك دون نتيجة اضطرت بعدها وزارة خارجية بريطانيا لى انذار الحسين في 28 مايس بترك العقبة خلال ثلاثة اسابيع من تسلمه كتاب الانذار . أشار الانذار البريطاني الى تهديد عبد العزيز بن سعود بمهاجمة العقبة لاتخاذها من قبل الحسين والحكومة الحجازية قاعدة ضده، ومسؤولية بريطانيا بهذه الخصوص، لوقوع المنطقة تحت مسؤوليها الانتدابية، رغم عدم تحديد الحدود نهائيا بين الحجاز وشرق الاردن بسبب الظرف الذي يجتازه الحجاز . واضافت المذكرة " ان هناك نقطة متخذة من قبل ملك بريطانيا لا يمكنه ان يتساهل عنها، ان يبقى او يسمح بصورة ما بدوام الحالة الحاضرة، ولذلك بدأت بإظهار سلطة حكومة الشرق العربي في الاماكن التي هي مسؤولة عنها امام جامعة الامم، وهي تضم معان والعقبة، وتدعوكم لمغادرة العقبة لكي لا تكونوا سببا لحصول مشاكل جديدة بينها وبين سلطان نجد. ولهذه المناسبة نصر بإلحاح بوجوب مغادرتكم العقبة، معلنة انه لا يمكنها ان تسمح لكم بالبقاء اكثر من ثلاثة اسابيع.

احتج الحسين على الانذار البريطاني في كتاب مطول الى رئيس وزراء بريطانيا، اشار فيه الى ثباته عند كلمته وولائه لبريطانيا اعتمادا على وعودها في حفظ حقوق العرب وتحقيق وحدتهم التي قدموا من اجلها التضحيات... واوضح ان تنازله عن الحكم انما جاء حقنا للدماء ولكي يثبت للعالم هدفه في سعادة مواطنيه وتحررهم، وهو لا يأل جهدا في الحفاظ على حقوق العرب والتمسك بالمعاهدة ، التي يأمل بتنفيذها من الجانب البريطاني، ومع ابتعاده عن الحكم لتجنب ما يثير الشغب او سوء الفهم، فإنه لا يضمن وقف هياج العرب دفاعا عن حقوقهم، وما يترتب عليه من الاضرار بمصالح بريطانيا وغيرها . ثم ابدى الحسين تحديه للانذار البريطاني ورفضه الخروج من العقبة، مهما اتخذت الحكومة البريطانية من اجراءات... " لأني آليت على نفسي بأن لا احجم عن مساعدة أبناء وطني وقومي وإني افتخر امامكم بكوني ما زلت ولم أزل اساعد الحكومة الحجازية بمالي الخاص الذي ادخرته لمستقبلي المجهول، لان من لا خير فيه لوطنه لا يرجى منه الخير لحلفائه واصدقائه، ولي الشرف ايضا بكوني ثبت على مبدأي واخصلت في عملي وقمت بواجباتي، فما علي من غيري (ويقصد بريطانيا) فيما اذا لم يف بوعده ولم يقم بإنجاز عهده ونفذ مطامعه بقوة مدرعاته وبرؤوس حرابه فهناك يكون الحكم لمن غلب...".

ومع حراجة الظرف الذي كان يجتازه الحسين، فإنه لم يتوان عن تأكيد مواقفه السابقة من سياسة الحلفاء "فإني لم اعترف بالانتداب على البلاد العربية من أساسه. وما زلت احتج على الحكومة البريطانية التي جعلت فلسطين وطنا قوميا لليهود وشمالي سورية تحت الانتداب ومأوى للأرمن". وذهب ابعد من ذلك وطالب بإلغاء الانتداب كشرط لخروجه من العقبة على ان تكون إقامته في البلاد العربية " والا فإني لا أبرح مهما كانت النتيجة ولو ادى الامر لهلاكي ومحو عائلتي من الوجود...".

واتهم الحسين بشكل غير مباشر بريطانيا في دعم عبد العزيز بن سعود وتقويته ضد بلاده. فهجومه الاخير على الحجاز ـ كما ذهب ـ اثار استغراب القبائل العربية، فمها منه بعجز ابن سعود عن ذلك . وقبل انتهاء مدة الانذار وصلت الى العقبة بارجة بريطانية، للضغط على الحسين لترك العقبة، كما وصل الامير عبد الله هو الآخر لنفس الغرض . فاضطر الحسين للموافقة على ترك العقبة، على ان يكون محل اقامته الذي تختاره بريطانيا، خارج تركية، او الهند او مصر او اوروبا. غير ان الحكومة البريطانية عرضت عليه الاقامة في قبرص، واستعدادها لنقله مع عائلته الى هناك، على ان لا تتحمل مسؤولية امر سكنه في الجزيرة. ولم توافق على طلب الحسين للإقامة في حيفا او يافا كما رفضت طلبه للإقامة في جدة او العراق فاضطر حينها لتنفيذ الإرادة البريطانية حيث ترك العقبة في 18 حزيران 1925 على ظهر البارجة (دهلي) وقد بعث الحسين بعد اقامته في قبرص بكتاب احتجاج الى المستر (بلدوين) رئيس وزراء بريطانيا. ضد ما اشاعته الصحف المصرية عن اقامته في قبرص واعتبارها اياه اسير حرب فيها فطمأنة (بلدوين) مكذبا هذه الاخبار وأضاف ان حكومته لاتعامله سوى معاملة فرد اختار الاقامة في قبرص بناء على دعوتها، التي ارادت منها خدمة مصالح الحسين ومصالح العرب. ولم يغفل (بلدوين) الاشارة الى النشاط العدائي الذي اتخذه الحسين في العقبة ضد عبد العزيز بن سعود كتبرير للإجراء البريطاني في إبعاده عن العقبة . وبصدد الموقف البريطاني من الحرب الاخيرة، ادعى (بلدوين) تجنب حكومته التدخل في النزاع ما لم يحظ ذلك بموافقة طرفي النزاع، فمع استجابتها لطلب الملك علي بهذا الشأن الا انها تذرعت ـ كما ذهب ـ برفض عبد العزيز بن سعود لهذه الخطوة.

احتلال مكة ـ جدة وأبعادها

وصل علي الى مكة في أكتوبر 1924 بعد اتمام مراسيم بيعته في جدة لتولي مهام منصبه الجديد، ولم تطل اقامته في مكة لاكثر من اسبوع اضطر بعدها الى اخلائها والانتقال الى جدة، بعد تيقنه من عجز قواته عن مقاومة التقدم الوهابي الذي انتهى الى منطقة (الزيمة) القريبة من مكة. اذ لم يبق معه من القوات اكثر من (200-300) عسكري . هذا الى جانب اقتراح لجنة الاعيان على الملك علي بالانسحاب الى جدة، منعا لإراقة الدماء حرمة للأماكن المقدسة ، فعمد الى مفادرتها الى جدة وذلك في 14 تشرين الأول ، وانسحبت معه قواته بناء على اوامره، بعد فشله بالدخول في مفاوضات صلح مع النجديين، الذين شارفوا ضواحي مكة . وواصلوا تقدمهم نحوها مستغلين فرصة تنازل الحسين وانتشار الفوضى في البلاد ، فدخلوها في 16 تشرين الأول بقيادة خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد ، دون ارتكابهم ما قاموا به في الطائف احتراما لبيت الله . ومع قيامهم بنهب قصور الاشراف التي تركها اصحابها ومن بينها قصور الحسين التي تركها علي عند انسحابه الى جدة ، فإنهم تجنبوا اعمال العنف او تخريب الآثار الدينية . اوقف ابن سعود تقدم قواته الى جدة لحين وصوله مكة والاشراف على إدارتها مباشرة ، فرابطت قواته في مكة فيما تولى القائدة خالد بن لؤي زمام الامور كحاكم على مكة لحين وصول ابن سعود . وقد دخل الاخير مكة في 4 ديسمبر 1924 وألقى بين اهليها كلمة طمأنهم فيها على مستقبلهم، وأشار الى تطبيق احكام القرآن والسنة النبوية والتشاور لما فيه خير الطرفين... واصدر في 8 من نفس الشهر بيانا لاهالي مكة وضواحيها، بين فيه هدفه الذي دفعه لغزو الحجاز، والمتمثل بنصرة الدين، ودفع العداء الذي كان يكيده له الحسين، وعزمه على اقامة العدل ونصرة الضعيف.

لقد تخلل الزحف الوهابي على مكة واحتلالها، وتهديد مدينة جدة بعض المواقف والنتائج المهمة يمكن اجمالها فيما ياتي:

- أولا ـ مساعي لجنة الاعيان المشتركة للصلح مع ابن سعود:

كانت لجنة الاعيان المشتركة قد ناشدت عبد العزيز بن سعود قبل احتلال مكة في 4 تشرين الأول بترك الحجاز لأهله الذين لا دخل لهم بالنزاع، واكدت في كتابها انتهاء سلطة الحسين المطلقة بإنزالها إياه عن العرش ومبايعتهم " ابنه عليا ملكا على الحجاز فقط، وعلى ان ينزل على رأي المسلمين او ان يوقف الجيوش عند آخر نقطة بلغتها، وإرسال مندوبين للمفاوضة فيما يجب عمله نحو هذه البلاد المقدسة . وعززت الهيأة المكذورة كتابها ببرقية اخرى للرياض بنفس المعنى، غير ان الزعيم الوهابي كان مصرا على موقفه في اخراج الحسين وعائلته من الحجاز (فبدونه ـ كما ذهب السلطان في جوابه على الهيأة في 16 تشرين الأول ـ يستحيل نشر السلام في الجزيرة) وبعد ان نفى اية مطامع شخصية له في الحجاز. اوضح له مصيره بيد العالم الاسلامي، واعدا اهالي جدة بالامان، اذا ما غادر الحسين وعائلته عاودت لجنة الاعيان المشتركة مساعيها مجددا وارتأت الاتصال بقادة عبد العزيز بن سعود في مكة، وتبادلوا معه في اواخر تشرين الأول الرسائل وصولا الى ما ينهي القتال، طالبوهم فيها الموافقة على قدوم وفد حجازي الى مكة للتفاهم على هدنة بين الطرفين حقنا للدماء لحين مجئ الوفود الاسلامية التي طلبت اللجنة قدومها وبالذات جمعية الخلافة في الهند فغادر الوفد الحجازي في حوالي 22 تشرين الأول 1924 ، بعد موافقة خالد بن لؤي على مجيئه ، وكان الوفد يضم عشرة وجهاء بعضهم من المناوئين لبيت الحسين . ولدى اجتماعهم بخالد فرض الاخير ثلاثة شروط تعجيزية، اوضح استحالة التساهل باي اقتراح عداها هي:

  • القبض على الملك علي او اجباره بترك الحجاز او الموافقة على الاستعانة بقوات نجدية حالة عجزهم تنفيذ ذلك والظاهر ان الوفد اقتنع بهذه الشروط وبايعه عليها ، رغم تظاهره خلاف ذلك للملك علي، حفظا لمصالحهم لدى الطرفين.

عاد الوفد الحجازي في 25 تشرين الأول وابلغ لجنة الاعيان بالشروط المتقدمة والتي اشترط تنفيذها في مدة اقصاها عشرة ايام. فارتأى بعض الاعضاء حمل الملك علي على التنازل، فيما ذهب البعض ناصحا بالتريث، واتفق اخيرا على ارجاء مناقشة الامر الى يوم غد، فلم يؤد ذلك الى نتيجة ما، بل كان مثار انشقاق هذه الجماعة على نفسها، وانحلالها كهيئة مميزة. وقد اعلن محمد الطويل رئيس اللجنة انتهاء مهمتها وحلها في يوم 27 تشرين الأول ، وما كان ذلك منه الا بحكم تعاطفه مع الهاشميين، ضد العناصر المناوئة، والتي ظهرت اكثر اعتدادا برأيها من السابق.

والظاهر ان هذه الجماعة وبحكم مواقفهما العالية ـ وكما سيثبت في السطور القادمة. كانت وراء الدعاية التي عمت جدة للعدول عن الدفاع وحمل الملك علي على ترك البلاد، وذلك اثناء وجود الوفد الحجازي في مكة. اذ رفع اهالي المدينة في حوالي 22 تشرين الأول مضبطة الى رئيس الحكومة الحجازية طالبوا فيها الملك بالتخلي عن الدفاع عن جدة، الا ان الملك عارضهم واتصل بالوفد الحجازي في مكة ليبذل مساعيه للتفاهم مع خالد بن لؤي، واذا كان الاخير غير مفوض بذلك فبالامكان ايقاف القتال لحين مجيء عبد العزيز بن سعود الى مكة. وابلغ الوفد بالرجوع في حالة عدم الاستجابة لهذه النقاط . استمرت العناصر المعارضة على موقفها السابق الى الدرجة التي اتهم فيها بعض اعضائها بالتجسس للقوات الوهابية فأمرت الحكومة بالقبض عليهم وشكلت محكمة عسكرية خاصة لمحاكمتهم ، وادعت الاخبار تنفيذ حكم الاعدام بحقهم على اسوار جدة الا ان الملك علي ورغم اصرار تحسين الفقير (وزير الحربية وقائد الجيش) على ذلك سرعان ما عفا عنهم، وقد دفع المتهمون مبلغ ألفي جنيه مقابل ذلك لاستغلالها في القضايا الدفاعية ، وقد ظلت بعض هذه العناصر على موقفها السابق، كلما اشتدت وطأة الحصار على جدة فكان عبد الله علي رضا ورغم كونه احد موظفي الحكومة (قائمقام جدة) ـ في قناعة من استحالة الدفاع عن جدة بواسطة القوات المأجورة التي جمعها تحسين الفقير من العاطلين في سورية او شرقي الاردن ، ولم يتوان من ايضاح هذا الموقف للمستر فلبي. اما قريبه قاسم زينل فقد ابلغ فلبي بكل صراحة ان امل الحجاز الوحيد يقوم على انتصار الوهابيين الكامل وهو انتصار كان يعمل له بكل ما عنده من نشاط ، ولم يكن حكم الاعدام الذي اعفي منه كما تقدم برادع له بل شرع يجهر بعدائه لهم وان مغادرة الملك علي برأيه الحل الوحيد للمشكلة . كانت معظم العناصر المعارضة من اثرياء جدة ومكة، وتجارها، وكانت غالبيتهم من المسلمين الذين استقروا في الحجاز، بعد تنامي مصالحهم ونفوذهم فيه ولا تعدوا اهتماماتهم في هذا الظرف من تجنبهم القلاقل والحروب التي تضر بهذه المصالح فكان من الطبيعي ان يجنح هؤلاء لايقاف الحرب انقاذا لمصالحهم الاقتصادية سواء المتعلقة منها بموسم الحج وما كان يدره عليهم من الاموال او بالتجارة عموما والتي كانت ترتكز بشكل رئيسي على ميناء جدة. ومن هنا جاءت موافقتهم ضعيفة من الحرب الاخيرة، وتتماشى مع مدى فاعليتها، فهم يجبرون الحسين على التنازل آملا في إيقاف الحرب لاعتقادهم بقناعة عبد العزيز بن سعود بهذه الخطوة وقبوله بتسوية الامر سلما، عادوا بعدها ـ وبعد فشل تصوراتهم ـ وارتأوا إجبار الملك علي على ترك البلاد لابن سعود، بل وامست مواقفهم بما ينسجم مع هذا الهدف، كالتعاون المنوه عنه مع القوات الوهابية في هدف التعجيل بإنهاء الحرب.

ومن هنا جاء الانقسام الذي تعرضت له لجنة الاعيان المشتركة كما اشرنا، حيث ظل الشيخ محمد الطويل مدير الكمارك والخزينة على ولائه للهاشميين، في حين ترأسَ قاسم زينل الجماعة المعارضة ، والواقع ان ولاء الطويل للهاشميين ودعمه للملك علي يبدو مرحليا، كأن يأمل منه بقاء العائلة الهاشمية التي تنعم في ظلها كموظف مالي كبير، وصاحب ثروة وافرة، وهذا ما يفسر التراجع ـ وان كان معنويا ـ الذي اخذ يعتري الطويل، بعد ان ادرك باقتراب نهاية العائلة التي والاها.

- ثانيا ـ الوساطات الشخصية لإيقاف القتال:

وساطة المستر (جون فلبي): عمد كل من فلبي وأمين الريحاني وطالب النقيب الى التدخل بصفة شخصية لإنهاء النزاع. وكان في بداية الذين وفدوا الى جدة لهذا الغرض المستر فلبي، بعد ان عرض هذه الرغبة على الدكتور ناجي الاصيل ممثل الحجاز في لندن ، بوصفه صديقا لكل من علي عبد العزيز بن سعود خصوصا بعد ترك الحسين للحجاز، فكان من الطبيعي ان يبدي الملك علي ـ ولصعوبة موقفه ـ ارتياحه لهذه البادرة واستقبل فلبي في 28 تشرين الأول 1924 استقبالا حارا.

اتصل فلبي بعد وصوله جدة بكل من خالد بن لؤي في مكة و عبد العزيز بن سعود الذي كان في طريقه اليها مقترحا عليهما الاجتماع بأي منهما وفي أي وقت يختارانه وقد رد خالد على فلبي، بعد ان بعث برسالة الاخير لابن سعود ـ مؤكدا اخراج علي من جدة، مع رسائل طلب من فلبي تسليمها الى القناصل الاجانب، حملها نفس المضمون ونصيحته بعزل رعاياهم جانبا . اما عبد العزيز بن سعود فلم يختلف عن موقف ابن لؤي واصر في رسالة للملك علي في 17 تشرين الثاني 1924 على خروجه من الحجاز نهائيا . فيما اكد عبد العزيز بن سعود هذا الموقف في رسالته الجوابية الى فلبي في 1 كانون الأول 1924، وان " الموضوع من اوله الى آخره متوقف على رأي العالم الاسلامي، والذي يقف معارضا معارضة قوية لابناء الحسين"، ومع انه أمل فلبي بلقائه لتبادل الرأي، بعد وصوله الى مكة . فإنه ثبت موقفه المذكور مجددا في رسالة ثانية بعثها الى فلبي، بعد وصوله مكة، اعرب فيها عن استحالة مناقشة قضية الحجاز، واصراره على اخراج علي من البلاد وتقرير مصيرها من قبل العالم الاسلامي.

والظاهر ان فلبي لم يكن راغبا في اقحام نفسه كليا في النزاع او احراج صديقه عبد العزيز إبن سعود، فرد على الاخير بالصيغة التي تتناسب ومدى تحمسه للتوسط في حل النزاع. فهدفه من زيارة جدة ـ كما رد على عبد العزيز بن سعود ـ انما كانت لبحث بعض القضايا الاقتصادية التي سبق ان بحثها مع عبد اللطيف المنديل وكيل السلطان في البصرة والمتضمنة احتمال منح امتياز للتنقيب عن البترول في الاحساء، وبعد ان ابدى رغبته في الاجتماع بعبد العزيز بن سعود، اكد رغبته ايضا في عدم اقحام نفسه في قضايا هي من شؤون المسلمين وان كان هدفه ـ على ما ادعى ـ هو خدمة العرب بأقصى ما يستطيع من قوة . ومع ذلك فقد اقترح فلبي في الاجتماع الذي عقده الملك علي مع مستشاريه وبحضور كل من طالب النقيب وامين الريحاني ، ان يجتمع النقيب بابن سعود فلعل في ذلك ما يلطف الجو ان لم يؤد الى اقناع عبد العزيز بن سعود بالتفاوض قبل استئناف القتال، لكن الاجتماع انتهى ولم يسفر عن نتيجة ما . وعلى اية حال فإن المستر فلبي، وبعد تفاقم الوضع المتردي لمدينة جدة،عزم على تركها، واعرب لصديقه عبد العزيز بن سعود عن امله الاجتماع به في وقت آخر عندما يكون اقل عملا ، وذلك في رده على رسالة تسلمها من الاخير قبيل سفره . وكان آخر اقتراح تقدم به فلبي قبل السفر إرسال وفد من اعيان جدة الى مكة للتفاوض مع ابن سعود بشأن الصلح، على ان يمنح الوفد الصلاحيات الكافية لعقد هذا الصلح وعلى ان يترك اتخاذ أي خطوة بشان السياسة التي يجب اتباعها لحين عودة الوفد وفي ضوء نتائج مهمته، وقد أبًّدَ هذا الاقتراح السيد محمد الطويل وعين. الوفد الذي يتولى هذه المهمة، وارتأى منحه الصلاحيات الكافية لعقد الصلح شريطه بقاء علي ملكا.

لم تكن هذه الاقتراحات ذات جدوى، اذ اخذ الوهابيون يشددون من خناقهم لجدة، فيما ترك فلبي المدينة في 3 كانون الثاني 1925 في طريقه الى عدن ثم لندن، عاد بعدها في خريف نفس السنة بصفة رجل اعمال ، ولم يمانع في عرض توسطه من جديد للملك علي الذي كان يتشبث بأي وسيلة لانقاذ عرشه والتخلص من هذه الاوضاع اصبح تحقيقها متوقفا على معجزة وتمكن فلبي من الاجتماع بابن سعود، دون ان يأتي ذلك بنتيجة ما، فقد كان الاخير يستعد بقواته للوثوب على المدينة وفتحها بعد استكماله لفتح اكثر المدن الحجازية، وهو مصمم على دخول جدة بأسرع وقت ممكن كما اعرب بذلك لفلبي نفسه. فما كان من فلبي الا السفر الى بور سودان لينتظر نهاية المدينة، ولم يكلف نفسه نقل الاخبار السيئة بشأن المصير المحتوم.

(ب) وساطة امين الريحاني: كان فؤاد الخطيب في طريقه الى طهران لتمثيل بلاده كسفير في ايران، الا انه ما كاد يصل عمان حتى وصلته اخبار الهجوم الوهابي وتنازل الملك حسين واوامره الملك الجديد بالعودة لاشغال منصبه السابق في وزارة الخارجية.، فلم يبخل الخطيب وهو في عمان، بالاتصال بأمين الريحاني في سوريا للتوسط في النزاع، في الوقت الذي تلقى فيه الخطيب برقية ترحيب بالوسيط الجديد من الملك علي . كتب الريحاني بعد وصوله جدة في 5 تشرين الثاني 1924 لكل من القائدين خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد، ورسالتين لابن سعود على دعوته لانه كان في طريقه الى مكة، كما جاء ذلك في إجابة القائدين المذكورين . ومع ذلك فإن عبد العزيز بن سعود وبعد وصوله مكة، رد على الريحاني ضمن الردود التي بعثها لكل من زميليه النقيب وفلبي في ترك مصير الحجاز للمسلمين ، لكن الريحاني عاود الكتابة من جديد في حوالي 10 نوفمبر 1924 واستفسر من عبد العزيز بن سعود عن موافقته لمقابلة احد موفديه للتشاور ببعض الامور عن طريقه ، فتمكن من ذلك وبعث ـ بعد موافقة عبد العزيز بن سعود بيد السيد حسين العويني ، بمذكرة بشأن النزاع الحالي لم يشر الى مضمونها عاهدا للرسول تفصيل ما ادرج فيها من نقاط لعبد العزيز بن سعود، كما بعث مع المذكرة بكتاب من وجهاء المسلمين في لبنان بخصوص حل النزاع وقد عاد المبعوث بعد ثلاثة ايام وهو يحمل جواب عبد العزيز بن سعود الذي وصفه الريحاني بأنه اثار ارتياح الملك علي، دون ان يورد ما جاء فيه . الا ان مثل هذه الصورة المتفائلة التي بدت على موقف عبد العزيز بن سعود ـ ان وجدت كما يعتقد الريحاني ـ لم تدم وانتهت باستئناف ابن سعود ما عزم عليه، حيث اخذت القوات الوهابية بالاقتراب من جدة، ولم يكن توقفها فترة من الزمن في مكة توقفا يفهم منه التفاوض او الصلح.

- وساطة طالب النقيب: انضم طالب النقيب وسيطا ثالثا الى الوسيطين السابقين ووصل الى جدة في 25 تشرين الثاني 1924، واتصل كذلك بابن سعود يطلب مقابلته ولم يجبه باكثر من اجوبته السابقة لكل من فلبي والريحاني. ومع ترحيبه بمقدم النقيب فإنه ـ كما جاء في جوابه على رسالة النقيب ـ اشترط الا يكون سبب مجيئه التوسط في قضية الحجاز اذ لا فائدة من ذلك ، "واذا كان الشريف على يود حقيقة حقن الدماء فعليه ان يتخلى عن جدة اما اذا قبله العالم الاسلامي وانتخبه حاكما للحجاز فمحله غير مجهول" . وقد عاود النقيب طلبه معربا عن رغبته في موافقة عبد العزيز بن سعود واستئذانه بزيارة شخصية وألح عليه بالاسراع لاضطراره السفر الى مصر قريبا ، الا ان عبد العزيز بن سعود اعتذر له بسبب الظروف القائمة وطمأنه بوصول الاخبار المفرحة وهو في مصر قريبا ، معربا عن أسفه لعزمه السفر وارجح تأجيل اجتماعه به الى وجوه مكة الذين طلبوا اليه تاجيل الاجتماع المقترح الى وقت اكثر ملائمة . فاضطر النقيب الى ترك الحجاز كزميله فلبي بعد فشل مهمته .

- مواقف خارجية:

أ- موقف المجلس الاسلامي الاعلى في فلسطين: كان المجلس الاسلامي الاعلى في فلسطين أول هيأة اسلامية تلبي نداء لجنة الاعيان المشتركة الذي وجهته للمسلمين للتدخل في إيقاف القتال في 17تشرين الأول 1924 . وبعث بدوره في تشرين الأول كتابا وجهه لجميع الحكومات والجمعيات الاسلامية يطالبهم فيها بالتدخل عن طريق ايفاد من يمثلهم لهذه المهمة. واكد استعداده لارسال وفد من جانبه لهذا الغرض بمجرد تسلمه الموافقة على ذلك ، فيما ابرق الى عبد العزيز بن سعود يطالب بوقف القتال، والامساك عن اهراق الدماء احتراما للأماكن المقدسة . وقد رد عبد العزيز بن سعود على الهيأة المذكورة في 23 من نفس الشهر، موضحا عدم جدوى هذه الدعوى. فقد ظل الحسين ـ كما ذهب عبد العزيز بن سعود ـ معاديا لنجد ويسعى لتجزئتها منذ سبع سنوات. وهو فضلا عن منعه للحجاج النجديين منذ ست سنوات، فإنه عاجز عن صون الاماكن المقدسة وادارتها، واوضح ان هذه الامور كانت سببا في تقدمه لفتح الحجاز رغبة منه لاقرار الحالة في الحرمين وضمان المساواة فيها بين جميع المسلمين. وقد جددت هيأة المؤتمر الاسلامي نداءها السابق لابن سعود في كانون الأول، ولكن بدون جدوى.

ب- جمعية الخلافة الهندية والنزاع الحجازي النجدي: ردت جمعية الخلافة وبحكم موقفها السلبي من الحسين دعوة المجلس الاسلامي الاعلى بمثل ما رد به عبد العزيز بن سعود في ترك قضية الحجاز لمؤتمر اسلامي عام. كما اتخذت موقفا ممثلا من بلاغ لجنة الاعيان المشتركة وبرقيتها الى الجمعية التي طلبت فيها تدخلهم في النزاع ، فقد ابرق رئيس جمعية الخلافة شوكت علي الى عبد العزيز بن سعود يخبره ببرقية الحجازيين وبلاغهم واوضح" ان مسلمي الهند لا يوافقون على بقاء الشريف حسين ولا ابنائه في الحجاز وان حكومة الحجاز يجب ان تكون حكومة ديمقراطية حرة خاضعة لرأي العالم الاسلامي وإن جمعية الخلافة لا تعترف بإمارة الشريف علي" . ومع تبيان موقفها السلبي من الهاشميين، فقد ارتأت الجمعية استطلاع وضع الحجازيين وإرسال بعض مندوبيه لهذا الغرض، واتصل شوكت علي بالسيد محمد الطويل في 24 تشرين الثاني 1924، يبلغه بذلك ، في هدف التوسط بين مسلمي الحجاز ونجد وعزمها على الاجتماع بكل من علي و عبد العزيز بن سعود لهذا الغرض . وقد اجتمع الوفد الهندي لدى وصوله جدة بالملك علي وتشاور معه بخصوص الوضع، كما عقد اجتماعا مع عبد العزيز بن سعود في مكة، ولم تسفر هذه الاجتماعات بطبيعة الحال عما هو في صالح الحجاز وقفل راجعا الى بلاده لاخفاقه في التوفيق بين الطرفين كما قيل . بيد ان الوقع لم يكن يعني اخفاقا بقد ما هو تنسيق لموقف الجمعية و عبد العزيز بن سعود المناوئ للهاشميين فقد اوضح اعضاء الوفد ما ينم عن هذا الموقف رغم وضوحه من السابق بقولهم" ان الملك لا يطمح من وراء هذه الحرب التي يخوضها الا توطيد عرشه على حساب شعوب الهند الاسلامية... وان واجب الشعوب الاسلامية ان تتخذ وتتضامن لإيجاد حكومة راقية في الحجاز. تتولى حماية الحجاج وتسهر على راحتهم...".

وإزاء هذا الموقف حاولت الحكومة الحجازية تسوية خلافاتها مع الجمعية وعمدت في تموز 1925 الى إرسال وفد رسمي الى الهند لشرح وجهة نظره فيما يتعلق بالاوضاع القائمة في الحجاز ، وتمكن الوفد الذي ترأسه محمد الطويل من الاجتماع بأعضاء الجمعية وعلى رأسهم شوكت علي. وأيدت الاخبار الواردة الى جدة في تموز 1925 تفاؤلها للتعاطف الذي طرأ على اعضاء الجمعية تجاه قضية الحجاز ، واتفاق الطرفين الى ان ترسل الجمعية بعض ممثليها لعقد الصلح بين الحجاز ونجد، وكذلك امتناع الصحف التابعة للجمعية عن الدعاية للوهابية. الا أًن الواقع لم يكن مشجعا الى هذا الحد. فالذي يبدو ان التجاوب الذي ابداه اعضاء الجمعية، لم يكن بإقرار من الجمعية وانما جاء من قبل بعض اعضاء الذين طالبوا بجلاء عبد العزيز بن سعود عن الحجاز، فيما ظل شوكت علي وابتاعه على موقفهم السابق دون تغيير . لقد اتهمت بعض المصادر جمعية الخلافة في كونها وراء الهجوم الوهابي الاخير وان بعض كارهي الملك حسين من زعماء هذه الجمعية ـ كما ذهبت جريدة التلغراف الإنكليزية ـ قاموا بتحريض عبد العزيز بن سعود لذلك... . وأوضح الملك علي في تصريح له لجريدة انكليزية، خشونة المعاملة التي تلقاها من هذه الجماعة . ومع اتضاح موقف هذه العناصر من الحسين وعائلته، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو ما الذي جعل مثل هذه الجمعية بمثل هذه الاهمية، كأن تسهم في تقرير مصير حرب، او مملكة وتصبح مرجعا أساسيا في تقرير مصير سياسة الجزيرة العربية، في وقت تتنحى فيه بريطانيا عن هذا الدور. وكما اجبنا على ذلك سابقا، فإن الموقف المنسجم الذي اتخذته حكومة الهند والمسلمين الهنود من الحسين وعائلته منذ قيام الاخير بوجه الدولة العثمانية لم يكن بعيدا ـ كما يبدو عن تأثير الحكومة الاخيرة في تصعيد ان تنشيط الموقف العدائي الذي يحتفظ به المسلمون في الهند تجاه الحسين، الامر الذي قد يبرر ايضا موقف الحياد الرسمي الذي اتخذته بريطانيا من النزاع بحجة عدم استعدادها التدخل في شؤون المسلمين، او لخشيتها من إثارة مشاعر مسلمي الهند.

ج- الموقف المصري: كانت أولى المبادرات المصرية بشأن الحرب القائمة في الحجاز إرسال بعثة طبية تابعة للهلال الاحمر المصري في حوالي كانون الأول 1924، لتسهم في معالجة المتضررين من الحرب. غير أن الحكومة المصرية لم تنو قصر خدماتها على جدة فقط. وطالبت بإرسال قسم من البعثة الى مواقع القوات النجدية الامر الذي رفضه الملك علي... ريبة منه بأهداف البعثة التي وصفها بأنها بعثة سياسية وليست مجرد بعثة خيرية خصوصا وانه قد تسلم من مصر ما يحذره منها. ولعل ما يبرر هذا الحذر طبيعة العلاقات الحجازية المصرية المتردية في السنوات الأخيرة.

أما المبادرة الأخرى التي اتخذتها الحكومة المصرية، فهي إرسال وفد رسمي، وبأمر من الملك فؤاد هدفه التحقق من الاضرار التي لحقت بالأماكن المقدسة كما أشيع حينه ، ومحاولة الوصول الى تسوية سلمية بين الجانبين. وقد التقى الوفد المصري بالملك علي توجه بعدها (في 21 أيلول 1925) الى مكة واجتمع بابن سعود وتبادل وجهات النظر بشان النزاع الدائر، ابدى خلالها عبد العزيز بن سعود عدم استجابته لدعوة الصلح التي اقترحها الوفد المصري، واقترح مستشاره (حافظ وهبه) نيابة عنه، بعض الاسس التي يمكن التشاور بشأنها تقرير مصير الحجاز.

تضمنت مايلي:

1ـ ابقاء الحجاز للحجازيين من حيث الحكم، على ان يحدد العالم الاسلامي الحقوق المتعلقة بالاماكن المقدسة.

2ـ اجراء استفتاء عام وبإشراف ممثلي الاقطار الاسلامية لانتخاب الحاكم الجديد للحجاز.

3ـ تعتبر الشريعة دستورا للحجاز.

4ـ يتمتع الحجاز باستقلال داخلي.

5ـ ينتهج الحجاز الموقف الحيادي.

6ـ لا يحق لحكومة الحجاز عقد اتفاقية اقتصادية مع دولة غير اسلامية.

7ـ تبنى مندوبو الاقطار والشعوب الاسلامية مهمة تحديد حدود الحجاز ووضع نظمه المالية والاقتصادية والادارية.

وقد طلب ابن سعود من الوفد المصري نقل هذه الاقتراحات الى الملك فؤاد لتوضع موضع التنفيذ حالة موافقة الاخير عليها.

عاد الوفد المصري الى بلاده دون ان يكون هناك ما يشير الى جهوده واضحة بذلها لتسوية النزاع، وبكلمة اخرى لم يكن الصلح هدفه الرئيس من مجيئه للحجاز، وانما يكاد يكون هذا امرا ثانويا، وهذا ما اعرب عنه امين الريحاني الذي عاصر هذه الاحداث ، ولعل ذلك ياتي انسجاما مع الخلافات التي كانت تشوب العلاقات الحجازية المصرية خلال هذه الفترة كما تقدم . ومن هنا فإن الوفد لم يكن يؤلف ـ بشكل عام ـ اكثر من كونه مستمعا وناقلا لاقتراحات عبد العزيز بن سعود للملك فؤاد بشأن مصري الحجاز. وجل ما قام به، تفقده للاماكن الدينية ورفعه تقريرا بأوضاعها للملك فؤاد وحتى هذا الاهتمام يكاد يشترك من حيث الاهمية بغرض آخر ويعني به قضية الخلافة. اذ مازالت تقلق بال الملك المصري، الذي رغب كما يبدو استطلاع امرها من عبد العزيز بن سعود ، ولعل في المؤتمر الذي عزمت مصر على عقده لمناقشة هذا الامر في القاهرة واضح على هذه التطلعات.

د- مواقف ايرانية، هولندية، سوفييتية: استجابت الحكومة الايرانية لدعوة المجلس الاسلامي سالفة الذكر وابلغت قنصلها في دمشق للتوسط في النزاع الدائر وأمرته بإبلاغ عبد العزيز بن سعود بذلك . فعمد على اثرها السيد (احمد افندي لارى) وكيل قنصل ايران في جدة بالسفر الى عبد العزيز بن سعود في محاولة للتفاهم معه لإيقاف القتال واجتماع به في آذار، 1925، في منطقة الوزيرية القريبة من جدة، لكنه لم يفلح في تغيير موقفه السابق المتمثل بترك الملك علي للبلاد وتقرير مصيرها من قبل المسلمين . وقد رافق الممثل الايراني كل من هولندا والاتحاد السوفييتي في هذه المهمة ولم يكن نصيبهما بأحسن من ثلاثهما لحلم عبد العزيز بن سعود على الصلح . ومما يذكر ان الاتحاد السوفييتي اعرب رسميا ـ كما تقدم على لسان (تتشيرين) ـ عن قلقه للنزاع الدائر وعبر عن امله في خروج الحجاز من هذه المحنة سالما .

هـ- موقف اليمن من النزاع: لقد شجب الامام يحيى القتال بين النجديين والحجازيين، وحث على وضع حد له حرصا على ارواح المسلمين. وذلك في اثناء التحرك الوهابي من مكة لاستكمال احتلال الاراضي المتبقية, وخاصة جدة. وقد قام بمحاولتين في هذا المضمار. كانت الاولى في 26 ايلول 1925 حينما وجه نداءه الى المسلمين عن طريق الصحف المصرية دعاهم فيه الى انهاء التقال وصيانة الاماكن المقدسة بعد ان طال امد الحرب، واكد تصميمه على ارسال وفد من جانبه ليسهم في حل النزاع صلحا كما دعا المصريين لارسال من يمثلهم لهذا الغرض.

وكانت المحاولة الثانية في 27 تشرين الأول 1925، حيث اتصل الامام بإبن سعود يحثه على ايقاف القتال حرمة للأماكن الدينية ، فيما اتصل بنظيره الملك علي لنفس الغرض ودعاهما لقبوله حكما بينهما. وبينما يبدي الاخير ارتياحه لهذه الدعوة آملا في الخروج من موقفه المحرج ، رفض عبد العزيز بن سعود الاستجابة لها واجاب الامام في 2 تشرين الثاني 1925 بدعوته المسلمين لمؤتمر يبحث مصير الحجاز، ودعا الامام لإرسال مندوبه لهذا الغرض.

د- الموقف الاردني: ارسلت الحكومة الحجازية عند مبايعة الامير علي ملكا على الحجاز مبلغ 40 الف ليرة الى الامير عبد الله لينفقها في شؤون التجنيد وشراء العدد الحربية ، فيما ذهب الحسين بعد استقراره في العقبة في اواخر تشرين الأول 1924، الى الاتصال بنجله عبد الله لتنسيق جهودهما في دعم الملك علي وإعانته بالتطوعين فشرع عبد الله في جمع المتطوعين سواء في بلاده او في سوريا وفلسطين في هدف تشكيل فرقة عسكرية وإرسالها للحجاز. وسمي القائد تحسين الفقير ، قائدا لها والزعيم نورس بك رئيسا لاركان حربها. وقد تم تشكيل الكتيبة الاولى من هذه الفرقة (التي سميت بفرقة النصر) وسافرت الى الحجاز بقيادة الفقير، فوصلت جدة في تشرين الأول 1924 للأسهام في الدفاع عن المدينة المحاصرة ، وكان عدد افرادها (300) مقاتل و (100) من عرب شمر النازحين عن الجزيرة . وقد اعقبت هذه المجموعة مجموعات اخرى اخذ يرأسها الامير عبد الله بالتعاون مع والده في العقبة ، حتى بلغ الجند النظامي في جدة (1800) مقاتل، اما البدو فقد بلغ عددهم ما يقارب (1500) مقاتل.

لقد اقلقت هذه الإعانات القادمة من شرقي الاردن، بآل عبد العزيز بن سعود واتصل بالمسؤولين الانكليز مهددا بمهاجمة العقبة ما لم يتم ابعاد الحسين عنها ، نظراً لأنه كان يصرف من جيبه الخاص لدعم مالية الملك علي وامداده عسكريا . ولم يتقاعس الانكليز عن تنفيذ هذا الطلب، لما فيه مصلحتهم، وعمدوا الى اخراج الحسين من العقبة بأساليبهم المعروفة ، فزاد ذلك من ثقل العبء الذي كان يتحمله الملك علي امام الضغط المتزايد للقوات الوهابية.

ز- الموقف العراقي: بذلك المسؤولون الحكوميون في العراق، وبالذات الملك فيصل جهودا متواصلة لأنتشال الحجاز من محنته القائمة. غير ان هذه الجهود اقتصرت على دعوات الاستغاثة الموجهة الى المندوب السامي البريطاني في بغداد للتدخل وايقاف القتال واضافة الى بعض الاعانات المالية المحددة المرسلة الى الحجاز, بدون شك ما كان لهذا الموقف ان يدور الا ضمن هذه الحدود تماشيا مع السياسة البريطانية التي كانت تهيمن عل السياسية الخارجية لمعظم دول المنطقة وتحول دون تدخل أي دولة في شؤون الدولة الاخرى كما سيتضح من العرض التالي: اتصل الامير علي عند سقوط الطائف بأخيه الملك فيصل في 10/9/1924، واوضح له حراجه الموقف، وما تعرضت له الطائف من عمليات القتل والنهب، واعرب عن خشيته من تسلط الوهابيين على مكة، رغم اتخاذه المواقع الدفاعية ونشاده بتدارك الامر ، فرفع فيصل هذه البرقية بالنص الى المندوب السامي البريطاني في بغداد السير (هنري دوبس) للأطلاع عليها ، اعقبها بكتاب منه في 11 أيلول 1924 اشار فيه الى الاعتداء الوهابي ضد الطائف واحتمال مهاجمتهم مكة. فقد وصلت اليه العديد من البرقيات التي تشير الى اقرار الحكومة الحجازية بإخلاء مكة من النساء والاطفال وابقاء الرجال للدفاع عنها، واوضح لدوبس انه فهم من هذه البرقيات، امكانية الاستغاثة بالحكومة الاسلامية التي لها رعايا في الحجاز وفي مكة بالذات، وطلب مساعدتها لحماية الحرمين، واضاف "ان المسألة ستأخذ دورا هاما يصعب تخمين نتائجه السياسية ولذلك أرى من الواجب حث الحكومة البريطانية بكل إلحاح على ان تتخذ كل ما وفي وسعها من التدابير لجعل حدا للفضائح القائم بها الوهابيون". واهاب فيصل بالحكومة البريطانية للتدخل واستخدام القوة لخطورة الموقف الذي لا يتحمل التأني، وختم كتابة بإنتظار الرد البريطاني بفارغ الصبر . ولعدم تسلمه أي رد رسمي من السير (دوبس) استفسر فيصل عن كتابهِ السابق، واكد طلبه السابق، كما لفت نظر دوبس " الى ان بقاء الوهابيين في الطائف واحتمال تجاوزهم على مكة المكرمة يسبب القلق للعالم الاسلامي ومهدد لكيان هذه المملكة الحديثة وان حكومة جلالة الملك لا يمكنها ان تتنصل من التبعة فيما لو تمكن الوهابيون من الاستيلاء على كعبة المسلمين بالنظر لما لها من النفوذ في البلاد العربية والعلاقات التي تربطها بالاقطار المحيطة بالحجاز من كل جانب ". واوضح ان الوهابيين سيوجهون هجماتهم نحو العراق وسوريا فيما لو تمكنوا من الحجاز، ولهذه الاعتبارات فهو يرغب التعرف على وجهة نظر بريطانيا وما تنوي اتخاذه لايقاف سفك الدماء ، واستمر فيصل في تبرير التدخل البريطاني في النزاع الدائر، بحجة خطورة الوهابيين على العراق حالة تفرغهم من الحجاز في المستقبل " فحكومة العراق مهما كانت صفتها لا تتمكن من تحمل مسؤولية المستقبل وتبقى متفرجة مكتوفة الايدي منتظرة الهجوم عليها في عقر دارها... ولا اعتقد ان شخصا يشعر بثقل المسؤولية يتمكن من البقاء في الحكومة مهما كان مركزه ". فليس من المرغوب به ـ كما اضاف ـ ان تخلق بجوار بلاده قوة كبيرة تهدد حدودها. واستدراك هذه الامور له اهمية في تلافي الكثير من مشاكل المستقبل . لم يقتصر فيصل في اتصالاته علىالجهات البريطانية، وانما اتصل برئيس وزرائه واستفسر عن موقف الوزارة من تطور الاوضاع ونتائجها الحاضرة واللاحقة واثر ذلك في العراق والخطط المنوي اتخاذها لحماية مصالح العراق وحدوده . وقد استجاب رئيس الورزاء (ياسين الهاشمي) وعقد اجتماعا لهذا الغرض في 18 أيلول 1924 . ناقش فيه مجلس الوزراء هجمات الوهابيين على الحجاز واعرب ان استمرار هذه الهجمات ـ وما فيه من إخلال ليمزان القوى في الجزيرة ـ او استيلاء عبد العزيز بن سعود علىالحرمين مستقبلا، سيكون له اضراره السياسية والاقتصادية والدينية على العراق . ومن هنا قرر مجلس الوزراء الاستفسار من المعتمد السامي عن التدابير المتخذة بحق الاعتداءات الوهابية ضد الحجاز الآن، اوفي المستقبل ليتمكن المجلس من اتخاذ قرار نهائي بهذا الخصوص . وردا على هذه الاستفسارات اجابت الحكومة البريطانية في 30 ايلول 1924 بعدم نيتها التدخل في الشؤون الدينية التي يتسم بها النزاع، ورغبتها في تجنب التورط في مثل هذه الامور . اما بصدد الحكومات المحلية المتاخمة لجزيرة العرب ، فإن الحكومة البريطانية بحكم مسؤوليتها امام عصبة الامم ستقدم مساعدتها لهذه الحكومات ضد أي عدوان دون اثارة من قبل أي حاكم عربي شريطه مساعدتها لهذه الحكومات ضد أي عدوان دون اثارة من قبل أي حاكم عربي شريطه ان تسترشد الحكومة المحلية في سياستها تجاه ذلك الحاكم بآراء الحكومة البريطانية. وفي ضوء ذلك " فإن الحكومة البريطانية لا يمكنها الاعتراف بحق هذه الحكومة بالتدخل في نزاع بين حاكمين عربيين مستقلين، ولن ترضى بأي تدخل من هذا القبيل . كان على فيصل ان يستمر في استصراخه المسؤولين الانكليز رغم الاجابة المخيبة التي اوضحتها مذكرة وزارة المستعمرات، وحاول كالسابق ان يربط خطورة الموقف في الجزيرة بمستقبل العراق، لتبرير موقفه من النزاع في هذا الضوء، تخلصا من القيد الذي فرضته الحكومة البريطانية في برقيتها المتقدمة، برفضها التدخل في أي نزاع خارجي، فانتقد النظرة البريطانية في حصرها للنزاع بين نجد والحجاز فقط، دون ان تجيبه على ما اوضحه في كتابه السابق (24 أيلول) من خطورة هذا النزاع على مستقبل العراق، حالة سيطرة عبد العزيز بن سعود على الحجاز ومع بذلك بريطانيا لجهدها في دعم (البلاد الواقعة تحت انتدابها ضد أي هجوم يقود، أي حاكم، فإن شرطها ـ اوضح فيصلا ـ في ان يكون هذا الهجوم بدون إثارة، يعني تكذيبها (بريطانيا) لكل البلاد العربية المحيطة بأبن سعود والتي تعرضت لاعتداءاته وتبرئته منها "، واكد ضرورة توجيه اهتمام الحكومة البريطانية لحدود العراق الجنوبية والغريبة بقدر باهتمامها بالحدود الشمالية، واتخاذ ما يردع ابن سعود وإيقافه، عرج بعدها فيصل وهذا ما كان يهدف الى حشره تحت صيغة الحرص على مصالح العراق، وأشار الى خرق الوهابيين لحرمات الاماكن المقدسة بالقوة في هدف نشر معتقدهم، وضرورة التدخل لايقافهم واذا " كانت حكومة جلالة الملك ترى التدخل فيما يخص بصيانة الحرمين الشريفين مخالفا لتقاليدها التي سارت عليها حتى الآن الا يترتب عليها ان تترك الحربية للطوائف الاسلامية في ان تقوم بما يطمئن وجدانها ويصون اقدس مقدساتهم وحرماتهم والسعي فيما يصون وحدتهم ويحفظ كيان مملكتهم في المستقبل ، وختم فيصل مذكرته مناشدا بريطانيا السعي لحفظ وسلامة الاماكن المقدسة وطالب عبد العزيز بن سعود بإيقاف اعوانه لحين حل الامر سلميا في مؤتمر يقوم الاخير بعقده والا فسيتحمل المسؤولية بنفسه . لقد كان فيصل قلقا لاحداث الحجاز الا انه ـ ومع وقوفه معارضا بشدة للاعتداء الوهابي ـ كان مقتنعا بأن التطورات الاخيرة في الحجاز مما يستحق والده جزاء سياسته ، واعرب عن إرتياحه الشديد عند سماعه باستقالته من الحكم وامله في ان يكون اخوه علي مقبولا من قبل المسلمين، بيد ان الخوف ما زال يطغى على فيصل وحتى على بعض المسؤولين الانكليز، من احتمال مهاجمة الوهابيين لمكة، وبلغ به الاستياء الى الحد الذي قدم استقالته من العرش لنجله غازي ـ رغم عجزه في تحديد الوجهة التي سيتجه لها ـ عند استفسار دوبس عن ذلك ـ الا ان فيصل سحب استقاله بعد اربعة ايام بناء على نصيحة دوبس له.

وفي الوقت الذي كان فيه فيصل على اتصال بالمعتمد البريطاني (دوبس) لم يغفل اتصاله بأخيه الملك علي واسدائه النصائح في معالجة الوضع الذي كان يعانيه، ورغم كونها جاءت متأخرة، فإنه كان يعتقد بفاعليتها لانقاذ الموقف اذا ما اقتدى بها اخوه علي. اما هذه النصائح فكانت اولها ان يذيع بين المسلمين ان مسؤولية الحرمين لاتعود لاهل الحجاز وحدهم بل هي في عنق المسلمين، واظهار الرغبة للاتفاق معهم ومطالبتهم بإرسال من يمثلهم للتفاهم في وضع الخطط الكفيلة للقيام بتلك المسؤولية. وان يقوم علي بالابراق للجمعيات الاسلامية في كل من مصر والهند بهذا الشأن.

أما النصيحة الثانية فمهمة بنظرنا لالقائها الضوء على حقيقة الموقف البريطاني السلبي من النزاع، ففيها يهيب فيصل بأخيه اخبار بريطانيا عن موافقته " بقبول أي اقتراح يرجع المناسبات المحببة (الودية) الى ما كانت عليه اثناء الحرب العامة وتكونوا (يخاطب علي) بتماس دائم مع ممثليها في جدة على أن تعطفوا على آرائه وتخبورا حكومة مصر بنياتكم الحسنة ورغبتكم الحسنة في وضع اساس لارجاع الصلات الصميمية التاريخية وترسلوا الى عبد العزيز بن سعود تكفلونه بالصلح بطريقة التحكيم حرمة للأماكن المقدسة وحقنا لدماء المسلمين وتخبروا بريطانيا بذلك وتطلبوا توسطها وتكاتبوا امراء العرب بالحسنى وتعاملوهم معاملة طيبة وتطمئنوهم في عزم الحجاز على انتهاج خطة المسالمة والمحبة معهم . اعتقد فيصل كما اوضح لاخيه ـ اهمية انتهاج هذه السياسة في انتشال الحجاز من الوضع الحالي. والواقع ان هذه الاقتراحات جاءت محاولة تصحيح في السياسة الهاشمية، اقترحها فيصل لتحل محل السياسة التي اتبعها والده عن طريق التنازلات التي كان يأباها الاخير. فالملك فيصل حين ينصح عليا بالموافقة على أي اقتراح ترتأيه بريطانيا لتسوية خلافاتها انما يقصد بالتأكيد التفاهم على المعاهدة التي كانت قضية الانتداب وقضية فلسطين السبب الرئيسي في رفضها من قبل الحسين. وقد اتصل علي بالمعتمد البريطاني تنفيذا لاقتراحات اخيه وتباحث معه بهذا الشأن وطلب منه "دوام المذاكرة بإتمام المعاهدة واوعد (المعتمد) بالتسهيلات، كما وعد على نفسه بإزالة جميع سوء الفهم".

واذا كانت اقتراحات فيصل قد القت الضوء على حقيقة الموقف البريطاني فإنها عكست من جهة اخرى المواقف المناوئة للحسين كجمعية الخلافة في الهند ومصر والحكام العرب الآخرين الى جانب عبد العزيز بن سعود والذين كانوا على خلاف مع الحسين منذ السابق، فاعتقد فيصل بمساعدة هذه الجهات للحجاز اذا ما تم تسوية خلافاته معهم، لذا وعد الملك علي اخاه فيصل بمراسلة عبد العزيز بن سعود في الحال ثم ابلغه برسالة اخرى عن عزمه لايفاد رسول منه لعبد العزيز بن سعود، وطالبه بإبلاغ الاخير عن طريق المندوب السامي في بغداد او أي وساطة للتمكن من ايقاف القتال لحين انتهاء المفاوضات ، غير ان الدعوة لم تلق اذنا صاغية واضطر علي الى الانسحاب، من مكة وابلغ اخاه بذلك . فلم يسع فيصل سوى اللجوء الى حكومته في محاولة دعم موقفه عن طريقها فطلب من وزرائه بعد إحتلال مكة، دراسة الموقف الجديد من جميع وجوهه وتعيين الخطوة التي ينوي اتخاذها من قبل الحكومة بينما طالب فيصل في الوقت ذاته اخاه الامير زيد ـ في لندن حينها ـ وحثه على معاضدة ناجي الاصيل في مفاوضاته مع الحكومة البريطانية، وان يطلب " باسم العائلة واهل الحجاز الابرياء للتوسط من حكومة صاحب الجلالة البريطانية لإيقاف القتال وحل الاختلاف سلميا ، وعلى النقيض من هذه المساعي كان عبد العزيز بن سعود مُصِرّاً على موقفه في رفض الصلح فقد تلقى (طاهر الدباغ) سكرتير لجنة الاعيان المشتركة رد عبد العزيز بن سعود بهذا الشأن، وان لا مجال لنشر السلم دون اخراج الحسين وابنائه من الحجاز، ليتم بعدها تقرير مصير الحجاز من قبل المسملين ، وقد عبر فيصل عن استيائه وألمه للمعتمد البريطاني دوبس وابلغه بنص برقية عبد العزيز بن سعود الاخيرة ومضى في القول " اني لا اظن بأن جلالة ملك بريطانيا يرضى لهذه العائلة التي انا احد افرادها بمثل هذه الحقارة العلنية بل انني لا اعتقد بأنه يرضى ولن ترضى حكومة جلالته بأن أُطأطئ رأسي أمام هذه الاهانة الشخصية " وذهب مستفسرا عن جرم اخيه على وبقية افراد العائلة، بعد تضرعهم لابن سعود بطلب السلم، وبعد زوال والده عن الحكم، دون ان يخفف ذلك من ضغط عبد العزيز بن سعود وتهديده الاهالي. الا بإخراج العائلة الهاشمية عن الحجاز. وارجع فيصل اصرار عبد العزيز بن سعود الى هدفه في ضم الحجاز لبلاده، اما تصميمه على اخراج العائلة الحاكمة، فلكي ينفرد في حكم الحجاز دون منازع. كما تم له ذلك في حايل، حينما طالب اهلها بإجلاء آل رشيد ثم اضاف: "ان عظمة السلطان قد رفعت الستار عن مقاصده الخفية وأظهرت العداء جليا نحو جميع افراد اسرتي بلا استثناء وهو يصر اليوم على إبعاد من هو فيها في الحجاز والا فلا أمان لأهل الحجاز ولا يستبعد ان يجمع قواه بعد ان ينال مرغوبه في الحجاز ويطلب خروجي من العراق عاجلا ام آجلا متذرعا بعين الاساليب ونفس المغالطات التي يتذرع بها اليوم تجاه حكام وامراء الجزيرة الذين سعى الى استئصالهم متزملا برداء العصمة والدفاع عن حقوقه ولا يصعب عليه ان يتخذ نفس الخطة التي نجحت حتى الآن تجاه العراق فيجيّش جيوشه... ويشن الغارات على اطراف البلاد ليلتجئ الاهالي، الى اخراجي من بين ظهرانيهم لأني في نظره احد افراد تلك الاسرة التي يجب ان لا تعيش على ظهر البسيطة...".

ثم طلب فيصل بعد هذه التفصيلات جواب الحكومة البريطانية بأسرع وقت قبل قيامه بأي عمل مادي كان او معنوي.

وكان فيصل قد اتصل بدوبس، قبل طرحه لهذه التفصيلات بيومين أي في (26 أكتوبر) وكشف له عن نيته في الإتصال بالرؤساء والشخصيات الإسلامية بشأن الوضع الدائر في الحجاز، وإمكانية عقد مؤتمر إسلامي لمعالجته. إلا أن الحكومة البريطانية لم تبد ارتياحها لهذه الفكرة، وعملت على اجهاضها بأساليبها الملتوية عبر الانتقادات التي وجهتها لهذه الخطوة . ومع تظاهر فيصل، بتفهمه لمبررات الموقف البريطاني إلا أنه "في موقف يستحيل علي ـ كما ذهب فيصل ـ فيه أن أبقى كمتفرج أمام هذه المشاهد المؤلمة التي يمثلها أعدائنا بصورة فجيعة على مسارح التشفي والإنتقام وذلك لا بسبب إلا لاننا التحقنا بالحلفاء في أيام الحرب العصيبة وبقينا مخلصين لحكومة جلالة الملك ومحافظين على ولائها وصداقتها وها هم في كل صقع لا يخشون المجاهرة بذلك ونشره على رؤوس الاشهاد وبكل مالديهم من وسائط كما أنهم لم ينفكوا ساعة واحدة عن السعي وراء ـ غاياتهم واستهدافنا لسهام اغراضهم كأن انتمائنا للحلفاء ودفاعنا معهم عن حقوقنا واستقلال بلادنا خيانة في نظرهم لا تغتفر" ومع احترامه لموقف بريطانيا الحيادي، ناشد فيصل وأعرب عن أمله في أن تنظر بريطانيا ـ وبما تتمتع به من تأثير في ابن سعود ـ للموقف بصورة أشمل "وأن لا تتخلى عن هذه العائلة التي قامت بواجب صداقتها... فتتركها فريسة يسحقها في مهد عزها يد الاعداء... وأن لا تغل في النهاية يدي وتمنعني من القيام بواجب الدفاع المادي والأدبي ضد من يريد محو عائلتي نهائيا..." . هذا وقد حاول الملك فيصل تقديم بعض العون المادي للمملكة الحجازية لتمكينها من مقاومة الغزو الوهابي بناء على استغاثة أخيه الملك علي في هذا الشأن. اذ سارع فيصل الى إلاتصال برئيس وزرائه (ياسين الهاشمي) يستفسر منه الطريقة التي يمكن بها جمع التبرعات للتخفيف من الضائقة التي يعاني منها الحجاز . وعند مناقشته مجلس الوزراء لهذا الطلب في جلسته المنعقدة في 27 تشرين 1924، قرر تأليف لجنة في وزراة الأوقاف وبرئاسة وزير الاوقاف تتولى تنفيذ هذه المهمة، فيما قرر في الوقت ذات إرسال مبلغ (15000) روبية من واردات الأوقاف النبوية لإسعاف المهاجرين.

وكما يبدو من كتاب فيصل لدوبس في 14 مارس 1925 ان الأخير لم يكن راضيا بالإجراء الأخير إرسال الإعانات المالية الى الحجاز، وقد رد فيصل هذا الإجراء الى الاوقاف، ولكون القضية إسلامية بحتة ولكونه المسؤول العام عنها بحكم الشرع، فإن له الصلاحية التامة للتصرف وفق المصلحة الإسلامية بعد استشارة ذوي الخبرة من علماء الدين، ولما كانت هذه الأمور من اختصاص وزارة الأوقاف فلا داعي لعرضها على مجلس الوزراء، فضلا عن عدم تناسب حجم الاعانات المرسلة مع حجم الأموال التي يحتاجها السكان في جدة. واوضح فيصل لدوبس إنسانية مثل هذا العمل لإنقاذ الكثير من براثن الفقر الذي سببه الوهابيين.

ويبدو أن دوبس كان يدرك الهدف الذي يكمن وراء هذه المساعدات وفي كونها ارسلت لدعم الموقف العسكري للملك، ومن هنا هنا استغراب فيصل من دوبس بقوله "وإني لا ارى كيف يتسرب الى الذهن ريب فيما هو القصد من إرسال هذا المبلغ الصغير" ، وأضاف انه لبى دعوة حكومة الحجاز لإسعاف الفقراء والمهاجرين الذين تضرروا بفعل الحرب، والذين اخذت تتحمل من ورائهم حكومة الحجاز في جدة أعباء مالية هي اكثر بكثير مما أرسل إليهم من الإعانات. وهو لا يعلم عما إذا كانت هذه الأموال تصرف لأغراض حربية أم لا، وإنما يؤدي واجبا إنسانيا لا يرى في أدائه ما يفسح المجال لمثل هذه الادعاءات.

وبغض النظر عن مدى صحة شكوك السير دوبس، إلا ان المهم هو تمادي الموقف البريطاني الى الدرجة التي استكثر فيها على فيصل وحكومته إجراء كهذا.

وعلى أية حال فإن فيصل لم يوقف نشاطه في إرسال الإعانات لأخيه علي ـ الذي أخذ يشدد في استغاثته ـ وواصله بثلاثة آلاف جنيه. كما ابلغ مجلس الوزراء بأوضاع الحجاز وإجرائه الأخير حيال طلب أخيه، فيما طالبه من جهة ثانية بحث الأهالي لجمع التبرعات وإرسالها الى جدة... وقد أحيل هذا الطلب الى وزارتي الداخلية والأوقاف لإبداء رأيهما بشأن جمع الاعانات ، تولى بعدها مجلس النواب مفاتحة الحكومة نفسها بهذا الخصوص بعد الاقتراح الذي رفعه نائب الموصل إبراهيم كمال الى رئيس المجلس رشيد عالي الكيلاني، والذي ارتأى فيه تولي الحكومة تشكيل لجان خاصة في الألوية تتولى مهمة جمع التبرعات، دعما لمقاومة الملك علي ضد الوهابيين ، ففاتح الكيلاني رئيس الوزراء باقتراح إبراهيم كمال الذي أقره مجلس النواب في جلسته المنعقدة في يوم 14 أيلول 1925 ، صدرت على أثرها تعليمات وزارة الداخلية الى جميع متصرفي الألوية بتشكيل اللجان المذكورة في مراكز الألوية والأقضية، لجمع الإعانات على ان يكون ذلك تحت إشراف البلديات وبأسرع وقت . وذهبت الوزارة المذكورة بتعميم جمع التبرعات على كافة طبقات الشعب، واقترح حكمت سليمان على رئيس الوزراء بمناشدة أعضاء مجلس النواب للإسهام في هذا العمل خصوصا وإن الفكرة من خلقه، وكذلك الحال بالنسبة لمجلس الأعيان ، فاقترح رئيس الوزراء على أمين العاصمة بمفاتحة المجلسين وقد فاتح الأخير الجهتين الأخيرتين بشأن الاعانات ، بعد إبلاغ حكمت سليمان له بذلك .

وفي الوقت الذي كانت تجري فيه هذه الإتصالات أبدى بعض متصرفي الألوية نوعا من الاهتمام بأوامر وزارة الداخلية بشأن التبرعات فوعد متصرف السليمانية بذل كامل جهده، وأخذ بتشكيل اللجان في مركز اللواء والأقضية ، بينما تشكلت في بلدية الموصل هيئة لنفس الغرض شملت المفتي وأعضاء المجلسين الإداري ـ والبلدي ، في حين شرع متصرف البصرة هو الآخر بالعمل في نفس المجال . إلا أن هذه الخطوات ظلت في منتصف الطريق ولم تتم مهمتها لانتفاء الهدف منها، وذلك بعد سقوط الحكم الهاشمي ونزوح الملك علي عن الحجاز، الأمر الذي يبرر صرف الحكومة العراقية اهتمامها عن هذا الموضوع وإرجاع ما وصلها من الأموال رغم قتلها من البصرة مثلا ، الى دوائر البلدية لصرفها على الشؤون المحلية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الموقف في مملكة العراق

كان الشعور العام في العراق ـ وبحكم موقع ملكية فيصل عى البلاد، فضلا عن الدعاية المضادة للوهابيين ـ يمتاز بالحساسية الشديدة، مما حفز لإثارة التوتر على الحدود. وقد تفاقمت الحالة ـ على حد قول (توفيق السويدي) أحد رؤساء الوزارات العراقية ـ إلى الحد الذي بات معها الاصطدام بين الطرفين ممكنا.

لقد أعرب السكان عن احتجاجهم للأحداث الجارية في الحجاز في البرقيات التي رفعوها الى الملك فيصل احتجاجا ضد مايسمى بالتجاوزات الوهابية ، وأخذت بعض الجماعات في عدد من المدن العراقية تعقد الاجتماعات، تعبيرا عن موقفها هذا، فيما كانت تقابلها وزارة الداخلية ومتصرفي الألوية بالحيطة والحذر، لارتيابهم بالأهداف التي تكمن وراء هذه الاجتماعات، واحتمال إثارتها للاضطرابات الداخلية، غير انهم لم يغفلوا العامل الآخر الذي كان وراء هذه الاحتجاجات، والمتمثل بتعرض الأماكن الدينية للرصاص بسبب عزم الوهابيين على انتزاع الحجاز. ولما كان اهتمام الحكومة منصبا على العامل الأول، فكان لزاما عليها التحقيق في الأمر، لذا اصدرت الحكومة اوامرها من نشاطات مثيري هذه الفتن والاضطرابات . غير ان هذه المحاذير التي اتخذتها وزارة الداخلية للمستقبل كانت مجرد إجراءات أمنية اعتيادية . ولم تكن المخاوف التي أبداها المسؤولون في حينها بتلك الدرجة من التصور. إذ كانت هذه النشاطات منصبة على التعبير الاحتجاجي فقط. وقد اقتصر المجتمعون من رجال الدين على إلقاء الخطب المعادية للوهابيين. وتليت البرقيات الاحتجاجية التي بعث بها الشيخ احمد كاشف الغطاء الى ملوك المسلمين وشخصياتهم ، كالملك فؤاد ملك مصر ومفتي الديار المصرية وشيخ الجامع الأزهر، وجمعية الخلافة الاسلامية كذلك الملك علي وملك افغانستان، ورئيس مجلس النواب العراقي.

ومع اقتصار هذا النشاط على الاحتجاجات ـ التي لا بد وان يكون فيصل على علم بها ـ فإن السلطات الانتدابية في العراق لم تكن مرتاحة لاستمرارها وبخاصة الاتصالات التي يقوم بها رجال الدين مع بعض الملوك والشخصيات الاسلامية. وقد اعرب بعض المسؤولين المعنيين بالموضوع عن عدم ارتياحهم لتصرفات العلماء الذين عمدوا الى " مخاطبة دويلات اسلامية جاعلين سلطتهم شبيهة بسلطة البابا في روما"، كما اعربوا عن عدم موافقتهم على الاجتماعات الدينية المتكررة لكونها قد تنطوي على أبعاد سياسية معادية للحكومة،" وليس من الموافق أن يقوم العلماء في أوقات مختلفة بإصدار أوامرهم بدعوة الناس الى الاجتماع وتعطيل الأسواق وغلق الحوانيت على مرأى من الحكومة وبدون إذن سابق منها ولا على الأقل بإخبارها قبل الاقدام على عقد تلك المظاهرات". وطالبوا أخيرا بمنع هذه الاجتماعات الا بموافقة السلطات المحلية . وظلت قضية الاتصالات بين رجال الدين والحجازيين، مثار الاهتمام وخاصة بعد وصول برقيات الاستغاثة التي كان يبعث بها الحجازيون. وكان موقف الحكومة دقيقا، نظرا لما فيها من تأثير في تدهور علاقات الودية مع حكومة نجد صيانة لأموال رعاياها وارواحهم"، فضلا عن ذلك ـ فإن البرقيات المتبادلة بين الحجاز ورجال الدين لا تساعد على استتباب السكينة وتفسح المجال أمام نشاط الأخيرين الذين يطمحون لمثل هذه الفرص لتثبيت مكانتهم بين الناس. ومن هنا "وصل الأمر ببعض المسؤولين الى اقتراح الأمر إلى مراكز البرق برفض مثل هذه البرقيات".

وقد ظلت السلطات الرسمية على موقفها السلبي من الاجتماعات التي تقام احتجاجا ضد الوهابيين لمحاذيرها السياسية، وتقترح بإيقافها الا بعد إذن حكومي.

وفي البصرة ظهرت علائم الاحتجاج القائم في الحجاز أيضا ولعل في برقيات الاستغاثة وطلب العون التي كانت تصلهم من الحجاز وبالذات من (المدينة المنورة) المحاصرة، ما حفزهم لذلك. فقد اعرب سكان المدينة المنورة في إحدى برقياتهم المرسلة الى أعيان البصرة عن الضيق وضنك العيش الذي يعانون منه جراء الحصار" وإنا نكاد نموت جوعا وعطشا..." وفي الوقت الذي أبلغ فيه وزير الداخلية بالبرقية المذكورة ، عمد أهالي البصرة إلى الاتصال بالمندوب السامي، مستنكرين في برقيتهم أعمال الوهابيين وما صاحبها تعرض للأماكن المقدسة.

فيما أهابوا به والحكومة البريطانية التدخل لانقاذ الحجاز من وضعه المحزن ، إلا ان رد سكرتير المندوب السامي لم يتعد مشاعر الأسف والحزن" وان الحكومة البريطانية حزنت حزنا شديدا لما ورد من الأخبار حول ضرب المدينة بالقنابل لأنها أدركت ما أصاب رعاياها وحلفاءها المسلمين من الأسى من جراء ذلك، ومع ذلك فإنها لا تتمكن من ان تتدخل بالقوة في أراضي الحجاز المقدسة في نزاع بين المسلمين. ولقد كانت قد تصدت للتوسط في القضية ولكن فخامته، (أي المندوب السامي) يأسف لرفض ما أقدمت عليه" . وبالنسبة لمدينة بغداد، فقد عقد عدد من الوجوه فيها اجتماعا دينيا للتعبير عن احتجاجهم لأعمال الوهابيين في الحجاز وذلك في أيلول 1925، بعد ان رخصوا بذلك من متصرف اللواء، على ان لا يتعدى هدف الاجتماع الإحتجاجات وان يتحمل المسؤولون عن عقدة مسؤولية ما هو خارج على القانون والغاية المنوه عنها. وقد تم الاجتماع في موعده دون إثارة اية متاعب، واقتصر الخطب وبرقيات الاحتجاج والاستنكار..." ,


الموقف البريطاني من النزاع

إن الذي يتتبع الخطوات المدرجة في الفصول السابقة للسياسة البريطانية مع الملك حسين، لا يجد غرابة في خذلانها للأخير في أحرج ظروفه وأصعبها، وهي بهذا تختتم الحلقة الأخيرة من مخططها الذي رسمته لهذا الحليف والذي بدأ يثير إزعاجها في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى. أطلقت بريطانيا على موقفها من النزاع بالحياد وراح بعض مسؤوليها ، بالثناء على هذا الموقف ، ومع التزامها بهذا الموقف، إلا أن اتخاذها إياه وتمسكها به على غير عادتها، رغم الانتصارات التي أحرزها الوهابيون، ورغم الاستغاثات التي رفعت للتدخل أمر مفضوح لا يحتاج إثبات في كونها المساهم الرئيسي في تقرير هذه الأحداث ونتائجها. ترى بم تفسر ردعها الحاسم للهجمات التي شنها الوهابيون على كل من الأردن والعراق في نفس الموعد الذي شنت فيه حملة الحجاز ؟ فإذا كان ذلك راجع للمسؤولية الانتدابية التي تتحملها بريطانيا للأردن والعراق، فما الذي دفعها للتدخل في معارك تربة عام 1919؟. بعد سقوط الطائف اجتمع كل من نائب رئيس وزراء الحجاز عبد الله سراج والسيد أحمد السقاف رئيس الديوان الملكي والشريف عبد الله بن محمد وزير الداخلية في دار الحكومة بمكة وأعدوا برقية الى لندن يطلبوا فيها التوسط، بيد ان الحسين رفض ذلك ، واكتفى بأن أبلغ مندوبه في لندن بأن يلفت نظر المسؤولين الانكليز الى أعمال النجديين في الحجاز، في الوقت الذي كانوا يلحون عليه بعدم إزعاجهم وكأنه يطلب الوساطة ولا يقوى لذلك بصراحة كافية. وسواء أكان راغبا في التوسط أم لا فإن الحكومة البريطانية كانت على قناعة من موقفها الحيادي وابلغت ذلك رسميا الى الملك فيصل ردا على صيحاته المتكررة لإيقاف القتال وقد جاء ذلك في برقية وجهتها للسير هنري دوبس في 30 أيلول 1924. فهي (بريطانيا) في الوقت الذي تبدي استعدادها لإحلال السلم بين سائر الحكام العرب، فإنها "متمسكة بسياستها التقليدية من عدم التدخل في الشؤون الدينية وليس في نيتها التورط في أي نزاع مايرمي الى الاستيلاء على الأماكن المقدسة مما قد يدخل فيه حكام بلاد العرب المستقلين. وفي المشكلة الحاضرة (مشكلة الحجاز). تنوي الحكومة البريطانية حصر مجهوداتها في محاولة صيانة من في الحجاز من رعايا صاحب الجلالة البريطانية المسلمين والمسلمين الذين تحت حماية جلالته وذلك بقدر ما يكون بالإمكان عملها. وفقط في حالة طلب كلا الطرفين المتنازعين من تلقاء نفسيهما توسط حكومة صاحب الجلالة البريطانية لأجل المساعدة في حسم المشاكل بينهما بالتدابير السلمية تكون حكومة صاحب الجلالة البريطانية مستعدة للقيام بأمر مثل هذا والذي كانت قد قامت به في الشتاء الماضي في مؤتمر الكويت عبثا بسبب تأخر الحسين في إرسال من يمثله . وقد أكد دوبس على فيصل اعتبار هذه البرقية (جواب الحكومة اليقين). واستشهد ولتبرير موقف حكومته المتقدم في تجنبها التدخل في شؤون المسلمين بالخبر الذي نشرته وكالة رويتر بشأن احتمال تدخل بريطانيا في النزاع، والذي أثار هياج المسلمين الهنود واستيائهم لرفضهم هذا التدخل في شؤون الحجاز حتى وإن كان لمصلحة فريضة الحج "ومن هذا يتبين لجلالتكم كما أوضح دوبس لفيصل الصعوبات العظيمة التي تحيط بالحكومة البريطانية فيما يتعلق بهذا الأمر اذ انه إذا قلت آراء جلالتكم فمن البديهي إنها ستجلب بذلك خطر إثارة مشاغبات خطيرة في الهند" . فكأن الهنود هم الذين وقفوا في طريق بريطانيا لحقن الدماء في الحجاز. وسيرا مع هذه السياسة اظهرت بريطانيا عدم تأييدها لخطوة فلبي للتوسط في النزاع وأبلغته عن طريق القنصل البريطاني بعدم سماحها في دخوله الجزيرة العربية بسبب اضطراب الأوضاع فيها ، وكانت قد أبلغت كل من الملك علي وعبد العزيز بن سعود قبل وصول فلبي بأيام قليلة بعدم سماحها لمجيء الأخير وعدم تخويلها إياه بالتفاوض . وأنذرت فلبي مجددا في 1 كانون الأول 1924عن طريق القنصل، بالطرد من الخدمة وحرمانه من التقاعد اذا ما تجاهل الاوامر وحاول السفر الى داخل الجزيرة . ومن الطبيعي أن تبدو هذه الانذارات بصفتها الرسمية ممارسة للموقف الحيادي الذي اتخذته الحكومة البريطانية الا ان ذلك لا ينفي كون سياسة الحياد كما اشرنا تحمل غير صفتها الرسمية، أي مبدأ التخلي عن دعم الحكم الهاشمي في الحرب الاخيرة، وهذا ما يتفق مع مهمة المستر فلبي، اما الانذارات فقد تعني ان خلافاً ما ان وجد ـ بين فلبي وحكومته من حيث الاسلوب لا الهدف . ومع ذلك فهي لا تعدو اكثر من كونها ادعاء ارادت به بريطانيا تاكيد موقفها المذكور بعد ان تيقنت من قدرة ابن سعود على انهاء الحرب لصالحه، مع بقاء حقيقة المهمة التي اوكلت الى (فلبي) فهل كان من الصعب على المسؤولين الانكيز ـ ان ارادوا ـ منع فلبي من دخول الحجاز او اخراجه منه بعد دخوله بصورة سرية كما ادعى دون انتباه الاخيرين في مصر لذلك ، في حين طلب بعض هؤلاء ـ كما ذهب فلبي ـ من طالب النقيب خلال وجوده في الاسكندرية بعدم السفر الى الحجاز والتوسط في النزاع ، فقد تكون بريطانيا ـ وفي ضوء موقفها الاخير من الهاشميين ـ لا ترضى بغير وساطة فلبي ـ التي نوهنا الى أبعادها سلفاً . وباسم الحياد منعت بريطانيا من جانبها دخول الاسلحة الى الحجاز، او الساماح للقوى المتنازعة بشراء الاسلحة من انكلترا، كما منعت من استخدام الطيارين الانكليز في الجيش الحجازي ، اما الطائرات الانكليزية القديمة الثلاث التي وصلت الحجاز فكانت الحكومة الحجازية قد ابتاعتها قبل امد طويل بمبلغ فاحش قدر بسبعة آلاف ليرة انكليزية رغم انها لم تكن تعادل مبلغ (1500) ليرة. فدفعت الحكومة المبلغ السابق رغم إفلاسها الحاد هذه الآونة ، علما ان هذه الطائرات لم تكن مزودة بالاسلحة او القنابل والمعدات لتقيد بريطانيا بحيادها من الحرب.

وتجلى الموقف السلبي للحكومة البريطانية ايضا في إجرائها بإبعاد الحسين عن العقبة اثر استقراره فيها، وبعد ان اخذ يمول نجله (علي) بالمال والجند والامدادات في وقت كانت فيه الحكومة الحجازية بأمس الحاجة لذلك بعد نفاذ خزينتها من المال . ولا ريب ان يكون لابعاد الحسين عن العقبة وقعه المؤثر في الملك علي الذي كان يعاني من الافلاس. حيث انقطع عنه مورد مالي كان يعتمد عليه اعتماد قويا. ولم تصل بعد هذا الحين سوى دفعة مالية بسيطة مما زاد عسره المالي، الذي سعى الانكليز لاستغلاله كما يبدو بواسطة الامير عبد الله للمساومة على منطقتي العقبة ومعان خلال مساعيهم بهذا الشأن. اذ يشير الريحاني ان الامير عبد الله وضمن مساعيه لضم المنقطة الى إمارته ضرب على الوتر الحساس حينما اوضح في احدى مذكراته لاخيه الملك على ما معناه حصول الاخير على مبالغ قدرت (مليون) ليرة على شكل تعويض وقروض ، فضلا عن إبعاد عبد العزيز بن سعود عن الحجاز حتى تربة والخرمة، وجعل الخط الحجازي تحت امرته متى ما اراد، اذا ما استجاب لضم المنطقة الى شرقي الاردن.

ونضيف الى هذه الشواهد التي تميز بها موقف الحكومة البريطانية صورة اخرى تمثلت في تصدي مسؤوليها في بغداد لمشروع الملك فيصل الرامي لدعوة الملوك والشخصيات الاسلامية في مؤتمر يتولى معالجة الموقف في الحجاز، اذ يبدو ان هذه النية قد اقلقت بال السير هنري دوبس، فجعل على أثرها في إبلاغ حكومته بالامر ـ رغم تظاهره لفيصل بحسن النية ـ ولم تتون حكومته بدورها في تبيان موقفها من خطوة فيصل الاخيرة وبالصيغ التي توقفه عند حده وبصورة غير مباشرة. حيث اشار الى ان حكومته: "ترى ان جلالتكم (فيصل) لا تحسنون الرأي بإرسال برقيات الى زعماء الاسلام تقترحون فيها عقد مؤتمر اسلامي لأن من الواضح من رسالة عبد العزيز بن سعود الى اهالي جدة قد وقفتم عليها جلالتكم انه معاد عداء بينا لعائلة صاحب الجلالة الملك حسين وهذا يجعل من غير المحتمل موافقته على أي اقتراح يبدو من قبل احد اعضاء هذه العائلة. اما اذا عرض هذا الاقتراح من قبل شخص او هيئة ممن لا صلة شديدة لهم مع عائلة الملك حسين فمن اكثر ذاك ان يقبل ابن سعود الاقتراح.

وما عدا هذه الحجج التي اوضحتها الحكومة البريطانية يضيف دوبس نصيحته الى فيصل بالعدول عن المؤتمر الذي ينوي عقده لعدم ملاءمة الظروف، فقد سبقه عبد العزيز بن سعود لهذه الدعوى ، وسيعد ذلك تقليد سيعاب عليه فيصل من قبل الراي العام الاسلامي.

والذي يبدو ان الملك فيصل كانت له الاسبقية في فكرة المؤتمر لولا تباطؤ الحكومة البريطانية في إيضاح موقفها . من خطوته المذكورة، مما فسح المجال الى تبنيها من قبل ابن سعود. وقد يكون من الجائز ان تأخير البرقية التي تحمل هذا الموقف، حتى ولو في مثل هذا الظرف ويحول دون اتصال فيصل بالرؤساء والشخصيات الاسلامية، الا ان الاهم من ذلك هو اعلان عبد العزيز بن سعود لهذه الدعوى خلال هذا التأخير الذي اعتذر عنه المسؤولون الانكليز في حينه . أي قد يكون هناك من الاخيرين او من تبعهم كما يخيل لنا، قد اوصل خطوة فيصل لابن سعود وحثه في اضطلاع الفكرة قبل استثمارها من قبل فيصل، لتلافي الاحتمالات التي ستتمخض عنها هذه الخطوة والتي ستكون على اقل تقدير التوسط لايقاف التقال وعرقلة عبد العزيز بن سعود في مواصلة تقدمه، علما ان الاتصالات بشأن فكرة المؤتمر كانت مقتصرة على دوبس وفيصل فقط كما تبين. وبطبيعة الحال ان هذه الاساليب تخضع بالضرورة للموقف البريطاني الرئيسي الذي رفض خطوة فيصل منذ البداية، والذي كان كفيلا في تثبيط عزيمة فيصل، رغم الادعاء البريطاني بعدم معارضة فيصلا اذا كان مصر على ذلك " على شرط ان يكون من المفهوم بصراحة ان الحكومة البريطانية متمسكة دقيقا بسياستها المبنية على الحياد التام فيما يتعلق بمستقبل الاماكن المقدسة وانه لا يسعها قرن اسمها بوجه من الوجوه بعمل جلالتكم (أي فيصل) . وامعانا في الموقف البريطاني المذكور زار السير كلبرت كلايتون الحجاز على رأس بعثة خاصة واجتمع بابن سعود خلال حصاره لجدة في أيلول 1925، دون ان يعير اهتمامه الوضع الدائر في الحجاز ، وانما جاء بأوامر حكومية لتقرير علاقة نهائية مع عبد العزيز بن سعود بشأن حدوده مع كل من العراق وشرقي الاردن قبل استئنافه معركة جدة ادراكا منه بأنها ستكون الفاصلة . وقد تم اجتماع الطرفين بهذا الشأن دون ان يكون أي ذكر للحجاز.

بقى علينا الالتفات الى سر الموقف البريطاني السلبي من هاشمي الحجاز والذي بات مكشوفا لدينا في الفصول السابقة. فقد اشرنا الى اتجاه بريطانية تدريجيا بالتراجع عن التزاماتها المقطوعة للحسين ابتداءا من نهاية الحرب العالمية الاولى وبشكل ادق منذ عام 1919 عندما اخذ الحسين يضايقها بطلب تنفيذ هذه الالتزامات، ومواقفه التي جاءت ردا على هذا التراجع كرفضه لمعاهدة فرساي والمعاهدات التي تلتها لمحتواها الذي يقر الانتداب على المشرق العربي. ومع ضغطهم المتواصل لاستدارجه من خلال البرامج التي طرحوها امامه بصيغ المعاهدات (معاهدة 1921، 1923) فقد ظل الحسين متمسكا بموقفه وبصفة خاصة من قضية فلطسين التي كانت العقبة الرئيسية في امتناعه من التوقيع على المعاهدتين المقترحتين وبالتالي عدم تفاهمه مع بريطانيا، ليتحمل ردها الذي تمثل في تنحيها عنه والعمل على ازاحته، او على الأقل فسح المجال لآخرين في تولي هذه المسؤولية فمرت هذه السياسة في حلقات اسلفنا ذكرها، كانت الحرب الاخيرة آخرها واخطرها من حيث النتائج. ولعل في توجه الاسرة الهاشمية ومحاولتها تغيير المواقف التي اتخذها عميدها (الحسين) حيال السياسة البريطانية، في هدف إنقاذ الوضع في الحجاز، ما يؤكد النقاط المدرجة بشأن الموقف البريطاني من الأحداث الأخيرة، فقد مرت بنا نصائح الملك فيصل لأخيه علي بهذا الخصوص، للسعي في كسب الموقف البريطاني والحيلولة دون التسلط الوهابي، وأشرنا إلى ان الملك علي أخذ بنصيحة أخيه وتباحث مع المعتمد البريطاني لتسوية الخلافات بشأن المعاهدة ، وأبرق ـ على حد قول البعض، وكما أشير في حينه ، إلى الدكتور ناجي الأصيل لقبول المعاهدة التي جرى بحثها بين بريطانيا ووالده، وتجاهل التعديلات التي اشترطها الأخير على بعض موادها. غير ان الخطوة التي اتخذها علي م تكن موفقه، ولم تحظ بموافقة الحكومة البريطانية التي تمسكت بورقة الحياد الرسمي، وتجاهلت استعداد الملك علي للتوقيع على المعاهدة . ولم يأت هذا الرفض اعتباطاً كما أشرنا في الفصل الثالث فما جدوى التوقيع على معاهدة مع حكومة في نزعها الاخير؟ ثم ان الملك علي ليس بالملك حسين كمصدر للقلق على مصالحها في المشرقن زالت لدى بريطانيا مبررات عقد المعاهدة أو تصفية الديون، هذا فضلا عن الشوط الذي قطعته سياستها حتى ذلك الحين بشأن القضية الفلسطينية.

المرحلة الفاصلة

لقد مكث الوهابيون عدة أشهر في مكة قبل ان يجهزوا على جدة مقر الملك علي، حيث استكملوا خلالها استعداداتهم العسكرية واحتلوا بعض المواقع الاستراتيجية المتمثلة بثغور القنفذة والليث ورابغ، واستطلعوا أوضاع الأجزاء الأخرى من المملكة الحجازية، التي كانت تسير من سيء الى أسوء ، استعدادا للانفضاض على العاصمة، ولعل الحياد البريطاني من النزاع كان من جملة العوامل المشجعة لتصفية ما تبقى من مملكة الحجاز. لقد أقرت خطة استئناف الهجوم الوهابي من جهات مكة في الاجتماع المنعقد في مكة بتاريخ 2 كانون الثاني 1925 برئاسة عبد العزيز بن سعود، الذي كان قد وصل إلى مكة في 4 كانون الأول 1924. فتحركت القوات الوهابية فعلا الى جدة ووصلت طلائعها الى سهل جدة بعد يومين من الاجتماع المذكور، فيما شرع الزعيم الوهابي بالانتقال من مكة الى منطقة (بحرة) فمنطقة (حداء) القريبتين من جدة . لم يحصل في بداية الأمر صدام مباشر بين طلائع القوات النجدية والقوات الحجازية، واقتصر الأمر على مناوشات بسيطة، اندفعت بعدها القوات النجدية الى مهاجمة خط الدفاع المحيط بجدة فاحتلت بعض المواقع المجاورة كالنزلة اليمانية ونزلة بني مالك، ومنطقة الروس. ومع إخلاء القوات النجدية لهذه المواقع تحت ضغط القوات الحجازية، إلا انها تمكنت من احكام سيطرتها عليها وقامت بحفر الخنادق والاستحكامات، وأخذت تدخل قتالا نظاميا مع القوات الحجازية. بما رافق ذلك من الغارات الليلية التي كان يشنها الوهابيون، لإثارة الذعر بين الناس وتأليبهم ضد حكومة علي وإخراجها، ولحمل قوات الخصم على الاسراف في الذخيرة . صعدت القوات النجدية ـ بعد مرابطتها بجوار جدة ـ من هجماتها وأخذت المدفعية التي نصبت في ضواحي المدينة بإرسال قذائفها الى هناك فأصاب بعضها خط الدفاع عن جدة، وسقط الآخر في وسط المدينة وحتى حدودها من جهة البحر ـ كما تعرضت لهذه القذائف كل من القنصلية البريطانية والسوفييتية والفرنسية إضافة الى ما سببته من قتل وجرح البعض، فشرع الأهالي بترك المدينة باتجاه السواحل الافريقية، أو عدن، أو الى مكة عن طريق ميناء الليث.

ومع ذلك فإن المواجهة المباشرة بين المعسكرين لم تتم حتى آذار 1925عندما تجرأت القوات الحجازية بالخروج عن المدينة، تتقدمها بعض المصفحات القديمة وبتغطية من المدفعية الحجازية حيث اشتبكت مع القوات النجدية في معركة دامت أربع ساعات، لم تتمكن المصفحات كما عهد إليها من تنفيذ مهماتها في قطع المدد والاتصال بين الخطوات الأمامية والخلفية للقوات النجدية، وانتهت المعركة، دون أن تحقق الحكومة الحجازية هدفها في تخفيف الضغط الذي تواجهه المدينة.

ساد الهدوء جبهة القتال لحلول شهر رمضان، واستمر في الشهر الذي يليهن بيد ان الحركات العسكرية استؤنفت في شمال الحجاز، وشرعت القوات النجدية بمناوشة المدن الحجازية الواقعة في هذه الجهة، كينبع ومداين صالح، والعلا، وينبع النخل، والعوالي وبدر، في هدف احكام حصار المدينة المنورة وحمل أهلها للضغط على قيادة التسليم. وقد تمكن النجديون من احتلال بدر والعوالي القريبتين من المدينة، فيما ظلت قوات أخرى ترابط أمام المدن المتبقية بانتظار الأوامر من القيادة العليا . وقد تمكنت من احتلال ينبع النخل والضبا وأملج ولوجه في حوالي مارس 1925 فيما تم احتلال المدينة المنورة في الخامس من كانون الأول 1925 بعد حصار دام عشرة أشهر.

اتفاقية تسليم جدة

أما جبهة جدة فاستمر فيها الهدوء، لحلول موسم الحج، حيث عمد ابن سعود ـ ولتسهيل مقدم الوافدين الى الحج ـ إلى سحب قواته من جبهة جدة لهذا الغرض . استأنف بعدها حصاره للمدينة التي أخذت أوضاعها عموما بالتردي بعد ان كابدت حصارا قاسيا دام عاما تقريبا، اضطر الملك على أثرها ان يوسط القنصل البريطاني (ريد بولارد) لإنهاء حالة القتال والتسليم لابن سعود بالأمر الواقع في 15 كانون الأول 1925، وسلمه الشروط التي اقترحها للتسليم ، فطلب المعتمد البريطاني على أثرها موافقة حكومته للتوسط، فلم تمانع الاخيرة من اقرار هذه الخطوة التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر، وراحت القنصلية وبعثت في 16 منه بأحد موظفيها (منشئ احسان الله) وبمعيته رسالة من وكيل القنصل البريطاني (غورون الى عبد العزيز بن سعود يدعوه فيها الى الاجتماع به للاتفاق على تسليم جدة . وقد استجاب عبد العزيز بن سعود لذلك واجتمع بوكيل القنصل في اليوم التالي (17 كانون الاول) وتم الاتفاق على الشروط التي تقدم بها الملك على تسليم عاصمته . ووقع عليها كاتفاقية من قبل الحاكمين في مساء نفس اليوم الخميس.


1 ـ ضمان ابن سعود لسلامة اهالي جدة جميعا بما فيهم الموظفين والعسكريين.

2 ـ تسليم الملك على اسرى الحرب الموجودين ان وجدوا.

3 ـ تعهد عبد العزيز بن سعود بمنح العفو العام للمذكورين اعلاه.

4 ـ تسليم جميع الاسلحة والعتاد الى عبد العزيز بن سعود.

5 ـ يتعهد الملك علي بعدم إتلاف أي قطعة من الاسلحة التي تحت يد قواته.

6 ـ يتعهد ابن سعود بتسفير الضباط والجنود الراغبين في العودة الى اوطانهم ان رغبوا.

7 ـ يتعهد ابن سعود بتوزيع (5) آلاف جنيه على الضباط والجنود الموجودين في جدة.

8 ـ ويتعهد ايضا بإبقاء جميع الموظفين المدنيين الذين يجد فيهم الكفاية والامانة.

9 ـ كما تعهد بالسماح للملك علي لنقل امتعته واثاثه وسيارته.

10ـ وتعقد ايضا بمنح عائلة ممتلكاتها الشخصية في الحجاز شريطه ان تكون موروثة.

11ـ على الملك علي مغادرة جدة قبل يوم الثلاثاء القادم.

12ـ تصبح البواخر الحجازية ملكا لابن سعود.

13ـ يتعهد الملك علي ورجاله وسكان جدة بعدم بيع او إخراج أي شيء من املاك الحجاز.

14ـ يتمتع اهالي ينبع من مدنيين عسكريين بالحقوق والامتيازات السالفة الا فيما يتعلق بتوزيع النقود.

15ـ وتعهد عبد العزيز بن سعود بالعفو عن عدد من الاشخاص، اتفق على اسمائهم بين طرفي الاتفاق.

16ـ لا يعتبر عبد العزيز بن سعود مسؤولا عن تنفيذ هذه الشروط حالة اخلال الطرف المقابل بأحد موادها.

17ـ يتعهد الطرفان بالكف عن أي عمل عدائي خلال سير هذه المفاوضات .

أبحر الملك علي إلى عدن في 22 من نفس الشهر على متن باخرة بريطانية متوجها الى بغداد ليستقر الى جانب اخيه الملك فيصل . وقد اودعت إدارة جدة الى سلطة محلية تتولى مهمة تسليمها لابن سعود ريثما يتوجه اليها حيث دخلها بعد يومين من مغادرة علي للبلاد ، لينهي بذلك اول دولة عربية عرفها تاريخ العرب في القرن العشرين، بعد عمر دام تسع سنوات وبضعة اشهر هذا وقد انضوت كافة المناطق الحجازية المتبقية تحت الراية الوهابية

ما بعدها

في نهاية الحملة نجح عبد العزيز بن سعود في السيطرة على مملكة الحجاز وأعلن نفسه ملكاً على الحجاز. ضُمت المملكة فيما بعد إلى مملكة نجد والحجاز، تحت حكم الملك عبد العزيز بن سعود.

فر الملك حسين بن علي، شريف الحجاز إلى قبرص، وأعلن ابنه علي بن الحسين ملك الحجاز، لكن واقعياً بعد سقوط المملكة انتهت الأسرة في المنفى. مع ذلك ظل الهاشميون يحكمون إمارة عبر الأردن ومملكة العراق.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، قامت بريطانيا بتوقيع عدد من المعاهدات مع حكام منطقة الخليج العربي وذلك بهدف وقف أي تقدم تركي، بالإضافة إلى حماية مصالحها في الهند. وحينما انتهت الحرب، ركز بن سعود جهوده على مد نفوذه على الخليج العربي من خلال محاولاته للتغلب على اثنين من ألد معارضيه وهم بن رشيد أمير حائل والشريف حسين في الحجاز.

وثائق الفتح السعودي للحجاز

الوثيقة 1

نشرت جريدة أم القرى في العدد 30، السنة الأولى، الصادر في 2 محرم 1344هـ/24 يوليو 1925م ما نصّه[5]:

«بلاغ عام إلى المسلمين

من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود إلى إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها

الحمد لله الذي لا إله إلا هو. والصلاة والسلام على رسوله محمد الشفيع المشفع يوم المحشر (وبعد):

فقد تفاوضت أنا والوفد الهندي الموفد من جمعية الخلافة الهندية وجمعية العلماء في المسائل التي يهم المسلمين الإطلاع عليها والوقوف على حقيقة أفكارنا تجاهها.

وكان رائد الجميع الإخلاص في العمل والصراحة في القول والنصح لله ولرسوله وللمسلمين وإني أحمد الله على أن انتهى البحث على اتفاق في جميع المسائل التي دارت المفاوضة فيها.

وإني دحضاً لما يفتريه أعداء الحق ونصراء الباطل، ممن يستغلون التفرقة بين المسلمين ويحاولون أن يطفئوا نور الله بسعيهم الباطل للتمويه على قلوب السذّج من المسلمين الذين يجهلون حقيقة ما نحن عليه، أعلن ما يأتي ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة.

1/ أشكر الشعوب التي وقفت تجاهنا موقف المدافع عن الحق، وأشكر الشعب الهندي خصوصاً على موقفه تجاه العرب وقضيتهم في الوقت الذي اشتغل العرب بالمشاحنات والمخاصمات، ونسوا واجبهم نحو دينهم ووطنهم وإني أشكر أهل الهند لأنهم كانوا أول من لبى الدعوة، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.

2/ إني لا أزال عند قولي فيما دعوت العالم الإسلامي إليه من وجوب عقد مؤتمر عام ينظر في الأمور التي تهم سائر المسلمين في الحجاز من إصلاح الطرق وتأمينها وتوفير وسائل الراحة لكل وافد وتسهيل المواصلات بقدر ما يمكن وبذلك نتحمل نحن وإياهم مسؤولية إدارة الحجاز، وستجدد الدعوة لهذا المؤتمر الإسلامي متى مهّدت وسائل المواصلات.

3/ أننا نحافظ على استقلال الحجاز الإستقلال التام محافظتنا على أرواحنا، وإننا لا نسمح أن يكون لغير المسلمين أي نفوذ فيه محافظة على ديننا وشرفنا.

4/ أن الشريعة الإسلامية هي القانون العام الذي يجري العمل على وفقه في البلاد المقدسة وأن السلف الصالح وأئمة المذاهب الأربعة هم قدوتنا في السير على الطريق القويم، وسيكون العلماء المحققون من جميع الأمصار هم المرجع لكل المسائل التي تحتاج إلى تمحيص ونظر ثاقب.

5/ أني أؤكد لكم القول أن المدينة المنورة لا تزال حرماً آمناً لا يصح أن يحدث فيه حدث من قتل أو سلب أو نهب وصونا لشرفها اكتفيت بحصارها على ما في ذلك من طول وقت وخسائر مالية وأني استطيع بحول الله وقوته أن أفتحها في ساعة واحدة ولكني حريص على سلامة البلاد والعباد. وإني مشدد الأوامر على الجنود ألا يهاجموا حرم المدينة بأي صورة ولا يدخلوها حتى يستسلم العدو، وأن ما فيها من المباني والمآثر يكون العمل فيه على ما تقدم في المادة السابقة. إن أعداءنا يشيعون أننا إذا استولينا على المدينة نهدم روضة الرسول صلى الله عليه وسلم وحاشا أن تحدّث نفس مسلم بذلك أني أفتديها بنفسي وولدي ومالي ورجالي، وإني لا أجد فرقاً بين ما حرم الله ورسوله من حرم مكة والمدينة، فإنه صلى الله عليه وسلم حرم ما بين لابتيها، كما حرم سيدنا إبراهيم عليه السلام حرم مكة، وأسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

حرر في 28 ذي الحجة سنة 1343هـ»

في هذه الوثيقة يشير عبد العزيز بطريقة غير مباشرة أن ثمة سخطاً عاماً في العالم الإسلامي يكمن وراء رفض دعوته للاجتماع لمناقشة وضع الحجاز، وهناك من اعتبر الإجتماع مناسبة لإضفاء مشروعية على الاحتلال السعودي الوهابي للحجاز، كما يظهر من دفاعه عن الوهابية ورده على الانتقادات المتصاعدة ضدها في بلدان العالم الإسلامي.

من جهة ثانية، دافع عبد العزيز عن الاتهامات التي وجّهت إليه وأنه لم يرد بحروبه على الحجاز سوى احتلالها، وليس تحريرها وحفظ استقلالها، وهذا يلمح أيضاً الى خلفية قرار رفض للمشاركة في المؤتمر.

تعكس الوثيقة لغة مرنة ومنفتحة وتسامحية تجاه باقي المسلمين، تبرز منها النزعة الاستيعابية المفتعلة، خصوصاً حين يتحدّث عن إدماج المدارس الفقهية الإسلامية كمرجعية تشريعية في الحجاز.

ما تلفت إليه الوثيقة أيضاً، أن تهمة هدم قبر الرسول صلى الله عليه وسلم لاحقت الوهابيين منذ غزوهم للحجاز، وجاءت كتابات الوهابيين اللاحقين مثل (إبراهيم الجبهان، والشيخ ربيع المدخلي وآخرين) لتثبت التهمة، وبالتالي فإن كلام عبد العزيز عن افتدائه القبر بروحه وماله وولده ليس سوى جزء من خديعة كبرى تحدق بالحجاز برمته.

الوثيقة 2

نشرت جريدة (أم القرى) في العدد 39، الصادر في 7 ربيع الأول 1344هـ/25 سبتمبر 1925، نص خطاب العفو العام، الموجّه من السلطان عبد العزيز آل سعود، إلى أهالي مكة، وجاء الخطاب بعنوان (بلاغ سلطاني..عفو عام)، وفيما يلي نص الوثيقة:

«إنني منذ دخلت جنودي هذه البلدة المطهرة أمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم. ولما وصلت بنفسي إلى حرم الله هذا أكدت ذلك الأمان وأصدرت عفواً عاماً عن جميع ما كان من أي إنسان كان فيما سلف واليوم أعود وأكرر لكافة الناس أن كل إنسان كان في خدمة الحسين أو تحت طاعته فهو في أمان الله ومغفور له جميع ما تقدم من ذنبه متى عاد لهذا البلد الطاهر وأخلد للراحة والسكون فالبلد بلد الله والأمن أمن الله ولكنني لا لأسمح بوجه من الوجوه أن يقوم بأي دعاية للذين أكثروا في هذه البلاد الفساد، وأننا سنوقع أشد أنواع الجزاء على أي إنسان كان ياتي بأي حركة في ذلك السبيل فمن كان يريد السلامة لنفسه فحباً وكرامة ومن كان يريد السوء فلا يلومن إلاّ نفسه.»

في هذه الوثيقة يوجّه عبد العزيز رسالة الى القيادات السياسية التي كانت مع الشريف حسين، مثل الصبان والخطيب وغيرهم والذين جرى استيعاب بعضهم ضمن الجهاز الإداري الحجازي الخاضع لسلطة ابن سعود.

ما يدهش في هذه الوثيقة ً تلك اللهجة الرسولية التي كان يستعملها عبد العزيز، ولم تكن خطاباً مرتجلاً وإنما نص مكتوب ما يعزز القناعة بأن الرجل يتحدث بلغة الفاتح والنبي كقوله (..فهو في أمان الله ومغفور له جميع ما تقدّم من ذنبه..)، فتلك لغة لا تصدر، إن صدرت، الا عن الأنبياء.

الوثيقة 3

ورد في الصفحة الأولى من جريدة (أم القرى) العدد 45 الصادر في 19 ربيع الثاني 1344هـ/6 نوفمبر 1925، كتاب السلطان ابن سعود، إلى ملوك المسلمين والجمعيات والهيئات الإسلامية وجهه يوم 10 ربيع الآخر سنة 1343 ما يلي نصه:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود

إلى...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فإني أرجو لكم دوام الصحة والعافية وأني لسعيد أن أمد يدي ليدكم ولكل يد عاملة لخير الإسلام والمسلمين، وأني مملوء ثقة أنه بتعاوننا على الخير سيكون المستقبل السعيد لجميع الشعوب الإسلامية.

إني لست من المحبين للحروب وشرورها، وليس لدي شيء أحب من السلم والسكون، والصفاء والهناء، والتفرّغ للإصلاح، ولكن جيراننا الأشراف أجبروني على امتشاق الحسام وخوض غمرات الحرب خمس عشرة سنة لا في سبيل شيء سوى الطمع على ما بأيدينا، فقد صدونا عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد. ودنّسوا البيت الطاهر بكل أنواع الموبقات مما لا يحتمله مسلم. لقد رفعنا علم الجهاد لتطهير بلاد الله الحرام وسائر بلاد الله المقدّسة من هذه العائلة التي لم تترك سبيلاً لحسن التفاهم وحسن النية بما اقترفت من الشرور. وإني والذي نفسي بيده، لم أرد التسلط على الحجاز، ولا تملّكه، وأن الحجاز وديعة في يدي الى الوقت الذي يختار الحجازيون لبلادهم والياً منهم ليكون خاضعاً للعالم الإسلامي تحت إشراف الأمم الإسلامية والشعوب التي أبدت غيرة تذكر في هذا السبيل كأهل الهند وأمثالهم.

إن الخطة التي عاهدنا عليها العالم الإسلامي، والتي لم نزل نحارب من أجلها مجملة فيما يلي:

1/ أن الحجاز للحجازيين من جهة الحكم وللعالم الإسلامي من جهة الحقوق التي لهم في هذه البلاد.

2/ سنجري الاستفتاء التام باختيار حاكم الحجاز تحت إشراف مندوبي العالم الإسلامي ويحدد الوقت اللازم لذلك فيما بعد، وسنسلم الوديعة التي في أيدينا لهذا الحاكم على الأسس الآتية:

1 ـ يجب أن يكون السلطان الأول والمرجع للناس كافة الشريعة الإسلامية المطهرة.

2 ـ حكومة الحجاز يجب أن تكون مستقلة في داخليتها، ولكن لا يصح لها أن تعلن الحرب على أحد، ويجب أن يوضع لها النظام الذي يمكنها من ذلك.

3 ـ لا تعقد حكومة الحجاز اتفاقات سياسية مع أي دولة كانت.

4 ـ لا تعقد حكومة الحجاز اتفاقات اقتصادية مع أي دولة غير إسلامية.

3/ تحديد الحدود الحجازية ووضع النظم المالية والقضائية والإدارية للحجاز موكول للمندوبين المختارية من المم الإسلامية. وسيحدد عددهم باعتبار المركز الذي تشغله كل دولة للعالم (الأصل) الإسلامي والعربي. وسيضم لهؤلاء مندوبين (الأصل) من جمعية الخلافة، وجماعة أهل الحديث، وجمعية العلماء في الهند، ومندوبين (الأصل) من قبل الجمعيات والهيئات الإسلامية، التي تمثل المسلمين في الديار التي ليست فيها حكومة إسلامية.

هذا ما نويناه لهذه البلاد، وما سنسير عليه في المستقبل إن شاء الله تعالى. ولي الأمل العظيم، في أن تسرعوا في إرسال مندوبيكم وإخبارنا عن الوقت المناسب لعقد هذا المؤتمر. هذا ما لزم بيانه.»

ملحوظة:

أرسل هذا الكتاب إلى: جلالة ملك مصر، جلالة ملك الأفغان، رئيس الجمهورية التركية، جلالة شاه إيران، جلالة ملك العراق، الأمير عبد الكريم (الخطابي) أمير الريف (في المغرب)، صاحب السيادة الإمام يحيي (حميد الدين إمام اليمن)، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس، رئيس جمعية الخلافة في بومباي، جمعية الحديث في أمرتسر (بالهند)، جمعية العلماء في الهند، صاحب الدولة باي تونس، رئيس حكومة طرابلس الغرب، الشيخ بدر الدين الحسيني، الشيخ بهجت البيطار في دمشق، النظارة الدينية المركزية في بلدة أورفا من بلاد روسيا، القاضي مصطفى شرشلي في بلدة تيزي أوزو بالجزائر، رئيس شركة إسلام في بلدة جو كجاكارتا من بلد جاوه، الشركة المحمدية في جاوه.

يبدي عبد العزيز في هذا الخطاب الموجّه الى ملوك ورؤساء الدول الإسلامية مرونة مفتعلة، حين يؤكد على شعار (الحجاز للحجازيين)، بما يمليه من خطوات تؤكد على حق سكان الحجاز على إدارة شؤون بلادهم ـ الحجاز. غير أن عبد العزيز لم يترك ذلك الشعار مفتوحاً، دون أن يربطه بقيود تفضي في نهاية المطاف الى خضوع السلطة والحكم في الحجاز له وحده، حين ثبّت موضوع الاستفتاء لاختيار حاكم في الحجاز. يلزم الإشارة هنا إلى أن عبد العزيز يوجّه خطابه ولمّا يسقط الحجاز بالكامل عسكرياً، ولذلك لم يكن من السهولة بمكان إعلان الحجاز إمارة سعودية وهابية قبل أن يستكمل مخططه الاحتلالي. وسنلحظ أن مرونة ابن سعود تزول تدريجياً كلما نجح في قضم المزيد من الأراضي الحجازية، فيما ينكث بوعوده للحجازيين وللعالم الإسلامي بتسليم الوديعة لحاكم من أهل الحجاز، الذي لم يظهر قط، وإنما عنى بالحاكم نفسه أو من ينوب عنه من أبنائه، وهذا أيضاً مقتضى (الفتح الوهابي) للحجاز.

الوثيقة 4

نشرت جريدة (أم القرى) في عددها 52 الصادر في 11 جمادى الثانية 1344هـ/27 ديسمبر 1925م، بلاغاً عاماً، من السلطان عبد العزيز إلى أهل الحجاز، مايلي نصّه:

«بسم الله الرحمن الرحيم

بلاغ عام

من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود إلى إخواننا أهل الحجاز سلمهم الله تعالى.

السلام عليكم ورحمة الله، وبعد:

فإني احمد الله إليكم وحده الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأهنئكم وأهنىء نفسي بما منّ الله علينا وعليكم من هذا الفتح، الذي أزال الله به الشر، وحقن دماء المسلمين، وحفظ اموالكم، وأرجو من الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه، ومتبعي هداه.

إخواني: تفهمون أني بذلت جهدي وما تحت يدي في تخليص الحجاز لراحة أهله وأمن الوافدين إليه: طاعة لأمر الله، قال جل من قائل: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)، وقال تعالى (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم).

ولقد كان من فضل الله علينا وعلى الناس أن ساد السكون والأمن في الحجاز من أقصاه إلى أقصاه، وبعد هذه المدة الطويلة التي ذاق الناس فيها مُر الحياة وأتعابها.

ولمّا منّ الله بما منّ، من هذا الفتح السلمي الذي كنا نتنظره ونتوخاه، أعلنت العفو العام عن جميع الجرائم السياسية في البلاد. وأمّا الأخرى فقد أحلت أمرها للقضاء الشرعي لينظر فيها بما تقتضيه المصلحة الشرعية في العفو.

وإني أبشّركم ـ بحول الله وقوته ـ أن بلد الله الحرام في إقبال وخير وأمن وراحة، وإنني إن شاء الله تعالى سأبذل جهدي، فيما يؤمن البلاد المقدّسة، ويجلب الراحة والإطمئنان لها.

لقد مضى يوم القول، ووصلنا إلى يوم البدء والعمل، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، واتّباع مرضاته، والحث على طاعته، فإنه من تمسّك بالله كفاه، ومن عاداه ـ والعياذ بالله ـ باء بالخيبة والخسران. إن لكم علينا حقوقاً، ولنا عليكم حقوقاً. فمن حقوقكم علينا النصح لكم في الباطن والظاهر، واحترام دمائكم وأعراضكم وأموالكم إلا بحق الشريعة. وحقنا عليكم المناصحة، والمسلم مرآة أخيه. فمن رأى منكم منكراً في أمر دينه أو دنياه فليناصحه فيه. فإن كان في الدين، فالمرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن كان في أمر الدنيا، فالعدل مبذول إن شاء الله للجميع على السواء.

إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة. وإني أحذر الجميع من نزغات الشياطين والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار. فإني لا أراعي في هذا الباب صغيراً ولا كبيراً. وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره.

هذا ما يتعلق بأمر اليوم الحاضر، وأمّا مستقبل البلد، فلا بد لتقريره من مؤتمر يشترك المسلمون جميعاً فيه مع أهل الحجاز، لينظروا في مستقبل الحجاز ومصالحها.

وإني أسأل الله أن يعيننا جميعاً ويوفقنا لما فيه الخير والسداد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

تحريراً بجدة في 8 جمادى الثانية سنة 1344هـ

عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود»

بدأت لغة الفتح تبرز في بيانات عبد العزيز، وتصاعدت معها النبرة الدينية والمهمة الرسولية، فهو اليوم لا يتحدث بلغة الغازي العسكري، وإنما بلغة الفاتح الذي يحمل معه رسالة دينية، ويريد تطهير الحجاز من الأصنام والأوثان، وهاهو يستعمل لغة التهويل الديني وينذر باسم السماء بعقوبات لأهل الأرض من العاصين الذي يخالفون أوامره. الأهم من ذلك، أن عبد العزيز لا يقدّم نفسه كمستودع على الحجاز، بل أصبح يتحدث بلغة الحاكم الذي يريد فرض الأمن والنظام والحقوق المفروضة على سكان الحجاز، ويحذر من الخروج عليه (فإني لا أراعي في هذا الباب صغيراً ولا كبيراً. وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره).

ثمة مهمة إبراهيمية يتقمصمّها عبد العزيز في إدارة شؤون الحج، الذي سيكون أحد المصادر الكبرى لمداخيل دولته، ولابد حينئذ من تأمين طرق الحج كشرط لتأمين الشريان الحيوي لاقتصاد دولته.

الوثيقة 5

نشرت جريدة (أم القرى) في عددها 54 الصادر في 23 جمادى الثانية 1344هـ/8 يناير 1926 بلاغاً عاماً من السلطان عبد العزيز مايلي نصّه:

«بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونشكره، ونصلى ونسلم على خير أنبيائه وأشرف مخلوقاته سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،

أمّا بعد فلقد بلغ القاصي والداني ما كان من أمر الحسين وأولاده وأمرنا إلى أن اضطررنا لامتشاق الحسام دفاعاً عن أرواحنا وأوطاننا ودفاعاً عن حرمات الله ومحارمه. ولقد بذلت النفس والنفيس في سبيل تطهير هذه الديار المقدّسة إلى أن يسر الله الكريم بفضله فتح البلاد واستتباب الأمن فيها. ولقد كانت عزيمتي منذ باشرت العمل في هذه الديار أن أنزل على حكم العالم الإسلامي ـ وأهل الحجاز ركن منه ـ في مستقبل هذه الديار المقدّسة. ولقد أذعت الدعوة للمسلمين عامة غير مرة أدعوهم لعقد مؤتمر إسلامي يقرر في مصير الحجاز ما يرى فيه المصلحة، ثم عززت ذلك بدعوة عامة وخاصة، فأرسلت كتاباً للحكومات والشعوب الإسلامية في 10 ربيع الثاني سنة 1344، وقد نشر ذلك الكتاب في سائر صحف العالم، ومضى عليه ما يزيد عن الشهرين لم أتلق على دعوتي جواباً من أحد، ما عدا جمعية الخلافة في الهند فإنها ـ بارك الله فيها ـ عملت وتعمل كل مافي وسعها لراحة الحجاز وهنائه.

ولما انتهى الأمر في الحجاز إلى هذه النتيجة التي نحمد الله عليها جاءني أهل الحجاز جماعات ووحداناً يطلبون مني أن أمنحهم حريتهم، التي وعدتهم بها في تقرير مصيرهم فلم يسعني أمام طلباتكم المتكررة إلا أن أمنحهم هذه الحرية، ليقرروا في شأن بلادهم ما يشتهون بعد ما ظهر من العالم الإسلامي هذا الصد والإعراض عن مثل هذه القضية الهامة (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب).

22 جمادى الثانية 1344

عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود»

يستعيد عبد العزيز في هذا البلاغ لغة الفاتح، حيث يضع حروبه ضد الشريف حسين في إطار ديني، فيما تتكشف حقيقة ردود الفعل السلبية من دعوته لعقد مؤتمر إسلامي لتقرير مصير الحجاز، فقد كان الموقف الإسلامي سلبياً بعد أن أماط ابن سعود اللثام عن أهدافه الحقيقية من غزو الحجاز. فلم تنطل الخدعة على زعماء الدول الإسلامية، الأمر الذي دفعه لتوظيفها لصالحه بكونه ألقى العذر على من رفض الدعوة.

يلحظ أيضاً تشويه متعمد من ابن سعود لموقف أهالي الحجاز، حين زعم بأنه منحهم الحرية في تقرير مصير بلادهم، بل وجد في صدود زعماء البلدان الإسلامية فرصة مناسبة لاستكمال مهمة الاحتلال وإحكام القبضة على مقاليد وشؤون الحجاز.

الوثيقة 6

نشرت جريدة (أم القرى) العدد 55، الصادر في 30 جمادى الثانية 1344هـ/ 15 يناير 1926، أول بيان لسلطان نجد، بعد بيعته ملكاً على الحجاز

«موجه إلى معتمدي الحكومات الأجنبية في جدة

بلاغ ملكي إلى الحكومات المتحاربة

بفضل الله وبنعمته قد أجمع أهل الحجاز وبايعونا بالملك على الحجاز على كتاب الله وسنة رسوله والخلفاء الراشدين من بعده، وتأسيس حكم شوري يكون شأن الحجاز فيه للحجازيين. وقد استعنا بالله وتوكلنا عليه وقبلنا هذه البيعة، مستمدين التوفيق والمعونة من الله تعالى. وقد أصبح لقبنا (جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها). وسنقوم بتوطيد الأمن والراحة والرخاء، وجلب السعادة والهناء لسكان هذه الديار، ولجميع الوافدين من الحجاج والقصّاد. وسنعمل كل ما من شأنه أن يحقق رغائب العالم الإسلامي، ويقر أعينهم في إدارة هذه البلاد المقدسة.

نسأله تعالى أن يعيننا على حمل أعباء هذا الأمر والله ولي التوفيق

ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها

عبد العزيز»

بدا واضحاً في هذه الوثيقة أن عبد العزيز قد استكمل فصول خديعة الإحتلال تحت شعارات نبيلة، فقد تبخّرت وعوده بتطبيق (الحجاز للحجازيين)، وتفويض أمر الحجاز لحاكم منتخب. لم تحصل البيعة له دون حملة تهويل واسعة النطاق، فصارت بيعة قهرية زعم بأنها جاءت إجماعية. وما يلفت أن اللهجة الدينية تخفّفت بدرجة لافتة، فلم نعد نرى تلك اللغة العقدية الصارمة والجازمة، بل إن إسباغ عبد العزيز لقب ملك، وليس خليفة، أو حتى سلطان يشي بنزوع تسلطي شديد. فبينما اختار ابن سعود أن يكون مجرد سلطان في نجد وملحقاتها، قرر أن ينفرد بلقلب ملك على الحجاز، وكأن هذه المنطقة تعني له شيئاً أكبر من مجرد سلطة، بل ملك أبدي، يراد دمجه في شعار (ملك الآباء والأجداد)، وبالتالي فإن ما يعطيه لأهل الحجاز يحسب إحساناً منه وليس واجباً عليه أو حقاً مشروعاً لأهل الحجاز. أراد أيضاً القول بأن تأسيس المملكة يبدأ من الحجاز، وبالتالي فإن نجاح مشروعه السياسي يتوقف على سيطرته على منطقة الحجاز الذي منه يستتب الأمن في عموم المناطق الأخرى.

الوثيقة 7

نشرت جريدة (أم القرى) في عددها 71 الصادر في 7 ذي القعدة 1344هـ/14 مايو 1926، أول بلاغ رسمي يصدره عبد العزيز بعد فرض سيطرته على الحجاز وفيما يلي نصّه:

«بلاغ رسمي

الدعوة لانتخاب المجالس الاستشارية

امتثالاً لأمر الله تعالى في استشارة أهل الرأي والخبرة، والرجوع إلى آرائهم فيما يهم من الأمور ورعاية لحقوق الأمة وأداء للأمانة التي حملنا إياها، أمرنا بما هو آت:

1/ يؤلف مجلس استشاري في كل من مكة والمدينة وجدة وينبع والطائف للنظر في المسائل العامة المحلية. وتكون هذه المجالس بالانتخاب بدرجة واحدة.

2/ يؤلف مجلس مكة من عشر أعضاء سوى الرئيس الذي تختاره الحكومة، ومجلس المدينة من ستة أنفار سوى الرئيس، ومجلس ينبع من أربعة أعضاء سوى الرئيس، ومجلس الطائف من أربعة أعضاء سوى الرئيس.

3/ يؤلف مجلس عام يدعى (بمجلس الشورى العام) ينتخب أعضاؤه من قبل المجالس الاستشارية المحلية ويؤلف أعضاؤه من ثلاثة عشر عضواً، أربعة من مكة وإثنان من المدينة، وإثنان من جدة، وآخرين من ينبع، وواحد من الطائف، وثلاثة من رؤساء العشائر.

4/ الذين لهم حق الإنتخاب هم طوائف العلماء وأعيان البلاد والتجار ورؤساء الحرف والمهن.

الأعضاء المنتخبون يجب أن تتوفر فيهم الشروط الآتية وهي:

1/ إجادة القراءة والكتابة، وحسن السيرة، وعدم صدور أحكام مخلة بالدين والشرف.

2/ مدة عضوية هذه المجالس سنة واحدة.

على نائبنا العام القيام بتنفيذ أمرنا هذا

ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها عبد العزيز»

مجلس الشورى في الحجاز ليس سوى النسّخة المزوّرة لوعد إبن سعود بمنح الحجازيين حق تقرير المصير، وكما طار وعد الإستقلال كان مقدّراً ومقرراً للمجلس أن يؤول الى المصير نفسه. ببساطة، لأن عبد العزيز أراد من المجلس شرعنة سلطته، واحتواء حركة الإحتجاج ورموزها ضمن إطار رسمي أريد له أن يكون جزء من مرحلة انتقالية يتم فيه ترسيخ أركان السلطة. وفي كل الأحوال، صار المجلس مجرد الحلقة ما قبل الأخيرة لمصادرة الحجاز واحتلاله التام.

وثيقة 8

نشرت جريدة (أم القرى) في عددها 75 الصادر في 30 ذي القعدة 1344هـ/11 يونيه 1926م، خطابالملك عبد العزيز الإفتتاحي للمؤتمر الإسلامي الأول هذا نصّه:

«بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أما بعد فإني أحييكم وأرحب بكم وأشكر لكم الدعوة إلى هذا المؤتمر.

أيها المسلمون الغيورون! لعل اجتماعكم هذا في شكله وفي موضوعه أول اجتماع في تاريخ الإسلام ونسأله تعالى أن يكون سنة حسنة تتكرر في كل عام، عملاً بقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وبإطلاق قوله عز وجل (وأتمروا بينكم بمعروف).

إنكم تعلمون أنه لم يكن في العصور الماضية أدنى قيمة لما يسمى في عرف هذا العصر بالرأي العام الإسلامي، ولا بالرأي العام المحلي، بحيث يرجع إليه الحكام للتشاور فيما يجب من الإصلاح في عهد الإسلام. ومشرق نوره الذي عم الأنام وقد تولى أمر الحجاز دول كثيرة كان من خلفائها وسلاطينها من عنوا ضرباً من العناية ببعض شؤونه. ومنهم من أراد أن يحس فأساء بجهله. ومنهم من لم يعدل بامره البتة. فتركوا الأمراء المتولين لإدارته بالفعل يلحدون في الحرم، ويفسدون في الأرض، ويظلمون السكان والحجاج ما شاءت مطامعهم وأهواؤهم.

وقد تفاقم البغي والعدوان بعد زوال سيادة الدولة العثماينة عن هذه البلد وخلوص امرها إلى الشريف حسين بن علي آخر اولئك الأمراء، فاضطرب العالم الإسلامي كله من استبداده وظلمه، ومن عجز عن توطيد الأمن في البلاد، ومن جعلها تحت السيطرة الأجنبية غير الإسلامية، كما هو منصوص في مقررات نهضته الرسمية، وفيما نشره في جريدة القبلة. ولدينا مما ترك في أوراقه الخاصة بخطة ما هو أجل مما ذكر على جعل نفسه عاملاً موظفاً لبعض الدول الأجنبية.

وقد كنا معشر النجديين جيران الحجاز عرضة لبغيه وإيذائه لنا في ديننا ودنيانا من رمى بالكفر، ومنع من أداء فريضة الحج وإغراء لبعض رعايانا بالخروج علينا، وغير ذلك مما لا يحل لبسطه في هذا الحطاب فلما بلغ السيل الزبى وثبت بالتشاور بين أهل الحل والعقد عندنا أنه يجب علينا شرعاً إنقاذ مهد الإسلام من بغيه وظلمه وعزمنا على ذلك وتوكلنا على الله في تنفيذه، وبذلنا أموالنا وأنفسنا في سبيله، فأيدنا الله بنصره، وطهرنا البلاد المقدّسة من بغيه وبني ولده، كطما عاهدنا الله ووعدنا المسلمين.

وقد كنا معشر النجديين جيران الحجاز عرضة لبغيه وإيذائه لنا في ديننا ودنيانا من رمى بالكفر، ومنع من أداء فريضة الحج وإغراء لبعض رعايانا بالخروج علينا، وغير ذلك مما لا يحل لبسطه في هذا الحطاب فلما بلغ السيل الزبى وثبت بالتشاور بين أهل الحل والعقد عندنا أنه يجب علينا شرعاً إنقاذ مهد الإسلام من بغيه وظلمه وعزمنا على ذلك وتوكلنا على الله في تنفيذه، وبذلنا أموالنا وأنفسنا في سبيله، فأيدنا الله بنصره، وطهرنا البلاد المقدّسة من بغيه وبني ولده، كطما عاهدنا الله ووعدنا المسلمين.

أيها الإخوان: إنكم تشاهدون بأعينكم وتسمعون بآذانكم ممن سبقكم إلى هذه الديار للحج والزيارة أن الأمن العام في جميع بلاد الحجاز حتى بين الحرمين الشريفين بدرجة الكمال التي لم يعرف مثلها ولا يقرب منها منذ قرون كثيرة، بل لا يوجد ما يفوقها في أرقى ممالك الدنيا نظاماً وقوة ولله الفضل والمنة: ففي بحبوحة هذا الأمن، والحرية التي لا تنفيذ إلا بأحكام الشرع، أدعكم إلى الائتمار والتشاور في كل ما ترون من مصالح الحجاز الدينية والعمرانية والنظم التي يطمئن بها العالم الإسلامي بإقامة شرع الله والتزام أحكامه وآداب دينه في مهد الإسلام ومهبط الوحي، وتطهيره من البدع والخرافات، والفواحش والمنكرات، التي كانت فاشية فيه بدون نكير، وباستقلاله المطلق وسلامته من كل نفوذ أجنبي.

أدعوكم إلى تدارك كل ما قصر فيه من قبلنا من المسلمين بتركهم وطن دينهم الذي بزغ منه نور الهدى والعرفان، في ظلمات حالكة من الجهل وفساد الأخلاق والآداب، أدعكم إلى النظر في كل وسيلة لجعل حرم الله وحرم رسوله أرقى معاهدة العلوم علماً وعرفاناً، وخير معاهدة التربية تهذيباً وأدباً، وأكمل بلاد الله صحة ونظافة، وأولى البلاد الإسلامية بإحياء دعوة الإسلام.

كل شيء في هذه البلاد يحتاج إلى الإصلاح. وحكومته وأهله في أشد الحاجة إلى مساعدة العالم الإسلامي لهما على هذا الإصلاح، لأن فيه من يعلم ما لا يعلمون، ويقدر على ما لا يقدرون.

أيها المؤتمرون الكرام، أنكم أحرار اليوم في مؤتمركم هذا. ولا تقيدكم حكومة البلاد بشيء وراء ما يقيدكم به دينكم من التزام أحكامه، إلا بشيء واحد سلبي وهو عدم الخوض في السياسة الدولية، وما بين بعض الشعوب الإسلامية وحكوماتها من خلاف فإن هذا من المصالح الموضعية الخاصة بتلك الشعوب.

إن المسلمين قد أهلكهم التفرّق في المذاهب والمشارب، فأتمروا في التأليف بينهم والتعاون على مصالحهم ومنافعهم العامة المشتركة، وعدم جعل اختلاف المذاهب والأجناس سبباً للعداوة بينهم (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها وكذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون (103) ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم).

وأسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لإقامة دينه الحق، وخدمة حرمه وحرم رسوله صلوات الله وسلامه عليه، والتأليف بين جماعة المسلمين، والحمد لله رب العالمين

26 ذي القعدة سنة 1344»

يبدأ عبد العزيز رسالته برسم صورة القائد الإسلامي الذي جاء بمعجزة نادرة الحدوث في تاريخ المسلمين. وعلى خلفية هذا التصوير، تقرر أن يعقد المؤتمر الإسلامي وقد أغلق عبد العزيز الأبواب على الحجاز، ولم يعد هناك ما يخافه أو التنازل عنه، فالمؤتمر يعقد وقد أصبح ملكاً، فتحت سقف سلطانه يتم التباحث في الشؤون الحجازية. لم يكن سوى مناسبة بروتوكولية عادية، أراد منها عبد العزيز مباركة قادة الدول الإسلامية لحكمه في الحجاز، ولذلك جاء خطابه الافتتاحي تعبيراً عن موقعه كملك على هذه المنطقة، وليس قسيماً أو شريكاً مع بقية قادة المسلمين، دع عنك تخويل الحجازيين أنفسهم بالحديث عن مصير بلادهم. أصبح ابن سعود في هذا المؤتمر يملي جدول أعماله، ويطالب المشاركين بما يجب تداوله وما لا يجوز الاقتراب منه، وهاهو يستعرض منجزاته السياسية والأمنية في الحجاز، كما يستعرض سياسات قادمة ينوي رسمها وتطبيقها فيه. لم يعد يكترث لانتقادات المسلمين ولا تقديم تطمينات لهم بشأن تهديم قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو إزالة آثار الرسالة من المدينتين المقدّستين، فذلك بات (شأناً داخلياً) محض لا يجوز للآخرين التعرّض له أو إثارته. وبالتالي فالحجاز لم يعد للحجازيين، بل تحوّل للسعوديين الوهابيين!

الوثيقة 9

نشرت جريدة (أم القرى) في العدد 80 الصادر في 25 ذي الحجة 1344هـ/9 يوليه 1926م بياناً من الملك عبد العزيز إلى المؤتمر الإسلامي هذا نصّه:

«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه

أيها الإخوان:

لا أريد أن أتداخل في أعمالكم ولا أقيد حرية المؤتمر في البحث كما وعدت بذلك في خطاب الإفتتاح، ولكني ألفت نظركم الكريم إلى بعض الأمور بصفتي زعيماً من زعماء الإسلام الذين ألقيت إليهم مقاليد أمور هذه البلاد.

إن الدعوة التي وجهتها إلى ملوك المسلمين وأمرائهم وشعوبهم والتي عليها أوفدت الحكومات والشعوب ممثليها تنحصر في إسعاد هذه البلاد وإنهاضها من كبوتها، وجعلها في المستوى اللائق بكرامة المسلمين دينياً وعلمياً واقتصادياً. ولقد كنت انتظر من حضرتكم كما ينتظر إخوانكم المسلمون في كل مكان أن تخطوا خطوات واسعة في هذا السبيل، ولكن يظهر أننا نحاول القيام بكل شيء في أول مؤتمر إسلامي، وأخشى أن حرصنا على القيام بكل شيء، يجعلنا نفقد كل شيء، وأفضل شيء التدرج في السير فرب عجلة وهبت ريثا

أيها الإخوان:

إني وإن لم أحضر مجلسكم، واقف على مباحثكم بالتفصيل، فإني على اتصال دائم روحي بكم، ويهمني جداً أن تنجحوا حتى تبرهنوا للعالم أن المسلمين أهل للحياة، وأنهم يجب أن يأخذوا قسطهم من الحياة في هذا الوجود، وأن دينهم لا يحول دون رقيهم، وإن اختلفوا في الآراء والأفكار، فهم أمام المصلحة العامة كتلة واحدة لا تنفذ إليهم الأغراض والأهواء.

أيها الأخوان:

إني لا أريد علواً في الأرض ولا فساداً ولكن أريد الرجوع بالمسلمين إلى عهدهم الأول عهد السعادة والقوة عهد الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، لا شيء يجمع القلوب ويوحّدها سوى جعل أهوائنا تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بقعة في الأرض تصلح لهذا الغرس سوى هذه البقعة الطاهرة، التي منها بزغ شمس الإسلام، ولذا فإني أرى أن تكون الكلمة العليا، والرأي النافذ لجميع العلماء المحققين، الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم، وإن جميع البلدان الإسلامية مملوءة بالعلماء أولي البصيرة والخبرة، فلترسل كل أمة منهم جماعة ليقوموا بالوعظ والإرشاد وتقرير ما يجب تقريره في هذه البلاد.

كلنا يعلم أن هذه البلاد ينقصها شيء عظيم من الإصلاح ديناً ودنيا، فشاركونا في ذلك نشكركم، ويشتد ساعدنا بكم. أما تركنا نسير وحدنا والوقوف موقف الناقد العاذل، فذلك لا يليق بالأخوة الإٌسلامية التي تربطنا جميعاً.

أيها الإخوان:

إننا لا نكره أحداً على اعتناق مذهب معين، أو السير في طريق معين في الدين، فذلك موكول أمره لعلماء الدين وحملة الشريعة، ولكني لا أقبل بحال من الأحوال التظاهر بالبدع والخرافات، التي لا يعتبرها الشرع وتأباها الفطرة السليمة. لا يسأل أحد عن مذهبه أو عقيدته ولكن لا يصح أن يتظاهر أحد بما يخالف إجماع المسلمين او يثيروا فتنة عمياء بين المسلمين وخير لنا أن ننظر إلى صالح المسلمين ونترك هذه الأمور الجزئية للعلماء فهم أحرص منا على ذلك.

أيها الأخوان:

أرجو أن لا تضيع الفرصة الباقية قبل أن تستفيد البلاد المقدسة منكم، حتى يجيء الحج القادم وقد شعر المسلمون الوافدون أنكم قمتم بواجبكم نحو هذه البلاد. وبهذه المناسبة أقدّم لكم خطتنا السياسية لهذه البلاد لترشدونا إن أخطأنا وتؤيدونا إن أصبنا:

إننا لا نقبل أي تدخل أجنبي في هذه البلاد الطاهرة أياً كان نوعه.

إننا لا نقبل امتيازاً لأحد على أحد، بل جميع الوافدين لهذه البلاد يجب أن يخضعوا للشريعة الإسلامية.

إن بلاد الحجاز يجب أن يوضع لها نظام حيادي خاص لا تحارب، ولا تُحارب. ويجب أن يضمن بعد الحياد جميع الحكومات الإسلامية المستقلة.

النظر في مسائل الصدقات والمبرات التي ترد من سائر الأقطار الإسلامية، ووجوه صرفها، وانتفاع البلاد المقدّسة منها.

هذا ما أحببت تقديمه إليكم، والله يتولانا وإياكم برعايته، ويوفقنا جميعاً لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

في 21 ذي الحجة سنة 1344هـ»

في خطابه الثاني للمؤتمر، بدت لهجة عبد العزيز أشد صرامة وحزماً، بالرغم من أنه أدرك في مرحلة مبكّرة بأن قادة الدول الإسلامية لن يحضروا المؤتمر، لأن في ذلك إعترافاً غير مباشر بشرعية احتلاله للحجاز. قرر الغياب عن المؤتمر، وكان ذلك دليلاً كافياً على عدم جديّة عبد العزيز بموضوع المؤتمر كما زعم قبل استكمال مراحل احتلال الحجاز.

وهنا يمزج عبد العزيز بين بعدين سلطوي ورسولي، بزعم العودة بالمسلمين إلى العصور الأولى للإسلام، بما يشير إلى موقف عقدي من المجتمعات الإسلامية القائمة، كونها منحرفة عن خط الإسلام النقي، ولذلك اعتبر الحجاز، بزعمه، منطلقاً لحركة تديين واسعة النطاق، على طريقة المسلمين الأوائل.

لفتت الوثيقة أيضاً الى أن عبد العزيز بدا حاسماً في معارضة تدخل أي دولة أخرى في الشؤون الحجازية، والتي جمعها تحت عنوان (تدخل أجنبي)، بعد ان كان يعرّف الأجنبي من غير المسلمين، ولم يكن القصد به الدول الأوروبية وغيرها في خطابه الثاني، بل كان يشير إلى الدول الإسلامية بدرجة أساسية، كما يفهم من تنظيم الموارد المالية في الحجاز (الصدقات والمبرات التي ترد من سائر الأفطار الإسلامية)، ووجوه صرفها، إذ لم يعد منذاك للدول الإسلامية أن تقرر مصارف الأموال المرسلة الى الحجاز، ولا السيطرة عليها، بل ستكون جزءً من ماليات الدولة السعودية.

مأثورات بن عبد العزيز في فتح الحجاز

  • مقولات الفتح السعودي عند ابن سعود[6]:
«أهنىء نفسي بما منّ الله علينا وعليكم من هذا الفتح، الذي أزال الله به الشر، وحقن دماء المسلمين، وحفظ اموالكم، وأرجو من الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته»
«ولمّا منّ الله بما منّ، من هذا الفتح السلمي الذي كنا نتنظره ونتوخاه، أعلنت العفو العام عن جميع الجرائم السياسية في البلاد»
«أني أؤكد لكم القول أن المدينة المنورة لا تزال حرماً آمناً ... وصونا لشرفها اكتفيت بحصارها.. وإني استطيع بحول الله وقوته أن أفتحها في ساعة واحدة»
«ولقد بذلت النفس والنفيس في سبيل تطهير هذه الديار المقدّسة إلى أن يسر الله الكريم بفضله فتح البلاد»

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ From Bullard to Mr ChamberLain. Mecca, 1924 September. (No.# secrets) - Archieved Post
  2. ^ Al-Rehani: Nejd and its followers.
  3. ^ "الحرب الحجازية النجدية 1924-1925م". مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية. Retrieved 2012-05-03.
  4. ^ "حقائق تنشر لأول مرة عن الحرب الحجازية النجدية". مدونة عتيبة. 2008-03-19. Retrieved 2012-05-03.
  5. ^ محمد قستي. "(الحجاز للحجازيين) رغم خديعة إبن سعود، مكة الكافرة التي فتحها وأسلمها آل سعود!!". الحجاز. Retrieved 2012-05-03.
  6. ^ "مقولات الفتح السعودي عند ابن سعود". الحجاز. Retrieved 2012-05-03.

المراجع

  • Al-Harbi, Dalal: King Abdulaziz and his Strategies to deal with events : Events of Jeddah. 2003, King Abdulaziz national library. ISBN 9960-624-88-9.