اعتقاد الصوفية اعتقاد أهل السنة

اعتقاد الصوفية اعتقاد أهل السنة

قد قام أناس في هذا العصر بترويج الأكاذيب الملفقة بأن طرق الصوفية ليست من الاسلام في شئ، بل هي أثر عقائد الفلسفة اليونانية والهندية، وقولهم هذا يكفر أكثر الأمة الاسلامية التي تتبع طريق القوم، ولا تجتمع أمة الاسلام على الضلال، وقد انبرى للدفاع عن هذه الطائفة الكريمة الكثير من الأكابر وذلك في بيان أنهم على منهج الإسلام بل هم علماء الإسلام، والمتتبع لعلومهم في العقيدة يعلم أنهم على منهج النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالفوا ولم ينحرفوا، لا في العقيدة ولا في الأحكام، ولا في الأعمال ولا في الآداب النبوية الشريفة، وإليك ما جمعناه لك من دروسهم وأقوالهم في العقيدة الإسلامية من أقطابهم ومشايخهم وأشرافهم مما يبين لك صحة انتمائهم وصدق اتباعهم وبيان عقيدتهم. يقول الشيخ أبو بكر الكلاباذي في بيان عقيدة أهل التصوف بعد كلام له: "وذلك بعد إحكام علم التوحيد والمعرفة على طريق الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح عليه القدر الذي يتيقن بصحة ما عليه أهل السنة والجماعة، فان وُفق في نفي شبه التشبيه التي تعترضه من خاطر أو ناظر فذاك.واعلم أن الصوفية أجمعوا على أن الله واحد، فرد صمد، قديم عالم، قادر حي، سميع بصير، عزيز عظيم، جواد رؤوف، متكبر جبار، باق أول، إله مالك رب، رحمن رحيم، مريد حكيم، متكلم خالق رازق، موصوف بكل كمال يليق به، منزه عن كل نقص في حقه، لم يزل قديما بأسمائه وصفاته، غير مشابه للخلق بوجه من الوجوه، لا يشبه ذاته الذوات، ولا صفاته الصفات، لا يجري عليه شيء من سمات المخلوقين الدالة على حدوثهم، موجودا قبل كل شيء، لا قديم غيره، ولا إله سواه، ليس بجسم ولا شبح، ولا صورة ولا شخص، ولا جوهر ولا عرض، لا اجتماع له ولا افتراق، لا يتحرك ولا يسكن، ولا ينقص ولا يزيد، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، ولا جوارح ولا أعضاء، ولا بذي جهات ولا أماكن، لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السنات، ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات، ولا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الأبصار، وأجمعوا أن لله صفات على الحقيقة، هو بها موصوف من العلم والقدرة والقدم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام، وأنها ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر، كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، وأن له سمعا وبصرا ليسا كالأسماع والأبصار، وأنها ليست هي هو ولا غيره، بل هي صفات الذات، وقد أجمعوا على أنه لا تدركه العيون، ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه، لم يزل كذلك، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

وقال الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه: "نزهوا الله عن صفات المحدثين، وسمات المخلوقين، وطهروا عقائدهم عن تفسير معنى الاستواء في حقه تعالى بالاستقرار كاستواء الأجسام على الأجسام المستلزم للحلول والنزول والاتيان والانتقال". وقد سأل السيد عبدالرحيم السيد الجليل الشيخ أحمد الرفاعي الكبير قدس سره: "الناس يسألوني عن عقيدتي فما أقول لهم، فقال السيد أحمد رضي الله عنه: "أي عبدالرحيم، اعلم أن كل ما عدا الخالق فهو مخلوق، والليل والنهار والضوء والظلام، والسموات السبع وما فيهما من النجوم والشمس والقمر والأرض، وما عليها من جبل وبحر وشجر، وأنواع النباتات وأصناف النبات، والحيوانات الضار منها والنافع، لم يكن شيء من ذلك إلا بتكوين الله، ولم يكن قبل تكوين الله الأشياء أصل ولا مادة ولا شيء من ذلك إلا بتكوين الله، وكذلك الجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة والإنس والجن والشياطين، لم يكن منها شيء الا بتكوين الله تعالى، وكذا صفات هذه الأشياء من الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والأطعام والمشروب والروائح، والجهل والعلم، والعجز والقدرة، والسمع والصمم، والبصر والعمى، والنطق والبكم، والصحة والسقم، والحياة والموت، كل ذلك من مخلوقات الله تعالى، وكذلك أفعال العباد واكتسابهم، من الأمر والنهي والوعد والوعيد، كل ذلك من مخلوقات الله تعالى، خلق كل شيء، قال الله تعالى: {هل مِن خالِقٍ غَيرُ اللهِ يرزُقُكُم(3)} [سورة فاطريفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، الطاعات والمعاصي بقضاء الله وقدرته، وعبادته بارادته ومشيئته، فان الطاعة مقدرة من الله تعالى بقضائه وقدره، وكذا المعصية والمعاصي مكونة مقدرة بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته، لكن ليست برضائه ولا محبته، ولا بأمره وما أراد الله أن يكون كان بلا محالة، طاعة أو معصية. وهذا معنى قولنا ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فمن هداه الله تعالى خلق فيه فعل الاهتداء، من لم يهده لم يهتد وكل ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: {الذينَ ءامَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ طوبى لهم وحُسنُ مئاب(29)} [سورة الرعد].

والله يعطي العبد كما يريد، كان فيه صلاح العبد أو فساده، وغاية صلاح العبد ليست بواجبة على الله تعالى، بل إن كان فيه صلاح كان منه إحسانا وتفضلا، وإن لم يكن ذلك كان منه عدلا، فله الفضل والحمد، والله تعالى قديم ليس لوجوده ابتداء، وباق ليس لبقائه انتهاء، حي بلا روح، عالم بلا قلب وفكرة، قادر لا بآلة، سميع بلا أذن، بصيرلا بحدقة، متكلم لا بلسان، والله تعالى قديم بصفاته، وليس شيء من صفاته محدث، وكلامه ليس من الحروف والأصوات، بل الحروف والأصوات عبارة عن كلامه ودلالة عليه، والله تعالى ليس بجسم، ولا جوهر ولا عرض، ولا على مكان ولا في مكان، بل كان جلّت عظمته ولا زمان ولا مكان، والله تعالى ليس بصورة، وكل ما تصور في فهمك ووهمك فالله تعالى خالقه ومكونه، والله تعالى لا يشبه شيئا مما خلق، ولا يشبه ذاته ذوات المخلوقين، ولا صفاته صفات المخلوقين كما قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير(11)} [سورة الشورى] والله تعالى واحد أحد فرد صمد، لا شريك له ولا وزير له، ولا شبيه له، ولا ضد له ولا ند له، ولا نظير له ولا مثيل له، ولا أول له ولا ءاخر له، ولا ولد له ولا والدة له ولا والد له، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، علام بأمور خلقه من مبتداهم إلى منتهاهم، وكل مخلوق بخلقته شاهد عادل على أنه لا إله الا هو الرحمن الرحيم. وأنّ محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه وخيرته من خلقه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وأنّ الله أرسل من قبله رسلا، أولهم ءادم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم جاءوا بالحق وتكلموا بالصدق، وبلّغوا الرسالة وصدقوا فيما بلغوا عن ربهم عز وجل، وكل ما أنزل عليهم من الكتب والصحف حق، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ولا نبي بعده حق، وأن الرسل كلهم على حق، وأنّ عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في ءاخر الزمان حق، وأن المعراج حق، أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وشخصه في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس على ظهر البراق، ثم عرج به إلى السماء حيث شاء الله.

وأن الصالحين مع علو منزلتهم وقربهم من الله لا يسقط عنهم شيء من الفرائض والواجبات من الصلاة والزكاة والحج والصيام وغير ذلك، ومن زعم أنّه صار ولي وسقط عنه الفرائض فقد كفر فانّه لم يسقط ذلك عن الأنبياء فكيف يسقط عن الأولياء. وأنّ الايمان يزيد وينقص، والايمان والاسلام واحد، وكل مسلم مؤمن، وأنّ عذاب القبر حق وأنّ منكرا ونكيرا حق، وسؤالهما حق، وأن البعث حق والعرض حق، والحساب حق، وأن الجنة ونعيمها حق، والنار وعذابها حق، وأهل الجنة يرون ربهم بعينهم من غير تشبيه ولا احاطة ولا كيفية ولا مقابلة ولا على مكان –هم في الجنة وهو موجود بلا مكان- ولا في جهة من الجهات الست، وأن قراءة الكتب أي في الآخرة حق، يؤتى المؤمن كتابه بيمينه والكافر بشماله، والميزان حق والشفاعة للنبي حق، وأن أبا بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفة حق، وبعده خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حق، وبعده خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه حق، وبعده خلافة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورضي عنه حق، إلى أن قال سيدنا أحمد الرفاعي فهذا اعتقادنا ومذهبنا فمن خالفه وقال غير ذلك لا برهان له والله بريء منه [من كتاب المجالس الرفاعية]. وقال الشيخ أحمد الرفاعي: "ما ثم اتصال وما ثم انفصال ولا حلول ولا انتقال ولا حركة ولا زوال ولا مماسة، ولا مجاورة ولا محاذاة ولا مقابلة ولا مماثلة ولا مجانسة ولا تجسد ولا تصور ولا انفعال، ولا سكون ولا تغير، وغاية الاستدلال العقلي الوصول إلى أنه موجود لا يشبه الموجودات وهذا هو النظر الصحيح". ويقول الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه: "كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان". وقال أيضا: "انّ الله تعالى خلق العرش اظهارا لقدرته ولم يتّخذه مكانا لذاته".

ويقول الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: "من زعم أنّ الله في شيء أو على شيء أو من شيء فقد أشرك، اذ لو كان في شيء لكان محصورا، ولو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان من شيء لكان محدثًا أي مخلوقًا" قال الإمام السجاد زين العابدين في الصحيفة السجادية التي رواها الحافظ الفقيه اللغوي مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء: "أنت الله الذي لا تحد فتكون محدودا". وقال أيضا: "سبحانك أنت الله الذي لا يحويك مكان لا تحس ولا تمس ولا تجس". وقال أيضا: "سبحانك أنت الذي ليس بمحدود" وقال الشيخ أبو بكر الكلاباذي الحنفي (380هـ) في بيان عقيدة الصوفية ما نصه: "اجتمعت الصوفية على أنّ الله لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان". وقال الشيخ أحمد الرفاعي: "اذا قلتم لا إله إلا الله فقولوها بالإخلاص الخالص من الغيرية، ومن خطورات التشبيه والكيفية، والتحتية والفوقية، والبعدية والقربية وهو واحد في ذاته غير منقسم ولا متحيز ولا حال ولا متحد". وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي: "البارىء تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات أو تكتنفه الأقطار". وقال القاضي أبو بكر أيضا ما نصه: "إن الله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل". وقال أيضا ما نصه: "الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات". وقال الامام الرفاعي: "غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان". وقال الرفاعي أيضا ما نصه: لا يحده – تعالى- المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السماوات، وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءًا منزهًا عن المماسة والاستقرار والتمكن والتحول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون بقبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الدرجات.

قال الإمام الحافظ المفسر عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي الحنبلي ما نصه: "الواجب علينا أن نعتقد أنّ ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغير والانتقال". وقال أيضا: "فترى أقواما يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا منهم ردىء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل" اهـ. وقال أيضا: "كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالى عن ذلك، وانّما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، واذ ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ. وقال الشيخ الصوفي الصالح عبد الله بن سعد المعروف بابن أبي جمرة ما نصه: "فمحمد عليه السلام فوق السبع الطباق ويونس عليه السلام في البحار وهما بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء، ولو كان عز وجل مقيدا بالمكان أو الزمان لكان النبي صلى الله عليه وسلم أقرب اليه، فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله" اهـ. وقال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني (768هـ) بعد أن ذكر عقيدة الصوفية في تنزيه الله عن الجهة والمكان ما نصه: "فأنا أذكر الآن عقيدتي معهم على جهة الاختصار فأقول وبالله التوفيق: الذي نعتقده أنه سبحانه وتعالى استوى على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن الحلول والاستقرار والحركة والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته لا يقال أين كان ولا كيف كان ولا متى كان ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان، تعالى عن الجهات والأقطار والحدود والمقدار" اهـ. وقال الشيخ أبو علي محمد بن علي بن عبد الرحمن الصوفي الزاهد المعروف بابن عراق الكناني الدمشقي نزيل بيروت (933 هـ) ما نصه: "كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان، جلّ عن التشبيه والتكييف، والتأليف والتصوير" اهـ. وقال أيضا ما نصه: "ذات الله ليس بجسم، فالجسم بالجهات محفوف، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس، على العرش استوى من غير تمكن ولا جلوس" اهـ.

وقال الصوفي الزاهد العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي الحنفي (1143هـ) ما نصه: "فيتنزه سبحانه وتعالى عن جميع الأمكنة العلوية والسفلية وما بينهما" اهـ. وقال أيضا: "الجهات جمع جهة، وهي ست: فوق وتحت ويمين وشمال وقدام وخلف، والجهة عند المتكلمبن هي نفس المكان، باعتبار إضافة جسم ءاخر اليه، ومعنى كون الجسم في جهة كونه مضافا إلى جسم ءاخر حتى لو انعدمت الأجسام كلها لزم من ذلك انعدام الجهات كلها، لأن الجهات من توابع الأجسام وحيث انتفى عن الله تعالى الزمان والمكان انتفت الجهات كلها عنه تعالى أيضا لأن جميع ذلك من لوازم الجسمية وهي مستحيلة في حقه تعالى" اهـ. وقال الشيخ الصوفي الزاهد العلامة مولانا خالد بن أحمد النقشبندي (1242هـ) ما نصه: "أشهد بأن الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، وكذلك صفاته لا يقوم به حادث ولا يحل في شيء ولا يتحد بغيره، مقدس عن التجسم وتوابعه وعن الجهات والأقطار" ا هـ.

وقال الصوفي العارف بالله الزاهد العابد الشيخ بهاء الدين محمد مهدي بن علي الرواس الصيادي الحسيني الشافعي (1287هـ) ما نصه: "الوسيلة الأولى صحة الاعتقاد، ولنذكر ذلك بالاختصار على الوجه الكافي، وهو أن يعتقد المرء أن الله واحد لا شريك له، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن ليس كمثله شيء، لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السموات" انتهى باختصار.وقال الرفاعي: "التوحيد وجدان تعظيم في القلب يمنع من التعطيل والتشبيه" اهـ. ويَنقل الامام الشعراني عن علي الخواص قوله: "لا يجوز أن يقال إنّه تعالى في كل مكان كما تقول المعتزلة القدرية" اهـ. وقال أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري عند ذكر عقيدة الصوفية ما نصه : "وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب، قال شيوخ هذه الطريقة على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتها في التوحيد:"ان الحق سبحانه وتعالى موجود قديم لا يشبه شىء من المخلوقات، ليس بجسم ولا جوهر، ولا عرض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان" انتهى باختصار. وقال الشيخ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي الأشعري ما نصه: "تعالى – أي الله – عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان" اهـ.

ويقول الامام القشيري: "اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعدهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف، وأهل السنة من توحيد، ليس فيه تمثيل ولا تعطيل" اهـ. ويقول مقدم الصوفية الجنيد البغدادي: "التوحيد افراد القديم من المحدث" اهـ. ويقول الامام الشيخ أحمد الرفاعي الكبير:صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة فانّ ذلك من أصول الكفر" اهـ. وقال رضي الله عنه أيضا: "فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالى عما دلّ عليه ظاهره، وتفويض معناه المراد إلى الحق تعالى وتقدس" اهـ. وقال أيضا: "ولكم حمل المتشابه على ما يوافق أصل المحكم لأنه أصل الكتاب، والمتشابه لا يعارض المحكم" اهـ. وقال رضي الله عنه: "أصموا أسماعكم عن علم الوحدة، وعلم الفلاسفة، وما شاكلهم فانّ هذه العلوم مزالق الأقدام إلى النار" اهـ. وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من زعم أنّ الهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود" اهـ. وقال أبو بكر الشبلي: "الله الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف سبحانه لا حد لذاته ولا حرف لكلامه" اهـ. وقال الشيخ عبد الغني النابلسي: "من زعم أن الله يسكن السماء، أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر" اهـ. ويقول أيضا:

معرفة الله عليك تفترض بأنه لا جوهر ولا عرض
وليس يحويه مكان لا ولا تـدركه العقول جل وعلا
لا ذاتـه يـشبه للذوات ولا حكت صفاته الصفات

واعلم أن التصوف الحقيقي هو حق وصدق، وموافق لما عليه أهل السنة والجماعة من العقيدة الصافية و خاليا من شوائب التشبيه والتكييف، ومما يدلنا على ذلك ما روي أن السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، كان صوفيا كبيرا محبا لأهل التصوف مقربا لهم وها هو يأمر بأن تذاع عقيدة أهل السنة والجماعة على ما قرره الامام أبو الحسن الأشعري رحمه الله على المآذن، فقد كان أشعري العقيدة شافعي المذهب صوفي المشرب. وقد قال الحافظ السيوطي في كتابه "الوسائل إلى مسامرة الأوائل" ما نصه: "إنّ السلطان صلاح الدين بن أيوب أمر المؤذنين في وقت التسبيح أن يعلنوا بذكر العقيدة الأشعرية فوظف المؤذنين على ذكرها كل ليلة إلى وقتنا هذا" أي إلى وقت السيوطي المتوفى سنة 911هـ. ولا يخفى على كل مسلم مكانة السلطان المجاهد صلاح الدين بين المسلمين وشهرته وصلاحه وهو ظاهر ومشهور. ولما كان للسلطان صلاح الدين هذا الاهتمام بعقيدة الأشعري (عقيدة أهل السنة والجماعة) ألّف له الشيخ النحوي محمد بن هبة الله المكي رسالة سماها "حدائق الفصول وجواهر الأصول" وأهداها للسلطان فأقبل عليها وأمر بتعليمها حتى للصبيان في الكتاتيب، وصارت تسمى فيما بعد "بالعقيدة الصلاحية" وهي منظومة شعرا حتى يسهل حفظها للصغار. ونذكر شيئا منها لبيان ما كان عليه مشاهير المتصوفة من الاعتقاد السليم ما يدلك على صفاء معتقدهم ورقي منهجهم.

يقول الناظم محمد بن هبة البرمكي وهو من على القرن السادس الهجري:

فـهـذه قـواعـد الـعقائد ذكـرت منها معظم المقاصد
جـمـعتها لـلملك الأمـين الناصر الغازي صلاح الدين


وصانع العالم فرد صمد ليس له في خلقه مساعد
جلّ عن الشريك والأولاد وعز عن نقيصة الأنداد

إلى أن يقول:


ويقول عن الله عز وجل:

هـو قـديم ما له ابتداء ودائـم لـيس لـه انتهاء
لأن كـل ما استقر قدمه فيستحيل في العقول عدمه


ويقول في تنزيه الله عن الحد والمكان:

وصـانع الـعالم لا يـحويه قطر(1) تعالى الله عن تشبيه
قـد كـان موجودا ولا مكانا وحـكمه الآن عـلى ما كانا
سـبحانه جـل عـن المكان وعـزّ عـن تـغير الزمان
فـقد غـلا وزاد فـي الغلو مـن خـصه بـجهة الـعلو
وحـصر الصانع في السماء مـبدعها والعرش فوق الماء
وأثـبـتوا لـذاته الـتحيزا قد ضلّ ذو التشبيه فيما جوّزا


ويقول في تأويل ما تشابه من القرءان:

إعـلم أصـبت نهج الخلاص وفـزت بالتوحيد والاخلاص
أنّ الـذي يـؤمن بـالرحمن يـثبت ما قد جاء في القرءان
مـن سائر الصفات والتنزيه عـن سنن التعطيل والتشبيه
مـن غـير تجسيم ولا تكييف لـما أتـى فـيه ولا تحريف
فـإن مـن كـيّف شيئا منها زاغ عـن الـحق وضلّ عنها
وهـكذا مـا جاء في الأخبار عـن النبي المصطفى المختار
فـكل مـا يُروى عن الآحاد في النص في التجسيم والالحاد
فـاضرب به وجه الذي رواه واقـطـع بـأنه قـد افـتراه
فـاحفظ حـديث هذه الأصولا ثـم الـزمنها ودع الـفضولا