تاريخ سويسرا

كانت المنطقة التي تدعى سويسرا حالياً كانت تعرف قديماً باسم هلفتيا نسبة للسكان الهلفتيون (السويسريون) الذين كانوا يقطنونها، وأصبحت هذه المنطقة خاضعة لحكم روما عام 58 ق.م.، وغدت في عام 962م جزءاً من الامبراطورية الرومانية المقدسة. وخاض السويسريون عدة حروب استقلال في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وتحقق لهم الاستقلال فترة، واعترفت الامبراطورية الرومانية المقدسة رسمياً باستقلال سويسرا عام 1648. [1]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التاريخ المبكر

ديڤيكو ويوليوس قيصر بعد معركة بيبراكته


خريطة سويسرا أثناء العصر الروماني.


سويسرا 1066-1300

وكانت سويسرا في العصور القديمة موطن عدد من القبائل المختلفة- الهلڤتي Helvetii، والرائتي Raeti، واللپوتي Lepouti- وهم خليط من الأصول الكلتية، والتيوتونية، والإيطالية. واحتلت قبائل الألـِماني Alemani الهضبة الشمالية وصبغتها بالصبغة الألمانية؛ ثم قسمت البلاد بعد انهيار الدولة الكارولنجية إلى إقطاعيات خضعت للدولة الرومانية المقدسة. غير أن استعباد سكان الجبال من أشق الأعمال، ولذلك فإن أهل سويسرا سرعان ما حرروا أنفسهم من الاسترقاق الإقطاعي وإن ظلوا يؤدون بعض الالتزامات الإقطاعية. وكان أهل القرى المجتمعون في جمعيات ديمقراطية يختارون موظفيهم، ويحكمون أنفسهم بمقتضى الشرائع الألمانية القديمة شرائع الألماني Alemanni والبرگنديين. وألف الفلاحون المجاورون لبحيرة لوسرن Lucerne "مستوطنات غابية Waldstätte" للدفاع المتبادل- وهذه المدن هي: اوري Uri، ونيدڤالدن Nidewalden، وشويز Schwyz. ومن هذه المدينة الأخيرة اشتق اسم دولة سويسرا. وكان الأهلون الأشداء سكان المدن التي نشأت عند ممرات الألب- جنيف، وكنستانس، وفرايبورگ، وبرن، وبازل- ينتخبون موظفيهم، وينفذون قوانينهم الخاصة بهم، ولم يكن سادتهم الإقطاعيون يعترضون على هذا الأسلوب من الحكم، ما دامت الضرائب الإقطاعية الأساسية تؤدي لهم.

غير أن كونتات آل هابسبورگ الذين كانوا يسيطرون على الأقاليم الشمالية منذ عام 1173 لم يكونوا يسيرون على هذه القاعدة، ولما أن حاولوا فرض الالتزامات الإقطاعية بأشد ضروب القسوة، أغضبوا أهل شويز، فألفت الثلاث المقاطعات الغابية في عام 1291 "حلفاً أبدياً" وأقسم أهلها أن يتعاونوا على صد الغارات الأجنبية، والقضاء على الفتن الداخلية، وأن يفضوا كل منازعاتهم بالتحكيم، وألا يعترفوا بقاض يُنصب عليهم إذا كان من غير أهل واديهم، أو كان قد ابتاع منصبه. وسرعان ما انضمت مدائن لوسرن، وزيورخ، وكونستانس إلى هذه الجامعة. وسير أدواق هابسبورگ في عام 1315 جيشين على سويسرا ليرغموا أهلها على أداء جميع الالتزامات الإقطاعية، ولكن مشاة شويز وأوري المسلحين بالرماح ذات البلط في رؤوسها هزموا الفرسان النمساويين في "ماراثون سويسرا"، هزيمة انسحبت على أثرها القوات النمساوية، وجددت المقاطعات الثلاث يمين المساعدة المتبادلة (9 ديسمبر سنة 1315)، وأنشأت الاتحاد السويسري القديم. ولم تكن سويسرا قد أصبحت بعد دولة مستقلة، فقد كان المواطنون الأحرار يعترفون ببعض الالتزامات الإقطاعية، وبسيادة إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة. ولكن السادة الإقطاعيين والأباطرة المقدسين عرفوا كيف يحترمون أسلحة المقاطعات والمدن السويسرية وحرياتها، ومهد انتصار مورگارتن السبيل لقيام أكثر الديمقراطيات استقراراً وأعظمها تمسكاً بالعقل والاتزان في التاريخ كله.

الكونفدرالية القديمة (1291–1523)

معركة لاوپن (1339) between Swiss forces and an army of the Dukes of Savoy (Diebold Schilling the Elder, 1480s).

كانت أقوى ديمقراطية في العالم وقتذاك مستقرة في سويسرا. ونجد أن البطولة في تاريخ هذه البلاد المنيعة كانت مجسمة في الولايات، وفي عام 1291 بدأت الولايات التي تكتنفها الغابات، ويتحدث أهلوها الألمانية وهي أورى وشوتز وانترفالدن، تؤلف اتحاداً من أجل الدفاع المشترك. وأحرز الفلاحون السويسريون انتصاراً تاريخباً على جيش آل هبسبرج في مورجارتن (1315)، فاحتفظ الاتحاد باستقلال حقيقي بينما اعترف بالسيادة الاسمية للإمبراطورية الرومانية المقدسة. وأضيفت إلى الاتحاد ولايات جديدة: لوسون (1332) وزيورخ (1351) وجلاروس وزج (1352) وبرن (1353)، وأصبح اسم ولاية شوتز يطلق على الجميع عام (1352). وشجعت الحدود الجغرافية على الاستقلال الذاتي وقبل الاتحاد اللغات الفرنسية أو الألمانية أو الإيطالية وطرائق كل منها تبعاً لانحدار أوديتها ومجارى أنهارها، فاحتفظت كل ولاية بإصدار قوانينها بواسطة مجالس ينتخبها المواطنون. وتراوح تمثيل الحرية بين ولاية وأخرى ومن عصر إلى عصر، ولكن جميع الولايات خضعت لسياسة خارجية موحدة وحل منازعاتها بواسطة مجلس اتحادي. ومع أن الولايات يحارب بعضها بعضاً، فإن دستور الاتحاد أصبح وظل مثالاً موحياً بالاتحاد-اتحاد أقاليم تستمتع بالحكم الذاتي تحت أجهزة وقوانين اختيرت بحرية.

وتطلب دفاع الاتحاد عن حريته تدريباً عسكرياً لجميع الذكور وخدمة عسكرية عند الطلب، يتقدم بها جميع الرجال بي العاشرة والستين وأصبح المشاة السويسريون، المسلحون بالحراب والمدربون على النظام الدقيق، أكبر جيش مخوف باهظ التكاليف في أوربا. ورأت الولايات أن تقصد في دخلها، فأجرت فرق جيشها للدول الأجنبية، وجعلت "البسالة السويسرية حيناً من الزمن سلعة تجارية. ولبث الأمراء النمسويون، يدعون لأنفسهم حقوقاً إقطاعية في سويسرا، وحاولوا الحصول عليها أحياناً، فقضى على هذا الادعاء سمباتش (1386) وتافلس (1388)، بمعارك تستحق الذكر في تاريخ الديمقراطية. وأكدت معاهدة كونستانس عام 1446 مرة أخرى، حرية سويسرا الفعلية وولاءها الاسمي الإمبراطورية الفعلية.

في سويسرا فقد كان الاستقلال الأشم للولايات تمهيداً لظهور زونگلي وكالفن.

الاصلاح (1523–1648)

عمد ريشليو إلى فرض ضرائب على الكاثوليك في فرنسا لمساعدة الألمان البروتستانت. وفي 1624 حول الكاردينال المدهش المنظر السياسي فجأة، بسلسلة متعاقبة من الضربات الدبلوماسية. ففي 10 يونية وقع تحالفاً مع هولندا البروتستانتية ضد الفلاندرز وأسبانيا الكاثوليكيتين. وفي 15 يونية ضم إليه السويد والدنمرك، وفي 11 يوليه أقنع سافوي والبندقية بالانضمام إليه في محاولة لقطع خط الإمدادات والقوات الأسبانية النمساوية عبر ممرات الفالتللين في جبال الألب الإيطالية السويسرية.

في صلح وستفاليا (1648)، حصلت سويسرا والمقاطعات المتحدة على اعتراف رسمي باستقلالهما.

الآداب والفن

كانت الدراما أكثر أشكال الأدب شعبية وقد استخدم البروتستنت والكاثوليك المسرح لبث الدعوة؛ فسخرت التمثيليات البروتستانتية بالبابا سخرية مريرة، واختتمت عادة بزجه في الجحيم وأخرج معلمو الموسيقى بسويسرا تمثيليات عن آلام المسيح والقيامة. والدينونة الأخيرة ابتداءً من 1549، وشارك في التمثيل أحياناً 290 ممثلاً.

آنشيان ريجيم (1648–1798)

ليونارد اويلر (1707–83)، واحد من أبرز علماء عصر التنوير.

في معاهدة وستفاليا عام 1648، حصلت سويسرا على استقلال قانوني عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة. The Valtellina became a dependency of the Drei Bünde مرة أخرى بعد المعاهدة وبقت كذلك حتى تأسيس Cisalpine Republic بواسطة ناپليون بوناپرت في عام 1797.

في 1742 تساءل صموئيل جونسن "بأي سياسة عجيبة، أو بأي توافق سعيد بين المصالح، أمكن تجنب الفتن العنيفة في دولة تتألف من شتى المجتمعات ومختلف الأديان، رغم أن في أهلها من الولع بالحرب ما يجعل من تقرير جيش ومن حشده شيئاً واحداً؟.

هذا المركب الغريب من ثلاثة شعوب، وأربع لغات، ومذهبين، ظل في سلام مع العالم الخارجي منذ 1515. فبمقتضى ضرب من الميثاق المبرم بين اللصوص أمسكت الدول عن مهاجمته، ولقد كان مطمعاً غاية في الصغر (بلغ 227 ميلا في أقصى طوله، و137 في أقصى عرضه) فقيراً جداً في موارده الطبيعية، شديد الوعورة في أرضه، اتصف أهله بشجاعة تثبط همة المعتدى. واستمر السيسرون ينجبون خيرة الجنود في أوربا، ولكن الاحتفاظ بهم كان غالي الكلفة، لذلك كانوا يؤجرون لشتى الحكومات بسعر للجندي. وفي 1748 كان هناك ستون ألفاً من هؤلاء الجنود "الجوالين" في خدمة الدول الأجنبية. وقد أصبحوا في بعضها جزءاً دائماً من المؤسسة العسكرية؛ وكانوا أحب الحرس للبابوات والملوك الفرنسيين وأحوزهم لثقتهم؛ والعالم كله يعرف كيف قضى الحرس السويسري لآخر رجل منهم دفاعاً عن لويس السادس عشر في 10 أغسطس 1792.

وفي 1715 كانت ثلاثة عشرة مقاطعة تؤلف الاتحاد السويسري: أبنتسيل، وبازل، وجلاروز، وشافهاوزن، وزيورخ-وكانت في أغلبها ألمانية وبروتستنتية؛ ثم لوسرن، وشفيتس، وزولوتورن، وأونترفالدن، وأورى، وبتسوج-كلها ألمانية وكاثوليكية، ثم برن، وكانت ألمانية وفرنسية، بروتستنتية وكاثوليكية؛ ثم فريبورج، وكانت فرنسية وكاثوليكية. وفي 1803 ضم الاتحاد إليه مقاطعات أراجاو، وسانت جالين، وتورجاو (ألمانية بروتستنتية)، وتيتشينو (إيطالية وكاثوليكية)، وفو (فرنسية وبروتستنتية). وفي 1815 أضيفت ثلاث مقاطعات جديدة هي جنيف (فرنسية وبروتستنتية تنقلب الآن كاثوليكية بسرعة)، وفاليه (فرنسية، وألمانية، وكاثوليكية) والأقاليم المعروف للفرنسيين باسم جزيزون وللألمان باسم جراوبوندن تغلب عليه البروتستنتية، ويتكلم الألمانية أو الرومانش، وهي لاتينية أثرية.

وكانت سويسرا جمهورية النظام، ولكنها لم تكن ديمقراطية بمعناها المعروف، ففي كل مقاطعة تنتخب أقلية من السكان الذكور البالغين، الذين ينتمون عادة للأسر العريقة، مجلساً صغيراً يتألف من أربعة وعشرين إلى أربعة وستين عضواً. وكان المجلس الصغير يعين مجلساً خاصاً أصغر منه وعمدته وهو أكبر موظفي المقاطعة. ولم يكن هناك فصل للسلطات، فالمجلس الصغير هو أيضاً المحكمة العليا. وقصرت المقاطعات الريفية (وهي أوري، وشفيتس، وأونتفالدن، وجلاروز، وتسوج وأبنتسيل) حق الانتخاب على الأسر الوطنية، أما غيرها من المقيمين بها، مهما طال مقامهم، فيحكمون بوصفهم طبقة تابعة. ومثل هذه الأولجركيات كانت شائعة في سويسرا. فلوسرن مثلا قصرت صلاحية التعيين في الوظائف الحكومية على تسع وعشرين أسرة، ولم تسمح لأسرة جديدة بدخول هذه الدائرة إلا إذا انقرضت إحدى الأسر القديمة. وفي برن كانت 243 أسرة صالحة للتعيين في الوظائف، ولكن نحو ثمان وستين منها فقط هي التي تقلدت المناصب بصفة دائمة. وفي 1789 لاحظ المؤرخ الروسي نيكولاي كارامزين أن مواطني زيورخ "يفخرون بلقبهم فخر ملك بتاجه" لأن "أحداً من الأجانب لم يحصل على حق المواطنة منذ نيف و150 سنة." (وعلينا أن نذكر أنفسنا بأن كل الديمقراطيات تقريباً أو الأولجركيات، لأن الأقليات يمكن تنظيمها للحركة والسلطة، أما الأغلبيات فلا).

وكان في حكومة المقاطعة نزوع إلى النظام الأبوي الذي يتطلب الطاعة لأولي الأمر. مثال ذلك أن المجالس في زيورخ أصدرت القوانين المنظمة للأكل، والشرب، والتدخين. وقيادة العربات، وحفلات الزفاف، واللباس، والتزين، وقص الشعر، وأجور العمل، ونوعية المنتجات، وأسعار الضروريات، وكانت هذه الأوامر من مخلفات القوانين البيئية أو النقابية القديمة، والواقع أن "معلمي" النقابات الحرفية الأثنى عشرة في زيورخ كانوا يكتسبون عضوية المجلس الصغير تلقائياً، بمعنى أن هذه المقاطعة كانت إلى حد كبير دولة نقابية. وقد كتب جوته في أخريات القرن أن شواطئ بحيرة زيورخ تعطي "فكرة جذابة مثالية عن أروع وأسمى حضارة".

أما "مدينة وجمهورية" برن فكانت أكبر وأقوى المقاطعات. فهي تضم ثلث سويسرا، وتتمتع بأغنى اقتصاد، وحكومتها محط الإعجاب عموماً لما تتميز به من تدبير وطفاية؛ وقد شبهها مونتسكيو بروما في أزهى عصور الجمهورية. أما وليم كوكس، وهو قسيس بريطاني ومؤرخ عالم، فقد وصف المدينة كما رآها في 16 سبتمبر 1779 بهذه العبارات:

حين دخلت برن أدهشني ما تميزت به من نظافة وجمال. شوارعها الرئيسية عريضة طويلة، ليست مستقيمة، بل منعطفة انعطافاً هينا، وتكاد بيوتها تكون متماثلة، وهي مبنية بحجر تغلب عليه الشهبة ومن تحتها البواكي. ويجري وسط الشوارع نهير نشيط، ماؤه شديد الصفاء، في مجرى صخري، وهناك نافورات عديدة تضفي على المدينة جمالا يعدل نفعها لأهلها. ويكاد نهر آر يحيط بالمدينة، إذ يلتف مجراه فوق قاع صخري أوطأ كثيراً من مستوى الشوارع.. والريف المجاور غني بالزرع، فيه تنويع لطيف من تلال ومروج وغابات ومياه... وترسم على الأفق البعيد سلسلة شديدة الانحدار من جبال الألب الوعرة المكللة بالثلوج".

أما الخطأ الفادح الذي ارتكبه نبلاء برن ففي معاملتهم لمقاطعة فو. فهذا الفردوس الأرضي كان يمتد بحذاء الضفة السويسرية لبحيرة جنيف من أرباض مدينة جنيف حتى لوزان (العاصمة) ويصل شمالا إلى بحيرة نيوشاتل. على هذه الضفاف الجميلة والتلال الزاخرة بالكروم استمتع فولتير وجيبون بحياة غاية في التحضر، وشب روسو وتعذب، واختار بيت جولي الفاضل (في كلارنس، قرب فيفي). وقد خضع الإقليم لسيادة برن في 1536، ففقد مواطنوه حقهم في تقلد المناصب الحكومية، واشتد تبرمهم بالحكم البعيد عنهم، وتكررت ثوراتهم دون جدوى.

وكانت المقاطعات شديدة الحرص على استقلالها الذاتي. كل منها تعتبر نفسها دولة ذات سيادة، لها الحرية في خوض الحرب أو إبرام الصلح أو الدخول في أحلاف أجنبية، مثال ذلك أن المقاطعات الكاثوليكية ارتبطت بفرنسا طوال حكم لويس الخامس عشر. ورغبة في التخفيف من الصراع بين المقاطعات كانت كل منها ترسل مندوبين عنها إلى مجلس سويسري (ديت) ينعقد في زيورخ. ولكن هذا المجلس الاتحادي (الكونجرس) كانت سلطاته محدودة جداً، فهو لا يستطيع فرض قراراته على أي مقاطعة ترفضها. ويجب أن توافق جميع المقاطعات على هذه القرارات لكي تكون قانونية. وكانت حرية التجارة مقبولة من حيث المبدأ، ولكن حروب المكوس بين المقاطعات انتهكت هذا المبدأ. ولم تكن هناك عملة مشتركة، ولا إدارة مشتركة للطرق التي تربط المقاطعات.

على أن الحياة الاقتصادية زكت رغم العوائق الطبيعية والحواجز التشريعية. وكان رق الأرض قد زال في بضع مناطق على الحدود الألمانية أو النمساوية، فملك الفلاحون كلهم تقريباً الأرض التي يزرعونها. وكان الفلاحون فقراء في "مقاطعات الغابات" (وهي أوري، وشفايتس، وأونترفالدن، ولوسرن) وذلك لظروف جغرافية؛ أما حول زيورخ فازدهرت أحوالهم، وفي برن جمع العديد من الفلاحين ثروات بالفلاحة التي اتسمت بالعناية والمثابرة. وقد اضطر كثير من السويسريين إلى الجمع بين الزراعة والصناعة لطول الشتاء وصعوبة النقل؛ فالأسرة التي تغزل القطن أو تصنع الساعات تزرع الحدائق أو تغرس الكروم. واشتهرت فريبورج بجبها الجروبير (جرافيرا)، وزيورخ بدنتللتها، وسانت جالين بقطنها، وجنيف بالساعات، ونيوشاتل بالدنتيللا، وسويسرا كلها بالأنبذة. وكانت المالية السويسرية حتى في ذلك الحين مثار حسد أوربا، والتجار السويسريون نشيطين في كل بلد. وأثرت بازل من الاتجار مع فرنسا وألمانيا، وزيورخ من الاتجار مع ألمانيا والنمسا. ونافست بازل وجنيف ولوزان، أمستردام ولاهاي مراكز للنشر. وبعد أن أشاد هاللير وروسو بجمال البحيرات السويسرية المتألق وجبال الألب السويسرية المهيب، أمدت السياحة الاقتصاد الاتحادي بدعم متزايد.

أما مستوى الأخلاق فلعله كان في سويسرا أرقى منه في أي بلد آخر باستثناء إسكندناوة، حيث أنتجت الظروف المماثلة نتائج مماثلة. فكانت أسرة الفلاح مثالاً للجد، والعفة، والوحدة، والتدبير. وكان في المدن بعض الفساد في السياسة وبيع المناصب، ولكن حتى في هذه الأماكن أعانت الخشونة التي ولدها المناخ القاسي، والإقليم الجبلي، والآداب البروتستنتية، على الاستقرار الخلقي. وكان اللباس محتشما سواء عند الأغنياء أو الفقراء. وظلت قوانين الإنفاق صارمة مرعية الجانب في سويسرا.

أما الدين فكان نصف الحكم ونصف الصراع. فالحضور إلى الكنيسة إجباري، والمدن من الصغر بحيث يستحيل على الخوارج المتمردين أن يجدوا ملاذا في زحمة الجماهير. ويوم الأحد يوم تعبد لا هوادة فيه، ويروى إن الحانات في زيورخ كانت تهتز بالمزامير ترتل فيها في يوم الرب(12). ولكن المذهبين المتنافسين - الكلفني والكاثوليكي- ضربا أسوأ أمثلة السلوك، لأنهما أطلقا العنان للحقد والكراهية وقيدا العقل بالأغلال. وحظرت بعض المقاطعات الكاثوليكية كل عبارة إلا الكاثوليكية، وبعض المقاطعات البروتستنتية كل عبادة إلا البروتستنتية. وحرم القانون الخروج على الكنيسة الرسمية وتأليف مذاهب مستقلة. وفي لوسرن عذب ياكوب شمدلن في 1747 ثم شنق لمحاولته تنظيم حركة "تقوية" مستقلة عن الكنيسة. وكان حلف يمين الالتزام بالكلفنية شرطاً لشغل المناصب السياسية أو الكنسية أو التعليمية في لمقاطعات البروتستنتية. وفرضت الكنيسة والدولة رقابة شديدة على المطبوعات. وفي مقاطعات الغابات تضافر فقر الفلاحين، والعواصف، وإنزلاقات الأرض، وانهيارات الثلوج، وآفات الزرع، والفيضانات، والرهبة من الجبال المحيطة بالسكان- كلها اجتمعت تولد فيهم خوفاً خرافياً من الأرواح الشريرة الساكنة في القمم المحملة والرياح المدومة، ولكي يقهر الفلاحون المكروبون أعداءهم الخارقين للطبيعة كانوا يتوسلون إلى قساوستهم أن يخرجوا الأرواح النجسة ويمنحوا قطعانهم البركة في مراسم دينية. وقد انتهى حرق المتهمين بالسحر في جنيف عام 1652، وفي برن عام 1680، وفي زيورخ عام 1701، وفي المقاطعات الكاثوليكية عام 1752، ولكن امرأة في جلاروز قطع رأسها عام 1782 وكانت تهمتها أنها سحرت طفلاً.

وانبثق النور وسط هذه الظلمة بفضل المدارس الحكومية والمكتبات العامة. وكانت جامعة بازل تعاني اضمحلالا من جراء التعصب الديني، فلم تكد تقدر منجزات يوهان وياكوب ودانيال برنولي، وأكرهت ليونارد اويلر على الهروب إلى قاعات أكثر سماحة لضيوفها. ولكن سويسرا رغم هذا أنجبت الأدباء والشعراء والعلماء في تناسب كامل مع عدد سكانها. وقد ذكرنا من قبل العالمين الزيورخيين يوهان ياكوب بودمير ويوهان ياكوب برايتنجر، وقد كان لهما أثر دائم على الأدب الألماني لأنهما عارضا إعجاب جوتشيد المفرط ببوالو والأشكال الكلاسيكية؛ ودافعا عن حقوق الوجدان، والعناصر الغيبية، بل اللامعقولة، في الأدب والحياة؛ وأشادوا بالشعر الإنجليزي وفضلا على الفرنسي، وقدما شكسبير وملتن لقراء الألمانية، وبعثا الأغاني القديمة (1751) وشعراء العصر الوسيط الغنائيين الألمان minnesungers وانتقل مذهبهم إلى ليسنج، وكلوبشتوك، وشيلر، والشاب جوته، وفتح الطريق للحركة الرومانسية في ألمانيا ولإحياء الاهتمام بالعصور الوسطى. وسار على هذا الدرب شاعر زيورخي يدعى سالومون جسنر، وأصدر قصائد"رعوية" (1756) فيها من فتنة الريف ما جعل أوربا بأسرها تترجمها، وشعراء مثل فيلاند وجوته يحجون إلى بيته.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

السويسريون 1754-1798

إن الذي استمتعوا منا بالهدوء وسط جنة الطبيعة في سويسرة، وبالإلهام من شجاعة شعبها وأمانته، يشق عليهم أن يدركوا أن من تحت الخلق الهادئ، والفلاحة الصابرة، والصناعة المستقرة التي أعجبت بها أوربا وتعجب بها الآن، كانت تمكن الصراعات الطبقية-صراعات بين الجنس والجنس، وبين اللغة واللغة، وبين العقيدة والعقيدة، وبين الإقليم والإقليم، وبين الطبقة والطبقة. وكان السويسريون في نطاقهم المتواضع قد اقتربوا جداً من تحقيق ذلك المثل الأعلى الذي صوره الأب سان-بيير وحلم به بروسو وكانط: وهو الاتحاد الكونفدرالي يعقد بين دويلات مستقلة في شئونها الداخلية، ملتزمة بالعمل الموحد في علاقاتها بالعالم المحيط بها. في 1760 تكون الاتحاد الهلفيتي لدعم الولاء للأمة أكثر من الإقليم، ولتوحيد الحركات المبعثرة للإصلاح السياسي.

وقد قدر فولتير-الذي كان يعيش عن كثب-سكان سويسرا في 1767 بـ 720.000 نسمة(1). وكان أكثرهم يفلح الأرض أو يزرع الكروم، ويسطب المنحدرات إلى ما يقرب من قمم الجبال. وكانت صناعة النسيج في نمو مطرد لا سيما في إقليم سانت جالن وكانتون زيوريخ؛ وكانت مراكز صناعية أخرى بسبيلها إلى التشكل في جلاروس، وبرن، وبازل؛ أما جنيف ونويشاتل فكانتا المركزين العظيمين لصناعة الساعات. وأنشأ الوكلاء المنتشرون في أرجاء أوربا من لندن إلى الآستانة (التي كان بها ثمانية وثمانون منهم) لجنيف تجارة صادر حققت الثراء السريع للمدينة الواقعة على الرون. وكثرة المصارف لأن الماليين السويسريين كانوا قد اكتسبوا سمعة دولية بالأمانة.

وكانت أغلب الكفاءات، كما هي الحال في كل بلد، مركزة في أقلية الرجال، فأدى هذا إلى تركيز الثروة. وكانت الكانتونات بصفة عامة تحكمها أولجركيات تسلك مسلك أي طبقة حاكمة. فلإشراف رعاة أسخياء للآداب والعلوم والفنون ولكنهم يقاومون كل خطوة للتوسع في حق الانتخاب. وقد اتهم جبون، الذي يسكن لوزان، أولجركية برن بأنها تثبط الصناعة في الأقاليم التابعة لها، وتبقى على هبوط مستوى المعيشة فيها عملاً بالمبدأ اللائق "إن الرعايا الفقراء المطيعين خير من الأغنياء المتمردين"(2). وقد نظمت جماعات لإلغاء الامتيازات الاقتصادية أو السياسية غير مرة، ولكنها صدرت بقوة الدولة والكنيسة المتحالفتين(3). واضطربت أحوال جنيف آناً بعد آن نتيجة حرب الطبقات طوال القرن الثامن عشر. وساد فها سلام نسبي من 1737 إلى 1762، ولكن إحراق المجلس البلدي لكتاب إميل (1762) فجر الدعوة لتوسيع حق التصويت. وعضد الحركة روسو وفولتير، بعد جدل كثير نزلت طبقة الإشراف للطبقات الوسطى عن قسط صغير في الحكم.

وقد خلف هذا ثلاثة أرباع السكان مجردين تماماً من حق التصويت-الوطنيون (أو الأهالي) وهم الأشخاص المولودون في جنيف ولكن الأبوين من غير الوطنيين. وهؤلاء حرموا أيضاً من معظم المهن، ومن المناصب الحربية، ومن الارتقاء معلمين في النقابات الحرفية؛ وقد منعوا من توجيه الملتمسات إلى المجلس الأكبر والمجلس الأصغر اللذين يحكمان الجمهورية. غير أنهم أثقلوا بالضرائب. وفي 4 أبريل 1766 ذهب وفد من "الوطنيون" إلى فرنيه وطلبوا إلى فولتير أن يساعدهم في نيل حق التصويت. فقال لهم: "يا أصدقائي، إنكم تؤلفون أكثر الطبقات عدداً في مجتمع مستقل كادح، وأنتم ترسفون في العبودية ولا تطلبون إلا أن تتمتعوا بميزاتكم الطبيعية، أي أن تمنحوا هذا الطلب المتواضع لا أكثر. وسأعنيكم بكل ما أملك من نفوذ...

فإذا أكرهتم على الرحيل عن وطن يثري على حساب كدكم، فسأستطيع تقديم العون لكم وحمايتكم في مكان آخر"(4). ولكن الطبقتين الأرستقراطية والبورجوازية اتحدتا في مقاومة نداء "الوطنيين"، وكل ما استطاعه فولتير هو أن يرحب في مستعمرته الصناعية بكل من وفد عليه من الصناع الساخطين (1768). وفي 1782 هب الوطنيين في ثورة أطاحت بطبقة الإشراف وأقامت حكومة نيابية. ولكن النبلاء استنجدوا بفرنسا وبرن سردينيا؛ فتدخلت هذه الدول، وأخمد التمرد، وردت الأولجركية إلى الحكم. وكان على الوطنيين أن ينتظروا مجيء الثورة الفرنسية لتأتيهم بالحرية.

وأنجبت الكانتونات في ثلث القرن الذي نحن بصدده بعض الشخصيات ذات الشهرة الدولية. فكان يوهان هاينريش بستالوتسي أحد الأفراد النادرين الذين يتخذون العهد الجديد مرشداً للسلوك. وقد اتفق مع روسو على أن المدنية أفسدت الإنسان، ولكنه أحس أن الإصلاح يمكن أن يأتي لا عن طريق القوانين والنظم الجديدة، ولكن بإعادة تكوين السلوك الإنساني بالتربية. ومن ثم كان طوال حياته يرحب بالأطفال لا سيما الفقراء منهم، وخصوصاً المشردين؛ يؤويهم ويعلمهم، ويطبق في تعليمهم المبادئ التحررية التي احتواها كتاب روسو "إميل"، مع أفكار من عنده. وقد بسط آراءه في كتاب كان أكثر الكتب انتشاراً بين قراء ذلك الجيل. فالبطلة في كتابه "ليونهارد وجرترود" (1781-85) تصلح قرية بأسرها بمحاولة معاملة الناس كما لو كان المسيح يعاملهم، وبتعليم أطفالها في مراعاة صابرة لغرائزهم واستعداداتهم الفطرية. ومن رأي بستالوتسي أن يعطي الأطفال من الحرية القدر الذي تسمح به حقوق الآخرين. فينبغي أن يبدأ التعليم المبكر بالقدوة، وأن يعلم الطفل بالأشياء والحواس، والخبرة، لا بالكلمات أو الأفكار أو الصم. وقد مارس بستالوتسي طرائقه في مدارس سويسرية شتى، ولا سيما في ايفردون. وهناك زاره تاليران، ومدام دستال، وغيرهما؛ ومنها انتشرت نظرياته في طول وأوربا وعرضها. على أن جوته شكا من أن مدارس بستالوتسي تكون أشخاصاً فرديي النزعة، وقحاء، مغرورين، متمردين(5).

وهناك انجليكا كاوفمان، المولودة في كانتون جريزون، والتي نافست مدام فيجيه لبرون بوصفها أشهر فنانة في جيلهما. فكانت تجيد الرسم، فضلاً عن إتقانها العزف، حتى وهي في الثانية عشرة، إجادة حملة الأساقفة والنبلاء على أن يجلسوا إليها لتصورهم. وفي الثالثة عشرة (1754) اصطحبها أبوها إلى إيطاليا حيث واصلت دراساتها، واحتفى بها القوم أينما ذهبت تقديراً لمهاراتها وإعجاباً بسحر شخصها. وحين دعت إلى إنجلترة عام 1766 أثارت ضجة بتصويرها جاريك. وأغرم السير جوشوا رينولدز جداً بـ "الآنسة اينجل"، وصورها، فصورته بدورها. وقد شاركت في إنشاء الأكاديمية الملكية للفنون، التي كلفتها هي وغيرها في 1773 بتزيين كتدرائية القديس بولس. وفي 1781 قفلت إلى روما، حيث (1788) سلكت جوته في عداد أصدقائها الأوفياء. وماتت هناك في 1807، وكان مأتمها الذي نظمه كانوفا حدثاً من أحداث العصر، وشيعها مجتمع الفنانين بأكمله إلى مثواها الأخير.

أما أبرز شخصيات الجيل السويسرية بعد روسو فهو يوهان كاسبار لافاتر. ولد في زيورخ في 1741، وأصبح راعياً بروتستنتياً، واحتفظ طوال حياته بأحر الولاء للمسيحية التقليدية. وقد رأينا محاولاته لهداية جوته ومندلسون. ولكنه لم يكن دجماطيقياً، فقد احتفظ بصداقاته عبر الحدود الدينية والقومية، واحترمه كل من عرفه، وأحبه الكثيرون(6). وقد ألف كتباً فيها ورع صوفي، وشرح سفر الرؤيا شرحاً مغرباً في الخيال، وآمن بالقوى المعجزية للصلاة ولكاليوسترو، وأعطى زوجته علاجات "تنويمية" عملاً بإرشادات مزمير. وكان أخص دعاواه أن خلق الإنسان يمكن الحكم عليه من ملامح وجهه ومحيط دماغه. فأثار اهتمام جوته وهردر بآرائه، وقد أسهما بمقالات لكتابه "شذرات في الفراسة" (1775-78) وقد درس نظرات الأفراد البارزين، وأدمغتهم، وأشكالهم، وربط بين ملامح الجمجمة والوجه وصفات نوعية للعقل والخلق. وقد قبلت تحليلاته واستنتاجاته على نطاق واسع، ولكنها الآن مرفوضة بوجه عام. على أن المبدأ العام الذي نادى به، وهو أن الصفات السيكولوجية تشارك (مع الهواء والبيئة والغذاء والمهنة الخ..) في تشكيل الجسم والوجه، مازال يحوي قدراً كبيراً من الحقيقة، فكل وجه إنما هو ترجمة ذاتية.

وكان لافاتر جزءاً من حركة إزهار شملت روسو، والشاعر والعالم ألبرشت فون هالر، والشاعر والمصور سلومون جسنر، والمؤرخ يوهان فون مولر، وهوراس دسوسير، الذي بدأ رياضة تسلق الجبال بارتقائه جبل مون بلان في 1787 بعد محاولات اتصلت سبعة وعشرين عاماً. وأحست الكنتونات خلال ذلك برياح الثورة تهب عليها عبر الحدود من فرنسا. وفي 1797 انضم فردريك سيزار ولاهارب، الذي كان معلماً خاصاً لحفيدي كاترين الكبرى، إلى بيتر أوخس عضو نقابة التجار في بازل، في دعوة حكومة الثورة الفرنسية لتساعدهما على إنشاء جمهورية ديمقراطية في سويسرة. وقد مهدت الطريق لهذه الخطوة ثورة محلية في برن وفو (يناير 1798)؛ فعبر جيش فرنسي الحدود في 28 يناير، ورحب به أكثر السكان السويسريين محرراً لهم من الأولجركية، وفي 19 مارس أعلنت "جمهورية هلفيسية واحدة لا انقسام لها". فأطاحت بكل امتيازات الكانتونات والطبقات والأشخاص، وجعلت سويسرة كلها سواء أمام القانون. وكان زيورخ أطول الأقاليم مقاومة، وفي الهياج الشديد الذي تلا ذلك أصيب بطلق ناري الشيخ الأمين لافاتر (1799)، فمات في 1801 متأثراً بجرحه تأثراً بطيئاً.

العصر النابليوني (1798–1848)

شعرت سويسرا بنبص الثورة الفرنسية بكل مودة الجار. لقد رحب الليبراليون السويسريون بالثورة الفرنسية كدعوة للحرية، وأعلن جوهان (يوهان) فون ميلر Muller (2571 - 9081) أشهر المؤرخين المعاصرين في 41 يوليو 9871 أن يوم قيام الثورة الفرنسية هو أفضل يوم في تاريخ أوربا منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، وعندما تولى اليعاقبة زمام الأمر، كتب لأحد أصدقائه الذي لا شك فيه أنك تشاركني أسفي أنه في الجمعية الوطنية (الفرنسية) نجد الفصاحة والبلاغة تطغى على الفهم الصحيح، وربما تفهم أنه نظراً لرغبتهم في أن يكونوا أحرارا إلى أقصى درجة فلن يكونوا أحرارا أبداً. ومع هذا لابد أن تتمخض الأيام عن شيء لأن هذه الأفكار تسكن في كل قلب(1).

فريدريك-سيزار دلا هارپ Frédéric-César de La Harpe - الذي كان قد عاد في سنة 6971 إلى موطنه سويسرا - بعد أن أشرب عقل القيصر ألكسندر الأول بالليبرالية - انضم مع پيتر اوكس Peter Ochs وغيره من الثوار السويسريين ليكونوا النادي السويسري (الهلفيتي Helvetic) الذي عمل على الإطاحة بحكم الأوليجاركيات Oligarchies (الأوليجاركية نظام يقوم على حكم الأقلية) التي تحكم الكانتونات (الولايات) السويسرية. وعندما كان نابليون يمر عبر سويسرا بعد غزوته الأولى لإيطاليا، لاحظ هذه الومضات فلفت نظر حكومة الإدارة في فرنسا أنها ستجد أعوانا كثيرين إذا اختارت مواجهة النشاطات المعادية للثورة الفرنسية التي يقوم بها المهاجرون الفرنسيون الذين تركوا فرنسا إثر أحداث الثورة فيها، والذين - أي هؤلاء المهاجرون - يجدون ملجأ عند الأرستقراطية السويسرية التي لهم العون. وأدركت حكومة الإدارة في فرنسا القيمة الاسترايتجية لسويسرا في الصراع بين فرنسا والأمراء الألمان، فأرسلت جيشا إلى الكانتونات (الولايات السويسرية) وضمت جنيف وقضت على حكم الأوليجاركات، وأقامت - بعون متحمس من الثوريين السويسريين - الجمهورية السويسرية (الهلفتية Helvetic) تحت الحماية الفرنسية (8971).

وانقسمت الحكومة السويسرية الجديدة إلى يعاقبة (وطنيين) ومعتدلين، وفيدراليين. وقد تعاركوا وحبك كل منهم انقلابا، ولما خشوا مغبة الفوضى والحرب الداخلية طلبوا من نابليون (كان في منصب القنصل الأول في هذا الحين) أن يعطيهم دستورا جديدا. وفي سنة 1081 أرسل لهم دستورا Constitution of Mailmaison كان رغم ما به من قصور أفضل دستور كانت تأمل فيه سويسرا(2) رغم أنه - أي هذا الدستور - احتفظ بسويسرا تحت الوصاية الفرنسية. وبعد مزيد من المعارك الداخلية أطاح الفيدراليون بالحكومة الجمهورية ونظموا جيشا جديدا واقترحوا تجديد حكم الأوليجاركية (حكم الأقلية) فتدخل نابليون وأرسل جيشا من ثلاثين ألف مقاتل لإعادة السيطرة الفرنسية على سويسرا. وطلبت الفرق المتنازعة من نابليون مرة أخرى أن يتوسط بينها. فصاغ مرسوم الوساطة الذي قبلته كل الفرق الكبيرة المتنازعة. لقد أنهى هذا المرسوم الجمهورية السويسرية (الهيلفتية) وأقام الفيدرالية السويسرية التي تشبه في خطوطها الأساسية ما عليه سويسرا الآن فيما عدا التزام سويسرا بالاستمرار في تقديم عدد من بنيها كل سنة للجيش الفرنسي. ورغم هذا العبء فقد كان مرسوم الوساطة هذا دستورا جيدا(3) وأطلقت الكانتونات (الولايات) السويسرية على نابليون (معيد الحرية).

وعلى أية حال فقد كانت سويسرا رغم بهاء مناظرها تعتبر مجالاً ضيقا ليس به إلا مرح صغير وعدد قليل من القراء والمستمعين مما لا يرضي طموح المؤلفين والفنانين والعلماء الذين راحوا يبحثون عن بلاد أوسع ذوات ميدان أرحب وفرص أكبر. فذهب جوهان (يوهان) فوسلى Fussli إلى إنجلترا ليرسم، وذهب أوجسطين دي كاندول de Candolle (8771 - 4181) إلى فرنسا وقدم هناك وصفا للنباتات وتصنيفا لها. أما جوهان (يوهان) بستالوزى Pestalozzi (6471 - 7281) فبقي في سويسرا ولفت انتباه أوربا بتجاربه في حقل التعليم. وفي سنة 5081 أسس في فيردون Yverdun مدرسة داخلية أدارها على وفق مبدأ أنه - على الأقل بالنسبة إلى الناشئة - لا يكون للأفكار معنى إلا إذا ارتبطت بأشياء حسية، وأن تعليم الأطفال يكون أفضل أي ذا ثمار أحسن إن كان من خلال أنشطة جماعية. وقد جذبت المدرسة انتباه المدرسين فقدموا إليها من اثنتي عشرة دولة وأثرت في التعليم في المرحلة الابتدائية في أوربا والولايات المتحدة. ووضعها فيشته في خطته لإعادة تربية الشباب وتعليمهم.

وقضى يوهان فون مولر Muller اثنين وعشرين عاما (6871 - 8081) في تأليف كتابه متعدد الأجزاء (تاريخ الاتحاد الكونفدرالي السويسري Geschichten (Schweitzerischer Eidgenossenschaft ولم يتابع السرد التاريخي إلا إلى سنة 9841 ولكنه ظل كلاسيا في جوهره وأسلوبه. ولأنه كتاب ممتاز فقد أضفى على مؤلفه لقب تاسيتوس السويسري Swiss Tacitus وقد كان لوصفه الكانتونات (الولايات) السويسرية في العصور الوسطى بشكل يجعلها مثالية، بالإضافة إلى الانتصارات العسكرية أثر كبير في رفع الروح المعنوية للسويسريين. وقد استوحى شيلر Schiller من قصته ذات الطابع الأسطوري (وليم تل) الخطوط العريضة لمسرحيته الشهيرة. وفي سنة 0181 وكان قد بلغ الثامنة والخمسين بدأ ميلر Muler كتابة تاريخ عام (Vier und Zwanzig Bucher allgemeiner Geschichten). وانجذب إلى ألمانيا بسبب قرائه فعمل في خدمة الناخب (الأمير) الكاثوليكي في مينز (مينتس Mainz) وانتقل إلى العمل في خدمة المستشار الإمبراطوري في النمسا وانتهى به الأمر مديراً للتعليم في وستفاليا التي كان يحكمها وقتئذ جيروم بونابرت. وعندما مات كتبت مدام دي ستيل عنه: لا نستطيع أن ندرك كيف يمكن لرأس رجل واحد أن يحوي مثل هذا الكم الهائل من الحقائق والتواريخ dates.. إننا إذ نفتقده نبدو وكأننا افتقدنا أكثر من واحد(4).

ولا يليه في فن كتابة التاريخ سوى جان-شارل-ليونارد دي سيسموندي de Sismondi (3771 - 2481) الذي كان أحد مرافقي (وعشاق) المدام. ولد في جنيف وهرب إلى إنجلترا تخلصا من العنف الثوري ومنها إلى إيطاليا، ثم عاد إلى جنيف بعد استتباب الأمر فيها، وقابل جرمين Germaine في سنة 3081 وصحبها إلى إيطاليا وراح في وقت لاحق يتردد على صالونها بالقرب من كوبت Coppet. وفي هذه الأثناء راح يكتب بشكل مدهش ومتواصل وأسهمت مجلدات كتابه تاريخ الجمهوريات الإيطالية في العصور الوسطى Histeire des republiques italienne on Moyenage (9081 - 8181) البالغة ستة عشر مجلدا في إلهام مانزوني Manzoni ومازيني Massini وكافور Cavour وغيرهم من زعماء توحيد إيطاليا. وظل طوال ثلاث وعشرين سنة (1281 - 4481) يعمل في تأليف كتابه ذي الواحد والثلاثين مجلدا (تاريخ الفرنسيين الذي ظل لفترة ينافس كتابات ميشيل Michelet فيما ناله من تقريظ.

وزار إنجلترا مرة أخرى في سنة 8181 وتأثر كثيراً بقوة اقتصادها حتى إنه كتب ونشر في سنة 9181 كتابا جديرا بالملاحظة ذا طابع تنبئي (مبادئ جديدة للاقتصادي السياسي Nouveaux Principles d'economie Poiltique). لقد ساق الأدلة على أن القضية الأساسية في الكساد الاقتصادي في إنجلترا كانت في فتور القوى الشرائية العامة مع زيادة الإنتاج زيادة سريعة نتيجة المخترعات (الحديثة)، ودلل على أن هذا الفتور في القوى الشرائية يرجع في الأساس إلى نقص الأجور، وقد تتكرر أزمات مشابهة بسبب قلة الاستهلاك طالما بقي النظام الاقتصادي دون تغيير.

وكانت اقتراحات سيسموندي Sismondi راديكالية بشكل يثير المخاوف. فرفاهية السكان لابد أن تكون هي الهدف الرئيسي للحكومة. ولابد من إلغاء القوانين المناهضة لاتحادات العمال. ولابد من تأمين العمال ضد البطالة، وحمايتهم من الاستغلال. ولايجب التضحية بمصالح الأمة أو الإنسان لصالح الجشع... إذ يجب حماية الأثرياء من جشعهم ورغم هذه الماركسية التي سبقت الماركسية، فقد رفض سيسموندي Sismondi الاشتراكية (التي كانت تسمي وقتئذ بالشيوعية) لأنها قد تضع السلطة السياسية الهيمنة الاقتصادية في مطال الأيدي نفسها، وقد تضحي بالحرية الفردية لصالح هيمنة الدولة فيصبح سلطانها مطلقا(5).


أعاد مؤتمر ڤيينا في 1815 تأسيس استقلال سويسرا التام ووافقت القوى الاوروبية على الاعتراف بالحياد السويسري الدائم. وحينئذ انضمت ڤاليه، نوشاتل وجنيڤ إلى سويسرا ككانتونات جديدة، وبذلك وسعوا أراضي سويسرا لآخر مرة.

سويسرا كدولة اتحادية (1848–1914)

توزيع الديانات في عام 1800 (البرتقالي: پروتوستانت، الأخضر: كاثوليك).
خط گوتهارد في عام 1882

الحربان العالميتان (1914–45)

The major powers respected Switzerland's neutrality during الحرب العالمية الأولى, though the Grimm-Hoffmann Affair did come close into calling it into question.


وفي بداية الحرب العالمية الأولى 1914م، تبنت سويسرا سياسة الحياد المطلق، واستمرت على حيادها.

مؤتمر عصبة الأمم في جنيڤ (1926)

ولم تنضم سويسرا إلى الأمم المتحدة حتى عام 2003م، غير أنها لم تنضم إلى الاتحاد الأوربي.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بعد 1945

انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ "سويسرا". جريدة الشرق الأوسط. Retrieved 2011-12-19. {{cite web}}: Unknown parameter |authot= ignored (help)

ترتيب انضمام الكانتونات

وصلات خارجية