هادريان

هادريان Hadrian
الإمبراطور القيصر ترايانوس هادريان القيصر
Bust Hadrian Musei Capitolini MC817.jpg
تمثال لهادريان
العهد أغسطس 10 117يوليو 10 138
سبقه تراجان
تبعه أنطونيوس بيوس
الزوج فيبيا سابينا
الأنجال Lucius Aelius,
Antoninus Pius
(كلاهما بالتبني)
الاسم الكامل
پوبليوس أيليوس ترايانوس هارديانوس Publius Aelius Traianus Hadrianus
الأسرة الحاكمة الأباطرة الأنطونين الرومان
الأب بوبليوس أيليوس هارديانوس أفر
الأم دوميتا
المدفن 1) پوتيولي
2) حدائق دوميتيا (روما)
3) ضريح هادريان (Rome)

هادريان (24 يناير 76 - 10 يوليو 138) بالإنجليزية Hadrian ، هو أمبراطور روما في الفترة من 117 إلى 138 م ، وكذلك فيلسوف رواقي و أبيقوري. كان هادريان هو الثالث من سلالة الأباطرة الأنطونيين الرومان و الثالث من الأباطرة الخمسة الجيدون. حكمة ، كان بداية متعثرة ، وسط مجيد ، وخاتمة ماساوية. [1]

النشأة

ولد في مستعمرة إيتاليكا Italica الإسبانية الواقعة بالقرب من مدينة قرطبة لأسرة سناتورية رومانية. وكان أبن أخ للإمبراطور تراجان أحد الأباطرة الخمسة الجيدون. بعد موت والده عام 85م صار يتيم الأبوين فتعهده بالرعاية قريبه الامبراطور اللاحق ترايانوس Trajanus ونشأ في روما ونهل من علومها وثقافتها. بدأ حياته العسكرية منذ عام 95م ضابطاً في الجيش الروماني وقائداً لإحدى الفرق العسكرية وشارك في الحروب الداكية تحت قيادة الامبراطور ترايانوس وتولى مناصب إدارية مختلفة أظهر فيها كفاءته ومقدرته.

تزوج ابنة أخت ترايانوس المدعوة سابينا Sabina وكان يحظى بثقة الامبراطورة پلوتينا Plotina وتقديرها والتي دعمت وصوله إلى العرش.

تمثال من الرخام للإمبراطور هادريان - إسطنبول - تركيا

الإمبراطورية

فى عام 117 م تولى هادريان الحكم وأصبح أمبراطوراً وجلس على العرش. ومن اهم مميزات هادريان أنه كان من أحسن خطباء عصره.

الإمبراطورية الرومانية في أقصى إتساع لها في عصر الإمبراطور هادريان

كان والياً على سورية عندما توفي الامبراطور ترايانوس عام 117م في كيليكيا وهو في طريقه إلى روما والذي أعلن تبنيه هادريانوس وهو على فراش الموت، وهكذا نودي به امبراطوراً في إنطاكية وصادق مجلس الشيوخ الروماني على هذا الاختيار.

واجه في البداية مشكلة حروب ترايانوس في الشرق فقرر التخلي عن فتوحات سلفه ولم يحتفظ إلا بالولاية العربية وولاية داكيا (رومانيا حالياً)، في حين عادت المملكة الفرثية وأرمينيا إلى ملوكها الأصليين وعاد نهر الفرات ليشكل الحدود بين الامبراطوريتين الرومانية والفرثية. وقد أثار ذلك غضب قواد ترايانوس الكبار وبدؤوا بالتآمر عليه، فأمر بإعدام أربعة من زعمائهم وعلى رأسهم كورنيليوس بالما Cornelius Palma الذي احتل البتراء وقضى على مملكة الأنباط.

عاد بعدها مسرعاً إلى روما وأقام موكب نصر كبير باسم الامبراطور ترايانوس وجدد الامتيازات الممنوحة لمجلس الشيوخ وأعلن إلغاء الديون المترتبة للدولة بقيمة 900 مليون سسترس، كما وزع كثيراً من الأعطيات على الناس والجنود وأقام احتفالات جماهيرية كبيرة لزيادة شعبيته. كما توسع أيضاً في برنامج الرعاية الاجتماعية المعروفة باسم أليمنتا Alimenta لمساعدة الأيتام والأطفال الفقراء. اهتم هادريانوس بالإدارة الامبراطورية فأنشأ مجلساً استشارياً للامبراطور وأحدث سلكاً وظيفياً جديداً للأمور المدنية والمالية، كما عمل على جعل القوانين أكثر موضوعية وعدالة وإنسانية، وتحسين وضع المرأة القانوني وتحديد حقوق الأسياد تجاه عبيدهم وفي عام 128م أمر بتدوين القوانين وأصدر القانون الدائم، وهكذا فقد سعى إلى تطبيق مبادئ الفلسفة الرواقية على صعيد الواقع العملي.

اهتم هادريانوس بالجيش الروماني اهتماماً كبيراً، فزاد من صرامة نظمه وانضباطه، وقد وصلت وحداته إلى مستوى عالٍ من التدريب والجاهزية والمقدرة القتالية وصار الحرس الامبراطوري بمنزلة كلية للأركان تخرج القادة العسكريين، وأنشئت فرق خاصة من القوات المساعدة لشعوب الامبراطورية حسب أسلحتها التقليدية. وفي عهده جرى التحول إلى استراتيجية عسكرية دفاعية بإقامة التحصينات والأسوار والخطوط الدفاعية Lines في المناطق المهددة ومن أشهرها سور هادريانوس في بريطانيا الذي امتد مسافة بلغت نحو 130كم والذي يعد من أروع منجزات الهندسة الحربية في العصور القديمة.

مصر

وفى عام 118 م أرسل الأمبراطور هادريان والياً لمصر من قبله وكانت مهمته إصلاح ما خربة اليهود نتيجة ثورتهم واعاد تخطيط مدينة الإسكندرية وخاصة الحى اليهودى فيها الذى تم تدميرة أثناء الحرب بالكامل .. وأمر بتوزيع اليهود في جميع احياء المدينة ليأمن منهم وحتى لا يتجمعوا ويتكدسوا في مكان واحد ويشعروا بقوتهم ويعاودوا الثورة مرة أخرى .

وفى عام 130 م وصل الأمبراطور هادريان إلى الإسكندرية ليرى أعظم مدينة بعد روما في إمبراطوريته وكان عدد سكانها حوالى ثمانمائة ألف نسمة. ورأى الآلهه التى يعبدها أهل مدينة الأسكندرية وهى عبادة سرابيس الأله المصرى والأفريقى. وعبادة إيزيس التى إمتلأت بها أرجاء الإمبراطورية الرومانية. وكانت بها المسيحية وبها عبادة يهوه إله اليهود. وفى عام 138 م جلس على عرش روما روما بيوس وكان الساعد الأيمن للأمبراطور هادريان قبل وفاته وكان أول عمل قام به بعد ان اصبح امبراطوراً بعد أن أختاره السناتو ( مجلس الشيوخ ) قام بوهب ثروته الخاصة الضخمة من مزارع وأموال لخزانتة الدولة ولم يحاول التوسع في الإمبراطورية مثل الأباطرة الذين سبقوه. في عام 139 م أرسل أفويوس هليو وردس والياً لحكم مصر من قبل روما [2]

Castel Sant'Angelo, the ancient Hadrian Mausoleum.

سوريا والشام

قام الحاكم الروماني بومبي بالسيطرة على سوريا والتي كانت أهم المقاطعات للامبراطورية الرومانية لموقعها بين الشرق والغرب. وجعل من فلسطين مقاطعة رومانية ، في سنة 70 للميلاد ، قمع الامبراطور الروماني تيتوس ثورة يهودية في فلسطين ، وسوى القدس بالارض ودمر معبدها. وفي اعقاب ثورة يهودية اخرى ما بين 132م و135م شيد الامبراطور هادريان مدينة وثنية جديدة على انقاض القدس أطلق عليها اسم كولونيا ايليا كابوتاليا ، وحرم على اليهود دخولها.

Hadrian, wreathed and in Greek dress offers a sprig of laurel to Apollo; marble, from the temple of Apollo at Cyrene, ca. 117–125.

وقد زار سورية عدة مرات وأنعم على كثير من المدن والمعابد والأماكن المقدسة فيها بالامتيازات والعطايا. زار مدينة تدمر التي أعلنها مدينة حرة فاتخذت اسمه لقباً لها: بالميرا هادريانا Palmyra Hadriana، وفي عهده صدرت التعرفة الجمركية التدمرية الشهيرة. ثم توجه إلى مدينة دمشق التي منحها لقب ميتروبوليس Metropolis وانطلق إلى مدينة جرش ومنها إلى فلسطين حيث وضع حجر الأساس لمستعمرة ايليا كابيتوليا Aelia Capitolia في القدس/أورشليم. ثم زار غزة والبتراء وانطلق إلى مصر لتفقد آثارها العظيمة في رحلة نيلية فقد في أثنائها صديقه الحبيب أنتينوس Antinoos فأعلن الحزن في ربوع الامبراطورية وأسس مدينة رومانية في مصر حملت اسمه: أنطينوبوليس Antinoopolis.

ساد السلام في عهده ولم يعكره إلا ثورة قام بها اليهود في فلسطين بقيادة باركوخبا Bar Kochba ت(132-135م)، وتم أخيراً قمعها بحضور هادريان الذي قاد الجيوش الرومانية وقُتِل عدد كبير من اليهود الذين مُنعوا بعدها من دخول مدينة القدس التي حملت اسم أيليا حتى الفتح العربي. وتحولت يودايا إلى ولاية رومانية باسم سوريا الفلسطينية Syria Palaestina.

سور هادريان

سور هادريان ، بالإنگليزية: Hadrian's Wall هو سور حجري وتحصينات بناها الإمبراطور الروماني هادريان بعرض إنجلترا الحالية. وكان الثاني من ثلاثة أسوار بنيت عبر إنجلترا الأول كان Gask Ridge والثالث هو the Antonine Wall. وتم بناء الثلاثة أسوار لصد الغارات العسكرية من القبائل القديمة the Pictish tribes التي كانت تسكن أرض اسكتلندا في الشمال وذلك لتحسين الثبات الإقتصادي وتوفير ظروف أمان وسلامة في بريطانيا المقاطعة الرومانية إلى الجنوب ولتحديد حدود الإمبراطورية الرومانية. والجدير بالذكر أن سور هادريان الأكثر شهرة بين الثلاثة أسوار نظراً لوجوده حتى يومنا هذا.

This aureus by Hadrian celebrates the games held in honor of the 874th birthday of Rome.

شخصيته

كان هادريانوس رجلاً لكل المواقف ذا طاقة عقلية وجسمية خارقة للعادة وتشوق شديد لمعرفة كل شيء عن العالم الذي يعيش فيه. كان يشارك الجندي العادي في تدريبه ويزاول التمارين العسكرية وتدريبات السير ويشهد المناورات العسكرية في أقاصي حدود الامبراطورية وقد تسلق جبل إتنا البركاني في صقلية وهو في سن الخمسين من عمره.

كما اشتهر هذا الامبراطور برحلاته التي قادته إلى سائر أقاليم وبلدان الامبراطورية وامتدت سنوات طويلة بين الأعوام 120-130م زار فيها بريطانيا وإسبانيا وبلاد الغال وشمالي إفريقيا ومناطق الراين والدانوب وآسيا الصغرى وبلاد اليونان وسورية ومصر.

وقد علق أحد المؤرخين القدماء على هذه الرحلات بقوله: «لم يقم أي امبراطور آخر بزيارة مثل هذه الأجزاء العديدة من الامبراطورية، كما فعل هادريانوس. وقد قدم العون لكل الناس بلا استثناء فمن أجل بعضهم مد أنابيب المياه وللآخرين أقام الموانئ ولآخرين شيد المباني العامة ومنحهم ممتلكات وامتيازات ومساعدات…».

كانت رحلاته تهدف إلى الاطلاع على الأوضاع الإدارية وتفقد الجيوش الرومانية، وكذلك نشر العدالة بين الناس وزيادة الاطلاع والمعرفة.

لقد كان عالمياً في تفكيره سعى في كل اجراءته إلى مراعاة مصالح الامبراطورية كلها مع اهتمام خاص بالشرق والحضارة الهيلينية والفلسفة الرواقية. ولذلك حظي بتكريم لا مثيل له خاصة بالشرق وعد إلهاً محسناً في بلاد اليونان التي أعاد بناء مراكزها الدينية الكبرى مثل دلفي وأولمبيا وأقام حياً جديداً في أثينا التي كرمته بمنصب الأرخون الأول فيها عام 111-112م.

كان هادريانوس شخصية فريدة من نوعها إذ كان فيلسوفاً وخطيباً وشاعراً وأديباً ومهندساً معمارياً وكان أول من حمل لحية الفلاسفة بين الأباطرة الرومان. كان يملك شعوراً عميقاً وإحساساً بالواجب والمهام الملقاة على عاتقه وسعى إلى نشر العدالة والخير والسلام في الامبراطورية وترك ذكراه في كل مكان.

1- الحاكم

لعلنا لن نعرف قط هل جلس هدريان أروع شخصية في الأباطرة الرومان على عرش الإمبراطورية بأساليب العشق والغرام، أو لوثوق تراجان بكفايته وعظيم قدرته. فأما ديوكاسيوس فيقول إن "سبب تعيينه أنه مات تراجان ولم يكن له وارث، عملت أرملته بروتينا، وكانت تحب هدريان، على أن يخلفه على العرش(12). ويعيد اسبارتيانس Spartianus هذه القصة، ولكن بلوتينا وهدريان يكذبان هذه الشائعة، غير أنها رغم تكذيبها إياها ظلت تلوكها الألسن طوال حكمه، وقد فصل هو في الأمر بأن وزع هبات سخية على جنوده.

ويقول بيبليوس إيليوس هدريانس إن اسمه واسم أسرته مشتقان من مدينة أدريا الواقعة على البحر الأدرياوي، وتقول سيرته التي كتبها بنفسه إلى أسلافه هاجروا من هذه المدينة إلى أسبانيا. وشهدت مدينة إتلكا Italica الأسبانية التي ولد فيها تراجان في عام 52 مولد ابن أخيه هدريان في عام 76. ولما مات والد الغلام في عام 86 كفله عمه تراجان وكيليوس أتيانس Caelius Attianus. وتولى ثانيهما تعليمه وغرس فيه حباً شديداً للأدب اليوناني جعل الناس يلقبونه به من قبيل الفكاهة غريقيولس Graeculus. ودرس أيضاً الغناء، والموسيقى، والطب، والعلوم الرياضية، والتصوير، والنحت، ثم مارس فيما بعد عدة فنون أخرى. واستدعاه تراجان إلى رومة (91) وزوجه بابنة أخيه (100) فيفيا سبينا. وكانت هذه الفتاة، كما تدل عليها صور تماثيلها النصفية، إن لم تكن هذه التماثيل قد صورتها كأنها مثل أعلى للفتيات، نقول كانت هذه الفتاة ذات جمال بارع تحس به هي وتفخر به، ولكن هدريان لم يجد في هذا الجمال سعادة باقية. ولعل سبب شقائه أنه كان مولعاً بالكلاب والجياد فوق الحد الواجب، وأنه كان يقضي في الصيد مع هذه الكلاب والجياد وفي بناء القبور لها حين تموت أكثر مما يجب أن يقضيه من الوقت في هذين العملين، أو لعله كان زوجاً غير أمين أو بدا أنه كذلك. ومهما يكن من شيء فإنها لم تلد له أبناء، وعاشا طوال حياتهما متنافرين متباعدين وإن كانت قد رافقته في كثير من أسفاره، وكان يظهر لها كل أنواع الرقة والمجاملة، ووهبها كل خير ما عدا الحب. ولما أن نطق سوتونيوس Seutonius أحد أمناء سره بما لا يليق عنها فصله عن منصبه.

وكان أول قرار أصدره هدريان بعد ارتقائه عرش الإمبراطورية أن نقض سياسة عمه الإمبراطورية. وكان قد نصح تراجان بعدم المضي في حملته في بارثيا، لأنها تكلفه الكثير من المال والرجال، ولأنها تجيء في أعقاب حروب داشيا، وأنها في أحسن الظروف تبشر بمكاسب يصعب الاحتفاظ بها، ولم يغفر له قواد تراجان الحريصين على المجد هذه النصيحة قط. فلما أصبح صاحب الأمر سحب الفيالق الرومانية من أرمينية، وأشور، وبلاد النهرين، وبارثيا، وجعل أرمينية مملكة تابعة له بعد أن كانت ولاية خاضعة للدولة، ورضي أن يكون نهر الفرات حد الإمبراطورية من جهة الشرق. وكان مسلكه بعد تراجان كمسكن أغسطس بعد قيصر، فنظم بإدارته السلمية ما يستطيع تنظيمه من الدولة التي لم يكن لها في سعتها مثيل من قبل، والتي كسبتها الجيوش الباسلة المغامرة. وظن القواد الذين كانوا على رأس جيوش تراجان- بالما، وسلس، وكويتس، ونجرينس- أن هذه خطة مبعثها الجبن، وأنها بعيدة كل البعد عن الحكمة والسداد، وكانوا يشعرون أن وقف الهجوم، معناه الاقتصار على الدفاع، وأن الاقتصار على الدفاع هو بداية الموت. وبينما كان هدريان مع فيالقه على ضفاف الدانوب، أعلن مجلس الشيوخ أن القواد الأربعة يدبرون مؤامرة لقلب الحكومة، وأنهم أعدموا بأمر المجلس. وكان إعدامهم دون محاكمة صدمة شديدة لأهل رومة؛ ومع أن هدريان عاد مسرعاً إليها وأعلن أنه لم تكن له يد في الأمر كله فإن أحداً لم يصدقه، حتى بعد أن أقسم أنه لم يقتل شيخاً إلا بأمر المجلس. ولقد وزع على الشعب هبة سخية من المال، وأقام له كثيراً ًمن الألعاب ليسليه بها، وألغى من الضرائب المتأخرة ما قيمته 900,000,000 سسترس وحرق سجلات الضرائب علناً، وظل عشرين عاماً يحكم البلاد حكماً عادلاً، حكيماً تحت راية السلم ، ولكنه رغم هذا كله لم يكن له في قلوب الشعب كل ما يرجوه من حب.

ويصفه كاتب سيرته القديم بأنه كان طويل القامة، رشيقاً، متثني الشعر، "ذا لحية طويلة يخفي تحتها ما في وجهه من عيوب طبيعية"(14). واقتدى به أهل مات رومة فأطالوا من ذلك الوقت لحاهم، وكان قوي البنية، وقد حافظ على قوته بممارسة الكثير من ضروب الرياضة البدنية، وأهمها كلها الصيد، وكثيراً ما قتل السباع بيده(15). وقد امتزجت في خلقه عناصر بلغت من الكثرة حداً يتعذر معه وصفها. فيقول لنا كتاب سيرته إنه كان "صارماً وبشوشاً، فكها وقوراً، شهوانياً وحذراً، شديداً وكريماً، قاسياً ورحيماً، بسيطين بساطة خادعة، جمع المتناقضات في كل شيء"(16). وكان ذا بصيرة نافذة سريعة، وكان نزيهاً متشككاً؛ ولكنه كان يحترم التقاليد، ويرى أنها النسيج الذي يربط الأجيال بعضها ببعض، وكان يقرأ كتب إبكتتس الرواقي ويعجب به، ولكنه كان يطلب اللذة ويتذوقها دون حياء. وكان رجلاً غير متدين، يعتقد بالخرافات، ويسخر من النبوءات، ويمارس السحر والتنجيم، ويشجع الاستمساك بالدين القومي، ولا ينقطع عن القيام بواجباته بوصفه الكاهن الأكبر للدين الروماني. وكان مجاملاً وعنيداً، قاسياً في بعض الأحيان، ورحيماً في العادة؛ وربما كانت هذه المتناقضات أعمالاً اقتضتها مختلف الظروف. وكان يعود المرضى، ويساعد المنكوبين، وقد وسع نطاق أعمال الإحسان القائمة في وقته حتى شملت اليتامى والأرامل؛ وكان سخياً في مناصرة الفنانين، والكُتّاب، والفلاسفة؛ وكان يجيد الغناء والرقص، والعزف على القيثارة؛ وكان مصوراً قديراً، ومثّالاً وسطاً. وقد ألف عدة كتب- منها كتاب في النحو وآخر في سيرته. ومنها قصائد مؤدبة وأخرى بذيئة(17)، باللغتين اللاتينية واليونانية؛ وكان يفضل الأدب اليوناني على اللاتيني ويفضل لغة كاتو الشيخ البسيطة على لغة شيشرون الفصيحة السلسة الفياضة. وقد حذا كثير من كتاب ذلك الوقت حذوه، فأخذوا يكتبون بأسلوب عتيق متكلف. وقد جمع الأساتذة الذين كانت تؤجرهم الدولة، وأنشأ منهم جامعة علمية، ورفع مرتباتهم، وشاد لهم مجمعاً علمياً فخماً لينافس به متحف الإسكندرية. وكان يسره أن يجمع حوله العلماء ورجال الفكر، ويلقي عليهم الأسئلة المحيرة، ويضحك من متناقضاتهم ومجادلاتهم العلمية. وكان فافورينس Favorinu الغالي أعظم فلاسفة هذه الندوة حكمة، وكان إذا ما سخر منه أصدقاؤه لأنه يوافق هدريان على آرائه، أجابهم بأن كل رجل يشد أزره ثلاثون فيلقاً لا بد أن يكون على حق(18). ولقد جمع إلى هذه المتع العقلية الجمة إحساساً سليماً بالواجبات العملية. من ذلك أنه حذا حذو دومتيان، فلم يول معاتيقه إلا المناصب الصغيرة، واختار رجال الأعمال ذوي الكفايات المجربة، ليتولوا الإدارات الحكومية، وألف منهم ومن بعض الشيوخ وفقهاء القانون مجلساً Concilium يجتمع في أوقات منتظمة للنظر في سياسة الدولة. وعين كذلك وكيلاً للخزانة Advocatus Fisci ليكشف عما عساه أن يرتكب من فساد أو غش في شئون الضرائب، وكانت نتيجة هذا أن زادت إيرادات الدولة زيادة ملحوظة من غير زيادة في الضرائب. وكان يراقب نفسه كل إدارة من إدارات الحكومة، وقد أدهش رؤساءها، كما أدهش نابليون رؤساء إدارته، لألمامه الدقيق بتفاصيل أعمالها، ويقول إسبارتيانس إنه "كان قوي الذاكرة، وإنه كان يكتب، ويملي، ويستمع، ويتحدث إلى أصدقائه كل ذلك في وقت واحد(19)- وإن كان تكرار هذه القصة يبعث على الريبة في صدقها. وبفضل عنايته، وبمعونة إدارة المدنية الواسعة النطاق، نعمت الإمبراطورية بحكم لعلها لم تنعم بمثله قبله أو بعده. وكان الثمن الذي أداه لهذا النظام المحكم هو قيام بيروقراطية مطردة الاتساع وإسرافاً في إصدار الأوامر والنظم يبلغ حد الجنون، قرب الزعامة أكثر من ذي قبل إلى الملكية المطلقة. وقد حرص هدريان على كل مظاهر التعاون مع مجلس الشيوخ، ولكن موظفيه كانوا يزدادون كل يوم اعتداء على اختصاصات تلك الهيئة التي كانت تبدو من قبل "جمعية من الملوك". ولقد كان هو قريباً من المشكلة قرباً يحول بينه وبين التنبؤ بأن بيروقراطيته القديرة المطردة التكاثر قد تصبح على مدى الأيام عبئاً باهظاً ينوء به دافعو الضرائب، بل كان بعكس هذا يعتقد أن لكل شخص في الإمبراطورية سيجد لنفسه في داخل هذا النطاق من القانون والفرائض الذي أنشأته الحكومة طريقاً يظهر فيه مواهبه، وأن في وسع كل إنسان أن يرقى من طبقة إلى طبقة أعلى منها.

ولم يكن عقله الصافي المنطقي يطيق فوضى ما تجمع من القوانين الغامضة المتناقضة، ولهذا كلف يوليانس بأن ينسق قرارات البريتورين السابقين، ويصدر بها مرسوماً دائماً، وشجع غير هذا من أعمال التقنيين التي مهدت السبيل لجستنيان. وكان يجعل من نفسه محكمة عليا سواء كان في رومة أو في أثناء تجواله في الولايات، واشتهر بأنه قاض عالم نزيه. وكان رحيماً على الدوام بقدر ما يجيزه القانون من رحمة؛ وقد أصدر طائفة لا عديد لها من المراسيم، ينصر معظمها الضعفاء على الأقوياء والعبيد على الأسياد، والفلاح الصغير على صاحب الضيعة الكبيرة ، والمستأجر على مالك الأرض، والمستهلك على بائعي الأشتاب الغاشين، ويقاوم بها كثرة الوسطاء بين المنتجين والمستهلكين(20). وكان يرفض ما يوجه إلى الناس من تهمة الخيانة، ولا يقبل الوصايا من الآباء، أو ممن لا يعرفهم من الأشخاص، وأمر بأن يراعى التسامح في تطبيق القانون على المسيحيين(21). وقد ضرب بنفسه المثل بما اتبعه في أراضي الدولة من وسائل إصلاح الأراضي البور، فكان يشجع الملاّك على تأجير الأراضي غير المستصلحة إلى الزراع ليغرسوا فيها الحدائق من غير أن يؤدوا عنها إيجاراً حتى تثمر الأشجار. ولم يكن هدريان مصلحاً متطرفاً في إصلاحاته، بل كان إدارياً قديراً يسعى في نطاق ما يكبل الطبيعة البشرية من قيود، وما يعتورها من تفاوت في الكفايات، إلى أن يوفر للناس جميعاً أكبر خير مستطاع. ولقد أبقى على الأشكال القديمة ولكنه صب فيها بالتدريج محتويات جديدة كلما دعته الضرورة إلى هذا. وحدث ذات مرة، حين ضعفت رغبته في الأعمال الإدارية، أن رفض الاستماع إلى امرأة جاءت تعرض عليه شكواها، وكانت حجته أن "ليس لدي وقت". فصاحت قائلة: "إذن فلا تكن إمبراطوراً" فما كان منه بعدئذ إلى أن استمع إلى شكواها.


2- الجوال

كان هدريان على نقيض من سبقوه، يهتم بالإمبراطورية اهتمامه بالعاصمة. ومن أجل سار سيرة أغسطس الحميدة، فقرر أن يزور كل ولاية من ولاياتها، ويفحص عن أحوالها، ويتعرف حاجاتها، ويبادر بتخفيف أعبائها بما في يديه من موارد الإمبراطورية. وكان إلى هذا شغوفاً بمعرفة ما لدى الشعوب المختلفة في الإمبراطورية من فنون، وما تتبعه في حياتها من أساليب، وما تكتسي به من ثياب، وما تدين به من عقائد. وكان يتوق إلى رؤية الأماكن الشهيرة التي ذاع صيتها في تاريخ اليونان، وأن يضرب بسهم تلك الثقافة اليونانية التي كانت العامل الأكبر في تهذيب عقله كما كانت هي زينته. ويصفه فرنتو Fronto بقوله: "إنه لم يكن يحب أن يحكم العالم فحسب، بل كان يحب فوق ذلك أن يطوف به"(23) ففي عام 120 غادر رومة، ولم يغادرها بأبهة الملك وزينته، بل كلن يصحبه فيها الخبراء، والمهندسون المعماريون، والبناءون، والمهندسون والفنانون. وذهب أولاً إلى غالة "وأعان جميع ما فيها من العشائر بما أفاض عليها من سخائه وجوده"(24)، ثم انتقل منها إلى ألمانيا، وأدهش كل من فيها بما أظهره من الدقة والعناية في تفتيش وسائل الدفاع عن الإمبراطورية ضد من قضوا عليها في مستقبل الأيام، وأعاد تنظيم الطرق الحصينة الممتدة بين الرين والدانوب، وزاد من أطوالها، وأصلحها.

ومع أنه كان رجل سلام فإنه كان متمكناً من فنون الحرب، وكان يعتزم ألا يجعل ميوله السليمة تضعف من قوة جيوشه أو تغري به أعداءه. وقد أصدر أوامر مشددة للمحافظة على النظام العسكري، وكان هو نفسه يخضع لما وضعه من القواعد أثناء زيارات المعسكرات، فكان إذا حل بها عاش عيشة الجنود، وأكل من طعامهم، ولم يركب قط مركبة، بل كان يسير على قدميه يحمل عتاده ويواصل السير عشرين ميلاً بلا انقطاع، ويظهر من الجلد ما لا يعتقد معه من يراه أنه عالم وفيلسوف. وكان في الوقت نفسه يكافئ المتفوقين، وقد رفع من شأن منزلة الفيالق من الناحيتين القانونية والاقتصادية، وأمدها بالجيد من الأسلحة وبكفايتها من المؤن. وخفف عنها شدة النظام في أوقات الفراغ؛ وكل ما كان يصر عليه في هذه الأوقات، أن تكون وسائل التسلية مما لا يضعف من قدرتها على أداء واجباتها، حتى لم يكن الجيش الروماني في وقت من الأوقات أحسن حالاً مما كان عليه في أيامه.

وانحدر بعدئذ في نهر الرين نحو مصبه وأبحر من هناك إلى بريطانيا (122). ولسنا نعلم عن نشاطه في تلك الكتاب أكثر من أنه أمر أن يقام سور من خليج سلواي Solway Firth إلى مصب نهر التين Tyne "ليفصل بين البرابرة والرومان". وعاد من هناك إلى غالة ومر على مهل بأفنيون Avignon، ونيمر Nimes، وغيرهما من بلاد تلك الولاية، وألقى عصا التسيار ليقضي الشتاء في طرقونة Tarragona في شمالي أسبانيا، وبينما هو سائر بمفرده في حديقة مضيفه إذ هجم عليه عبد وسيفه مسلول في يده وحاول أن يقتله. ولكن هدريان تغلب عليه وأسلمه في هدوء إلى الخدم، فوجده مختل العقل.

وفي ربيع عام 123 قاد بعض الفيالق ليحارب المغاربة الضاربين في شمالي أفريقية الغربي، والذين كانوا يغيرون على مدن مورتانيا الرومانية، فهزمهم وردهم على أعقابهم إلى تلاهم؛ ثم أبحر إلى إفسوس، حيث قضى فصل الشتاء، ثم زار مدن آسية الصغرى واستمع إلى مطالب أهلها وشكواهم، وأنزل العقاب بمن أساءوا استخدام سلطتهم من الموظفين، وكافأ القادرين منهم، وأعد المال والرسوم، والعمال لتشييد الهياكل والحمامات ودور التمثيل. وكانت سزكس Cyzicus ونيقية Nicaea، ونيقوميديا Nicomedia قد نكبت بزلزال شديد، فأصلح هدريان ما تخرب منها بنفقات من أموال الدولة، وشاد في سزكس هيكلاً عد من فوره بين عجائب الدنيا السبع(25). ثم اتجه شرقاً محاذياً ساحل بحر اليكسين إلى طرابزوس Trapezus، وأمر حاكم كبودكيا- المؤرخ أريان Arrian- أن يبحث أحوال جميع الثغور الواقعة على البحر الأسود، وأن يعد له تقريراً عنها؛ ثم اتجه نحو الجنوب الغربي، واخترق بفلجونيا Paphlagonia، وقضى الشتاء في برجموم. وفي خريف عام 125 أبحر إلى رودس ومنها إلى أثينة حيث قضى شتاء طيباً سعيداً عاد بعده إلى وطنه. ولم تفارقه الرغبة في الاستطلاع وهو في الخمسين من عمره فانتقل من إيطاليا إلى صقلية، وتسلق جبل إتنا، يشاهد شروق الشمس من فوق صخرة ناتئة تعلو فوق البحر 11000 قدم.

ومما هو جدير بالذكر أنه استطاع أن يغيب من عاصمة ملكه خمس سنين وهو واثق من أن مرؤوسيه سيصرفون شئون الدولة كما يحب، ذلك أنه قد عمل ما يجب أن يعمله الحاكم القدير، فأنشأ ودرب أداة حكومية صالحة تكاد تسير من تلقاء نفسها. وأقام في رومة، بعد عودته إليها أكثر قليلاً من عام، ولكن حب الأسفار كان يسري في دمه ولحمه، وكان لا يزال في العالم أجزاء كثيرة تتطلب البناء والإصلاح. فغادر إيطاليا مرة أخرى في عام 128، وقصد في هذه الرحلة يتكا Utica، وقرطاجنة، والمدن الجديدة المزدهرة في شمالي أفريقية. ثم عاد إلى رومة في فصل الخريف، ولكنه غادرها بعد قليل، وقضى شتاء آخر في أثينة (128-129). واختير فيها أركونا، ورأس وهو مبتهج سعيد حفلات الألعاب والأعياد، وسره أن يلقب بالمحرر، وبهليوس Helios وزيوس، ومنقذ العالم. وفيها اختلط بالفلاسفة، ورجال الفن، وأظهر ما أظهره نيرون وأنطونيوس من ظرف ولطف دون أن ينزل إلى ما نزلوا إليه من حماقة وسخف. وساءه ما في قوانين أثينة من فوضى فكلف جماعة من كبار المشترعين أن يجمعوا هذه القوانين وينسقوها. وإذ كان هو على الدوام من المهتمين بشئون الدين المتشككين فيه، فقد أن يتطلب الطقوس الإلزيانية الخفية. ولما وجد التعطل يهدد أثينة، وكان يعتزم في الوقت نفسه أن يعيد المدينة إلى ما كانت عليه من الفخامة في عصر بركليز، استدعى رجال العمارة، والمهندسين، ومهرة الصناع، وبدأ مشروعاً ضخماً من المباني يفوق مبانيه العامة في رومة. فقد شاد عماله في مساحة مربعة من الأرض تحيط بها طائفة كبيرة من العمد مكتبة عامة جدرانها من الرخام بها 120 عموداً، ولها سقف مذهب وحجرات رحبة تتلألأ فيها أحجار المرمر والصور والتماثيل. ثم بنوا ملعباً رياضياً، وقناة لماء الشرب، وهيكلاً لهيرا، وآخر لزيوس "إله اليونان أجمعين". وكان أعظم هذه الأعمال كلها هو إتمام الأولمبيوم- أي الهيكل الفخم المقام لزيوس الأولمبي والذي بدأه بيستراتس قبل ذلك الوقت بستة قرون وعجز أنتيوخس إبفانيز عن إتمامه. ولما غادر هدريان أثينة غادرها وهي أنظف وأكثر رخاء وجمالاً مما كانت عليه في أي عهد من عهودها السابقة(26).

وفي ربيع عام 129 أبحر إلى إفسوس. ثم رحل مرة أخرى إلى آسية الصغرى، وكان ينشئ المدن ويشيد المباني أينما حل. وسافر إلى كبدوكيا، وفتش حاميتها. ولما جاء إلى أنطاكية وهبها المال اللازم لبناء قناة لماء الشرب، وهيكل، ودار للتمثيل، وحمامات عامة. وزار في خريف ذلك العام تدمر وبلاد العرب، ثم رحل في عام 130 إلى أورشليم. وكانت المدينة المقدسة لا تزال مخربة، لا تكاد تفترق في شيء عما تركها عليه تيتس قبل ذلك الوقت بستين عاماً، يسكنها عدد قليل من اليهود الفقراء المساكين يقيمون في حظائر وأكواخ بين الصخور. وتأثر قلب هدريان وخياله بما شاهده من آثار الدمار والتخريب بمكانها المقفر. لقد كان يرجو بما شاهده في بلاد اليونان والشرق الهلنستي وما أعاده إليهما من مظاهر الفخامة أن يقيم الحواجز بين الحضارة اليونانية- الرومانية وبين العالم الشرقي إلى أعلى مما كانت قبل؛ أما الآن فقد أصبح يحلم بأن يحول صهيون نفسها إلى قلعة وثنية، فأمر أن يعاد بناء أورشليم لتكون مستعمرة رومانية وأن تسمى إبليا كبتولينا، تخليداً لذكرى قبيلة هدريان وكبتول جوبتر في رومة.وارتكب بعمله هذا خطأ نفسانياً وسياسياً كان خليقاً أن لا يرتكبه رجل من أوسع الساسة عقلاً وأعظمهم حكمة في التاريخ كله. ثم انتقل إلى الإسكندرية (130)، وابتسم ابتسامة الرجل المتسامح الواسع الأفق حين أبصر أهلها المتخاصمين المتشاحنين. وزاد محتويات المتحف، وأعاد بناء ضريح بمبي، ثم عمل ما لم يعمله قيصر، فأرخى لنفسه العنان وصعد في النيل على مهل بصحبة زوجه سبينا، وحبيبه أنتنؤوس Antino(s. وكان قد التقى بالفتى اليوناني في بيثينيا قبل ذلك الوقت ببضع سنين، وأعجبه جمال الشاب ذي الوجه المستدير، والعينين الرقيقتين، والشعر الملتوي، واتخذه خادماً خاصاً له، وشعر نحوه بعاطفة قوية وحب عظيم. ولم يصل إلينا ما يدل على أن سبينا احتجت على هذه الصلة، ولكن ألسنة السوء في المدينة كانت تقول إن الغلام كان جنميدي Gednyme زيوس الجديد. وربما كانت الحقيقة أن الإمبراطور الذي لا ولد له قد أحب الغلام لأنه يرى أن الآلهة قد حبته به ليكون ولداً له. وفي هذه الرحلة وبينما كان هدريان في أوج سعادته مات أنتنؤوس في الثامنة عشرة من عمره- ويلوح أنه غرق في نهر النيل وحزن ملك العالم "وبكى كما تبكي النساء" على حد قول اسبارتيانس؛ وأمر بأن يقام له هيكل على شاطئ النهر، ودفن فيه الغلام، وأعلن للعالم أنه إله. ثم أنشأ حول ضريحه مدينة هي مدينة أنتينوبوليس التي قدر لها أن تكون فيما بعد عاصمة من عواصم الدولة البيزنطية. وبينما كان هدريان يعود محزوناً إلى رومة بدلت الأساطير القصة: فقالت إن الإمبراطور عرف عن طريق السحر أن أعظم خططه لن تفلح إلا إذا مات أحب الأشياء إليه. وسمع أنتنؤوس بهذه النبوءة فأمات نفسه طائعاً مختاراً. ولعل هذه الخرافة قد نشأت بالسرعة التي تكفي لأن تمر عيش هدريان وتهد ركنه في سني ضعفه وشيخوخته.

ولما عاد إلى رومة (131) كان يحس بأنه قد جعل الدولة خيراً مما كانت حين جلس على عرشها. ولقد كان على حق في هذا الإحساس، فإن الدولة في واقع الأمر لم تبلغ في وقت من الأوقات، ولا في عهد أغسطس نفسه، ما بلغته وقتئذ من الرخاء. ولم يصل عالم البحر الأبيض في يوم من الأيام إلى مثل ما وصل إليه في عهده من الاستمتاع بالحياة الكاملة، ولم يعد مرة أخرى موطناً لحضارة بلغت ما بلغته حضارة تلك الأيام من رقي، وسعة انتشار، وعمق أثر في جميع السكان. ولم يكن في الحكام جميعهم حاكم أكثر من هدريان حباً لخيرها، وعملاً لرفاهيتها. لقد كان أغسطس يرى أن الولايات توابع لإيطاليا تفيد منها مالاً وثراء، وكان يحكمها حكماً صالحاً لتدر الخير على إيطاليا. أما الآن فقد نضجت آراء قيصر وكلوديوس وآتت أكلها كاملة لأول مرة، فلم تكن رومة جابية الضرائب لإيطاليا؛ بل كانت الحاكم المسئول عن دولة يستمتع كل جزء من أجزائها بقسط من عناية الحكومة مكافئ لما تستمتع به سائر الأجزاء، وتحكم فيها الروح اليونانية بلاد الشرق، ويحكم فيها العقل الروماني الواسع الأفق سعة الروح الرومانية الدولة والغرب، لقد رأى هدريان قبله موته الدولة كلها بعينيه وجمع شتاتها ووحدها، وكان قد وعد أنه "سيدبر شئون هذه المجموعة من الأمم تدبير من يدرك أنها ملك الشعب لا ملكه الخاص"(37)؛ وقد أنجز ما وعد.


3- البنّاء

ولم يكن باقياً إلا شيء واحد- إذا حصلت عليه رومة كانت أيضاً أجمل مما كانت قبل. لقد كان هدريان الفنان لا ينفك يناقش هدريان الحاكم، فقد أعاد بناء البانثيون في الوقت الذي كان يعيد فيه تنسيق القانون الرماني. ولسنا نعرف رجلاً غيره أكثر منه بناء، ولا حاكماً شاد من المباني مثل ما شاد هو. لقد كان في بعض الأحيان يضع بنفسه تصميم ما يشاد له من المباني، وكان يفحص عنها بنفسه ويقومها بخبرته في أثناء تشييدها، وقد أمر بإصلاح نحو مائة مبنى أو إعادة بنائها، ولم ينقش اسمه على أي واحد منها. وقد جنت رومة الشيء الكثير من حكمته وقدرته مجتمعين وهما قلّما تجتمعان في إنسان. أما هو فقد اجتمعت فيه قوة الشباب وحكمة الشيوخ.

وأشهر ما أعاده كن المباني حرم البانثيون- وهو أحسن بناء احتفظ بشكله من أبنية العالم القديم، ولقد دمرت النار الهيكل الرباعي الذي بناه أجربا، ويلوح أنه لم يبق منه إلا مدخله الكورنثي الأمامي المعمدز والآن أمر هدريان مهندسيه أن يقيموا شمالي هذا الهيكل القديم هيكلاً دائرياً، وألا يخرجوا في بنائه على الأنماط اليونانية الأصيلة وكان ينزع بحكم ذوقه اليوناني إلى تفضيل الأشكال اليونانية على الأشكال الرومانية فيما ينشئه من مباني في عاصمة ملكه. ولم يكن الهيكل الجديد هو ومدخله المعمد وحدة منسجمة متناسقة، أما داخله- وهو دائرة قطرها 132 قدماً، خالية من الدعائم التي تعترض السائر فيها- فكان بفراغه يوحي للسائر فيه بإحساس من الحرية لا يجد له نظيراً إلا في الكنائس القوطية. وكان سمك جدرانه عشرين قدماً، وكانت مشيدة من الآجر ومغطاة في جزئها الأسفل الخارجي بالرخام، وفي أجزائها الأخرى بالمصيص، تبرز منها الفصوص من حين إلى حين. وكان سقف المدخل من صفائح البرنز، وقد بلغ من سمكها أنها حين أزالها البابا إربان الثامن وجدها تكفي لصب مائة مدفع وعشرة مدافع، وإقامة المظلة المرفوعة فوق المذبح العالي في كنيسة القديس بطرس(29). وكانت أبوابه البرنزية الضخمة مغطاة في بادئ الأمر بصفائح الذهب. وأنشئت في الأجزاء السفلى من جدرانه الداخلية الخالية من النوافذ سبعة محاريب زينت بعمد عالية ترتكز عليها دعامات هي والعمد من الرخام، وكانت هذه المحاريب في أول الأمر كوات غير نافذة وضعت فيها تماثيل، أما الآن فهي محاريب صغيرة في كنيسة فخمة. وقد غطيت بعض الأجزاء العليا من الجدار بألواح من الحجارة الغالية تفصلها بعضها عن بعض عمد من الحجر السماقي. وكانت أعظم روائع الهندسة الرومانية هي القبة المصندقة التي ترتفع في الداخل فوق أعلى الجدران. وكانت طريقة إنشائها أن صب الأسمنت المسلح في أقسام مضلعة، ثم تركت حتى تتماسك فيتكون منها كلها كتلة قوية صلبة، كأنها حجر ضخم واحد، وكانت بهذه الطريقة في غنى من الدعامات الجانبية، ولكن المهندس الذي أقامها أراد أن يزداد ثقة بقوتها، فأنشأ لها أكتافاً في الجدران. وكانت مشكاة (يسمونها العينOculus)، يبلغ قطرها 20 ميلاً، هي الفتحة الوحيدة التي تمد الضريح بحاجته من الضوء. ويبلغ طول قطر هذه القبة الفخمة الضخمة 26 قدماً، وهي أكبر قباب العالم كله قديمة وحديثة، وقد أنشئت على غرارها سلسلة من القباب تختلف من الطراز البيزنطي إلى الطراز الروماني وإلى طراز قبة القديس بطرس إلى قبة الكبتول في واشنجتن، وما بين هذه من طرز تماثلها أو تختلف عنها تماثلاً واختلافاً متفاوتين في القرب والبعد.

وأكبر الظن أن هدريان نفسه هو الذي وضع تصميم هيكل فينوس وروما Roma ذي القباءين الذي كان يقوم أمام الكلوسيوم، لأن الخرافات تروي أنه أرسل تصميم الهيكل إلى إبلودورس، وأنه أمر أن يعدم هذا الفنان الشيخ لأنه أرسل إليه يسخر من هذا التصميم(30). ولقد اشتهر هذا الهيكل بعدة صفات انفرد بها عن كثير من الهياكل: منها أنه كان أكبر هيكل غي رومة، فقد كان له محرابان، كل منهما لأحدى الآلهتين، وكانتا تجلسان فيه على عرشين متصلين وظهر كل منهما في ظهر الأخرى؛ ومنها أن سقفه المقبي المصنوع من ألواح البرنز والمغطى بصفائح الذهب كان من أجمل مناظر المدينة وأكثرها لألاء. وبنى الإمبراطور لنفسه بيتاً أوسع من هذا الهيكل نفسه، وهو القصر الريفي الذي لا تزال بقاياه تستهوي الزائرين إلى الضاحية الجميلة التي كانت تعرف في أيام الإمبراطور باسم تيبور والتي تعرف لنا اليوم باسم تيفولي Tivoli. فقد أقيم في هذا المكان، وسط ضيعة يبلغ محيطها سبعة أميال، قصر احتوى كافة أنواع الحجرات والحدائق التي ازدحمت بالروائع الفنية الذائعة الصيت والتي بلغ من كثرتها أن اغتنى ببقاياها كل متحف من متاحف أوربا في هذه الأيام. وقد أظهر واضع تصميم هذا القصر ما اعتاده المهندسون الرومان من عدم المبالاة بتناسب الأجزاء، فقد كان يضيف إليه بناء إثر بناء كلما دعته إلى ذلك الحاجة أو استهواه الخيال، ولم يحاول أن يجعل فيه من التناسق أكثر مما في مباني السوق الرومانية من فوضى معمارية. ولعل الرومان قد ملوا التناسب كما مله اليابانيون، ولعلهم كانت تعجبهم مفاجآت الشذوذ وعدم الانتظام. وقد أضاف المهندس ذو الخيال الفياض إلى ما فيه من أروقة ذات عمد ومكتبات، وهياكل، وملهى، وردهة رقص، ومضمار سباق، أضاف إلى هذا كله نماذج مصغرة من مجمع أفلاطون العلمي، ولوفيون أرسطو، واستوازينون، كان الإمبراطور، وهو متغمس في هذا الثراء الباطل، أن يظهر شيئاً من التقدير للفلسفة ويرد إليها بعض اعتبارها.

ولقد تم بناء هذا القصر في السنين الأخيرة من حياة هدريان، ولسنا نعلم أنه وجد فيه ما كان ينشده من سعادة، فقد أقضت ثورة اليهود التي شبت في عام (135) مضجعه وأمرت عيشه، غير أنه أخمدها بوسائل رحيمة، وساءه كثيراً أنه لم يستطع أن يختتم حياته من غير حرب، وأصيب في ذلك العام نفسه، ولم يكن قد تجاوز التاسعة والخمسين من عمره، بداء عضال- ربما كان هو ذات الرئة أو داء الاستقساء- هد كيانه، وبرحت به آلامه، وأنهك شيئاً فشيئاً جسمه وروحه وعقله، وزاد مزاجه حدة، وأخلاقه شكاسة، فأخذ يرتاب في أصدقائه القدامى، ويظنهم يأتمرون به ليقتلوه ويجلسوا على العرش بعده، وأخيراً أمر أن يعدم جماعة منهم- ولسنا نعلم أكان على حق في ريبته، أم أنه أصدر أمره هذا في ساعة ذهب فيها عقله.

وأراد أن يخمد حرب الوراثة التي كانت نارها مشتعلة وقتئذ في بلاطه، فتبنى صديقه لوسيوس فيرس Lucius Verus واختاره خليفة له. ولمامات لوسيوس بعد قليل من ذلك الوقت، استدعى هدريان إليه وهو على سريره في تيبور رجلاً أبيض الصحيفة اشتهر بين الناس باستقامته وحكمته وهو تيتس أورليوس أنطونينس Titus Aurelius Antoninus وتبناه وجعله وارثاً لملكه من بعده. ثم شاء أن يكون أبعد من هذا نظراً فأشار على أنطونينس أن يتبنى هو الآخر شابين كانا يعيشان وقتئذ في بلاطه ويربيهما تربية تجعلهما أهلاً لهذا المنصب السامي، وهما ماركس أنينس فيرس Marcus Aninus Verus وكان وقتئذ في السابعة عشرة من عمره، ولوسيوس إيليوس فيري Lucius Aelius Verus، وهو غلام في الحادية عشرة من عمره. وكان أولهما ابن شقيق أنطونينس وثانيهما ابن لوسيوس فيرس. ومنح هدريان أنطونينس في ذلك الوقت لقب قيصر ولم يكن يلقب به قبل ذلك الوقت إلا الأباطرة وأبناؤهم ومن تناسل من أبنائهم الذكور. أما بعده فقد كان الأباطرة يمنحون هذا اللقب كل من وارث للعرش مفترض، ويحتفظون لأنفسهم بلقب أغسطس.

واشتد المرض وقتئذ على هدريان وبرح به الألم، وكثيراً ما كان الدم ينزف من منخاريه. وضاق ذرعاً بالحياة، وأخذ يتمنى الموت. وكان قد أعد لنفسه قبراً على الضفة الأخرى من نهر التيبر- وهو ذلك الضريح الضخم الذي أضحت بقاياه الآن قلعة القديس أنجيلو Castel Sant, Angelo والذي لا يزال الناس يصلون إليه فوق جسر إبليوس الذي أقامه هدريان. وكان قد تأثر بالمثل الذي ضربه الفيلسوف الرواقي يفراتيز Euphrates، وكان وقتئذ في رومة. ذلك أن هذا الفيلسوف لما وجد أن المرض قد هد جسمه والشيخوخة قد أنهكته طلب إلى هدريان أن يأذن له بأن يقتل نفسه، فلما أذن له تجرع عصير الشوكران(31). ورجا الإمبراطور أن يقدم له سماً أو سيفاً، ولكن أحداً ممن كانوا حوله لم يجب رجاءه،فأمر عبداً من بلاد الدانوب أن يطعنه طعنة قاتلة، ولكن العبد فرمنه؛ ثم أمر طبيبه أن يسمه، فلم يكن من الطبيب إلا أن انتحر(32). ثم عثر بعدئذ على خنجر وهم بقتل نفسه، ولكن الخنجر انتزع منه. وحزن أشد الحزن لأنه، وهو الذي يستطيع أن يقتل أي إنسان، لا يسمح له هو نفسه أن يموت. فلما ضاقت به الحيل صرف أطباءه وأوى إلى بايا Baiae وتعمد أن يأكل ويشرب الأطعمة والأشربة التي تعجل منيته؛ وأخيراً خارت وقواه وجن من شدة الألم ومات (138)، بعد أن عاش ستين عاماً وحكم واحداً وعشرين. وقد خلف وراءه قصيدة صغيرة تعبر كما تعبر قصيدة دانتي عما ينتاب الإنسان من الأسى حين يذكر في أيام حزنه ما مر به من أيام السعادة:

أيا نفسي، أيا نفسي الجميلة، أيا نفسي الخفاقة، أيا شريكة جسمي الطيني وضيفه، إلى أين أنت مسرعة- أيتها النفس الشاحبة، أيتها النفس الجاسية، أيتها النفس العارية- إلى حيث لا تعودين، إلى حيث لا تعودين؟(33).

العمران

اشتهر هادريانوس بإقامة عدد كبير من الأبنية والصروح المعمارية التي خلدت اسمه في كل أنحاء الامبراطورية، ولكن أشهرها تلك التي شيدها في روما وعلى رأسها معبد البانثيون Pantheon أحد أجمل الأبنية وأكملها من العصور الكلاسيكية، كما أقام معبداً لروما وفينوس على تل البلاتين. أما قصره الذي أقامه في ضاحية تيبور (تيفولي حالياً) فكان مجمعاً ضخماً يضم القصور والمكتبات والحمامات والمسارح والنوادي ومضمار السباق وتمثيلاً لأجمل المناطق الطبيعية التي أحبها في أثناء جولاته ورحلاته في الامبراطورية، وقد زينها بأروع التماثيل والأعمال الفنية. كما شيد ضريحه المشهور على ضفة نهر التيبر والذي كان من الضخامة بحيث انه صار في العصور الوسطى حصناً عسكرياً لبابوات روما، ويعرف اليوم باسم حصن سانت أنجلو Sant Angelo.

وفاته

أمضى هادريانوس سنواته الأخيرة في روما، وعندما اشتد عليه المرض وقع اختياره على تيتوس أوريليوس أنطونينوس فتبناه وجعله ولياً لعهده، وفي تموز/يوليو عام 138م ودّع هادريانوس الحياة بعد آلام مبرحة ودفن في ضريحه وأله بعد موته.

انظر أيضا

سور هادريان الذي بني على مساحة إنجلترا

المراجع

  • Cassius Dio or Dio Cassius Roman History. Translated by Earnest Cary
  • Scriptores Historiae Augustae, Augustan History. Translated by David Magie
  • Barnes, T. D. (1967). "Hadrian and Lucius Verus". Journal of Roman Studies 57 (1/2): 65–79. 
  • Birley, Anthony R. (1997). Hadrian. The restless emperor. London: Routledge. ISBN 0-415-16544-X. 
  • Lambert, Royston (1997). Beloved and God: the story of Hadrian and Antinous. London: Phoenix Giants. ISBN 1-85799-944-4. 
  • Speller, Elizabeth (2003). Following Hadrian: a second-century journey through the Roman Empire. London: Review. ISBN 0-7472-6662-X. 
  • Syme, Ronald (1997) [1958]. Tacitus. Oxford: Oxford University Press. ISBN 0-19-814327-3. 
  • Syme, Ronald (1988). "Journeys of Hadrian" (pdf). Zeitschrift für Papyrologie und Epigraphik 73: 159–170. Retrieved 2006-12-12.  Reprinted in Syme, Ronald (1991). Roman Papers VI. Oxford: Clarendon Press. pp. 346–357. ISBN 0-19-814494-6. 
  • Yourcenar, Marguerite. Memoirs of Hadrian. New York: Farrar, Straus and Giroux. ISBN 0-374-52926-4. 
  • Edward Gibbon, The Decline and Fall of the Roman Empire, vol. I, 1776;
بوابة هادريان جنوب تركيا
تمثال للإمبراطور هادريان في متحف الآثار القومي في أثينا

وصلات خارجية

معبد زيوس في أثينا
The Pantheon was rebuilt by Hadrian.

المصادر

  1. ^ Following Hadrian: Elizabeth Speller, pp. 61 – 62
  2. ^ موسوعة تاريخ أقباط مصر
قبله:
تراجان
الأباطرة الرومان بعده:
أنطونيوس بيوس