التربية والتعليم في العصر العباسي

التربية والتعليم في العصر العباسي ، تبدأ تربية الولد في المنزل، فما أن يدرك العهد الذى يستطيع فيه أن يحسن النطق حتى يعلمه والداه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا بلغ السادسة ترتب عليه القيام بالصلاة وبها تبدأ تربيته من خلال الكتاب. وكان "الكتاب" بمثابة المدرسة الابتدائية، وكان ملحقًا بالمسجد إن لم يكن المسجد ذاته، وكان الصبىّ يذهب مبكرًا إلى الكَتاب، وسنه قريبة من السابعة، فيبدأ بحفظ القرآن الكريم، ثم يتعلم الكتابة، وعند الظهر يعود إلى المنزل لتناول الغذاء، ثم يرجع بعد الظهر ، ويظل حتى آخر النهار، وكانت العطلة تبدأ من ظهر يوم الخميس وسحابة يوم الجمعة ، ثم يعودون في صباح السبت ، ويقضى الصبىّ ما يقرب من ثلاث سنوات أو أربع في استظهار القرآن، والوقوف على أصول الدين، وتعلم بعض مبادئ اللغة و الشعر ، وبعد ذلك ينقل إلى المدارس، وكانت المواد الدراسية المقررة على الأطفال تتمثل فيما يلى:

  1. قراءة وكتابة القرآن الكريم.
  2. الحديث .
  3. الفقه .
  1. الأشعار.
  2. قصص الأنبياء .
  3. تقويم البلدان.
  4. رواية الأخبار والسيرة.
  5. الحساب.

وكانت كلها تعرض بسهولة وبساطة كمبادئ أولية يتوسع فيها في المراحل التالية لذلك، وأولها مرحلة المدرسة. المدرسة: إن من أبرز ما يميز الحضارة الإسلامية في العصر العباسي هو ذلك الاهتمام الكبير بالجانب الثقافىّ، وما بلغته المعرفة من تطوير كبير، وما أصاب التعليم من ازدهار واسع، وإنشاء المدارس في الإسلام من المنجزات العظيمة التى حققت الأهداف العلمية، والتربوية، وقدمت الخدمات الجليلة للإنسانية جمعاء، وظل الكتاب والبيت والمسجد كأوساط لتربية الطفل تلعب دورًا رئيسًا حتى انتقل التعليم من المساجد كأماكن للتعليم إلى المدارس، ولكن ظل الكتاب يلعب دورًا هامًا في تربية الطفل بجانب المدرسة، ولم تعرف المدارس في عهد الصحابة و التابعين ، ولم تنشأ إلا في القرن الرابع الهجرىّ، وتشير مصادر التاريخ إلى أن مدينة نيسابور كانت رائدة المدن الإسلامية في إنشاء المدارس، فقد شيد أهلها مدرسة للفقيه الشافعىّ أبى إسحاق الإسفرايينىّ، كما تشير المصادر إلى أن مدرسة أخرى أنشئت في تلك المدينة للعالم أبى بكر البيهقى، ونلاحظ هنا أن إنشاء المدارس في الإسلام كانت مبادرات شعبية نشأت فوق أكتاف الشافعية لتدريس مذهبهم وأصوله الذى لم تكن الدولة تعمل به وقتذاك، والمدارس في أول عهدها لم تستكمل شروط المدرسة فقد تكونت من بيت له رحبة واسعة فيه بعض الغرف للدرس.

وقد تختلف المدرسة من حيث سعتها وشيوخها الذين يدرسون فيها والأوقاف التى وقفت عليها. على أن أول مجمع حقيقى اهتم بحاجات الطلاب البدنية، وأصبح فيما بعد أنموذجًا لمعاهد التعليم العليا، هو المدارس النظامية التى شيدها الوزير السلجوقىّ نظام الملك في الجانب الشرقىّ من بغداد، وكان الطلبة فيها يتمتعون بالسكن والمأكل، وكان الكثير منهم يتمتع بمرتبات مدرسية -مكافآت- والحق أن هذه المدرسة تعتبر من أقدم مدارس بغداد وأشهرها، وقد أنشئت لتدريس الفقه الشافعىّ، وشرط الواقف أن يكون المدرس بها والواعظ، ومتولى الكتب من الشافعية أصلاً وفرعًا. وقد اعترفت الحكومة بالمدرسة كمعهد دينىّ، وكان المدرس يعين له معيدان أو أكثر، وكانت وظيفتهما تنحصر في قراءة المحاضرة بعد انتهاء الدرس مع الطلبة الذين لم يؤتوا قسطًا وافراً من الذكاء، فكان من واجب المعيد أن يشرح لهم ما يحتاجون إليه، وذكر ابن جبير الذى استمع إلى بعض هذه المحاضرات، أن المحاضر كان يقف على منصة، بينما الطلبة يجلسون على كراسىّ صغيرة، ويوجهون الأسئلة الكتابية أو الشفوية إلى الأستاذ، ومن أساتذة المدرسة "النظامية" الغزالىّ الذى ظل يحاضر بها أربع سنوات، وأبو إسحاق الشيرازىّ، وأبو نصر الصباغ وغيرهم، ونلاحظ أن التعليم في المدرسة النظامية في أول أمره اعتمد على تدريس ونشر وتطبيق الفقه الشافعىّ، واهتمت بتدريس القرآن و الحديث و الأدب و اللغة ، ثم أخذت هذه المدرسة تتوسع يومًا بعد يوم وأخذت العلوم الرياضية طريقها إلى هذه المدرسة، ونلاحظ فيها نوعًا من التخصص فنجد مثلاً أبا زكريا التبريزىّ أستاذًا للفقه والأدب في المدرسة، ثم أصبح على بن محمد الفصيحىّ صاحب ذلك الكرسىّ بعد وفاة التبريزىّ، وكان هناك أيضًا أساتذة اختصوا في تدريس الفقه، والحديث، والأصول، وعلم الكلام، و التفسير ، وغيرها من العلوم، وكان نظام الملك قد أمر بإنشاء عدة مدارس في العالم الإسلامىّ أصبحت نموذجًا للمدارس الجديدة، وكان أول من خصص الرواتب والأجور للمدرسين وكل العاملين في مدارسه. وأخذت تظهر مدارس أخرى على طراز هذه المدرسة في خراسان ، و العراق ، و سورية ، وكان يلحق بكثير من المدارس مكتبات مدرسية، وحمامات، ومستشفيات، ومساكن للطلبة. واستمرت المدارس تكثر وتزدهر، حتى روى "ابن جبير" أنه قد أحصى في بغداد ما يقرب من ثلاثين مدرسة، ونحو عشرين في دمشق التى كانت في ذلك الوقت تحت حكم صلاح الدين الأيوبىّ ، وكذلك أحصى في الموصل ستًا أو أكثر، وواحدة في حمص ، وقد برزت المدارس الإسلامية بشكلها المنظم في النصف الثانى من القرن الخامس، وامتدت من المشرق وحتى المغرب ، وأدت رسالتها في تطوير وازدهار التعليم في العالم الإسلامىّ كما كان لها دورها البارز في تنشيط الآداب والعلوم، وساهمت بإخلاص في توحيد الفكر الإسلامىّ، والحفاظ على التراث الثقافىّ، وقدمت خدمات جليلة للثقافة الإنسانية.

المصادر

موسوعة الحضارة الإسلامية