أحمد عرفان

ملف:الهند الإسلامية.jpg
الهند الإسلامية

أحمد بن محمد عرفان (6 صفر 1201هـ/28 نوفمبر 1786م - 24 ذي القعدة 1246هـ/6 مايو 1831م) مصلح مسلم بالهند.

أضاء الإسلام بلاد الهند، وعمَّ نوره كل جزء فيها، منذ أن بدأ السلطان محمد الغزنوي فتوحاته العظيمة في الهند سنة (392هـ = 1001م)، وأسَّس بها حكمًا إسلاميًّا، امتد لأكثر من ثمانية قرون، تعاقبت في أثنائها الدول والأسر الحاكمة، ونَعِمَ الناس بالعدل والسلام، والأمن والحماية، والرقي والحضارة، وسادت سياسة التسامح مع الهندوس، وتجنب التعصب والطائفية بين أبناء الهند جميعًا.

غير أن هذه السياسة المتسامحة لم تَلْقَ قبولاً عامًّا من قبل كثير من الهندوس المتعصبين الذين لم يروا في الحكام المسلمين إلا غُزاة فاتحين، استولوا على أرضهم وثرواتهم، ومن ثم بدءوا يكيدون للمسلمين ويثيرون الفتن والقلاقل، وينتهزون الفرص للثورة في وجوههم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الإنجليز يحتلون الهند

وظل الأمر على هذا النحو، حتى استولى الإنجليز على الهند في القرن الثالث عشر الهجري، فتغيَّر الوضع، وحلَّت سياسة جديدة، رسمها الإنجليز للسيطرة على مقاليد الأمور في الهند، وفَقَد المسلمون ما كانوا يتمتعون به من سلطة وجاه، واحتكام إلى الشرع الحنيف في كل أمور الحياة.

وعمد الإنجليز إلى تغيير الطابع الإسلامي لبعض مناطق الهند ذات الأهمية الكبيرة؛ حتى يسهل عليهم إحكام سيطرتهم على باقي المناطق الإسلامية، مثل منطقة "دلهي"، ومدينة "أجرا" أكبر مدينة بعد دلهي، فأخذوا يهجّرون الهنود إلى منطقة دلهي وما حولها من مناطق، وأفصحوا عن سياستهم المعادية لكل ما هو إسلامي في الهند، فحاربوا التعليم الإسلامي في الكتاتيب والمساجد والمدارس، واستولوا على الأوقاف الخيرية التي كانت تقوم بتمويل التعليم الإسلامي، وفي الوقت نفسه سعوا إلى تعليم الهندوس ليتولوا فيما بعد المراكز الإدارية العليا في الهند.


سياسة الإنجليز في الهند

ولم يكتفِ الإنجليز بذلك، وإنما اتخذوا صف وجانب الهندوس والسيخ الذين بدءوا يدخلون في صدام مع المسلمين، ويدبّرون لهم المذابح التي راح ضحيتها الآلاف من المسلمين، دون أن يجد المسلمون من الإنجليز محاولات لوقف هذه المذابح؛ مما جعل كثيرًا من علماء المسلمين يدركون أن هناك اتفاقًا غير مكتوب بين الإنجليز والسيخ والهندوس لإفناء المسلمين بالمذابح.

أدّت هذه السياسة إلى تأجج المشاعر الإسلامية في النفوس، والتمسك بالدين باعتباره ملاذًا يحمي النفس من الذوبان في وسط الهجمة الشرسة التي تبغي محو الإسلام من الهند وإبادة أهله.. واحتاجت تلك النفوس إلى من يقودها في خِضمّ تلك الفتن المظلمة، ويأخذ بيدها، وينظّم صفوفها؛ حماية للدين والنفس، وردعًا للباطل، وإنقاذًا للهند من التسلط البريطاني الذي كان في نظر المسلمين السبب الحقيقي لما أصاب المسلمين من نكبات.

مولد أحمد عرفان ونشأته

في خضم تلك الأحداث المضطربة وُلِد "أحمد بن محمد عرفان" في (6 صفر 1201هـ/28 نوفمبر 1786م) بقرية "داي بريلي" إحدى قرى مدينة "لكنو" الواقعة شمالي شرق الهند، ونشأ في أسرة صالحة عُرفت بالعلم والتقوى، ولم تتجه نفسه إلى طلب العلم في أول الأمر، فقد كان يميل إلى الجندية، فلما تُوفِّي والده وهو في السابعة عشرة من عمره، سافر إلى لكنو وانخرط في سلك الجندية عند أحد الأمراء المسلمين.

لم يستمر أحمد عرفان طويلاً في حياة الجندية؛ إذ سرعان ما جذبته مدرسة "شاه ولي الله" في مدينة دهلي، وكانت مدرسة معروفة أسسها العالِم الفذ "أحمد بن عبد الرحيم" المعروف بشاه ولي الله، أحد رواد الإصلاح في الهند، ثم رحل إلى دلهي سنة 1221هـ = 1806م، وتتلمذ على يد الشاه "عبد القادر الدهلوي" وأخيه الشاه "عبد العزيز الدهلوي" وهما من أبناء الشيخ شاه ولي الله، ثم عاد إلى حياة الجندية والجهاد مرة أخرى، وانضم إلى جيش "أمير خان" حاكم مدينة "تونك" إحدى مدن إقليم "راجستان"، وذلك في سنة 1225هـ = 1810م، وأخذ يحثّه على الجهاد والقتال في سبيل الله، ويشجعه في حربه للإنجليز، ثم لم يلبث أن ترك الجيش بعدما عَلِم بالصُّلح الذي أجراه أمير تونك مع الإنجليز.

الدعوة إلى الإصلاح

اتجه أحمد عرفان إلى دلهي وبدأ دعوته إلى الإصلاح سنة (1232هـ = 1817م) وأخذ يدعو المسلمين إلى التمسك بدينهم، وترك البدع والخرافات، متعاونًا مع العالِمَين الجليلين: الشيخ عبد الحي، والشاه إسماعيل، وهما من أسرة شاه ولي الله، وقد بايعاه على الدعوة والجهاد.

وقد أتت دعوته ثمارها، فانضم إليه آلاف الناس الراغبين في العودة إلى أحكام الإسلام والالتزام بها، بعد أن عمل الإنجليز على إبعاد الناس عن المنهج الصحيح، كما أثمرت دعوته عن اعتناق عدد كبير من الهندوس الإسلام، ثم توجّه ومعه سبعون من أتباعه إلى الحج سنة (1236هـ = 1820م) بعد أن كادت تموت فريضة الحج في الهند، بسبب آراء فقهية قالت بسقوط تلك الفريضة عن المسلمين في الهند لحيلولة البحار وكثرة الأخطار.

تأسيس الدولة

وبعد أن كثر أتباع أحمد عرفان وصار له أعوان ومريدون في كل أنحاء الهند؛ أخذ يُعِدّ العدة لإنقاذ المسلمين من براثن السيخ في البنجاب، فخرج مع أتباعه في (7 من جمادى الآخرة سنة 1241هـ = 1826م) إلى حدود الهند الشمالية؛ ليتخذها مقرًّا لدعوته، وليتمكن من تأسيس دولة تعيد أمجاد دولة الإسلام في الهند وحضارته.

ولم يكن طريق سيره سهلاً ميسرًا، وإنما لقي المشقة والعنت هو وأصحابه، حتى بلغ مدينة "بيشاور" وهزم حاكمها من قبل السيخ "سلطان محمد خان"، واتخذها عاصمة له، وجاءه أمراء المناطق، ورؤساء القبائل، وكبار العلماء فبايعوه بالإمارة والسمع والطاعة، وبدأ يمارس هو سلطاته باعتباره رئيس دولة، فعين القضاة، وأقام شرائع الإسلام.

الجهاد ضد السيخ

وبعد أن استتب له الأمر أرسل إلى "رانجيت سنغ Ranjit Singh" زعيم السيخ وحاكم البنجاب يخيّره بين الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو القتال، فاختار القتال، وكان السيخ يحتلون البنجاب، وهو إقليم يسكنه أغلبية مسلمة، كما كانوا يسيطرون على حدود الهند الشمالية الغربية، ودارت بينهما عدة معارك كان النصر فيها حليف المسلمين الذين أبلوا بلاء حسنًا، وضربوا أروع أمثلة الشجاعة والفداء والتضحية، وأعادوا ذكريات الفتوحات الإسلامية، غير أن هذه الدولة التي أقامها الشيخ أحمد عرفان لم تَعِش طويلاً؛ إذ سرعان ما تدخلت الأهواء، وإلقاء التّهم دون بيّنة، وإشاعة الأكاذيب حول الشيخ عرفان، فانصرف الناس عنه، وانضم بعضهم إلى أعدائه، فاضطر الشيخ ومن معه من المجاهدين إلى الانتقال إلى منطقة "هزارا" و"وادي كشمير"، بعد أن وجَّه أمراء هذه المنطقة الدعوة إليه، ووعدوه بالنصرة والحماية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نهاية الشيخ أحمد عرفان

وفي الطريق إلى كشمير فوجئ المسلمون بهجوم مباغت من قبل السيخ في وادي "بالاكوت" نتيجة لخيانة وقعت من بعض الجنود المسلمين، فوقع الاضطراب في صفوف الجيش، ووصل السيخ إلى مكان رئاسة المجاهدين الذين استماتوا في الدفاع عن أنفسهم، واستشهد كثير منهم، وكان على رأسهم الشيخ أحمد عرفان، وصاحبه "إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي"، حفيد الإمام ولي الله الدهلوي، وذلك في (24 ذي القعدة 1246هـ/6 مايو 1831م).

ولم تقع راية الجهاد بعد استشهاد أحمد عرفان، الذي اشتهر بالسيد "أحمد الشهيد"، وإنما حملها أتباعه، واستمروا في جهادهم ضد السيخ والإنجليز معًا.‏

اقرأ أيضا:

  • آزاد.. أبو الكلام.. والأفعال!


إسلام أون لاين: أحمد الشهيد.. مجاهد من الهند       تصريح