الحرب الروسية العثمانية (1877–1878)

الحرب الروسية العثمانية (1877–1878)
الموقع{{{place}}}

الحرب الروسية العثمانية 1877-1878 (بالروسية: Русско-турецкая война 1877—1878 гг., بالتركية: 93 Harbi أو 1877–78 Osmanlı-Rus Savaşı ؛ بالإنگليزية: Russo-Turkish War of 1877–1878) كانت نزاعاً بين الدولة العثمانية والتحالف الارثوذكسي الشرقي بقيادة الامبراطورية الروسية والعديد من بلدان البلقان. نشبت الحرب في البلقان وفي القوقاز، وقد بدأت جذوتها باستيقاظ الشعور القومي في منطقة البلقان وكذلك في تطلع الامبراطورية الروسية لاستعادة خسائرها الإقليمية جراء حرب القرم، واعادة توطيد نفسها في البحر الأسود وكل ذلك جاء في أعقاب الحركة السياسية التي كانت تحاول تحرير أمم البلقان من الدولة العثمانية.

كنتيجة للحرب، نجحت روسيا في استعادة منطقة بودياك في دلتا الدانوب، وكذلك عدة مقاطعات في القوقاز، وخصوصاً كارس وباطوم. إمارات رومانيا وصربيا ومونتنگرو، الذين كان يتمتع كل منهم بالسيادة في الأمر الواقع لبعض الوقت، أعلنوا رسمياً استقلالهم عن الدولة العثمانية. فبعد نحو خمسة قرون من السيطرة العثمانية (1396–1878)، أعيد تأسيس الدولة البلغارية بإسم إمارة بلغاريا، لتغطي الأراضي بين نهر الدانوب و جبال البلقان (ما عدا دوبرودجا الشمالية التي أُعطِيت لرومانيا) وكذلك منطقة صوفيا، التي أصبحت عاصمة الدولة. كما سمح مؤتمر برلين للنمسا-المجر باحتلال البوسنة والهرسك وللمملكة المتحدة بالاستيلاء على قبرص.

ارهاصات النزاع

معاملة المسيحيين في الدولة العثمانية

البند 9 في معاهدة السلام بباريس 1856، الموقعة عقب حرب القرم، ألزمت الدولة العثمانية بمنح رعاياها المسيحيين حقوقاً مساوية لحقوق المسلمين. وقد صدر الفرمان، خط همايوني، معلناً مبدأ مساواة المسلمين وغير المسلمين،[1] وأدخل بعض الاصلاحات في ذلك الاتجاه. فعلى سبيل المثال، فقد تم إلغاء الجزية وسـُمِح لغير المسلمين بالالتحاق بالجيش.[2]

أزمة لبنان 1860

في 1858 قام المزارعون الموارنة، بتحريض من رجال الدين، بالثورة على أسيادهم الاقطاعيين الموارنة وأسسوا جمهورية فلاحين. وفي جنوب لبنان، حيث عمل الفلاحين الموارنة لأسياد دروز، أخذ الفلاحون الدروز صف أسيادهم ضد الموارنة، محولين النزاع إلى حرب أهلية. وبالرغم من معاناة الجانبين، فقد قتل نحو 10,000 ماروني على أيدي الدروز.[3][4]

وفي باقي بلاد الشام، أثارت الحداث في جبل لبنان مسلمي دمشق ليهاجموا الأقلية المسيحية وليقتلوا ما بين 5,000 و 25,000مسيحي،[بحاجة لمصدر] بما فيهم القناصل الأمريكي والهولندي، مما أضفى بعداً دولياً على الحدث.

وتحت تهديدات اوروبية بالتدخل، استعادت السلطات العثمانية النظام. إلا أن تدخلات فرنسية وبريطانية حدثت مباشرة بعد استعادة النظام.[5] وتحت المزيد من الضغوط الاوروبية، وافق السلطان على تعيين حاكم مسيحي على جبل لبنان، على أن يـُقدم ترشيحه إلى السلطان وعلى أن توافق عليه القوى الاوروبية.[3]

وفي ذلك الوقت، ثارت مشاعر بعض المسلمين رداً على بنود الخط الهمايوني الإصلاحية. فقد كانت بريطانيا ترسل السلاح إلى الدروز لمواجهة النفوذ الفرنسي بين الموارنة.

وفي 27 مايو 1860، أغارت مجموعة من الموارنة على قرية درزية[بحاجة لمصدر]. وتلا ذلك مذابح ومذابح مضادة، ليس فقط في جبل لبنان ولكن أيضاً في باقي بلاد الشام. وفي النهاية، فقد راح ضحية تلك الأحداث ما بين 7,000 و 12,000 شخص، من كل الأديان[بحاجة لمصدر]، وتدمير ما يزيد عن 300 قرية و 500 كنيسة، و 40 دير و 30 مدرسة. وقد أثارت غارات المسيحين على المسلمين في بيروت غضب المسلمين في دمشق فهاجموا الأقلية المسيحية هناك ليروح ضحية تلك الأحداث ما بين 5,000 إلى ما يزيد عن 25,000 قتيل مسيحي، كان بينهم القنصلين الأمريكي والهولندي، مما أعطى للحدث بعداً دولياً.

وقد حضر وزير الخارجية العثماني فؤاد پاشا إلى سوريا وحل المشاكل بتعقب واعدام الجناة، بما فيهم الحاكم ومسئولين آخرين. وتم استعادة النظام، واتُخذت اجراءات استعداداً لمنح جبل لبنان حكماً ذاتياً لتفادي تدخلاً اوروبياً. وبالرغم من ذلك، فقد أرسلت فرنسا أسطولاً، لحقت به بريطانيا لتحول دون تدخل أحادي قد يؤدي إلى زيادة نفوذ فرنسا في المنطقة (5 سبتمبر 1860).[6]

الثورة في كريت، 1866–1869


أزمة البلقان 1875-1876

إستطاعت "دول" مسيحية ثلاثة خلال القرن التاسع عشر تحقيق قدر من الحرية والإستقلال عن الدولة بدرجات متفاوتة, وإقامة نظام حكم قومي. وفي كل دولة منها تكونت منظمات سياسية إحتل فيها المسيحيون مكانة مهمة وملحوظة سواء قبل الثورات أو فترة الإحياء القومي وتكوين أجهزة الدولة الجديدة الأمر الذي كان يعني أن الحركات القومية أدت إلى تغيير سياسي وليس تغييراً إجتماعياً. ورغم أن كل الدول القومية الجديدة أخذت بأساليب دستورية ليبرالية بدرجة أو بأخرى, إلا أن السيطرة السياسية عملياً إستقرت في يد نسبة ضئيلة من السكان, وحتى هذه النسبة إنتظمت في أحزاب سياسية وأجنحة متنافسة كل منها يحارب للسيطرة على الحكم بحيث كان كل حاكم في تلك الدول في مكانة لا يحسد عليها في مواجهة كل تلك القوى السياسية. وتجدر الإشارة إلى أن حكام البقلان الجدد (الأمراء) لم يكونوا يمارسون حكماً اوتوقراطياً فيما عدا الأمير ميلوش Milos في بداية حكمه للصرب, ذلك أن حكام اليونان ورومانيا بعد 1866 كانوا غرباء عن البلاد وليس لهم حزب خاص يستندون إليه في الحكم بعكس أمير الصرب الذي كان مهدداً دوماً من أسرة مالكة صربية منافسة.

ولما كان حكام البلقان يواجهون دائماً معارضة داخلية مستمرة فقد وجدوا أن افضل طريقة لحماية سلطتهم وتوحيد بلادهم تنفيذ برامج قومية نشطة سواء للحصول على حقوق سياسية أكثر من الدولة العثمانية أو التوسع الإقليمي قومياً. وآنذاك كانت كل أمة من أمم البلقان قد إنتهت من صياغة أهدافها القومية والتي لم تشتمل فقط على ضم بلاد لها فيها غلبة قومية, بل لقد إشتملت على المطالبة بضم بلاد تضم عدة أعراق بلقانية مختلطة وتبرر مطالبتها بحقوق تاريخية وثقافية وجغرافية أو بدواعي إستراتيجية. وفي هذا الخصوص أمامنا ثلاثة برامج ترمز إلى هذا الإتجاه وهي: فكرة اليونان العظمى Great Megal Idea, وخطط إقامة "الصرب الكبرى" كما وردت في ناشرتانيه Nacertanje, ورغبة رومانيا في توحيد ترانسلفانيا وبوكوڤينا Bukovina, وبسارابيا ثم دوبروديه Dobrudja, وبانات Banat مع ولاخيا ومولدافيا (إمارتا الدانوب).

وقبيل سبعينيات القرن التاسع عشر لم تدخل تلك الدول في صراع مكشوف حول تقسيم أقاليم البلقان قومياً وذلك بسبب وجود بلاد ما تزال تخضع لحكم عثماني وتمثل مناطق حاجزة للتواصل وهي بلغاريا ومقدونيا والبانيا والبوسنة والهرسك. ولما بدا ممكناً خلال السبعينيات إنسحاب العثمانيين من بعض تلك الأقاليم وخاصة تلك التي كان يصعب تقسيم معظمها على أسس قومية صارمة, بدأت موجة من الإدعاءات المتبادلة بين دول البلقان حيث كانت كل دولة تطالب بنصيب في تلك المناطق مما أدخل عنصراً جديداً في العلاقات البلقانية.ولقد زاد من حدة الصراع والتنافس أن المسألة القومية في السياسة الخارجية لكل دولة قد أصبحت موضوعاً راسخ وعميقاً من أجل التوازن السياسي الداخلي, بحيث أن الحاكم أو الحزب الحاكم الذي يفشل في تحقيق أي تقدم في المصالح القومية يحطم مستقبله السياسي بشكل خطير.

وكلما ضعفت قبضة الحكم العثماني على شبه جزيرة البلقان تصبح الفرصة مواتية أكثر للقوى الكبرى لتحقيق سيطرة مباشرة على المنطقة. والحاصل أنه في بداية القرن التاسع شعر لم يكن لأي دولة أوروبية نفوذ أو سيادة على حياة أي شعب مسيحي من شعوب البلقان. ولكن مع حرب القرم أصبح لثلاثة دول حق الإشراف على اليونان وفرضت روسيا حمايتها على الصرب وعلى إمارتي الدانوب (رومانيا), وحددت معاهدة باريس (1856) التي أنهت حرب القرم واجل كل دول من تلك الدول الحارسة. وكان تدخل تلك الدول في نزاع بين الدولةالعثمانية ورعاياها يعني أن الحدود بين بلاد البلقان تحددها المعاهدات الدولية, وأنه لا يمكن تعديلها أو تغييرها بدون موافقة الدول الموقعة على معاهدة باريس, وأنه لا يمكن لحكومات البلقان أن ترتب شؤونها بمفردها حتى ولو إتفقت بدون رضا الدول الكبرى. وحيث أن الدول الرئيسية في الشؤون الدولية آنذاك روسيا وإنجلترا والنمسا كانت في تنافس شديد فيمابينها وتتربص كل منها بالأخرى فكانت تسوية معظم الخلافات تتم على أساس مبدأ توازن القوى الذي كان يعني أنه لا ينبغي أن تحصل أي دولة من تلك الدول على نفوذ ما أو سيادة في كل المنطقة, وأكثر من هذا أن الإقتراحات التي كانت تقدمها تلك الدول لتسوية مشكلات الحدود بين بلاد البلقان من شأنها أن تؤدي إلى تدمير المصالح المشروعة لأمم البلقان مما أضاف عاملاً آخر على الصراع زاد من تعقيد الموقف الصعب في حد ذاته.

على كل حال لقد بدأت أزمة السبيعنيات التي أظهرت كل تلك المشكلات في دائرة الضوء بثورة الفلاحين المسيحيين في البوسنة والهرسك, وبتأييد ومشاركة عميقة من أهالي الصرب والجبل الأسود. ولكن قبل أن نتناول موضوع هذه الثورة ينبغي أن نشير في عجالة إلى أحوال الجبل الأسود والبوسنة والهرسك خلال القرن التاسع عشر.

لعبت إمارة الجبل الأسود دوراً مهماً في حياة البلقانيين تحت حكم الإمارة-الأسقفية (أي يحكمها أمير وأسقف) على فترات متقطعة رغم صغر حجمها وفقرها. فخلال المدة من 1871-1830 تمكن حاكمها بطرس الأول بيتروفيتش من تقوية إمارته داخلياً ومضاعفة مساحتها، ودخل في حرب ضد الدولة العثمانية مرتين أثناء الحملة العثمانية ضد علي باشا حاكم يانينا 1819-1821, والثانية أثناء الحرب الروسية-التركية 1828-1829. وكان خلفه بطرس الثاني المعروف بإسم نييوجوش Niegos شاعر وصاحب قصيدة "إكليل الجبل" Mountain Wreath أخد عظماء أدباء سلاف الجنوب وتمكن من فرض سلطة إمارته على القبائل المتمردة والمعزولة حوله, كما حارب القوات العثمانية أيضاً في 1832.

ثم حدث تغيير كبير في عهد خلفه الأمير دانيلو الأول Danilo بيتروفيتش (1852-1860) عندما رغب في الزواج من ناحية وفي علمنة الإمارة من ناحية أخرى (أي إلغاء إشتراك الأسقف في الحكم)، وبزواجه جعل عرش الإمارة وراثياً في عائلة بتروفيتش. وتجدد القتال بينه وبين الدولة العثمانية في 1852 وفي 1858. وخلفه على العرش في 1860 نيقولا الأول الذي كان يعرف أحياناً بإسم نيكيتا Nikita والذي ظل متربعاً على العرش حتى 1918. وخلال الفترة الأولى من حكمه إستمر الصراع مع الدولة العثمانية قائماً حول تبعية أقاليم بعينها في البوسنة والهرسك والبانيا لأي من الطرفين وكذا حقيقة وضع إمارته (الجبل اسود) الذي كان السلطان العثماني يعتبرها جزء من ممتلكاته. وفي هذا الصراع توثقت العلاقات بين أهالي الصرب والجبل الأسود نظراً لمصالحهما المشاركة وقوميتهم الصربية العامة وعقيدتهم الأرثوذكسية رغم وجود منافسة دائمة ومضمرة بين الطرفين حول قيادة شؤون الصربيين وسلاف الجنوب. كما كان أمراء الجبل الأسود يحاولون إستثمار الخلاف بين عائلتي قرةديوريڤتش Karadijordjevic واوبروڤتش Obernovic لمصلحتهم. وما أن أطلت السبعينيات حتى كانت الجبل الأسود تسعى بشكل رئيسي للحصول على ميناء على البحر الأدرياتي وتبحث في كيفية ضم الهرسك إليها.

أما البوسنة والهرسك فكانتا شأن الجبل الأسود تمثلان مشكلة دائمة بالنسبة للدولة العثمانية ولكن لأسباب مختلفة, فالجيل الأسود كانت مركزاً للتمرد المسيحي, أما البوسنة فكاتنت خلال الجزء الأول من القرن على الأقل تقف بكل صلابة ضد الإصلاحات العثمانية حفاظاً على التقاليد القديمة, وكانت خلال حكم السلطان سليم الثالث مركزاً قوياً للأعيان بإعتبارها أحد الأماكن القليلة لتي حدثت فيها عمليات إعتناق للإسلام كثيرة العدد بعد الغزو العثماني وبالتالي كان نبلاء المنطقة هم البكوات من المسلمين والسلاف على السواء, ومع ذلك فقد وقفوا بصلابة ضد الولة العثمانية على سلطتهم وإن كان ذلك على حساب فلاحيهم المسيحيين بطبيعة الحال تضمهم قومية واحدة ويتكلمون لغة واحدة. وهكذا ثار أولئك البكوات ضد الدولة العثمانية في أعوام 1821, 1828, 1837, 1831 وتمكنوا من التمتع بحكم ذاتي محلي كامل حتى عام 1850 حين سحقتهم القوات العثمانية بقيادة عم باشا ليعودوا مرةأخرى تحت سلطة الحكومة المركزية العثمانية.

ورغم الحقيقة القائلة بأن كلاً من البكوات والفلاحين في البوسنة والهرسك ينتمون إلى أصل قومي واحد, إلا أن وضع الفلاح هناك كان أسوأ بكثير من أي مكان في بلاد البلقان, إذ كانت الضرائب المفروضة عليه وكذا أعمال السخرة في أرض البكوات تستهلك أكثر من 40% من دخله. ومما زاد الأمر سؤ إن التنظيمات العثمانية لم تفرض في تلك المنطقة ولهذا فإن ثورات الفلاحين التي وقعت هناك في أعوام 1857-1858, 1861-1862 كانت تستهدف تحسين الأحوال الإقتصادية وليس التغيير السياسي. ثم وقعتأسوأ الأزمات في منتصف السبعينيات بسبب نقص محصول عام 1874 وهي الأزمة التي ترتب عليها إنفجار عصيان مسلح في الهرسك ثم في البوسنة عجزت السلطات العثمانية عن قمعه مثلما عجزت من قبل في اليونان والصرب لأن قيادة الفلاحين كانت محلية وإستخدمت أسلوب حرب العصابات وظلت شكاوي المتمردين الرئيسية تتمثل في بؤس أحوال المناطق الريفية.

ولما كانت البوسنة والهرسك في حالة تمر ضد الحكم العثماني فلم يكن من الممكن أن تقف الصرب والجبل الأسود بعيداً عما يحدث, ومن ثم فقد أيدتا التمرد وتعاطفتا مع أهله بل لقد إشترك بعض الصربيين في تنظيم الإنتفاضات هنا وهناك. وكان وراء موقف حكومة الصرب المؤيد للبوسنة والهرسك يوڤان ريستتش Jovan Ristic الذي كان مسئولاً عن السياسة الخارجية للبلاد في عهد حكم الأمير ميلان Milan, وهو الذي جعل من عاصمة بلاده بلجراد مركزاً لتنظيم البلقانيين ضد الدولة العثمانية بشكل عام ومن ذلك التغاضي عنوجود مجموعات ثورية مختلفة في بلجراد من بلاد بلقانية أخرى مثل الثوريين البلغار عكس الحال أيام الأمير ميشيل.

على كل حال لقد إستثارت أنباء ثورة البوسنة المشاعر القومية والدينية لدى الصربيين ومن هنا جاءت إنتخابات أغسطس 1875 بجمعية فاز فيها الليبراليون بأغلبية وكانوا يؤيدون إتخاذ ما يدعم موقف متمردي البوسنة, وتشكلت حكومة ليبرالية برئاسة ستيڤشا ميهايلوڤتش Stevca Mihajlovic تولى فيها ريستش وزارة الخارجية، وتولى يڤرم گرويتش Jevrem Grujic وزارة الداخلية وأخذت تعمل على إتخاذ مايمكن لدعم البوسنة بشكل صريح. وهنا ضاق الأمير ذرعاً بسبب الضغوط التي تعرض لها لكي يأخذ موقفاً إيجابياً من دعم التمرد وزاد موقفه حرجاً عندما أبدى أمير الجبل الأسود نيقولا في أغسطس 1875 تأييده لدعم البوسنة. ومع هذا ظل ميلان على موقفه, ذلك أنه كان يدرك ، بلاده غير مستعدة للحرب فضلاً عن أنه تلقى تحذيرات من الدول الكبرى بعدم التحرك. وعلى هذا وفي أكتوبر قام بتشكيل حكومة إئتلافية جديدة برئاسة ليوبومير كاليڤتش Ljubomir Kaljevic لكنها لم تبق في الحكم إلا سبعة أشهر. وآنذاك كانت ثورة البوسنة قد أصبحت أزمة دولية الأمر الذي جعل حكومة الصرب تتطلع لروسيا طلباً للرأي والتوجيه, لكن لم يكن معروفاً ما الذي تريده روسيا وكل ما هنالك من الناحية الرسمية ومعها دول أخرى حذرت الصرب من التورط في التمرد ولكن في الوقت نفسه أبدت الدوائر السلفية في روسيا حماساً عظيماً وواضحاً تجاه التمرد.

ورغم أن المحافظين في الحكومة الإئتلافية الجديدة كانوا أقلية إلا أنهم إستمروا في تأييد السلم, إلا أن الأمير ميلان أرغم على تغيير سياسته وبدا أن الظروف الدولية دفعته دفعاً لكي يتصرف ففي مايو 1876 إنفجرت البلغار وتبعتها أزمة داخلية كبيرة في الدولة العثمانية بعزل السلطان عبد العزيز عن العرش وخلفه مراد الخامس. وفي الشهر نفسه وصل إلى بلجراد تشيرنيايف Cherniaev بطل الحملات الروسية على أواسط آسيا لتقديم الخدمات اللازمة, وتغلغل المتطوعون الروس بكثرة داخل البلاد بترتيب من لجان الرابطة السلافية حتى بدا واضحاً أن روسيا تساند بقوة تدخل الصرب لدعم تمرد البوسنة رغم التصريحات الروسية التي تنفي ذلك.

على كل حال . . ففي مايو خرجت الحكومة الإئتلافية من الحكم وحلت محلها حكومة برئاسة ريستتش وجرويتش مرة أخرى, وكانت ومعها الرأي العام تؤيد دعم تمرد البوسنة. وفي الشهر التالي (يونية) قررت القيام بحملات عسكرية على كل من البوسنة, وسنجق نوفي بازار, ومناطق نيش وتيموك Timok وعلى أمل أن يقوم البلغار في الوقت نفسه بثورة تشد من أزر ثورة البوسنة. وهكذا وفي يوليو 1876 إقتحمت قوات الصرب والجبل الأسود, ولاية البوسنة والهرسك بهذف ضم البوسنة للصرب وضم الهرسك للجبل ألأسود. ولكن بينما كانت قوات الجبل الأسود تقوم بعملياتها بكفاءة ملحوظة تعرضت عمليات الصرب لكارثة عسكرية.

والحاصل أن الصرب كما تخوف أميرها (ميلان) لم تكن مستعدة للحرب بحال من الأحوال, فالمحاربون همفلاحون تحت قيادة غير مدربة وبالتالي عجزوا عن إيقاع هزيمة بالقوات العثمانية التي كانت أفضل تجهيزاً وتحت قيادة مدربة على فن القيادة والقتال,كما أن خبرة الجنرال الروسي تشيرنييف الذي جاء لدعم الصرب كانت محدودة حتى لقد أصبح المتطوعون الروس تحت قيادته مجرد فضيحة عسكرية في معارك القتال, فضلاً عن وقوع خلاف كبير بين الروس والصربيين بسبب الترتيب والتنسيق معاً. ومما أضعف من موقف الصرب في الحرب عدم قيام ثورة بلقانية كبرى في إماكن أخرى فالبلغار لم يثوروا كما كان منتظراً, وظلت رومانيا واليونان تنتظران أن الإحتمالات المتوقعة من المعارك, والمصيبة الأكبر في هذا المقام إخفاق حكومة روسيا في تقديم أية مساعدات عملية.

ولقد حاولت القوى الدولية إيقاف المعارك في أقصر وقت ممكن إذ كان لكل منها مصلحة كبيرة في إنهائها, فتم التوصل إلى هدنة مسلحة في أغسطس. إلا أن الصربيين خرقوا في الشهر التالي (أكتوبر) فإنهزموا هزيمة ساحقة فتحت الطريق أمام القوات العثمانية إلى وادي مورافا Morava وبلجراد. ولم تتدخل روسيا ولكنها وجهت إنذاراً للحكومة العثمانية بالتوقف وفرضت هدنة في الثالث من نوفمبر. ورغم العودة لحالة السلم, إلا أن الحرب كان لها تأثير كارثي على الصرب مادياً ومعنوياً, فقد خسرت خمسة عشر ألف رجلاً من مقاتيلها, وبدا واضحاً أن جيشها لا يمكن أن يتكافأ بحال من الأحوال مع الجيش العثماني خصمها.

ورغم إنتهاء الحرب على ذلك النحو, إلا أن مشكلة ثورة البوسنة ظلت باقية كما هي ومن هنا وجدت القوى العظمى نفسها مشدودة مرة أخرى لتسوية المسائل التي أدت إلى تمرد الفلاحين في القوت الذي لم يكن أي منها يرغب في إحياء المسألة الشرقية من رقادها الطويل, ذلك أنه بعد إنتهاء حرب القرم (1856) شهدت بلاد البلقان هدوءاً نسبياً, وإنتقلت الأحداث الكبرى بعد تلك الحرب إلى وسط أوروبا وإيطاليا حيث تمكنت بروسيا من هزيمة مملكة النمكسا والمجر في 1866 الأمر الذي فرض ضرورة إعادة تنظيم المملكة في أوزجليخ Asgleich عام 1867 وذلك بتقسيمها إلى قسمين إداريين (النمسا والمجر) ولكن متحدين تحت حكم إمبراطور واحد, ووزير واحد لكل من القسمين في ئؤون الحرب, والشؤون الخارجية,والشؤون المالية. أما الحادث التالي فكان وقوع الحرب البروسية-الفرنسية وإعلان دولة المانيا الموحدة تحت زعامة بروسيا. . دولة قوية أصبح لسياستها فيما بعد تأثيراً كبيراً في شؤون البقلان بعد أن كان دور بروسيا من قبل ضئيلاً هناك كما رأينا.

ورغم توحيد المانيا قد تم بموافقة روسيا ومساعدتها, إلا أن الدولة الجديدة سرعان ما أعلنت رفضها لمواد معاهدة باريس (1856) الخاصة بالملاحة في البحر الأسود ونجحت في الحصول على موافقة دولية لإعادة النظر في هذا الموضوع مع أنها لم تكن قد شرعت آنذاك في بناء أسطول بحري. ولكن هذا الموقف الألماني جعل الطريق أمام روسيا مفتوحاً مرةأخرى لمواصلة سياسة بلقانية نشطة.

والحاصل أنه بعد تلك الأحداث العظمى قامت كل من روسيا والمانيا والنمسا في مطلع السبعينيات بتكوين "عصبة الأباطرة الثلاثة",وكانت رابطة غير معلنة رسمياً وتقوم على تبادل الزيارات والإتصالات بهدف التعاون معاً في حالة نشوب أزمة مجاورة. وعلى هذا عمل الثلاثة معاً أثناء ثورة البوسنة في 1875 لا لشيء سوى أنه لم يكن في مقدور أحدهم مواجهة الأزمة بمفرده, وكانوا يودون إنهاء الثورة سلمياً حتى ولو إقتضى الأمر تدخل خارجي بالوساطة حتى لا تقود هذه الثورة منقطة البلقان إلى تمرد مسيحي كبير.

والحقيقة أن روسيا كانت أكثر الحلفاء الثلاثة وقوعاً في موقف لا تحسد عليه, ذلكأنها كانت تزعم بأن لها علاقة خاصة بمسيحيي البلقان، مما يعني أن لها حق التدخل في شؤون البوسنة, وأن من واجبها أن تتصرف إذا ما تعرضت حقوق المسيحيين للخطر. ولسوء الحظ فإن أزمة البوسنة وقعت في وقت كان الحماس يغمر المجتمع الروسي بكل ما هو سلافي فأضيف إلى وحدة المذهب الأرثوذكسي في الرابطة السلافية وحدة الرابطة العرقية مع الروس. لكن الرابطة السلافية كانت شيئاً أكبر من المشاعر اروية, إذ كانت الرابطة تتطلع لتحرير الشعوب السلافية الأرثوذكسية من السيطرة الأدبية العثمانية والنمساوية وتوحيدهم في شكل فيدرالي تلعب فيه روسيا دور السيادة. ومن الملاحظ أن شخصيات روسية مرموقة بينها ولي العهد (الإمبراطور الإسكندر الثالث فيمات بعد) ومعه إجناتيف وعدد كبير من الجنرالات كانوا يؤيدون هذه الأفكار. وبطبيعة الحال كانت الرابطة السلافية تود مساعدة كل شعوب البلقان ضد الحكم العثماني ومن ثم كانت وراء أرسال المتطوعين والإمدادات اللازمة للصرب.

وعلى العكس من إتجاهات الرابطة السلاڤية كان معظم المسئولين في روسيا يكرهون التورط في الأزمة القائمة في البلقان آنذاك,فقد كانوا يخشون أن تجر روسيا إلى حرب مع الدولة العثمانية قد تدخل معها القوى الكبرى وتتكرر معها من جديد حوادث حرب القرم,أو قد تواجه تحالفاً أوروبياً للمحافظة على توازن القوى. وهكذا تبلورت السياسة اروسية رسمياً في العملا على التوصل إلى حل عن طريق التفاوض بين مختلف القوى وبتفاهم وثيق بين النمسا والمانيا, على حين أن أنصار الرابطةالسلافية إستمروا في إصرارهم على ضرورة تقديم مساعدة روسية للتمردين البلقان, وعلى أن تتم التسوية النهائية للمشكلة في إطار تفاهم ثنائي روسي-عثماني.

ولما كان الموقف الروسي يتطابق مع مصالح النمسا والمانيا فكان على هذه الدول الثلاثة أن تتعاون معاً أثناء الأزمة. أما بريطانيا فكانت أكثر الدول الكبرى إثارة للقلق في هذه المسألة، إذ كان رئيس حكومتها (بنيامين دزرائيلي) لا يريد أن تتعرض المصالح العثمانية للتهديد بالمبدأ الذي وضعته ألا وهو المحافظة على تكامل الإمبراطورية العثمانية من باب المناورة بين الدول الطامعة في الإمبراطورية, وكان يكره العلاقة الوثيقة التي تربط بين الدول الثلاثة المحافظة (روسيا والمانيا والنمسا) وهي العلاقة التي منحتها نفوذاً وهيمنة على الشؤون الأوربية. وهكذا فعندما بدا واضحاً عجز الدولة العثمانية عن قمع التمرد في البوسنة والهرسك عملت تلك الدول الثلاثة معاً للمحافظة على الإجراءات الإصلاحية التي تم إتخاذها من قبل. وفي هذا الخصوص تقدم وزير خارجيةالنمسا يوليوس آندراسي Andrassy في ديسمبر 1875 بإقتراح لتسوية الموقف قبلته الدولة العثمانية ولم يقبله المتمردون. وفي مايو 1876 إقترحت الدول الثلاثة خطة ثانية رفضتها بريطانيا والدولة العثمانية. وفي تلك الأثناء كانت الثورة البلغارية قد أخذت مجراها, ودول البلقان تستعد للحرب, والدولة العثمانية تعيش وسط الأزمة التي حملت مراد الخامس إلى عرش السلطنة في مايو ثم إعتلاء اللسطان عبد الحميد الثاني العرش في أغسطس من العام نفسه.

على أن إندلاع الحرب بين الدولة العثمانية وأتباعها أمراء الصرب والجبل الأسود لم تزعج الأباطرة الثلاثة (روسيا والمانيا والنمسا) ففي يوليو 1876 وافق وزير خارجية روسيا گورتشاكوڤ A.M. Gorchakov, وآندراسي (وزير خارجية النمسا)* على ما قرره رايخستاج ألمانيا. ورغم نشوب الخلاف فيما بعد حول حقيقة ما قرره الرايخستاج, إلا أن التحالف الثلاثي حافظ على التوازن بين مصالح أطرافه. وفي هذا الخصوص تقرر أنه في حالة هزيمة دويلات البلقان في الحرب أمام الدولة العمثانية فسوف تتعاون النمسا وروسيا للإبقاء فسوف تقدم الدولتان على تقسيم مناطق البلقان العثماني بطريقة تحول دون إقامة دولة بلقانية كبرى، وأن يتم إقرار الحكم الذاتي في بلغاريا وروميليا, وأن تكون استانبول مدينة حرة, وتحصل اليونان على تساليا وكريت. أما روسيا فتحصل بالمقابل على على جنوبي بسارابيا ومنطقة في آسيا الصغرى, وتحصل النمسا على البوسنة والهرسك. وعلى هذا وفي ضوء تلك الترتيبات ينبغي الإشارة إلى أن البلاد التي كانت الصرب تستهدف ضمها من هذه الحرب دخلت في حوزة النمسا وهو ما كان يتناقض تناقضاً كاملاً مع آمال الرابطة السلافية.

على كل حال، فبعد إنتهاء حرب قوى البلقان ضد الدولة العثمانية في 1876 إستمرت الدول الكبرى في محاولة للتوصل إلى تسوية ترضي شعوب البلقان وتراعي مصالح تلك الدول اليت قامت في ديسمبر 1876 بمحاولة أخيرة لإنقاذ الموقف حيث تم التوصل في مؤتمر الأستانة إلى إقتراحات إصلاحية جديدة لرعايا الدولة من غير المسلمين. ولكن في 23 ديسمبر أعلن السلطان العثماني عن تقديم دستور عام للدولة وبالتالي لم تعد مشروعات الإصلاح المقدمة ضرورية، وعلى هذا أصبح لا مناص من قيام روسيا بغعلان الحرب على الدولة العثمانية. وفي هذا الخصوص إتفقت روسيا والنمسا في يناير 1877 على أن تبقى النمسا على الحياد ومعها البوسنة والهرسك اللتان سبق أن تقرر ضمهما للنمسا فيما عدا سنجق نوفي بازار الذي يفصل الصرب عن الجبل الأسود والذي وسف يتقرر مصيره فيما بعد. كما وافقت روسيا على ألا تحارب قواتها في أراضي هاتين الولايتين.

انتفاضة أبريل 1876 للبلغار

المقالة الرئيسية: انتفاضة أبريل
كونستانتين ماكوڤسكي. الشهيدات البلغاريات، صورة تبين فظائع الباشي‌بزق في بلغاريا.

ردود الفعل العالمية للفظائع في بلغاريا

الحرب الصربية التركية والمناورات الدبلوماسية

المقالة الرئيسية: مؤتمر اسطنبول
روسيا تستعد لاطلاق كلاب الحرب البلقانية من عقالها، بينما بريطانيا تنبه القيصر الروسي ليأخذ حذره، لأنه يضع بريطانيا في وضع حرج. پنچ كرتون من 17 يونيو 1876

مسار الحرب

القتال بلاقرب من إيڤانوڤو-چفليك
تحركات القوات الروسية والرومانية والعثمانية في پلڤنا.

بعد أن وقعت روسيا إتفاقية مع رومانيا أعلنت الحرب على الدولة العثمانية في 24 أبريل 1877. لكن الحرب لم تكن سهلة فقد وضعت روسيا خطتها على أساس أن تكون قصيرة المدى وبالتالي لم تضع في حساباتها أن تستعين بأطراف أخرى. لكن منذ البداية عجزت القوات الروسية عن الإستيلاء على قلعة بلفنا التركية التي ظلت تحاصرها من يولية إلى ديسمبر دون جدوى الأمر الذي أوقع ولايات البلقان في حالة من الرعب الشديد. وأمام هذا العجز طلبت مساعدات من رومانيا والصرب والجبل الأسود واليونان. ولم تستجب لهذا الطلب سوى رومانيا التي رأت في الحرب الوقت المناسب لتحقيق أهداف معينة. وأما الباقون فكانوا يبحثون عن توفير الأموال اللازمة للتجهيزات العسكريةو وكيفية توفير ضمانات إقليمية للمستقبل. ومما زاد الموقف العام سوء وتفسخاً تأخر الصرب واليونان.

غير ا، الثورة في البوسنة والهرسك شأن أزمات البلقان السابقة كانت تمثل لرومانيا فرصة لتحقيق مصالحها وفي الوقت نفسه كانت تمثل تهديداً مباشراً لها. والحاصل أن روماينا مثل اليونان لم تكن ترحب بإحتمال إيجاد دولة صربية أو بلغارية قوية ومستقلة وترتبط بروسيا بشكل ما, خاصة وأن الموقف كان يوحي بتقديم فرصة للحصول على ميزات أكثر من الدولة العثمانية. وعلى هذا وخلال السنوات الثلاثة التالية ظل زعماء رومانيا معنيون في المقام الأول بثلاثة ظواهر تحدث على المسرح السياسي العالمي وفي ذهنهم كل تلك الأوضاع. فأولاً وكما سبقت الإشارة كيفية إستغلال وضع الحكومة العثمانية الصعب في تلك الحرب, وثانياً كيفية الحصول على مكاسب إقليمية وتحقيق الإستقلال التام في حالة حدوث حرب عامة, وثالثاً عدم رغبتهم في أن تحصل روسيا مرة ثانية على وضع سيادي في دولتهم. وفي هذا المقام تولى الأمير تشارل (أمير الصرب) الدور الرئيسي في سيادة الموقف. وحتى أبريل 1876 كانت حكومة المحافظين بزعامة لاسكار كاترجيو ما تزال في الحكم,ثم حلت محلها حكومة ليبرالية في مايو. وعلى هذا تعاون زعيما الحزب الليبرالي إيون براشيانو وميشيل كوجالنيشينو Kogalinceanu تعاوناً وثيقاً مع الأمير وشاركاه مسئولية إتخاذ القرارات الرئيسية التي تم التوصل إليها. وهكذا وأمام الخطر الخارجي وقف الحزب الليبرالي وراء العرش خلافاً لموقفه السابق.

خريطة الحرب

وخلال العامين الأولين من الأزمة وأثناء إنفجار ثورة البوسنة والهرسك وبلغاريا, وإشتعال الحرب بين الدولةالعثمانية والصرب التي إنضمت إليها الجبل الأسود ظلت روماناي متمسكة من الناحية الرسمية بسياسة حيادية. ولكن في الوقت نفسه كانت تضغط على الحكومة العثمنية للحصول على حقوق أكثر وإمتيازات في نطاق الدولة العثمانية, كما قدمت مساعدات محدودة للقوى المسيحية المجاورة المتحاربة مع الدولة العثمانية, ومن ذلك السماح بمرور متطوعين يحمولن السلاح من أراضيها إلى الصرب حيث ميدان المعركة, وإستمرار العصابات البلغارية في تنظيم أمورها من داخل رومانيا. ومع هذا لم يتطور الموقف العام خلال تلك الفترة لصالح طموحات رومانيا, بل لقد رفضت الحكومة العثمانية مطالب رومانيا حال إنتصاراتها على جيوش البلقانيين. ومرة أخرى كان من شا، هزية الشعب المسيحي السلافي, وتصلب العثمانيين في مواقفهم أن يستدعي تدخل روسيا, وهو أمر كانت رومانيا تخشاه ويثير منخاوفها. وأصبح واضحاً أنه في حالة دخول روسيا الحرب ضد الدولة العثمانية يصبح على رومانيا إما أن تسمح للقوات الروسية بالمرور عبر أراضيها, أو أن تتحمل مخاطرة أن تصبح أراضيها ميدان المعركة. غير أن جميع القوى السياسية في رومانيا كانت أكثر تردداً في قبول وجود جيش روسي على أراضيها وذلك إستفادة من دروس التاريخ الذي مرت به البلاد.

غازي عثمان پاشا
الاستسلام العثماني في نيكوپول

ثم أوضحت روسيا نياتها العاجلة في أكتوبر 1876 في أعقاب زيارة قام بها وفد روماني براسة براشيانو إلى الكسندر الثاني (قيصر روسيا) في ليفاديا Livadia وفي ذلك اللقاء ضغطت روسيا بشدة على رومانيا لتوقيع إتفاق بينهما بشأن كيفية مرور الجيش الروسي إلى الدانوب, على حين كان الرومانيون يرومون تفاهماً سياسياً كاملاً يعبر عن حماية مبدأ تكامل أراضي رومانيا ووحدتها, إذ كانو يخشون أن يفقدوا بصفة خاصة نواحي جنوب بسارابيا الثلاثة التي كانوا قد ضموها في 1856. وفي أثناء المفاوضات التي إستمرت حتى إبريل 1877 تم إستكشاف طرق بديلة لمرور الجيش الروسي إلى الدانوب. كما إستمرت المناقشات مع السلطات العثمانية حيث ذهبت وفود أخرى إلى دول أخرى من التي تضمن إستقلال رومانيا بغية التأكد من مساعدتها إذا ما قررت مقاومة ضغط روسيا عليها.

غير أن نتائج كل هذه التحركات لم تكن مشجعة لب كانت مخيبة للأمال, ذلك أن الدستور العثماني الصادر في ديسمبر 1876 أعلن با، رومانيا "جزء لا يتجزأ" من الأراضي العثمانية. وأنها ضمن "الولايات المتميزة" من ولايات الدولة. وكان هذا الإعلان في حد ذاته هو مجال المخاطرة والأزمة بين الطرفين ذلك بأن إمكانية حصول رومانيا على مساعدة خارجية ضد روسيا كان أمراً غير مضمون, فالنمسا مرتبطة بتفاهم سري مع روسيا نصحت رومانيا بألا تعقد أي إتفاق مع روسيا بشأن مرور الجيش الروسي في أراضي رومانيا, بل لها أن تسمح بالمرور دون توقيع إتفاق, وأن ينسحب جيش رومانيا إلى غرب ولاشيا. أما المانيا فكان من رأيها أن تستسلم رومانيا لكل رغبات روسيا. وأما فرنسا فلم تكن لها أهمية في هذا الموضوع بسبب ضعف جيشها آنذاك, وبريطانيا لم يكن بإمكانها أن تقديم أية مساعدة فضلاً عن أنها كانت راغبة عن تقديم مساعدات.

والحقيقة أن الإتفاق الذي عقد أخيراً مع روسيا في 16 أبريل 1877 كان بمثابة إكراه لرومانيا وخاصة عندما وافقت حكومة روسيا على أن يشتمل الإتفاق على مادة تضمن تكامل أراضي رومانيا. وتجدر الإشارة إلى أن رومانيا لم تكن آنذاك متحمسة كثيراً للدخول في حرب ضد الدولة العثمانية بالتحالف مع روسيا. ففي إجتماع لبلاط رومانيا في 13 أبريل وقلب توقيع الإتفاق بثلاثة أيام حضره الوزراء ونخبة من أبناء المجتمع كانت الأغلبية تفضل الوقوف علىالحياد وإنسحاب الجيش إلى جنوب ولاشيا بعيداً عن طريق القوات الروسية إلى الدانوب. أما القرارات الخاصة بالتعاون مع روسيا حتى دخول معارك القتال فقد تولاها الأمير بنفسه وبمساعدة براشيانو وكوجالينشينو.

أما مشاركة رومانيا في الحرب الروسية-التركية نشطة فلم تظهر بشكل واضح لأن روسيا كانت تأبى أن تقدم رومانيا لها مساعدة عسكرية, مع ملاحظة أن الإتفاق بين البلدين كان ينص فقط على مرور القوات الروسية خلال أراضي رومانيا. وعلى هذا ظلت المساعدات الفنية الرومانية على الحياد حتى بعد إنفجار الحرب في يوم 24 أبريل. غير أن الأمير الحاكم ومعه جيشاً قوامه ثلاثين ألف رجل مدربين أحسن تدريب وجد أن وضع الحياد غير مريح بالمرة وخاصة بعد هجوم القوات العثمانية على موانئ الدانوب.وفي 12 مايو وافقت الجمعية التشريعية في رومانيا على إعلان بالإستقلال التام عن الدولة العثمانية وبهذا أصبحت حالة الحرب ضد الدولة قائمة. ومع هذا إستمرت الحكومة الروسية في إبداء قليل من الإهتمام في تلقي مساعدة عسكرية من رومانيا بإستثناء قيام القوات الرومانية بحراسة أسرى الحرب أو حماية المدن. ورغم هذا فقد سعى أمير رومانيا للقيام بدور أعظم إذ كان ينبغي التصرف بشكل مستقل والإحتفاظ بجيشه وحدة عسكرية مستقلة في المعارك.

غير أن الموقف الروسي تجاه مشاركة رومانيا في الحرب تغير بشكل مفاجئ في أغسطس 1877 بعد كارثة الجيش الروسي أمام قلعة بلفنا, إذ أصبحت روسيا في مسيس الحاجة لجهود رومانيا, ومن ثم أعطى قادة اروس لأمير رومانيا القيادة التامة للعمليات العسكرية. وسرعان ما تخلى الأمير وبقدر من التملق والنفاق عن إصراره السابق بإنفراد جيشه بالعمل مستقلاً. كما لم ينتهز فرصة إحتياج روسيا له لكي يحدد ما سوف يحصل عليه في مفاوضات الصلح القادمة. وعموماً وأثناء الهجوم على قلعة بلفنا كانت العلاقات الروسية-الرومانية حسنة نسبياً.

ولكن بسقوط قلعة بلفنا الحصينة في ديسمبر 1877 حدث تغير مفاجئ في موقف رومانيا بشأن الحرب وتعامل روسيا معها. ففي أثناء الحرب حددت رومانيا أهدافها من دخول الحرب في الإعتراف بإستقلالها, والحصول على تعويضات مناسبة, والإستيلاء على دلتا الدانوب, وعلى أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة اليمنى للنهر بما فيها دوبروديا. وأكثر من هذه المطالب أهمية كان الحفاظ على تكامل أراضي رومانيا. ورغم أن روسيا لم تبلغ رومانيا رسمياً بنيتها في إستعادة جنوبي بسارابيا حتى يناير 1878, إلا أن الشائعات وصلت إلى رومانيا من عدة مصادر. وكان هذا هو موضوع الدبلوماسية الرومانية بشكل رئيسي في الفترة التالية والذي إنقسمت بشأنه الحكومة, فكان براشيانو الذي نجحت سياسته في التعامل مع الأزمة يشعر بأن الضغط الشعبي قد يدفع الحكومة إلى التمسك بالموقف. أما الأمير الحاكم ومعه موجلينشينو وكانا يعتقدان بأن القضية خاسرة, كانا يفضلان إستخدام المسألة كنقطة مساومة ربما لضم المنطقة بإمتداد مدينة روز-فارنا لدوبروديا.

الجبهة القوقازية

الجنرال ميخائيل ت. لوريس-مليكوڤ، الذي استولت قواته على حصن كارس من العثمانيين في نوفمبر 1877.

التبعات

أما الصرب فكانت غير متحمسة لدخول الحرب, فعند توقيع معاهدة الصلح مع الدولة العثمانية في مارس 1877 كانت قواتها مجهدة تماماً, وأكثر من هذا أنه لم تكن هناك دلائل محددة بشأ، ضمان مكاسب إقليمية كانت تأمل في الحصول عليها, فقد كانت \تريد ضم أراضي من البوسنة والصر بالقديمة.لكن روسيا كانت تربطها بالنمسا إتفاقيات سرية لم يكن بإمكانها أن تمنح اصرب وعوداً معينة بشأن ترتيبات معاهدة الصلح. وفي الوقت نفسه أطلت مخاطر أخرى على المسرح السياسي إذ إتضح للصرب بكل جلاء أن روسيا تقف بشدة إلى جانب المصالح البلغارية, ففي مؤتمر الآستانة كان اجناتيف يريد منح نيش وسكوبيه Skopje وبريزرن Prizren لبلغاريا برغم إدعاءات الصرب في تلك المناطق. ولهذا عندما ضغطت روسيا على الصرب لتقديم مساعدتها بعد هزيمة القوات اروسية أمام قلعة بلفنا أخذت الصرب وقتاً طويلاً للرد, وطلبت من روسيا تقديم مساعدة مالية, وإشارة واضحة بشأن المكاسب الإقليمية التي ستحصل عليها. وهكذا لم تدخل الصرب الحرب إلا في العاشر من ديسمبر وبعد ثلاثة أيام من سقوط بلفنا. حقيقة أن روسيا قدمت بعض الأموال للصرب لكنها لم تعد بشيء بشأن المكاسب الإقليمية التي تطلبها.

اليونان

وأما اليونان فكانت شأن الصرب لم تحدد موقفها من الحرب إلا في اللحظة الأخيرة. ففي أثناء تمرد البوسنة وإندلاع الحرب الصربية-العثمانية من قبل لم تقم اليونان بأية حركة أو خطوة لمساعدة جيرانها وذلك إمتثالاً للضغط البريطاني. وقد وضع هذا الموقف برمته اليونان أمام صعوبات كان عليها مواجهتها تشبه إلى حد كبير الصعوبات التي واجهتها بشأن موضوع نائب البطريرك. ولم تأت الصعوبات في هذه المرة من جانب الدولة العثمانية بل جاءت من جانب حكومات البلقان السلافية المنافسة التي أصبحت تهدد بقطع الطريق على تحقيق الأمال القومية لليونانيين. فقد كانت اليونان تريد أن يدخل تحت سيادتها كل من كريت وتساليا وإيبروس وتراقيا وأكبر مساحة من مقدونيا كلما أمكن. وعلى هذا فإن قيام شعوب البلقان بحملة ناجحة ضد الدولةالعثمانية من شأنه الإضرار بالمميزات التي تتمتع بها اليونان إن لم يؤد إلى تدهور الموقف تدهوراً سيئاً. ورغم تلك الحقائق الصعبة الواضحة, إلا أن اليونانيين إنقسموا في الرأي فيما بينهم بشأن التعامل مع الحرب مثلما رأينا في كل من رومانيا والصرب. فكثير من اليونانيين كانوا يخشون إستبعاد بلادهم من ترتيبات الصلح في المستقبل إذ لم تدخل الحرب. وفي الوقت نفسه كان هناك حماس هائل شأ، حال الصربيين للقيام بأي عمل ضد الدولةالعثمانية حتى ولو لم تكن الظروف مواتية. ولقد كانت هذه الدوائر العامة تمثل ضغطاً كبيراً على الملك وعلى الحكومة في آن واحد.

على كل حال . . ففي 1876 رأس الوزارة اليونانية الكسندر كوموندوروس Koumoundouros وكان يقف إلىجانب المحافظة على حالة السلام مع تحقيق المكاسب الإقليمية عن طريق الدبلوماسية. ولهذا فقد تعرضت حكومته لهجوم من العناصر التي كانت تؤيد إعلان الحرب على الدولة العثمانية وإثارة التمرد في مقدوينا. وأصبح اليونانيين في وجل كبير وخشية وخوف من الخطط التي قدمت لمؤتمر الآستانة بشأن تكوين بلغاريا الكبرى من أراضي تطالب بها اليونان خاصة وأنه لم توجه دعوة لحكومة اليونان لحضور هذا المؤتمر. آنذاك وفي وقت هذا الخطر على المصالح القومية اليونانية تشكلت حكومة إئتلافية في يونية 1877 برئاسة الأدميرال كاناريس Kanares محل خاريلاوس تريكوبيس Charilaos Trikoupes, وإتخذت الإستعدادات اللازمة لتقوية اليونان عسكرياً, وحشدت القوات على الحدود العثمانية. ولهذا فعندما طلبت روسيا بعد محنة قلعة بلفنا المساعدة من اليونان وجدت الحكومة اليونانية نفسها في موقف صعب. فمن ناحية ضغطت بريطانيا عليها بشدة حتىلا تدخخل الحرب بل وتعمل على قمع المتمردين في المناطق العثمانية. وكان هذا يعني أنه لو دخلت اليونان الحرب فإن بريطانيا قد تساعد الدولة العثمانية فضلاً عن أن القوات العسكرية اليونانية لم تكن جاهزة للحرب. ومن ناحية أخرى إذا لم تدخل الحرب فمن المحتمل أن الحكومات السلافية وسف تجني وحدها فوائد إنتصار روسيا, ذلك أن صراع المصالح الصربية والبلغارية في مقدونيا كان شيئاً مخيفاً.

وفي مفاوضات مؤتمر الآستانة لم تقدم بريطانيا أو روسيا لحكومة اليونان أية ضمانات محددة بشأن مسألة المكاسب الإقليمية, بل إنه في أثناء أزمة حصار قلعة بلفنا قدمت روسيا وعوداً غامضة بتساليا وإيبروس دون إشارة إلى مقدوناي وتراقيا وهما محل جدل كبير. وهكذا ورغم أن جهود حكومة اليونان الدبلوماسية في تحقيق الآمال القومية قد أخفقت فقد واجهت الحقيقة القائلة بأن الرأي العام أصبح مع الحرب,وتحددت إحتمالات التحرك في إحتمالين: إما أن تدخل اليونان الحرب, وإما أن تحرض اليونانيين في الممتلكات العثمانية على الثورة.

على كل حال . . كان سقوط قلعة بلفنا في يد الروس صدمة لكل من الحكومتين اليونانية والصربية, وزادت المخاوف من أن الحرب قد تنتهي وتطوي معها إدعاءات اليونان أومطالبها, وزاد من إحتمال هذه النتائج سقوط آدريانوبل في يناير 1878. وآنذاك شعر اليونانيين أن ملكهم جورج كان في خوف حقيقي من أن يفقد العرش, ومن ثم أمر بتحريك جيشه بإتجاه الحدود. ولما كان هذا الإجراء غير دستوري فقد تسبب في أزمةداخلية سريعة أدت إلى تشكيل حكومة جديدة برئاسة كوموندوروس تولى وزارة الخارجية فيها تيودور ديليانيس Deliyannes الذي كان مع الحرب. وإندلعت المظاهرات في شوارع أثينا, وأصدرت الحكومة التي كانت مع الحرب بوضوح توجيهاتها لبدء حالة التمرد العام في تساليا وإيبروس ومقدونيا. وفي الثاني من فبراير أعلنت أن وقاتها قد تدخل مناطق عثامينة في الثالث من فبراير أن هناك هدنة وقعت بين روسيا والدولةالعثمانية في يوم 31 يناير لم يرد ذكر لليونان فيها. وعلىهذا وضحت المخاوف التي وضعتها اليونان في إعتبارها, فمن الممكن والحال كذلك أن تركز القوات العثمانية هجماتها على اليونانيين, وأن تنسحب القوات اليونانية خلف حدود بلادها, وتتدخل القوى الدولية لمنع مزيد من التحركات العثمانية. وفي نهاية الأمر وجدت اليونان نفسها في موقف ضعيف بالنسبة لشروط الصلح المقبلة, فقد تحصل علىمساندة روسيا وكذلك بريطانيا التي لم تكن ترغب من البداية أن تدخل اليونان الحرب.

لقد أدى إنتصار روسيا في الحرب ونهاية الصراع مع الدولة العثمانية على ذلك النحو إلى إزدياد مخاوف رومانيا والصرب واليونان على حد سواء, فقد عكست بنود إتفاقية الهدنة في يناير نيات روسيا تجاه البلقان, وكانت صدمة عميقة لهذه الدول الثلاث.وفي مقدمة هذه المخاوف البند الخاص بإيجاد دولة بلغاريا الكبرى, وهو ما إتضح بشكل محدد في معاهدة سان ستيفانو في 3 مارس 1878. وقد أدت هذه المعاهدة التي قامت على التفاوض الثنائي بين روسيا والدولة العثمانية إلى كسر سلسلة من المعاهدات الدولية عقدت قبيل الحرب بما فيها التحالفات التي عقدت مع النمسا. وكانت أهم ملامح هذه المعاهدة شأن إتفاقية الهدنة البنود الخاصة بإقامة بلغاريا والتي سوف تجمع في طياتها مناطق شمال وجنوب جبال البلقان أي تراقيا ومعظم مقدوينا, وبهذا سوف تكون أقوى دول البقان, وسوف تكون تحتهيمنة روسيا من خلال وجود جيش روسي على أراضيها لمدة عامين (طبقاً للمعاهدة), فضلاً عن إمارة الجبل الأسود التي كانت تتمتع بتأييد روسيا حصلت علىمكاسب ضخمة وإتسع حجم مساحتها ثلاثة أضعاف.

أما حكومات البلقان الأخرى فلم تنل من هذه الحرب إلا قليلاً من المكاسب بإستثناء اليونان التي لم يحصل على شيء على الإطلاق. فالصرب التي كانت تريد أن تضم باشويات نيش وبريزرن وسكوبيه ونوفي بازار فضلاً عن فيدين ومناطق أخرى محيطة أخذت فقط نيش وبعض اراضي أخرى بلغت مساحتها جميعاً حوالي 150 ميلاً مربعاً. أما رومانيا حليفة روسيا فربما تلقت أسوأ معاملة من الجميع إذ قامت روسيا بإعادة ضم الثلاثة أحياء جنوبي بسارابيا والتي كانت قد فقدتها بعد حرب القرم, رغم تعهدها لرومانيا بضمان وحدة أراضيها في مقابل تنازل الدولة العثمانية عن دلتا نهر الدانوب ودوبروديا لروماناي. ويضاف إلى هذه النتائج إعلان إستقلال الصرب ورومانيا والجبل الأسود دول مستقلة طبقاً لنصوص إتفاقية الهدنة.

والحق أن شعوب البلقان لم تكن وحدها التي فزعت من هذه التسوية (معاهدة سان ستيفانو) بل إن النمسا وبريطانيا وجدتا إستحالة قبولها, كما لم تتصور أي دولة من الدول الكبرى إاقمة دولة بلغارية قد تسيطر إستراتيجياً على شبهع جزيرة البلقان كلها مع وجود جيش روسي بين ظهرانيها وعلى مسافة قريبة من الآستانة, فضلاً عن تجاهل الإتفاقات التي منحت البوسنة والهرسك للنمسا من قبل, فضلاً عن أن روسيا بمقتضى التسوية حصلت على أحد الأقاليم العثمانية بآسيا وهو ما يضر بمصالح بريطانيا. وعلى هذا سرعان ما نشأت أزمة دولية حول بنود سان ستيفانو, وبعد فترة من المفاوضاتت المستمرة وافقت روسيا على أن تعرض المعاهدة للمراجعة بمعرفة الدول الكبرى في مؤتمر يعقد في برلين في شهر يونية. وقبل أن ينعقد هذا المؤتمر كانت روسيا قد إتفقت مع إنجلترا على التغيرات الأساسية التي يجب إحداثها وأهمها مواقفة روسيا على تقسيم دولة بلغاريا الكبرى.

وهكذا وقبيل المؤتمر في برلين وجدت حكومات البلقان نفسها في وضع العاجز اليائس فقد تم إتخاذ القرارات الكبرى مسبقاً في عواصم كل من المانيا وبريطانيا والنمسا وروسيا وقبيل عقد المؤتمر, وأصبح مصير تلك الحكومات يتوقف على قدر المساومة في يمكن أن تقوم بها القوى الكبرى الراعية لها. وربما كان أقوى رد فعل لشروط الصلح جاء من رومانيا التي حرمت من أراضيها القومية, وظل الجيش الروسي في اراضيها طبقاً لأحد مواد معاهدة سان ستيفانو التي نصت على مروره في ا{اضيها خلال العامين التي يحتل فيها هذا الجيش بلغاريا. وأكثر من هذا روسيا أخذت تضغط على رومانيا لعقد إتفاق جديد بخصوص مرور الجيش الروسي في أراضيها. ولما كانت رومانيا تخشى من أن تؤدي إطالة وجود القوات الروسية بها إلى إعادة إعتبارها محمية روسية فقد قاومت هذا الإجراء وطلبت المساعدة الخارجية للتغلب على هذا الضغط. ورغم أنه لم يكن لرومانيا أصدقاء حقيقيون أو رعاة من بين الدول الكبرى لمساندتها, إلا أن النمسا كانت ترغب في الإبقاء على صداقة رومانيا قدر الإمكان لا لشيء إلا لاحتمال إنفجار حرب جديدة نتيجة شرط الصلح, وهوماجعل علاقة رومانيا بالنمسا وثيقة.

صربيا

أما الصرب فكانت في موقف مشابه لا تحسد عليه, فرغم أن معاهدة سان ستيفانو قد أشارت بوضوح إلى تخلي روسيا عن إدعاءاتها في الصرب, إلا أن الدبلوماسيين الروس أبغوا مندوبي الصرب بوضوح أن عليهم أن يطلبوا مساعدة النمسا في هذا الشأن. كما أن الصربيين شعروا بمرارة شديدة من إقرار معاهدة سان ستيفانو قيام دولة بلغارية أقوى بكثير من دولتهم.ولما لم يكن أما الصرب أي بدائل أخرى فقد اتجهت النمسا للحصول على تأييدها بإعتبارها أحد القوى الكبرى, فما كان النمسا إلا أن أصرت على إجراء مفاوضات عاجلة لعقد إتفاقية إقتصادية بين الطرفين تم توقيعها في 8 يوليو 1878 بمعرفة ريستش وآندراسي كانت أكثر فائدة للنمسا وأقل إضراراً بمصالح الصرب, تناولت مشكلات التجارة والسكك الحديدية وحق النمسا في تحسين الملاحة في نهر الدانوب عند البوابات الحديدية كما تضمنت مادة بشأن عقد معاهدة في المستقبل بشأن التوحيد الجمركي بينهما.

ورغم أنه لم يسمح لأي حكومة بلقانية بالإشتراك إشتراكاً كاملاً في أعمال مؤتمر برلين, إلا أ، كل حكومة تمكنت من إرسال ممثلين لها لتوضيح وجهة نظرها أمام الجلسات التي كانت تخصص للمسائل المتصلة إتصالاً مباشراً بها. وفي كل الأحوال لم تفلح الحجج التي قدمها أولئك الممثلون في تغيير أي قرار من القرارات الكبرى, فمثلاً تحدث براشيانو وكوجلينشينو حديثاً طويلاً إحتجاجاً على فقدان بلادهم (الصرب) لجنوبي بسارابيا دون جدوى, وكذلك أبدى ديليانيس (رئيس حكومة اليونان) حججاً قوية بشأن حق بلاده في تراقيا وتساليا وكريت.وبينما كانت فرنسا تؤيد اليونان دون تحفظ, بدا لوهلة أن بريطانيا قد تؤيد مطالب اليونان كنوع من كبح مكاسب السلاف.

على كل حال . . لقد كانت معاهدة برلين التيتم التوصل إليها في ختام أعمال المؤتمر أهم الإتفاقيات قاطبة بالنسبة لشعوب البلقان خلال القرن التاسع عشر, وكان الإختلاف الرئيسي بينها وبين معاهدة سان ستيفانو ما يتعلق فقط بأراضي بلغاريا الكبرى التي قسمت بلغاريا إلى ثلاثة أجزاء وهي: بلغاريا (الحقيقية) وهي منطقة شمال جبال البلقان تشمل صوفيا وتصبح إمارة ذات حكم ذاتي تابعة للدولة العثمانية وتدفع جزية, والجزء الثاني يتكون من شرق روميليا جنوب الجبال ويكون ولاية شبه جكم ذاتي يحكمها مسيحي يختاره السلطان العثماني وتوافق عليه الدول الكبرى, والجزء الثالث وهو مقدونيا وتراقيا تستعيده الدولةالعثمانية. وتبقى القوات الروسية في بلغاريا الأصلية لمدةتسعة أشهر. أما الجبل الأسود فقد تم الإعتراف بإستقلالها وتقلصت مكاسبها ولكنها ظلت تحصل على توسعات إقليمية ملحوظة ولها مغزاها. وأما الصرب فقد أضافت لمساحتها مائتي ميل مربع من الأراضي بضمها كل من نيش وبايروت Pirot وفرانيه Vranje وليس فقط مائة وخمسون كما كانت تأمل كما تم الإعتراف بإستقلالها. أما بالنسبة لرومانيا فقد ظلت أمورها كما تم الإتفاق عليه في معاهدة سان ستيفانو وتم ربط الإعتراف بإستقلالها بشروط تتعلق باليهود سوف نناقشها فيما بعد.

وأما اليونان فلم تحصل على أية أراضي بشكل مباشر, ذلك أن المؤتمر دعاها والدولة العثمانية للتفاوض لضبط الحدود بينهما في تساليا وإيبروس ونصت المادة 24 من المعاهدة على أنه ف يحالة فشل المفاوضات فإن الدول الكبرى سوف تتوسط في الأمر. وقد حاولت اليونان تنفيذ هذا القرار بسرعة لكن الدولة العثمانية-كما كان متوقعاً-كانت تعمل قدر الإمكان على تأخير بدء التفاوض. وأخيراً إلتقى الطرفان في بريفيرا Preveza في فبراير 1879 ولما أخفقت المفاوضات بينهما إضطرت القوى الكبرى للتدخل حيث عقد مؤتمر في الآستانة من أغسطس إلى نوفمبر 1879 دون التوصل إلى شيء. لكن قضية اليونان حصلت على مساعدة من خلال وجود حكومة ليبرالية في بريطانيا في 1880 برئاسة وليام جلادستون عاشق الهللينية, وعلى هذا وفي مؤتمر دولي عقد في برلين في يونية 1880 حصلت اليونان علىتسوية حدود مرضية.ولكن فرض التسوية كان يستدعي إستخدام القوة فلم تكن الدولة العثمانية هي الوحيدة التي إعترضت على التسوية بل إن الألبانيين-كما حدث عند تسوية حدود الجبل الأسود-قاوموا أي تغيير للحدود. وأخيراً وفي يوليو 1881 نجحت القوى الكبرى في تسوية المسألة حيث أخذت اليونان تساليا وجزء من إيبروس فقط وهي مساحة أقل مما كانت تأمل ثم رسمت الحدود بشكل نهائي في عام 1882.

على أن التوسع الإقليمي لم يقتصر على الكيانات الصغرى بل إن الدول الكبرى تمتعت بهذا التوسع حي ثحصلت روسيا على جنوبي بسارابيا,وحصلت النمسا على حق إحتلال البوسنة والهرسك وإدراتهما وكذا إدارة سنجقية نوفي بازار. وأكثر من هذا أن الدولة العثمانية أرغمت على أن تتنازل لروسيا عن باطوم وقارص وأردهان وهي مناطق آسيوية فضلاً عن خسائرها في أوروبا ذاتها كما راينا,كما حصلت بريطانيا على جزيرة قبرص بمعاهدة منفصلة. وفي كل هذه التسويات والتوسعات كانت الدولة العثمانية هي الضحية الرئيسية لمعاهدة برلين ذلك أنكل من الصرب والجبل الأسود ورومانيا أصبحت دولاً مستقلة وأصبحت بلغاريا تتمتع بحكم ذاتي, ولو أن الدولة العثمانية ظلت تحتفظ بسيطرتها على تراقيا ومقدونيا والأراضي الألبانية وهي مناطق مصيرها إلا بعد خمس وثلاثين عاماً.

والخلاصة أنه بعد مؤتمر برلين أعادت القوى الرئيسية في أوروبا بناء تحالفاتها. ففي 1879 عقدت المانيا والنمسا حلفا ثنائياً إنضمت إليه إيطاليا في 1882 فأصبح يعرف بالحلف الثلاثي وظل قائماً حتى الحرب العالمية الأولى. وفي 1881 تجاوزت روسيا والنمسا ما بينهما من جراح قديمة ووقعتا مع المانيا إتفاقية أنعشت تحالف الأباطرة الثلاثة. وكانت المادة الثانية في معاهدة هذا التحالف تخص البلقان وتقضي بالتصرف الجماعي لمواجهة أية تغيرات قد تحدث هناك. كما نص التحالف على أن تقوم المانيا والنمسا بتأييد التفسير الروسي للإتفاقيات الدولية في حالة غلق المضايق العثمانية. وأبدى الثلاثة إستعدادهم لقبول رغبة روسيا في توحيد بلغاريا وشرقي روميليا مستقبلاً, وضم النمسا للبوسنة والهرسك حال تكون الفرصة متاحة في أي وقت. وبهذه التحالفات تم تأسيس توازن بين القوى الكبرى في البلقان على حين ظلت فرنسا معزولة عن هذه الترتيبات حتى تسعينيات القرن التاسع عشر.

تدخل القوى العظمى

التأثير على رومانيا

المقالة الرئيسية: حرب الاستقلال الرومانية

التأثير على مسلمي ومسيحيي بلغاريا

كساء اللاجئين الأتراك في شومن


اللاجئون المسلمون في آيا صوفيا


أثر دائم

حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية

انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ See the full text of Hatt-ı Hümayun
  2. ^ Vatikiotis, P. J. The Middle East. London: Routledge, 1997, p. 217 ISBN 0-415-15849-4
  3. ^ أ ب Country Studies: Lebanon, U.S. Library of Congress, 1994
  4. ^ p. 219 of "The Druzes and the Maronites under the Turkish rule from 1840 to 1860" by C. Churchill, London: B.Quaritch, 1862
  5. ^ Shaw, Stanford J. and Ezel Kural Shaw. History of the Ottoman Empire and Modern Turkey: Volume 2, Reform, Revolution, and Republic: The Rise of Modern Turkey 1808–1975. Cambridge: Cambridge University Press, 1977, pp. 142–143 ISBN 0-521-29166-6.
  6. ^ Shaw, Stanford J. and Ezel Kural Shaw. History of the Ottoman Empire and Modern Turkey: Volume 2, Reform, Revolution, and Republic: The Rise of Modern Turkey 1808–1975. Cambridge: Cambridge University Press, 1977, pp. 142–143 ISBN 0-521-29166-6.

للاستزادة

  • Acar, Keziban (March 2004). "An examination of Russian Imperialism: Russian Military and intellectual descriptions of the Caucasians during the Russo-Turkish War of 1877–1878". Nationalities Papers 32 (1): 7–21. doi:10.1080/0090599042000186151. 

وصلات خارجية

Video links

130 years Liberation of Pleven (Plevna)