مستخدم:Muneerasaad
التغيير الحضاري لدى مالك بن نبي
حينما ننظر إلى الأشياء من الوجهة الكونية ، فإننا نرى الحضارة تسير كما تسير الشمس فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب ، ثم متحولة الى افق شعب آخر .
ولقد اهتم معظم المؤرخين ابتداء من العالم توسيديد حتى العالم جيزو بتجميع الوقائع التاريخية بدل ان يهتموا بالبحث في تفسير عقلي لهذه الوقائع في إطار معين . فلما جاء جيزو بدأ علم التاريخ يأخذ عنده صبغة علمية معينة و ذلك بفضل عصر النور. أما ابن خلدون فقد تمكن من قبل من اكتشاف منطق التاريخ في مجرى احداثه ، فهو المؤرخ الأول الذي قام بالبحث عن المنطق وقد أعاد صياغته وقد توقف مصطلح عصره عند ناتج الدولة فقط وليس الحضارة التي تعنى اليوم .
كان القرن التاسع عشر هو القرن الذي ولدت فيه أول تفسيرات للوقائع الاجتماعية في اطار ظاهرة معينة هي الحضارة ومنهم العالم ماركس ومدرسته التي أثارت منطق الجدلية المادية في الواقعة الاجتماعية ، وقد ذهب ماركس الى ان كل اكتمال تاريخي لا يكون إلى نتيجة للضرورات المادية وحاجات الانسان المادية . أما في القرن العشرين فقد شوهد بوادر تفتح مناهج أخرى للتفسير ينفسح فيها المجال داخل تكوين الحضارة لعوامل أخرى ، غير العوامل المقصورة على حاجة الانسان المادية ووسائل الإنتاج .
وفي هذه المقالة سنلخص نظرية الحضارة وشروطها والمراحل التي تمر بها والنقد الموجه لها لدى العالم مالك بن نبي .
فمن هو مالك بن نبي ؟
هو مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن المصطفى بن نبي . ولد في مدينة ( تبسة ) التابعة لولاية ( قسنطينة ) بالجزائر ، في يناير عام ( 1905م ) ، من عائلة فقيرة محافظة . ومن المهد تلقى رعاية تربوية من والدية حرصا على رعايته وتربيته ، خوفا من تلوثات المستعمر مع كون العائلة ملتزمة بالتقاليد الدينية .
درس بالمدارس الفرنسية الى جانب تلقيه عن معلميه العرب في المساجد والحلقات الخاصة وشكل شكل التلقي أولوياته في الثقافة العربية والإسلامية. وقد كان للوسط الثقافي في مدينته ولمكتبة النجاح أيضاً درواً مهما في تكوين الثقافة لديه .
بعد انتهاء المرحلة الثانوية قرر ان يواصل دراسته في الخارج وكان الخيار الذي يلوح أمامه هو الدراسة في فرنسا. وكان ينوي دراسة الحقوق ولكن لم يتم قبوله فتوجه الى الدراسة في الحقول العلمية . وقد تعلم أيضا شيئا من الكيمياء والهندسة والرياضيات والفيزياء .
وقد امضى في فرنسا اكثر من ثلاثين سنة . ثم عاد بعد ذلك الى وطنه الجزائر في عام 1963هـ وقد عُيّن في مناصب كثيرة في الجزائر كان غالبها في التعليم . وقد اصدر عددا من الكتب حين عودته منها : كتاب ( آفاق جزائرية ) وكتاب ( مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ) وكتاب ( المسلم في عالم الاقتصاد ) وكان القاسم المشترك بين مؤلفاته المشكلات الاجتماعية بعد الاستقلال الذي حظت به الجزائر .
مشكلة الحضارة :
لقد عاشت فكرة الحضارة في فكر ووجدان بن نبي وشغلت تفكيره في كل كتاباته ، إلى درجة نستطيع أن نقول معها إن الفكر الإسلامي المعاصر لم يشهد مفكراً شغلته مشكلة الحضارة مثل مالك بن نبي ، الذي يعتبر شخصية فكرية خصبة جديرة بالدراسة ، وهو المفكر الذي اهتم بجانب الحضارة وفلسفة التاريخ والاجتماع ، وشغلته مشكلات أمته فعالجها بروح موضوعية .
وقد كان واعيا لهذه المشكلة وصرف جهده العلمي في دراستها فهو يقول : " أعتقد أن المشكلة التي استقطبت تفكيري واهتمامي منذ ربع قرن وحتى الان ، هي مشكلة الحضارة ، وكيفية إيجاد الحلول الواقعية لها وإزالة التناقض بين النجاح المادي والتخلف المعنوي ، أعني تخلف القيم واهمالها ، ولقد شعرت منذ فترة طويلة وعلى وجه التحديد منذ وصولي الى اوربا لتلقي العلم أن المجتمعات المعاصرة بالغة التعقيد ومتعددة الأنواع " . وقد كان يقول بأنها المشكلة الرئيسية التي تواجه الأمة الإسلامية .
مفهوم الحضارة لدى مالك بن نبي :
" جملة العوامل المادية والمعنوية التي تتيح لمجتمع ما ان يوفر لكل فرد من أعضائه جميع الضمانات الاجتماعية واللازمة لتقدمه "
ونلاحظ في هذا التعريف انه لم ينحصر مفهوم الحضارة على الجوانب المادية فقط كالمدينة بل على الجوانب المعنوية ايضاً . و الملاحظ في هذا التعريف ان الحضارة لا تعني تقدم وتطور طبقا او فصيلة اجتماعية معينة أو الطبقة المثقفة أو المتعلمة وإنما الحضارة هي ظاهرة اجتماعية شاملة ومستوعبة لكافة الطبقات والشرائح ينتعش فيها كل فرد ويحيا حياة سعيدة في عدل وامن رفاهية .
وهذا يعني أن الحضارة تتولد من عالم الأفكار وتتحول إلى نظام اجتماعي مشروع قانونياً وحاكماً سياسيا على المجتمع ومؤطر بالضوابط الأخلاقية ضماناً للتوجيه السليم وخلقاً للحوافز الإنمائية و الاعمارية في نفسية أفراد المجتمع .
ومن تصورات ابن النبي أيضا أن الحضارة لا تستورد بل هي من أصل المجتمع ولا تشترى بعملةٍ أجنبية فهي كالقيم الأخلاقية و الاجتماعية والثقافية لا تستورد وعلى المجتمع الذي يحتاجها أن يلدها.
وهذا تصور فيه نقد صريح للاتجاهات العلمانية والليبرالية التي طالبت بتقليد منتجات الحضارة الغربية واعتباره المنهج الأمثل لنقل العالم الإسلامي من التخلف والانحطاط إلى الحضارة والازدهار كاعتقاد طه حسين .
وتأكيدا على هذا الكلام فقد ورد في أحد التقارير الهامة التي أصدرتها جامعة ( سومكس ) في جنوب إنكلترا بأن مستقبل الدول النامية لا يمكن في اتباع نموذج التطور الغربي الرأسمالي ، الذي نستطيع رفضة باطمئنان بعد ( 30 عاماً ) من الدراسة باعتباره فشلا تاماً ، ولكنه يمكن في تقريرها لمستقبلها بنفسها وتطويرها خطة للحضارة خاصة بها وذلك العمل سوف يتطلب تغييرا كاملاً أو جزئياً للاتجاهات الحالية في الدول النامية .
مراحل الحضارة :
فلسفة الحضارة لدى مالك بن نبي قائمة على أساس حركة التعاقب الدوري أو ما يسمى بـ ( الدورة الحضارية ) . ويقابل هذه النظرية عند الفلاسفة والمفكرين نظريتان : الأولى نظرية حركة التقدم الصاعد للحضارة وأن التاريخ والمجتمع في حالة تطور دائم ومتصاعد ومن رواد هذه النظرية العالمان باسكال و أوجست كونت . والنظرية الثانية حركة النكوص والتدهور المستمر للحضارة ، ومن أصحاب هذه النظرية الأديب المشهور (برناردشو ) .
أما نظرية التعاقب الدوري فهي من اشهر النظريات التاريخية ومن دعاتها مفكر علم الاجتماع الإسلامي ( ابن خلدون ) .
ومراحل الحضارة لدى مالك بن نبي كما شرحها إن كل مجتمع تاريخي معاصر او مندثر يحتل مركزا محددا على محور يمثل جميع مراحل التطور ويقسمها التاريخ الى ثلاثة أنواع : مرحلة المجتمع قبل التحضر و مرحلة المجتمع المتحضر ومرحلة المجتمع بعد التحضر .
وعن تطبيق هذه المراحل على المجتمع الإسلامي قبل نشأته نرى انه حينما نتتبع تاريخ تطور هذا المجتمع بداية التاريخ الهجري تتجلى لنا المراحل التي مرَّ بها ودلالتها النفسية والاجتماعية .
ففي البداية كان المجتمع مجتمعاً قبليا صغيراً يعيش في شبه الجزيرة العربية في حياة ثقافية محدودة . مثل البيئة الجاهلية ، والجدير بالذكر ان المجتمعات في مرحلة ما قبل التحضر يكون عالم الأشياء فقيرا للغاية وتكون الأشياء بذاتها بدائية مثل السيف والرمح . وعلى كل حال ستعود الأشياء من جديد لتفرض سيطرتها على الانسان في مجتمع ما بعد التحضر الذي تمتع كما في كل المجتمعات بعالم مكتظ بالأشياء ، ولكنها خالية من الحياة ومن الحركة الديناميكية الاجتماعية ، ومهما يكن من أمر فإن عالم الأشخاص في المجتمع الجاهلي قد انحصر في حجم القبيلة . أما عالم الأفكار بالنسبة له فهو عالم القصائد العربية المشهورة . وهكذا كان وجه المجتمع الجاهلي المنطوي على نفسه والذي كانت تتلاشى على أرباضه حركات المد والجزر التاريخية للأمم العظيمة التي جاورته مثل : الدولة البيزنطية ، والفارسية ومملكة الحبشة .
وفجأة سطع نور في غار وهو غار حراء حيث كان يتحنّث انسان منعزل ، وحمل وميض ضوء رسالة بدأت بكلمة ( اقرأ ) فمزقت هذه الكلمة ظلمات الجاهلية وقضت على عزلة المجتمع الجاهلي .
وبزغ مجتمع جديد بدأ يتفاعل مع الدنيا والتاريخ وشرع في هدم ما بداخله من حدود قبلية ليؤسس عالمه الجديد . واستمر الامتداد حتى نقطة الانتكاس والارتداد حيث تجمدت الفكرة وأصبحت المسيرة إلى الوراء ورجع المجتمع الإسلامي على أعقابه ...
وهكذا توقف الامتداد وانغلق الطريق على نفسه وأصبح المجتمع الإسلامي المتقهقر أخيراً في عصر ما بعد الحضارة وذلك من عدة قرون .
وبشكل اخر من التحليل يقسم مراحل الحضارة إلى ثلاثة مراحل : مرحلة الروح ومرحلة العقل ومرحلة الغريزة .
ففي مرحلة الروح يتسم المجتمع بقوة الإرادة وبحماسة النهضة وهذه بدايات التحضر . ثم ينتقل المجتمع الى مرحلة العقل وهي مرحلة الحضارة وبعد ان يصاب العقل بالتعب ويفقد تدريجيا قوته الأخلاقية التوجيهية نحو البناء ، يدخل مرحلة الغريزة وهي مرحلة بداية التخلف وما بعد الحضارة ، وبسيطرة مرحلة الغريزة ينتكس العقل ويفقد قيمته الخلاقة في الابداع والبناء والاعمار ، وتتولد حينئذ مضاعفات التخلف والتي نعايش اثارها في ظروفنا الراهنة اليوم .
شروط الحضارة :
ما يمز نظرية بن نبي في شروط النهضة في العالم الإسلامي نحو بناء الحضارة ، أنها جاءت جديدة وابداعية ، ولم تكن مقتبسة من نظريات سابقة أو حديثة . وقد أثارت هذه النظرية انتباه البعض وإشكالية البعض الآخر ، وهناك طرف ثالث اعتبرها ناقصه وأنها أقرب إلى المدينة من الحضارة .
وتناول بن نبي هذه النظرية بالشرح في أحد أهم كتبه وهو (شروط النهضة) والذي كان له طبعتان الأولى باللغة الفرنسية والأخرى باللغة العربية .
شروط الحضارة في تصور بن نبي تتكون من ثلاثة أعمدة أساسية : الإنسان والتراب والوقت. وهذه العناصر الثلاثة لا تقوم بوظيفتها الحضارية إلا إذا توفر ما يصطلح عليه بن نبي ( مركب الحضارة) ويقصد به الفكرة الدينية وتوضيحاً لهذه الفكرة يشير : ( ومع ذلك فإن مجموعها ناتج للإنسان والتراب والوقت معاً فلم لا يوجد هذا الناتج تلقائياً حيثما توفرت هذه العناصر الثلاثة ؟
فهو كالمعاملات الكيميائية مثل الماء فهو ناتج عن تفاعل الهيدروجين و الأكسجين .
وفي ما يلي شرح ابن نبي لهذه العناصر الثلاثة ومعالجة اللبس الغامض الموجود في مفهوم التراب ومدى مصداقيته في بناء الحضارة :
العنصر الأول "الانسان ":
" إن كل تفكير في مشكلة الانسان هو تفكير في مشكلة الحضارة ومشاكل الانسان تختلف باختلاف بيئته فالإنسانية لا تعاني مشكلة واحدة بل مشاكل متنوعة، تبعاً لتنوع التاريخ .
فلا يمكن لنا ان نقارن في الوقت الحاضر بين رجل أوربا المستعمر ، ورجل العالم الإسلامي ، لأن كليهما في تطور تاريخي خاص به ...
فالأمر في الحالة الأولى يتعلق بحاجات غير مشبعة ، وديناميكية مضطربة ، على حين يتعلق في الأخرى بعادة راكدة وضعت الفرد في حالة توازن خامد ، وخمول تام في الوقت الذي خطت فيه الحضارة خطوات العماليق ...
وعليه فالأمر متصل بمشكلتين مختلفتين في أساسهما ، فهناك هم في حاجة الانسان الى مؤسسات بينما هنا إلى رجال فمن الرجل تنبع المشكلة الإسلامية بأكملها " واذا عالجنا مشكلة الانسان انطلق نحو تسخير التراب واستثمار الوقت باتجاه بوصلة الحضارة .
العنصر الثاني " التراب " :
حينما نتكلم عن التراب ، لا نبحث في خصائصه وطبيعته ، فليس هذا البحث من موضوع الكتاب . ولكننا نتكلم عنه من حيث قيمته الاجتماعية وهذه القيمة الاجتماعية المستمدة للتراب ، مستمدة من قيمة مالكيه فحينما تكون قيمة الأمة مرتفعة وحضارتها متقدمة ، يكون التراب عالي القيمة وحيث تكون الامة متخلفة يكون التراب على قدرها من الانحطاط .
والمقصود من التراب الإمكانيات والطاقات والثروات المعدنية والزراعية وغيرها التي تتوفر في مجتمع من المجتمعات .
العنصر الثالث " الوقت " :
بتحديد فكرة الزمن يتحدد معنى التأثير والإنتاج ، وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا ، وهذا المعنى الذي لم نكسبه بعد هو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط في تكوين المعاني والأشياء . فالحياة والتاريخ الخاضعان للتوقيت كان وما يزال يفوتنا قطارهما فنحن في حاجة ملحة إلى توقيت دقيق وخطوات واسعة لكي نعوض تأخرنا .
وهذه باختصار نظرية مالك بن نبي في الحضارة وكيفية حدوثها والمراحل التي تمر بها والشروط الرئيسة لتَكوّن الحضارة .
النقد الموجه لهذه النظرية :
هناك من نظر لهذه النظرية على انها ذات دلالة على وعي علمي بأساس المشكلة وقدرة على تحديد مستندات النهوض . وهناك أيضا من اعتبر انها احتوت على جانب كبير من الخطأ وهو ما ذهب اليه الأستاذ غازي التوبة .
فقد انتقد المعادلة التي طرحها بن نبي وهي ( انسان + تراب + وقت = حضارة ) حيث قال الأستاذ غازي " وقع ابن مالك في خطأ فكري كبير حيث انه ليس بالضرورة أن يكون استغلال الانسان للوقت والتراب ان يعطي حضارة فقد يكون ( انسان + تراب + وقت = دمار ) ، والوضع الصحيح للمعادلة هو : انسان متوازن = حضارة ، فقد يكون الانسان المسلم المتوازن حتماً حضارة .
وأما عن وجهة نظر الأستاذ جودت سعيد حول نظرية بن نبي في عناصر الحضارة ، بأنها على جانب كبير من النضج الحضاري لكنها افتقدت تحديد المراحل وخطواتها وأغفلت دور القيادة ونوعية النظام السياسي في المجتمع والذي يشكل منطقة القلب في الأمة ، وعنصر تنظيم الطاقات وتوجيهها في نسق الخطة والنظام .
الحضارة يحتاج لها تاريخ يختزل التضحيات الكبيرة ، والأعمال الرائدة والخطط الدقيقة والرجال من أصحاب العقول والهمم والعالية ، فلم توجد حضارة في التاريخ صدفة أو من فراغ أو من دون تاريخ مرير ، فالحضارة بناء طويل ومستمر لا ينقطع حبله من التاريخ .
المراجع :
1. سعيد،جودت(1998م). مالك بن نبي ومشكلات الحضارة ، دار الفكر المعاصر ، بيروت .
2. همام،محمد(2012م). مشكلات الحضارة ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت .