قصيدة ابن رشيق في اجتياح بني هلال للقيروان

سقطت القيروان في يد قبائل بني هلال الغازية من المشرق في 1057 م، التي أرسلها الخليفة الفاطمي المستنصر بالله من مصر كعقاب لتحول ابن باديس الزيري إلى المذهب السني وموالاة الخليفة العباسي.

وقد فر ابن رشيق القيرواني من القيروان مع الزيريين إلى المهدية، ثم واصل من هناك إلى صقلية، حيث أنشد هذه القصيدة في اجتياح القيروان.

كَمْ كانَ فيها منْ كِرامٍ سادة ٍ      بِيضِ کلْوُجوهِ شَوامِخِ کلإِيمانِ
مُتَعاوِنينَ على الدِّيانة ِ والتُّقى لله في کلإِسْرارِ وَکلإِعْلانِ
وَمُهَذَّبٍ جَمِّ کلفَضائِلِ باذِلٍ لِنَوَالِهِ وَلِعرْضِهَ صَوَّانِ
وَأَئِمَّة ٍ جَمَعُوا العُلومَ وَهَذَّبُوا سُنَنَ الحَديثِ وَمُشكِلَ القُرآنِ
عُلَماءَ إِنْ سَاءَلْتَهُمْ كشَفُوا کلْعَمَى بِفَقاهة ٍ وَفَصاحَة ٍ وَبَيانِ
وَإِذا کلأمُورُ کسْتَبْهَمَتْ وَکسْتَغْلَقَتْ أَبْوابُها وَتَنازَعَ کلْخَصْمانِ
حَلُّوا غَوامضَ كُلَّ أَمرٍ مُشكِلٍ بِدليلِ حَقٍّ واضِحِ کلبُرْهانِ
هَجَروا کلمَضاجِعَ قانِتينَ لِرَبِّهِمْ طَلباً لِخَيْرِ مُعَرَّسٍ وَمغانِ
وَإذا دَجا اللَّيْاُ البَهيمُ رَأَيتَهُمْ مُتَبَتِّلينَ تَبَتُّلَ الرُّهبانِ
في جَنَّة ِ کلْفِرْدَوْسِ أَكْرَمِ مَنْزِلٍ بَيْنَ کلْحِسانِ کلْحُورِ وَکلْغِلْمانِ
تَجِرُوا بِها الفِردوسَ مِنْ أَرباحِهم نِعْمَ التِّجارَة ُ طاعَة ُ الرَّحْمَانِ
المُتَّقينَ کلله حَقَّ تُقاتِهِ وَالعارِفينَ مَكايدَ الشَّيطانِ
وَتَرى جَبابِرَة َ کلمُلوكِ لَدَيْهِمُ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسَ کلأَذْقانِ
لا يَستَطيعُونَ الكلام مَهابَة ً إلاَّ إِشارَة َ أَعيُنٍ وَبَنانِ
خافُوا کلإِلهَ فَخافَهُمْ كُلُّ الْوَرَى حَتَّى ضِراءُ کلأُسْدِ في کلْغِيلانِ
تُنْسيكَ هَيْبَتُهُمْ شَماخَة َ كُلِّ ذي مُلْكِ وَهَيْبَة َ كُلِّ ذي سُلْطانِ
أَحْلامُهُمْ تَزِنُ کلْجِبالَ وَفَضْلُهُمْ كالشَّمْسِ لا تَخْفى بِكُلِّ مَكانِ
كانَتْ تُعَدُّ القَيرَوانُ بِهِمْ إذا عُدَّ المَنابِرُ زَهرَة َ البُلدانِ
وَزَهتْ على مِصْرٍ وَحقَّ لَها كَما تَزْهُو بِهِمْ وَغَدَتْ على بَغدانِ
حَسُنَتْ فَلما أَنْ تَكامَلَ حُسْنُها وَسَما إِليْها كُلُّ طَرفٍ رانِ
وَتَجَمَّعَتْ فيها الفضائلُ كُلُّها وَغَدَتْ مَحَلَّ کلأَمْنِ وکلإِيمانِ
نَظَرتْ لها الأَيَّامُ نَظْرَة َ كاشِحٍ تَرْنُو بِنَظْرَة ِ كاشِجٍ مِعْيانِ
حَتَّى إِذا الأَقدارُ حُمَّ وُقُوعُها وَدَنا کلقَضاءُ لِمُدَّة ٍ وَأوَانِ
أَهْدَتْ لَها فِتَناً كَلَيْلٍ مُظْلِمٍ وَأَرادَها كالنَّاطِحِ العِيدانِ
بِمَصائِبٍ مِنْ فادعٍ وأَشائِبٍ ممَّنْ تَجَمَّعَ مِنْ بَني دَهْمانِ
فَتَكوا بأمَّة ِ أَحْمَدٍ أتُراهُمُ أَمنُوا عِقابَ اللهِ في رَمَضانِ
نَقَضُوا کلعُهُودَ کلمُبْرَماتِ وَأَخْفَرُوا ذِممَ الإلهِ وَلَم يَفُوا بِضَمانِ
فاسْتَحْسنوا غَدْرَ کلْجِوارِ وَآثَرُوا سَبْيَ کلْحَريمِ وَكَشْفَة َ النِّسْوانِ
سامُوهُمُ سُوءَ العَذابِ وَأَظْهَروا مُتَعَسِّفينَ كَوَامِنَ الأّضْغانِ
وَالمُسلِمونَ مُقَسَّمونَ تَنالُهُمْ أَيْدِي کلعُصاة ِ بِذِلَّة ٍ وَهَوانٍ
ما بَيْنَ مُضْطَرٍّ وَبَيْنَ مُعَذَّبٍ وَمُقَتَّلٍ ظُلْماً وَآخَرَ عانِ
يَسْتَصْرِخُونَ فلا يُغاثُ صَريخُهُمْ حَتَّى إِذا سَئِمُوا مِنَ کلأرْنانِ
بادوا نُفُوسَهُمُ فَلَمَّا أَنْفَذُوا ما جَمَّعوا مِنْ صامتٍ وَصوانِ
وَکسْتَخْلَصوا مِنْ جَوْهَرٍ وَمَلابسٍ وَطرائِفٍ وَذَخائِرٍ وَأَوانِ
خَرَجُوا حُفاة ً عائِذينَ بِرَبِّهِمْ مِنْ خَوفِهِمْ وَمَصائبِ الأَلوانِ
هَرَبُوا بِكُلِّ وَليدَة ٍ وَفَطيمَة ٍ وَبِكُلِّ أَرْمَلَة ٍ وَكُلِّ حَصانِ
وَبِكُلِّ بكْرِ كالمَهاة ِ عَزيزَة ٍ تَسْبي العُقُولَ بِطَرْفِها الفَتَّانِ
خُودٍ مُبَتَّلَة ِ الوِشاحِ كأَنَّها قَمَرٌ يَلوحُ على قَضيبِ البان
وَالمَسجِدُ المَعْمُورُ جامِعُ عُقْبَة ٍ خَرِبُ المعاطِنِ مُظْلِمُ الأَرْكانِ
قَفْرٌ فَما تَغْشاهُ بَعْدُ جَماعَة ٌ لِصَلاة ِ خَمسٍ لا ولا لأَذانِ
بَيْتٌ بِهِ عُبِدَ الإلَهُ وبُطِّلَتْ بَعْدَ الغُلُوِّ عِبادَة ُ الأَوثانِ
بَيْتٌ بِوَحْي اللهِ كانَ بِناؤهُ نِعمَ البِنا وَالمُبْتَنى وَالباني
أَعْظِمْ بِتِلْكَ مُصيبَة ً ما تَنْجَلي حَسَراتُها أَوْ يَنْقَضي کلمَلَوانِ
لَو أَنَّ ثَهْلاناً أُصيبَ بعُشْرها لَتَدَكْدَكتْ مِنْها ذُرا ثَهلان
حزِنَت لها كُوَرُ العِراقِ بأَسْرِها وَقُرى الشآمِ وَمِصرُ والخُرسانِ
وَتَزَعْزَعَت لمصابها وَتَنَكَّدَتْ أَسَفاً بلادَ الهندِ والسِّندان
وَعَفا مِنَ کلأَقْطارِ بَعْدَ خَلائِها ما بَيْنَ أَنْدَلُسٍ إلى حُلْوانِ
وَأَرى النُّجومَ طَلَعْنَ غَيْرَ زَواهِرٍ في أُفْقِهِنَّ وأظْلَمَ القمرانِ
وَأَرى کلْجِبالَ الشُمَّ أَمْسَتْ خُشَّعا لِمُصابِها وَتَزَعْزَعَ الثَّقلانِ
وَالأَرضُ مِنْ وَلَع بها قَدْ أَصْبَحَتْ بَعْدَ القَرارِ شَديدَة َ المَيَلانِ
أَتَرى کللَّيالي بَعْدَ ما صَنَعَتْ بِنا تَقْضي لَنا بِتَواصُلٍ وَتَدانِ
وَتُعيدُ أَرْضَ کلْقَيْرَوانِ كَعَهْدِها فيما مَضى مِنْ سالِفِ کلأَزْمانِ
مِنْ بَعْدِ ما سَلَبَتْ نَضَائِرَ حُسْنِها الـ أَيَّامُ وَاخْتَلَفَتْ بها فئَتانِ
وَغَدَتْ كأَنْ لَمْ تَغْنَ قَطُّ وَلم تَكُنْ حَرَماً عَزيزَ النَّصْرِ غَيْرَ مُهانِ
أَمْسَتْ وَقَدْ لَعِبَ الزَّمانُ بأَهلِها وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ عُرا کلأَقْرانِ
فَتَفَرَّقُوا أَيْدي سَبا وَتَشَتَّتُوا بَعْدَ اجتِماعِهِمُ على الأَوطانِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الهامش