صلح وستفاليا

(تم التحويل من سلام وستفاليا)
المصادقة على معاهدة مونستر.
دار البلدية التي تم فيها توقيع معاهدة السلام بين إسبانيا وهولندا

صلح وستفاليا الذي تم في 30 يناير 1648 و24 أكتوبر 1648 هو اسم عام يطلق على سلسلة من المعاهدات دارت المفاوضات بشأنها في مدينتي مونستر وأوزنابروك في وستفاليا. وقد أنهت هذه المعاهدات حرب الأعوام الثمانين وحرب الأعوام الثلاثين، ووقعها مندوبون عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وفرنسا، والسويد، والإمارات البروتستانتية التابعة للأمبراطورية الرومانية المقدسة. بموجبها كسبت فرنسا إقليم الألزاس، واستولت السويد على پومرانيا الغربية، واستولت دوقية براندنبورگ على پومرانيا الشرقية، واعترف باستقلال سويسرا والبلاد الواطئة.


كان الحكام ورجالهم الدبلوماسيون منذ 1635 يجسون النبض ويتحسسون الرأي من أجل السلام. وفي تلك السنة اقترح البابا أربان الثامن عقد مؤتمر لبحث شروط المصالحة، واجتمع المندوبون واجتمع المندوبون للتفاوض في كولون. ولكنهم لم يصلوا إلى نتيجة. وفي همبرج في 1641 صاغ ممثلو فرنسا والسويد والإمبراطورية اتفاقية مبدئية لينعقد مؤتمر مزدوج في وستفاليا في 1642، ففي مونستر تلتقي فرنسا مع الإمبراطورية لمعالجة مشاكلهما في ظل وساطة البابا والبندقية، وفي أوسنابروك، على بعد ثلاثين ميلاً، تلتقي فرنسا والإمبراطورية مع السويد لإجراء المفاوضات في ظل وساطة كريستيان الرابع ملك الدنمرك. وكان هذا الفصل "المطهر" ضرورياً بسبب عدم رغبة المندوبين السويديين في الاجتماع تحت رياسة ممثل البابا، ورفض ممثل البابا أن يجلس في صعيد واحد مع "الزنادقة".

وجاء التأخير نتيجة إجراءات الأمن وقواعد البروتوكول، واستحث انتصار تورستنسون في بريتنفيلد الإمبراطور إلى الوعد بأن مندوبيه سيصلون في 11 يوليه 1643، وتلكأ المندوبون الفرنسيون بينما كانت فرنسا تدبر التحالف مع المقاطعات المتحدة (في الأراضي الوطيئة) ضد أسبانيا. وافتتح مؤتمر وستفاليا شكلاً في 4 ديسمبر 1644، وضم 135 عضواً بما فيهم رجال اللاهوت والفلاسفة. وانقضت منذ ذاك اليوم ستة شهور في تحديد نظام الأسبقية في دخول المندوبين إلى القاعات وجلوسهم وما كان السفير الفرنسي ليدخل في المفاوضات إلا إذا خوطب بلقب "صاحب الفخامة". وعندما وصل السفير الأسباني تجنب السفير الفرنسي ونأى بنفسه عنه، لأن أياً منهما لا يعترف للآخر بالأسبقية، واتصل كل منهما بالآخر عن طريق شخص ثالث. ورفضت فرنسا الاعتراف لفيليب الرابع بلقب ملك البرتغال وأمير قطالونيا. كما رفضت أسبانيا الاعتراف بلقب ملك نافار للويس الرابع عشر. وتنازع المندوبون السويديون فيما بينهم وأضاعوا الوقت حتى صدرت إليهم أوامر الملكة الشابة الجزئية كريستينا بأن يصلحوا فيما بينهم. ثم يعقدوا مع العدو. وفي الوقت نفسه كان الرجال يذهبون إلى الحرب ليلقوا حتفهم.

وعلى قدر ما كانت جيوش كل فريق منتصرة أو مقهورة، تلكأ المندوبون في المفاوضات أو عجلوا بها، وشغل المحامون أيما شغل بخلق الصعوبات أو ابتداع الحلول الوسط ووسائل التوفيق، يحلون العقد أو يزيدونها تعقيداً. وكان قواد فرنسا يسيرون بخطى واسعة، ومن ثم فإنها أصرت على تمثيل كل أمراء ألمانيا في المؤتمر، على الرغم من أن معظمهم كان قد عقد الصلح مع الإمبراطور منذ أمد طويل. وطلب إلى الزمن أن يتوقف حتى يرسل كل الناخبين والأمراء والمدن الإمبراطورية ممثليهم، ورغبة في إضعاف مركز فرنسا، عمدت أسبانيا (8 يناير 1648) إلى توقيع صلح منفرد مع المقاطعات المتحدة-التي كانت لتوها قد وعدت فرنسا بعدم توقيع صلح منفرد، ولكن الهولنديين لم يكونوا ليضيعوا الفرصة التي لاحت لهم ليكسبوا بجرة قلم ما قاتلوا من أجله طيلة ثمانين عاماً. فكان جواب فرنسا على هذا أنها رفضت عقد الصلح مع أسبانيا، واستمرت الحرب بينهما حتى صلح البرينز 1659.

وكان يمكن أن ينفض المؤتمر دون نتيجة، لولا اجتياح تورن لبافاريا، وهجوم السويد على براغ (يوليه 1648) وهزيمة الأسبان في لنز (2 أغسطس) فإن هذه الأحداث كلها أقنعت الإمبراطور بالتوقيع، على حين أن ثورة الفروند في فرنسا (يوليه) أكرهت مزران على تقديم بعض التنازلات التي تطلق يده للحرب في الداخل. وعلى هذا، وقعت آخر الأمر معاهدة وستفاليا في مونستر وأورنابروك معاً في 24 أكتوبر 1648-واستمر سفك الدماء تسعة أيام أخر، حتى وصلت الأنباء إلى جبهات القتال، وتعالت صيحات "الشكر لله" خاشعة مبتهجة، من ألف قرية ومدينة.

ولا بد من التسليم بأن المفاوضات واجهت من مشكلات التوفيق ما هو أكثر تعقيداً من أية مشكلات واجهها مؤتمر صلح قبل القرن العشرين، وأنها عملت على تسوية المطالب المتعارضة بحكمه، قدر ما سمحت الكراهية والغرور والكبرياء والقوة والسلطة بين المجتمعين. ولا بد من تلخيص بنود هذه المعاهدة التي أعادت تشكيل أوربا من جديد، لأنها أوجزت وأخرجت قدراً كبيراً من التاريخ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النتائج

الحدود السياسية الداخلية

A simplified map of Europe after the Peace of Westphalia in 1648.
الامبراطورية الرومانية المقدسة في 1648.

1- حصلت سويسرا والمقاطعات المتحدة على اعتراف رسمي باستقلالهما.

2- حصلت بافاريا على البالاتينات العليا (الجنوبية)، مع صوتها الانتخابي.

3- أعيدت البالاتينات الدنيا (الشمالية)، بوصفها موطناً انتخابياً ثامناً، إلى شارل لويس بن فردريك المتوفى.

4- حصلت براندنبرج على بوميرانيا الشرقية وأسقفيات مندن وهالبرستاد وكامين، ووراثة أسقفية مجدبرج. وعاونت فرنسا أسرة هوهنزلرن الناشئة في الحصول على هذه الثمار اليانعة، بفكرة إقامة قوة أخرى ضد آل هبسبرج، وما كان منتظراً من فرنسا أن تتنبأ بأن براندنبرج ستصبح بروسيا التي سوف تتحداها على عهد فردريك الأكبر، ثم توقع بها الهزيمة على يد بسمارك.

5- ونالت السويد، بفضل انتصارات جيوشها أساساً، وبفضل مساندة فرنسا لها في المؤتمر، بشكل جزئي، أسقفيتي بريمن وفردن، ومدينتي ويزمار واستتن، ومنطقة مصب نهر الأودر، ولما كانت هذه كلها إقطاعيات إمبراطورية، فقد حصلت السويد على مقعد في الديت الإمبراطوري، ولما استولت بالفعل على ليفونيا وأستونيا وأنجريا وكاريليا وفنلندة فقد أصبحت الآن في عداد الدول العظمى، وسيدة البلطيق حتى جاء بطرس الأكبر.

6- واحتفظت الإمارات الألمانية بما كان قبل الحرب من "حريات" في مواجهة الأباطرة.

7- وكان على الإمبراطور أن يقنع بالاعتراف بحقوقه الملكية في بوهيميا والمجر. ومن ثم اتخذت إمبراطورية النمسا والمجر شكلها على أنها حقيقة واقعة في هيكل الإمبراطورية المقدسة. لقد انهارت اقتصاديات الإمبراطورية المعمرة، من جهة بسبب نقص السكان وتدهور الصناعة والتجارة أثناء الحرب، ومن جهة أخرى بسبب مرور المنافذ النهرية الكبيرة إلى دول أجنبية من منافذ الأودر والألب إلى السويد، والراين إلى المقاطعات المتحدة.

8- وكان أكبر الغنم لفرنسا التي مولت ثروتها السويديين المنتصرين، وفرض قوادها الصلح فرضاً. فسلمت إليها الألزاس فعلاً، مع أسقفيات متزوفردون وتول وحصن بريزاك على الجانب الألماني من الراين. وسمح الآن للويس الرابع عشر بالاستيلاء على فرانشن كونتية واللورين، وفق هواه وتحقيق هدف ريشليو-الذي كان الآن قد فارق الحياة-كسر شوكة آل هبسبرج ومد حدود فرنسا، وتمكين وحدة فرنسا ودفاعها، والإبقاء على فوضى الإمارات في الإمبراطورية، وعلى الصراع بين الأمراء والإمبراطور، وعلى النزاع بين الشمال البروتستانتي والجنوب الكاثوليكي، مما يحمي فرنسا من خطر ألمانيا موحدة. وحلت فرنسا محل أسبانيا- أو احتلت أسرة البورون مكان آل هبسبرج بوصفها قوة عظمى مسيطرة على أوربا، وسرعان ما علا لويس الرابع عشر إلى منزلة الشمس.

أما الضحية الخفية للحرب فهي المسيحية، لقد كان على الكنيسة الكاثوليكية أن تتخلى عن قرار إعادة أملاك الكنيسة، وأن تعود سيرتها الأولى إلى الوضع الذي كانت عليه ممتلكاتها في 1624، وترى الأمراء مرة أخرى يقررون عقيدة رعاياهم. ومهما يكن من أمر، فإن هذا مكن الكنيسة من إخراج البروتستانتية من بوهيميا موطن إصلاح هس. لقد قضى على الإصلاح المضاد، ومثال ذلك أنه لم يكن محل نزع أن تقيم بولندة المذهب الكاثوليكي في السويد البروتستانتية، بضعف ما كان عليه من قوة من قبل. ورفض ممثل البابا في مونستر أن يوقع المعاهدة. وفي 20 نوفمبر 1948 أعلن البابا إنوسنت العاشر "أنها غير ذات قوة شرعية ملزمة، ملعونة بغيضة، ليس لها أي أثر أو نتيجة على الماضي أو الحاضر أو المستقبل"(85). وتجاهلت أوربا هذا الاحتجاج. ومنذ تلك اللحظة لم تعد البابوية قوة سياسية عظمى، وأنحط شأن الدين في أوربا.

وكذلك احتج بعض البروتستانت، وخاصة أولئك الذين فقدوا مساكنهم في بوهيميا والنمسا. ولكن المعاهدة في جملتها-وهي ثمرة جهود كاردينال توفي وآخر حي-كانت نصراً للبروتستانتية التي أنقذت ألمانيا. لقد ضعفت في الجنوب وفي الراين، ولكنها في الشمال قويت عن ذي قبل، واعترفت المعاهدة رسمياً بكنيسة الإصلاح أو الكنيسة الكلفنية. وبقيت خطوط التقسيم الديني التي أقرت في 1648، دون تغيير جوهري حتى القرن العشرين، حين بدأ التغاير في معدلات المواليد أو نسب تزايد السكان، يوسع من رقعة الكثلكة بطريقة تدريجية سليمة.

ولكن على الرغم من إن الإصلاح الديني قد أنقذ، فإنه عانى، مع الكاثوليكية، من التشكك الذي شجعته بذاءة الجدل الديني. ووحشية الحرب، وقساوة العقيدة. وأعدم أثناء المعمعة آلاف من الساحرات. وبدأ الناس يرتابون في المذاهب التي تبشر بالمسيح وتقترف قتل الأخوة بالجملة. وكشفوا عن الدوافع السياسية والاقتصادية التي تسترت تحت الصيغ الدينية، وارتابوا في أن حكامهم يتمسكون بعقيدة حقة، بل أنها شهوة السلطة هي التي تتحكم فيهم-ولو أن فرديناند الثاني بسلطانه المرة بعد المرة، من أجل عقيدته. وحتى في أظلم العصور الحديثة هذه، ولى كثير من الناس وجوههم شطر العلم والفلسفة للظفر بإجابات أقل اصطباغاً بلون الدم من تلك التي سعت العقائد أن تفرضها في عنف بالغ. وكان جاليليو يفرغ في قالب مسرحي ثورة كوبرنيكس. وكنا ديكارت يثير الجدل حول كل التقاليد وكل السلطة. وكان برونويشكو إلى أوربا آلامه المبرحة وهو يساق إلى الموت حرقاً. لقد أنهى صلح وستفاليا سيطرة اللاهوت على العقل في أوربا، وترك الطريق إلى محاولات العقل واجتهاداته، غير معبد، ولكن يمكن المرور فيه.


المصادر

طالع أيضاً


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وصلات خارجية