خطاب إلى العقل العربي، 1978(كتاب)

خطاب إلى العقل العربي،

صدر هذا الكتاب عام ١٩٨٧(كتاب)

الكتاب بصيغة PDF
الكتاب بصيغة PDF

هو من اهم الكتب الذي كتبها د فؤاد زكريا يخاطب بها الوطن العربي وازمتة

الكتاب مقسم الي ثلاثة فصول

الفصل الأول: واقع الثقافة العربية

الفصل الثاني: الفكر والممارسة في الوطن العربي

الفصل الثالث: أضواء على العالم المعاصر


الفصل الأول: واقع الثقافة العربية

والمثل الأعلى للثقافة بهذا المعنى هو العلو إلى أقصى حد بالتكوين العقلي والروحي والأخلاقي للإنسان، وبطريقته في التفكير وتأمل العالم وتذوقه، أي أن تصبح الثَّقافة تكوينًا باطنًا، داخليًّا، تلقائيًّا في الإنسان، لا يعود معه محتاجًا إلى عون خارجي، وقد ذهب «هربرت ريد» إلى حد القول إنَّ المثل الأعلى للثَّقافة هو أن تختفي الثَّقافة، بمعنى أن تُصبح مُندمجة في شخصية الإنسان حتى دون أن تُعرَض على مسرح أو تُقدم في كتاب، ولا تعود الثَّقافة واعية، بل «صامتة» تكوِّن جزءًا من كيان الإنسان، ولكن هذا بطبيعة الحال شيء بعيد المنال، وقد عرضناه هنا لكي نوضح عن طريقه أكثر المعاني تطرُّفًا في فهم الثَّقافة، من حيث هي صقل وتهذيب للنفس البشرية.


الفصل الثاني: الفكر والممارسة في الوطن العربي

أمَّا في الأنظمة التي تستولي على الحكم بانقلابات عسكرية، وما أكثرها في وطننا العربي، فإن مبدأ الأمر والطَّاعَة يصبح هو المسيطر بلا منازع؛ ذلك لأن تكوين شخصية الضابط أو الجندي المحارب، في الجيش يعتمد أساسًا على تعويده أن يصبح إنسانًا مطيعًا، وانتزاع كل جذور النقد والتساؤل من شخصيته، فالجيش مؤسسة تقوم كلها على ترتيب هرمي يسود الرتب المختلفة فيه نظام صارم من الأمر والطَّاعَة، ومن المؤكد أن هذا النظام قد أثبت فعاليته في المهمة الأساسيَّة التي تضطلع بها الجيوش وهي القتال في سبيل الوطن، دفاعًا أو هجومًا، بدليل أن معظم جيوش العالم كانت وما تزال تأخذ به، ولكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين ينقل هذا النظام الصارم من ميدانه الأصلي، ويُصبح أساسًا لحكم مجتمع كامل، بحيث تغدو علاقة الحاكم بالمحكوم مماثلة لعلاقة الضابط الآمر بالجندي المطيع، فمثل هذه العلاقة تؤدي حتمًا إلى تخريب عقل المواطن وضياع قدرته على المشاركة في حل مشكلات مجتمعه، وتولِّد لدى الحاكم إحساسًا متضخمًا بذاته، حتى ليتوهم أن الوطن كله قد تجسد في شخصه، وما أكثر ما يمكن أن يُقال عن النتائج المأساوية المترتبة على تطبيق الأنظمة العسكرية الصارمة على مستوى المجتمع بأكمله، وتحويل مؤسسات الدولة إلى نماذج مبكرة للثكنات الحربية، ولن يكفينا تحقيقًا لأهداف هذا الحديث أن نُشير إلى أن مبدأ الطَّاعَة هو القيمة الأساسيَّة والفضيلة الكبرى لرجل الجيش، وهو الذي يغدو مسيطرًا حين يُدار المجتمع بأكمله على النسق المطبق في المؤسسة العسكريَّة.

إن الطَّاعَة وباء لا يفلت منه أحد، وإذا أطلقت لها العنان أصابت عدواها الجميع؛ ذلك لأن كل من يفرض الطَّاعَة على من هم دونه، يجد نفسه مضطرًّا إلى طاعة من يعلونه، فالأب الذي يمارس سلطات دكتاتورية على أبنائه وزوجته، يجد نفسه خاضعًا مُطيعًا في عمله، ومقهورًا مكبوت الحرية على يد حاكمه، وفي جميع الأحوال يظل التَّسلسل مستمرًّا، فلا أحد يفلت من ذل الطَّاعَة، ولا أحد يتنازل عن أية فرصة تسنح له كيما يمارس متعة فرض أوامره على غيره، حتى الحاكم المطلق يظل حبيس جبروته، لا ينام مطمئنًّا، ولا يسافر أو يتحرك إلا تحت أعين حراسه، ولا يملك في لحظة واحدة أن يعصي أمرًا لمن يتحكمون في شئون أمته وسلامته.