التبراع

التَّبْرَاع Tebraâ هو أدب نساء الصحراء.

تعريف

التَّبْرَاعْ جنس شعري نسوي خالص، يتداول في المجتمع الصحراوي بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وتنشده النساء تغزلا في المحبوب، وذلك بوصف خصاله وأخلاقه وإبراز صفاته، أو للتأسف على غيابه أو لعدم اكتراثه لما تشعر به، أو للشكوى من المجتمع وعاداته وغيرها من الموضوعات, تنشده النساء بعيدا عن أنظار الرجال، في مجلس نسائية خاصة تحيطها السرية التي لم تمنع روائع منه من الوصول إلى أفواه المنشدين والمنشدات والمغنيين والمغنيات، ومنه إلى عموم المجتمع عبر أبيات شعرية متناثرة، تعود إلى حقب طويلة من الزمن، أو من خلال قصائدكاملة تحكي أحداث وقصص غرامية وتاريخية استحق معه "التبراع" أصله اللغوي المتمثل في البراعة والتبرع والجمال[1]والسخاء.

لغويا

يعود الأصل اللغوي لتَّبْرَاعْ إلى معنيين؛ الأول مرتبط بالتفوق والجمال، وفيه قال صاحب "القاموس المحيط": ( برّع... براعة وبروعا، فاق أصحابه في العلم وغيره، أو أتم في كل فضيلة وجمال فهو بارع وهي بارعة ... وأمر بارع جميل، والبريعة الفائقة الجمال والعقل . وهو كما ورد في (اللسان) من بَرَع، يَبرُع، بُروعاً وبراعة، وبَرُعَ فهو بارع، ويعني، أتَمّ في كلّ فضيلة وجمال، وفاق أصحابه في العلم وغيره، هو جمع تبريعة وتبرع هي من البراعة والإبداع. وقد توصف به المرأة، ومنه (البَريعة)، وهي المرأة الفائقة الجمال والعقل. والمعنى الثاني، مرتبط بالعطاء دون مقابل، وفيه نجد: (تبرّع بالعطا: تفضل بما لا يجب عليه، وفعله متبرعاً أي متطوعاً)، و(بع يبع بعا، وهو يتبع من قبل نفسه بالعطاء، إذا لم يطلب عوضا)، ثم (تبع بالعطاء أعطى من غير سؤال أو تفضل بما لا يجب عليه، يقال: فعلت ذلك متبرعا أي متطوعا)، كما أنه (تبرع بالعطاء أعطى من غير سؤال)[1] ومنه معنى السخاء أيضا.

اصطلاحا

يعد التبراع نمط أدبي تقليدي تنْظمه النساء الحسَّانيات ( الثقافة الحسانية الصحراوية) بشكل حصري. تتكوّن التبريعة من شطرين ويسمّى كل شطر "تافلويت"، الشطر الأول يتكوّن من خمسة متحركين والثاني من ثمانية للتغزل بمحبيهن.

كما يعرف التبراع بالاختزال لكون التبريعة تضم بيتان فقط على وزن واحد ولكن غير متساويان في الطول. أما الإكراهات الشكلية فتكاد تكون منعدمة، لأن أبيات التبراع لا تخضع لقواعد الوزن (وجود مقاطع قصيرة متعارضة مع مقاطع طويلة، عدد منتظم من المقاطع داخل البيت، حضور مقاطع فقط في بعض الأوزان وبعد الأماكن). ويكفي أن يكون البيت أو الشطر الأول أقصر من الثاني أو على نحو استثنائي، من نفس الطول: كقاعدة عامة، يحتوي البيت ويسمّى أيضا تافويت، على خمسة أو ستة مقاطع لفظية (في بعض الأحيان أقل، نادرا ما تكون أكثر)، في حين أن البيت الثاني يحتوي في كثير من الأحيان، على سبعة أو ثمانية مقاطع[2]

ويتقاطع التَّبْرَاعْ -إلى حَدٍّ ما- مع الشعر الشفوي لنساء "البشْتُونْ" الأفغانيات المعروف باسم لانداي Landay، يشبه في مواضيعه وبنيته اللغوية شعر "الهايكو" الياباني[3]، الذي يعبّر بدوره عن الخوالج وروح الأمكنة والعواطف والطبيعة[4] .

جماليات التصوير في التبراع

تتجلى جماليات التصوير الإبداعي التي يتضمّنها هذا النمط الأدبي النسوي في غاية الدقّة والجمال، غير بديهيّة ولا قريبة المأخذْ، لأن السر في جمال التبريعة هو قدرة المرأة على اختصار ما يجيش في خَلَدها من نبل مشاعر والأحاسيس في شطرين من الشعر لا يتجاوزان في الغالب خمس كلمات، وذلك غاية الحكمة ومنتهى الجمال، لأن الاختصار أولى من الإسهاب في ما لا تعبر عنه الكلمات، وفيه لحكمة خير الكلام ما قل ودل.

تشدو المرأة بهذا النمط الشعري الشعبي عندما تعشق رجلا فتحملها عواطفها وأحاسيسها إلى نظم التبراع الذي تتنوع مواضيعه من إيراد الخصائص والسمات الفيزيقية ووصف خصال الحبيب وأخلاقه والتأسف على غيابه أو عدم اكتراثه بما تشعر به. كما أنه يأخذ أحيانا أخرى شكل إفصاح علني لمشاعر المرأة نحو الرجل، على عكس ما جرت به العادة في المجتمعات التقليدية المحافظة التي تحفظ للرجل حصرية البوح العلني عن مشاعر الحب. و عن هذه الخاصية التي تشكل أشبه ما يكون انقلابا في الأدوار ، يرى عدد من المختصين في الثقافة الشعبية الحسانية بأن هذا النمط الإبداعي ليس عيباً، باعتباره شكلا تعبيريا عن العذريَّة في العلاقة وعن معاناة داخليَّة و نتاجا طبيعيا لوضعيَّة متميزة للمرأة في مناطق لا تزال الحياة البدوية بمعانيها ودلالاتها النقية وقيمها الأصيلة تتجلى فيه بأبهى صورها.

يستخدم المبدع الصورة الشعرية كأداة فنية تنقل المتلقي إلى عالمه التخييلي الشاسع، وبقدر تناسقها وانسجامها مع المضمون؛ يكون الانفعال والتأثر أكبر وأعمق. فقد امتلكن شاعرات التبراع صورا بالغة الجمالية والتكثيف والدلالة، وساعدهن غرض الغزل على ذلك، باعتباره من أكثر الأغراض التصاقا بالمنحى الجمالي في التبراع[1].

أصله وتاريخه

"التبراع" هو تأليف لنصوص شذرية وشفاهية يضبطها إيقاع وقافية، تنتشر شفهيا بين الناس مع التكتّم على مؤلّفتها. وتعود هذه السرّية التي تحيط بمبدعات "التبراع" إلى طبيعة المجتمع الصحراوي القبلي المحافظ،على الرغم من وَجاهة المرأةوموقعها الاجتماعي[5]، وأحيانا إلى عدم رغبة مبدعات التبراع إلى الظهور بدافع الكبرياء النسائي، أو إلى طبيعة الحياة المُحافِظة لدى القبيلة. وقد عزا بعض الدارسون عزو صعوبة تحديد تاريخ محدد لنشأة التَّبْرَاعْ لطبيعته الشفهية، وميزته السري، غير أنهم أجمعو على أنه شعر نسائي نابع من عادات وتقاليد المجتمع الناطق بالحسانية في المناطق الصحراوية بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، يكون مناسبة للفتيات للتعبير بواسطة الشعر عن عواطفهن من خلال المساهمة في منافسة أو مناظرة داخل حلقة أو مجلس مغلق خاص بهن فقط. ينشد التبراع في الغالب في الليالي الربيعية المقمرة، حيث تكون الطبيعة في أبهى حللها وجمالها، مما يجعل المرأة تسرح وتجنح بخيالها وعواطفها بعيدا بعد رمال الصحراء وبعد المدى الفسيح والأفق، ولعله يجود عليها بحبيب غائب، لتغدق عليه أوصافا لا تليق إلا بالشعراء والملوك والفرسان كما  عهدناها في الشعر العربي قديمه وحديثه: نخوة وشهامة وكرامة وإباء وغيرها من الشيم، و كأنت شاعرة التبراع العاشقة تشكل صورة  لمحبوبها وتنسجه على هواها دون حضور للرقيب الاجتماعي وضوابطه[1].

عرف شعر التبراع، حسب أحمد بابا مسيكه، تناميا ملحوظا في سنوات الستينيات من القرن الماضي، "وكان في الأصل مستعملا من طرف الفتيات المغرمات للتعبير عن مشاعرهن في وقت كان المجتمع يمنعهن من التعبير عنها علنا. وحين كن وحيدات (على كثبان الرمال وبعيدا عن الآذان المتطفلة)، كن يبحن بأشعارهن التي كانت عموما بسيطة جدا دون أن يكون مطروحا نشرها بأي حال من الأحوال. كانت تنقلها أحداهن أحيانا بكتمان إلى المعني بالأمر"[6].

فقد كانت أشعار الغزل "التبراع" تلقى أو تغنى، مع الحفاظ على سرية هوية الشاعرات. فالمرأة داخل المجتمع الصحراوي المحافظ، كانت من باب الحياء والحشمة، تمتنع عن البوح بعواطفها بصفة عامة. ولكن اليوم بدأت الألسن تتحرر، وتعبر بصوت عال عن أحاسيسها[7]

يشكل شعر التبراع وثيقة حية تعبر عن المضامين العاطفية والثقافية والاجتماعية وحتى التاريخية المختلفة التي تحصلت لدى المرأة الصحراوية من خلال حركيتها عبر التاريخ، كما يمكن اعتباره طريقة لتصريف عواطف نساء الصحراء وأحاسيسهن، مما يحقق لهن فرصة التحرر من قيود وأعباء الحياة اليومية ومشاقها، دون أن يعني ذلك أن المرأة الشاعرة تضرب عرض الحائط بكل الأعراف والتقاليد التي تربت عليها، بل هو مجرد تعبير من المرأة عن أحاسيسها وآلامها وقضاياها بطريقة تحررية[1].

سِرية التبراع

شعر التبراع طقس غزلي صحراوي بامتياز خاص بالمرأة الحسانية، دأبت على إبداعه شاعرات صحراويات كن حريصات على تداوله في سرية تامة، تتغزل فيه بالرجل، وتتجاوز قيود المجتمع الصحراوي. تتجلى أهم غايات شعر "التبراع" في قول خطاب عاطفي لا يستطيع النسوة قوله والبوح به، ولهذا يتم تبليغه بذكاء للمعني بالأمر، في إطار من السرية والغموض، وهذه السرية (احتياط آخر تتخذه النساء حتى لا يعرفن ويكشف موقعهن ورد فعلهن)، مما جعل التبراع أيضا لا يعرف ولا ينتشر، وهو أن غرضه الأساس هو الغزل، وهذا الغرض نظرة المجتمع له ضيقة سواء كان رجاليا أم نسائيا، وغير مشجعة له إلى عهد قريب.

تتميز ظاهرة التبراع بخاصة أخرى تتمثل في كون مبدعاته إن لم يصرحن بأسمائهن فإنهن يصرحن باسم المتغزل به تارة، وتارة أخرى يكون هذا الأخير متضمنا في اسم مستعار يحمل شفرة سرية تتمثل أحيانا في فعل رجاء أو تمني أو صيغة اسمية تدل على أن التكتم على اسمه أمر مقصود، تقول متبرعة صرحت باسم حبيبها[1]:

                      ي رب لعــــــــــالي       تعطينـــي ليلة مع عـــالي

يا رب امنحني ليلة مع عالي

                             ســــعد لـــــر سُهيل     إتـــم ألا يهبز ويكيان

يا لسعادة من رأي سهيل لينعم به

تحيل سرية التبراع على ملابسات التقبل للمرأة سواء باعتبارها منتجة للخطاب أو موضوعا له، مما يفسر بعض أسباب سرية هذا الشعر بفعل ضمه محرمات اجتماعية بالبيئة الحسانية، والبراعات تعمدن إلى إخفاء أسمائهن عما انتجن من احتفاء بالذات والمحبوب، لذلك تنسب أبيات التبراع إلى مجهولات دون ملكية فكرية، فيما تداوله يقترن بكل فضاء ينأى عن الرقيب الاجتماعي[1] .

مراحل تطور التاريخي للتبراع

مر الأدب النسائي وخاصة التبراع، بثلاث مراحل تلخص أهم محطات نشره والإعلان عنه، الأولى اشتهر خلال التبراع عند النساء عن طريق الهمس، وهو أن تهمس الفتاة في أذن صديقتها به دون أن يتجاوزههما، لشدة حيائهن وحفاظهن على القيم الدينية والاجتماعية، ثم نشره خارج الحي كمرحلة ثانية، بتلقينه للمغنيات يتغنين به أثناء العمل وأوقات المرح والفراغ، إلى أن أصبح في مرحلته الثالثة أدبا عند المطربين يغنونه في مقام "لبياظ"[8] حافظ شعر "التبراع" على نفس الزخم والقوة التي كان عليها في الماضي،  و إن كان مظاهر العمران و التمدن التي اخترقت الفضاء الصحراوي لعبت دورا في تغيير تعبيراته الجمالية و أشكال تداوله. إذ أنه مرّ بثلاث مراحل أساسية، الأولى ارتبطت بالبداوة والرقابة الاجتماعية، حيث كان "التبراع" قوي السبك، بليغ المعنى، وتطغى عليه الرمزية واللغز تماشيا مع عادات وتقاليد المجتمع، ثم المرحلة الثانية التي ارتبطت بتطور المجتمع وانفتاحه والانتقال من البداوة إلى التمدن، وتأثر هذا النوع من الإبداع بمفاهيم جديدة جعلته أقل بلاغة، لأن المتبرعة اهتمت بالشكل وبتوظيف مصطلحات جديدة على حساب المعنى، ثم مرحلة الخفوت، التي رافقت خروج المرأة إلى الدراسة أو العمل، الامر الذي غير من تمثلات المرأة  للرجل. هذا فضلا عن تقليص التطبيقات التكنولوجية الحديثة للهوة بين المتبرعة والمحبوب.

وتظهر اليوم رغبة قوية عند عدد من الباحثين في التراث الحساني إلى إعادة إحياء هذا التراث الثقافي الجندري. و هو ما انتبه اليه  بعض الباحثين  من خلال رصدهم لمحاولات إعادة هذا الأدب وإحيائه" حيث نجد شاعرات يمتاز شعرهن بقوة السبك وزخم المعجم، ويعيدك تبراعهن إلى مرحلة البداوة بمعجم غني، وهنّ بذلك يحيين ثقافة ومصطلحات حسانية آيلة للانقراض، خاصة مع التطورات المتسارعة للمجتمع وانعكاسات العولمة، كما أنهن تمثلن مرحلة أو منعطفا جديدا في التبراع، لأنهن تبدعن بوجه مكشوف ولا تستنكفن الظهور إلا بهويتهن الحقيقية، حيث نجد لبعض تلك الشاعرات صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي يتابعهن الكثير من محبي هذا الشعر، كما أنهن يفتحن باب الإبداع للفتيات المبتدئات تشجيعا لهن على الإقبال على هذا النوع من الأدب، كما تقوم بتوجيههن وصقل مواهبهن في هذا المضمار، وبالتالي فإني أرى أن هناك عودة لهذا النوع من الأدب لمكانته وتوهجه بغية الترفيه عن النفس وتعبير النساء عن مشاعرهن". ونظرا لاعتبارات جمالية فإن كثيرات يفضلن التبراع القديم أما الفتيات المعاصرات فيحبذن الجديد، وفي علاقة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية عرف التبراع اتجاها عند بعض الشاعرات اللاتي أصبحن يتغنين برجال بعيدين عن المجتمع الصحراوي كالرؤساء والزعماء السياسيين وأبطال المسلسلات.

موضوعات التَّبْرَاعْ

عاطفة الحب

يعتبر الغزل الغرض الرئيس في التبراع، ومن ثم فالحب شكل موضوعه الأساسي، ومن خلاله كسرت النساء الطوق المفروض عليهن عاطفيا، وخرقن جدار الصمت من خلال مناجاتهن لطيف الأحبة واسترسالهن في البوح. وتعتبر عاطفة الحب من أنبل العواطف الإنسانية وأرقاها، ولا ريب في تأليف كثيرة عنها، أهمها ما كتبه الجاحظ على اعتباره أول من طرق هذا الباب بمقالتيه عن النساء والقيان، ثم ابن داود صاحب "الزهرة"، ثم محمد بن أحمد القيرواني في "زهر الأدب وثمر الألباب" و"المصون في سر الهوى المكنون" وهو مخطوط، ثم إبن الحزم صاحب أشهر ما كتب في الأمر "طوق الحمامة"[1] .

 الحب يجر على صاحبته الأمل والألم في الوقت عينه، لأن الحب -من خلال التبراع- لم يعترف بشرعيته المجتمع، فأصبح حيا شاذا وغير طبيعي، حب جانب الوسائل الطبيعية إلى وسائل غير طبيعي، حب يحول أجمل شيء تملكه المرأة إلى عذاب مرير، ومع ذلك؛ فلا غنى للمتبرعة عنه، فهو موجود في كل مكان، إن استعداد المتبرعة للحب لا يمكن للأعراف أو التقاليد أو المجتمع أن يحبسه أو يمنعه، إنه كاستعداد الشمس في الصباح الباكر لإرسال اشعتها، أو كاستعداد الورود للتفتح، مثال التبريعات الآتية[1]:
                                  كولولــــــــو صــــــــــرتو        ألا نبغيـــــــــه أو عاشــــــــــقتو

قولو له بأني أحبه وأعشقه

                                  وان فــــــــــؤاد      طارل ش مـــــــــــاه عـــــــــاد

فؤادي وقع له شيء غير عادي

                                  نعـــــرف عن نبـــغيك       وكـــل ليــــله نحــــلم بــــيك

أعرف أني أحبك وكل ليلة أحلم بك

                                  كيف أنســــــاه      ذ ل فلجـــفن سكـــــناه

كيف أنساه وهو يسكن في رموش عيني

تعبر المتبرعة عن نفس مكلومة وجريحة وقلب متألم على فراق الحبيب، سواء كان الفراق بسبب غدر الرجل وخيانته، أو بسبب ظروف حالت دون التقائهما مثل سفره أو خروجه للحرب، أو لظروف خارجة عن كليهما مثل كيد الوشاة وغيرها، تقول المتبرعة[1] :

                                  مســـــافر ذ لنخــــتير    يا رب يلاكــــين علــــى خـــــير

مسافر من اخترته، يا رب اجعل لقاءنا على خير

                                  ودَّعـــــتُ مـــــهُبَّاس     وعكبــــت للحــــمَّى ورَّاس

ودعته بالسلامة وعانيت من الحمى ووجع الرأس، وما علاقة ال بوجع الرأس؟ إن الحب إذ يصيب القلب لوحده وتتافاعل معه أعضاء جسم الإنسان، وإن أصاب المحبوب شيء بسبب الحب تداعت له سائر الأعضاء بالسقم والمرض، قال الجاحظ: (وداء العشق عمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم)، قالت المتبرعة[1] :

                                  عاكــــب ل وداع   مكــــيَّم ياســـــر من لــــوجـــــاع

الوداع الأخير أصابني بأوجاع عديدة

                                  مصَّـــــاب لــــوداع    ميــــوف ويــــعود عــــل نـــــواع

يا ليت الوداع لا ينتهي ويكون على أنواع

                                  شفـــتو ذ لَّعــــين    عدولــــي عنًّـــــو عــــامين

أرأيتم هذا اللعين لم أره منذ عامين

الأطلال

يعتبر الوقوف على الأطلال سمة من سمات الشعر العربي، وكذلك الأمر في شعر "التبراع"، ف(بيئة الصحراء والبداوة وانتجاع الكلأ والرحيل الدائم عوامل تقتضي عدم الاستقرار مما يستدعي البكاء على الديار والدمنج وقد وقفت المتبرعة على أماكن وأطلال لها ذكريات عزيزة، من قبيل قولها :

                                  عــــت آن تيبـــــه    نتـــــعيون من بـــتاب حـــجـــيبه

أصبحت مثل "تيبه[9] " أطرب لرؤية باب "حجيبه"

                                  مــــــزين لــــواد    يـــــعمل بغــــيُ مـــــاه تفـــــكاد

وكانت التلميحات إلى السياق حاضرة في شعر التبراع بدء بكثبان الرمال، وموعد الشباب بعيدا عن الخيام، كما في التبريعة الآتية[6]:

عيــــــــل ذي الــــــــــــــــــــــزيــره أشــــــــــــبوببــــــــــــــــــهم ول ابــــــــــــــــــــــــعيـــــــــــــــــــــــره

الغدر والخيانة وعدم الاهتمام

في التبراع عندما ترسل المرأة رسالة إلى شخص ما مفادها التعبير عن حبها له، فهي بذلك لا تنتظر منه جوابا على رسالتها، لأن الجواب يأتي تلقائيا وبشكل معكوس على النحو الآتي[1]:

                                  أحـــــبك ـــــــــــــ أريد أن أكون محبوبا من قبلك

لكن لا يقابل الحب دائما في التبراع بالمثل، فعدم اعتمام الحبيب وخيانته ولا مبالاته كلها أمور أثرت في المتبرعة، إذ عانت المتبرعات من الخيانة والصدود والهجر، وهذا الأخير من آفات الحب، فعبرت عن ذلك قائلة[1] :

                                  وان ل بــــــيً     كــــال عنُّ ما عـــــين فـــــيَ

ما أثار حنقي قوله بأنه غير مهتم بي

                                  وان لي بــــيَ    ســــريت لــــو ول داه فــــيَ

ما أثار حنقي أنني تكبدت مشاق الوصول إليه ولم يكثرت لي

                                  ي لمـــــوت تــــعال    منــــافق ذ لــــحب تَــــــال

أيتها الموت تعالي، منافق هذا الحب الأخير

الشكوى من الوشاة والرقباء

فضلا عن الشكوى من هجر الحبيب وصدوده ولا مبالاته بالحب؛ تجد المتبرعات مشاكل أخرى في طريقهن، منها عين الرقيب وكيد الوشاة، وقد اعتبر صاحب "طوق الحمامة" الرقيب والواشي من آفات الحب، وقد درد شعراء العاطفة منذ القدم على وصف مواقفهم من الرقيب، وإما متبرمين به وحذرين منه، وإما مسقطينه من حسابهم غير ملقين إليه. أما الوشاة فهم يسعون لإفساد العلاقة بين المتحابين، وهم على ضربين أحدهما واش يريد القطع بين المتحابين فقط... والثاني واش يسعى للقطع بين المحبين لينفرد بالمحبوب ويتأثر به، وتقول المتبرعة شاكية الوشاة إلى حبيبها[1] :

                                  حبــــي لا تســـمع    نَــــاس تشــــتَت ما تجــــمع

حبي لا تسمع الناس تفرق ولا تجمع

                                  كنـــت مـــع شـــتيــري      أجــــانا مــــنَاع الـــخير

كنت مع حبيبي وأتانا مناع الخير

اللغز

بعض التبريعات على شكل ألغاز، ولكن دائما في عاطفة الحب، إذ تقول المتبرعة بيتا على شكل لغز تلمح وتشير فيه لحبيبها، وتلميح لا يعرفه إلا هو، فيما صديقاتها يجتهدن في فك شفرات اللغز، ومن ثم معرفة فارس أحلام صديقتهم، ونجدن يركزن دائما على حرف من أحرف اسمه[1]:

                                  وســــمُ فيـــه لـــميم   من حـــبو غـــتادرت كلــــيميم

اسمه فيه حرف الميم من حبه غادرت كلميم: مدينة جنوب المغرب

                                  وســـمُ فيه لام   من حـــــبو حرًمــــت لكــــــلام

اسمه فيه حرف اللام من حبه حرمت الكلام

يعبر التبراع عن مشاعر نسوية معجبة بجمال وشجاعة ووفاء الرجل وتعديد مناقبه، مع استعراض معاناة النساء من لوعة المشاعر وما تلقنه من آلام. ولا يقتصر شعر التَّبْرَاعْ عند النساء الصحراويات على التغزُّل بالرجال فحسب، بل يمتد إلى مجالات أخرى كالتغني بالمكان، أو الطبيعة لارتباطهما بأحداث وذكريات ماضية جميلة ترسَّخت في الذاكرة وسكنت الوجدان لدرجة يصعب نسيانها، ويمكن اعتبار هذا الشعر نوعا من التكافل العاطفي في مجتمع مبني على التكافل الاجتماعي[10]. غير أن "التّبْراع" لم يكن مجرد محاولة لكسر حاجز الصمت وحسب، بل كان ثورة على الشكل والقوالب والأغراض الأدبية الكلاسيكية. فبه اجترحت المرأة الموريتانية لونا جديدا يختلف عما عاشت داخله من تقاليد أدبية ذكورية، من قصائد فصيحة وشعبية تلتزم البحور الشعرية والقوافي. كأنها أرادت التأكيد على اختلاف التجربة والظروف المحيطة بحالة الإبداع، فكان عليها خلق لون أدبي مغاير لا يكتفي بإسماع صوتها المبحوح.. بل يتجاوز ذلك لينشئ عالما خاصا من الكلمات والأشياء. عالم لا سلطة فيه لأحد على أحد. عالم من سطرين لا فخر فيه ولا مدح ولا هجاء، ولا غرضا آخر غير الغزل[1].

وخلاصة القول، تظهر المرأة نفسها في أشعار التبراع في حالات نفسية واجتماعية عديدة، فإما أن تكون قوية ومتحدية للأعراف والقوانين والأهل، وإما منهارة ومستسلمة لها، أو حزينة وضعيفة أمام الحب. ويتبدى الضعف والحزن بكثرة في أشعار التبراع، ويعود ضعف المتبرعة إلى قوة شخصية المحبوب من جهة، وإلى عدم قدرتها على النسيان أو المقاومة من جهة أخرى.

المصادر

  1. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط
                    بوغدا (عبد الحكيم)، ظاهرة التبراع في الشعر الحساني: دراسة في النسق السوسيو-ثقافي والجمالي، المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات  المغاربية والشرق الأوسطية والخليجية، سنة 2017، فاس،
    
  2. ^
            
            Catherine Taine-Cheikh,  La poésie féminine (təbṛâff) : en quelques mots. Rahal Boubrik. Tebraâ.
            La poésie féminine hassanie, Académie du Royaume du Maroc, pp.13-32, 2020, 978-9920-685-08-5.
            ffhalshs-03087979
    
  3. ^
    هو نوع من الشعر الياباني، يحاول شاعر الهايكو، من خلال ألفاظ بسيطة التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة. تتألف أشعار الهايكو من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة).
    
  4. ^
    الحيسن (ابراهيم): إثنوغرافيا الكلام الشفاهية ومأثورات القول الحساني، نونبر 2012
    
  5. ^ التبراع.. نساء يتغزَّلن بالرجال، https://www.almayadeen.net/investigation/1485425/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%AA%D8%BA%D8%B2%D9%84%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%84
  6. ^ أ ب
                  أكاديمية المملكة المغربية، "التبراع؛ الشعر النسائي الحساني"، بوييون كلتور، سنة 2020،
    
  7. ^
                    - حجمري (عبد الجليل)، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، توطئة لكتاب "التبراع؛ الشعر النسائي الحساني"، بوييون كلتور، سنة 2020، ص9.
    
  8. ^
  9. ^
    ترمز شخصية "تيبه" في ثقافة الصحراء إلى البلادة والغباء، وهي شخصية خرافية أسطورية من إنتاج الذهنية الشعبية الصحراوية، وتم استثمارها للتعبير عن بلادة المرأة في بعض المواقف، وزكت هذا الطرح الذهنية العامية للمجتمع، بقدر ما زكت وجود "ديلُّول" رمزا للحكمة والتعقل لدى الرجال، وهكذا نلحظ المفارقة بين "تيبه" الغبية و"ديلول" الحكيم.
    
  10. ^
                 الثقافة الحسانية؛ مائدة مستديرة 8 محرم 1421 / 13 أبريل 2000، منشورات معهد الدراسات الإفريقية.