جان-جاك روسو

(تم التحويل من روسو)
</td></tr>
جان-جاك روسو
Jean-Jacques Rousseau (painted portrait).jpg
باستيل بريشة Maurice Quentin de La Tour، 1753 الاسم = جان جاك روسو
وُلـِد 28 يونيو 1712 (جنيف، سويسرا)
توفي 2 يوليو 1778 (إرمنونفي، فرنسا)
العصر فلسفة القرن الثامن عشر
(فلسفة حديثة)
المنطقة فلسفة غربية
المدرسة نظرية العقد الاجتماعي
الاهتمامات الرئيسية فلسفة سياسية، الموسيقى، التعليم، الأدب، السيرة الذاتية
أبرز الأفكار الإرادة العامة، amour-propre، الطبيعة الخيرة للبشر
التأثرات
التأثيرات

جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau (و. 28 يونيو 1712 - ت. 2 يوليو 1788)، هو فيلسوف وكاتب ومحلل سياسي سويسري أثرت أفكاره السياسية في الثورة الفرنسية وفي تطوير الاشتراكية ونمو القومية. وتعبر مقولتة الشهيرة "يولد الإنسان حراً ولكننا محاطون بالقيود في كل مكان" والتي كتبها في أهم مولفاتة العقد الاجتماعي تعتبر أفضل تعبير عن أفكاره الثورية وربما المتطرفة.

كان لاعترافات جان جاك روسو التي كُتبت بين 1765-1770 ونُشرت بين 1781-1788 تأثير تاريخي مهم لأنها قدمت طرقاً جديدة لفهم النفس وعلاقتها بالآخرين الذين تعيش في وسطهم. شجاعة الكاتب وتصميمه على إعادة تقييم ما يعتبر القيِّم والتافه، الصواب والخطأ، في حياته يؤثر حتى على من يقرأ الكتاب بعد اكثر من مئتي عام بعد صدوره.

الحقائق المعروفة عن حياة روسو محدودة، ربما بسبب الاعترافات التي أعلن فيها انه سيقول الحقيقة كاملة وان اهتم أكثر في واقع الأمر بشرح مبادئه والدفاع عن نفسه. ترك روسو منزله في سن الخامس عشرة وذهب للحياة مع السيدة دوارنز التي حمته وصارت فيما بعد المرأة التي ارتبط بعلاقة معها. عمل في عدة مجالات من سكرتير الى مسؤول حكومي في باريس حيث استقر سنة 1745. وقد عاش هناك مع ثريسال قاسور التي ادعت فيما بعد أنها أنجبت منه خمسة أطفال ذهبوا جميعا الى منزل الأيتام لرفضه رعايتهم. وإن كانت لم تقدم اي أدلة لاثبات هذه الادعاءات، فهو لم يسع لنفيها. أحياناً كثيرة، اضطر روسو للهرب من فرنسا الى سويسرا بسبب بعض ما كتبه، كما ذهب الى لندن سنة 1766 ونزل في ضيافة الفيلسوف ديفد هيوم. وقد سُمح له بالعودة الى باريس سنة 1770، وكان السماح مشروطا بالتوقف عن أنتقاد نظام الدولة في كتاباته.

أثارت أفكار روسو التي شرحها في رواية جوليا وفي مذكراته ومقالاته السياسية التي كان أهمها العقد الاجتماعي ضجة كبيرة أثناء حياته. فقد آمن روسو بان المؤسسات الحكومية تُدمر حياة الإنسان، وبأن الجنس البشري سينحط مع مرور الزمن اذا لم يرجع الناس الى الطبيعة ويطبقون أسسها على نظم الحياة الاجتماعية. وهو كذلك يؤمن بان فضائل الإنسان العادي تميزه على الطبقات العليا التي أفسدها الثراء البالغ والترف المدقع.

سيرته

شبابه

المنزل الذي وُلد فيه روسو، رقم 40، گران-رو.

كيف حدث أن رجلاً ولد فقيراً، وفقد أمه عند مولده، ثم هجره أبوه بعد قليل وابتلي بمرض أليم مذل، وترك يضرب في الآفاق اثنتي عشر عاماً بين مدن غريبة ومذاهب دينية متناحرة، مرفوضاً من المجتمع والحضارة، رافضاً ڤولتير، وديدرو، والمسوعة، وعمر العقل، رجلاً طورد من مكان إلى آخر باعتباره ثائراً خطراً، واتهم بالإجرام والجنون، وشهد في شهور حياته الأخيرة تأليه خصمه الألد-نقول كيف حدث أن رجلاً كهذا، بعد موته؛ انتصر على فولتير، وأحيا الدين، وقلب التعليم رأساً على عقب، ورفع أخلاقيات فرنسا، وألهم الحركة الرومانية، والثورة الفرنسية، وأثر في فلسفة كانت وشوينهاور، وتمثيليات شيلر، وروايات جوته، وشعر وردزورث وبيرون وشيلي، واشتراكية ماركس، وأخلاق تولستوي وأتيح له-على الجملة- من التأثير على الأجيال التالية ما فاق تأثير أي كاتب أو مفكر آخر في ذلك القرن الثامن عشر؛ القرن الذي فاق في تأثير الكتاب تأثيرهم في أي عهد سبقه؟ هنا تواجهنا هذه المشكلة إن كان لها أن تواجهنا في أي موضع: ما الدور الذي لعبته العبقرية في التاريخ، ما دور الإنسان إزاء المجتمع والدولة؟[1]

كانت أوروبا آنئذ مهيأة لإنجيل يبوئ الوجدان مكاناً فوق الفكر فلقد سئمت قيود التقاليد والأعراف، والآداب، والقوانين. وسمعت ما يكفي عن العقل، والجدل العقلي، والفلسفة، وبدا أن كل هذه الفوضى، فوضى العقول التي أطلق حبلها على غاربها، قد جردت الدنيا من المعنى، وعطلت النفوس من الخيال والرجاء، وكان الرجال والنساء بينهم وبين أنفسهن تواقين للعودة إلى حظيرة الإيمان. لقد ملت باريس، ملت الضجيج والعزلة، وسجن حياة المدينة وتزاحمها المجنون، وهفت الآن إلى حلم حياة الريف الأكثر هوناً، الحياة التي قد يجلب نظامها الرتيب البسيط للبدن صحة وللعقل سلاماً، والتي يرى فيها الإنسان من جديد نساء تزينهن الحشمة والحفر، والتي تلتقي فيها القرية كلها في كنيسة الأبرشية في هدنة أسبوعية. قم ما بال هذا "التقدم" الذي يزهون به، و"تحرير العقل" هذا الذي يفاخرون به-هل أحلا شيئاً محل ما دمراه؟ هل أعطيا الإنسان صورة للعالم ومصير الإنسان أكثر وضوحاً للإفهام أو إلهاماً للنفوس؟ هل حسنا حظوظ الفقراء، أو أتيا بالعزاء والسلوى للمحزونين على فقد الأعزاء أو للمتألمين المكروبين؟ سأل روسو هذه الأسئلة، وأضفى الشكل والإحساس على هذه الشكوك، فأصغت إليه أوربا بأسرها بعد أن أخمد صوته. وبينما كان فولتير يعيد على المسرح في الأكاديمية (1778)، وبينما كان روسو الموبخ المزدرى يختبئ في ظلام حجرة من حجرات باريس، بدأ عصر روسو.

اعترافات جان-جاك روسو. للقراءة، اضغط على الصورة.


ولقد ألف أشهر ترجمة ذاتية في أخريات أيامه، وهي كتابه الاعترافات. ذلك أنه-وهو الرجل الحساس لكل نقد الظنون الذي خال جريم، وديدرو، وغيرهما يأتمرون به ليشوهوا سمعته في صالونات باريس وفي "مذكرات" مدام دينيه-هذا الرجل بدأ عام 1768، بإلحاح من أحد الناشرين، كتابة قصته هو ليروي سيرته وخلقه. وكل التراجم الذاتية بالطبع غرور في غرور، غير أن روسو-الذي أدانته الكنيسة، وحمته من حماية القانون ثلاث دول، وهجره أخلص أصدقائه-كان له الحق في الدفاع عن نفسه، بل في الدفاع المستفيض: وحين قرأ فقرات من هذا الدفاع على بعض المحافل في باريس حصل خصومه على أمر من الحكومة يحظر إي قراءة علنية أخرى لمخطوطته. فلما فت في عضده، تركها عند موته مشفوعة برجاء للأجيال التالية قال فيه:

Cquote2.png إليكم هذه اللوحة الإنسانية الوحيدة-المنقولة بالضبط عن الطبيعة بكل صدق-الموجودة الآن أو التي ستوجد إطلاقاً في أغلب الظن. وأيما كنتم، يا من نصبكم قدري وثقتي حكماً على هذا السجل، فإني أستحلفكم بحق ما أصابني من خطوب ومحن وبحق ما تشعرون به من أخوة البشر، وباسم الإنسانية جمعاء، ألا تدمروا عملاً نافعاً فريداً في بابه، قد يصلح بحثاً مقارناً من الدرجة الأولى لدراسة الإنسان. وألا تنتزعوا من شرف ذكراي هذا الأثر الصادق الوحيد لخلقي، الأثر الذي لم ينل من خصومي مسخاً وتشويهاً". Cquote1.png

والكتاب، بمحاسنه ومآخذه، نتاج ما فطر عليه مؤلفه من شدة الحساسية، وقوة الذاتية، ورهافة العاطفة. يقول روسو "إن قلبي الحساس كان أس بلائي كله". ولكن هذا القلب أضفى ألفة حارة على أسلوبه، وحناناً على ذكرياته، وفي كثير من الأحيان سماحة على أحكامه، وكلها تذيب نفورنا ونحن نمضي في قراءة الكتاب. ففيه يغدو كل تجريد واقعاً شخصياً مجسداً، وكل سطر شعوراً نابضاً بالحياة فهذا الكتاب أشبه بالنبع الذي تتدفق منه نهر الاعترافات المستبطنة، النبع الذي روى أدب القرن التاسع عشر، لا لأنه لم يكن له ضريب سابق من كتب الاعترافات، ولكن حتى القديس أوغسطين لم يستطع أن يضارع هذه التعرية للذات، أو يدعي دعواها في الأمانة والصدق. والكتاب يستهل بدقة من البلاغة التي تتحدى المقلدين:

Cquote2.png إنني مقبل على مغامرة لم يسبق لها نظير، ولن يكون لتنفيذها مقلد، أريد أن أظهر إخواني في الإنسانية على إنسان في كل صدق الطبيعة، وهذا الإنسان هو أنا نفسي. أنا مجرداً من كل شيء. إنني أعرف قلبي، وأنا عليم بالناس. ولم أخلق كأي حي من الأحياء. وإذا لم أكن خيراً منهم، فإنني على الأقل مختلف عنهم. أما أن الطبيعة أحسنت أو أساءت بتحطيم القالب الذي صببت فيه، فذلك شيء لا يستطيع الحكم عليه إنسان إلا بعد أن يقرأني. Cquote1.png

وأياً كان موعد الساعة التي سيُنفخ فيها في صور يوم الحشر، فسوف آتي وكتابي هذا في يميني لأمثل أمام الديان الأعظم وسوف أقول بصوت عالٍ: كذلك سلكت ، وكذلك فكرت، وكذلك كنت، لقد تحدثت إلى الأبرار والأشرار بنفس الصراحة، وما أخفيت شيئاً فيه سوء، ولا أضفت شيئاً فيه خير. وقد أظهرت نفسي كما أنا: حقيراً خسيساً حين كنت كذلك، وخيراً سمحاً نبيلاً حين كنت كذلك، لقد أمطت اللثام عن أعمق أعماق نفسي.

وتتردد دعواه في توخي الصدق الكامل في الكتاب مراراً وتكراراً. ولكن روسو يسلم بأن تذكره لأشياء انقضى عليها خمسون عاماً كثيراً ما يكون تذكراً مبتوراً لا يمكن الركون إليه، وللجزء الأول في جملته جو من الصراحة يشيع الطمأنينة في القارئ. أما الجزء الثاني فتشوهه الشكاوى المملة من الاضطهاد والتآمر. وأياً كان الكتاب، فهو من أعظم ما نعرف من الدراسات السيكولوجية كشفاً عن النفس، وهو قصة روح حساسة شاعرة خاضت صراعاً أليماً مع قرن واقعي قاس. وعلى أية حال، فأن كتاب الاعترافات، لو لم يكن ترجمة ذاتية، لكان من إحدى الروايات العظيمة في العالم".

ويقول روسو في اعترافاته: ولدت بجنيف في 1712، ابناً لإسحاق روسو وسوزان برنار، المواطنين". والكلمة الأخيرة كانت تعني الكثير، لأن ألفا وستمائة فقد من بين سكان جنيف العشرين ألفاً كانوا يملكون اسم المواطن، وسيشارك هذا العامل في تاريخ جان-جاك. وكانت أسرته فرنسية الأصل، ولكنها وطنت في جنيف منذ 1529. وكان جده قسيساً كلفنياً، وقد ظل الحفيد في صميمه كلفنياً طوال تطويفه الديني كله. أما أبوه فكان من أقطاب صناعة الساعات، رجلاً خصب الخيال لا يستقر له قرار، أتاه زواجه (1704) بصداق قدره عشرة آلاف فلورين. وبعد أن أنجب غلاماً ترك زوجته (1705) ورحل إلى الآستانة حيث مكث ست سنوات ثم عاد لأسباب مجهولة، "وكنت الثمرة الحزينة لهذه العودة" وماتت الأم بحمى النفاس بعد أسبوع من مولد جان جاك "جئت إلى العالم أحمل إمارات قليلة جداً على الحياة، بحيث لم يكن هناك كبير أمل في الإبقاء عليّ". وكفلته خالة له وأنقذته، وهو عمل "أغتفره لك دون تحفظ" على حد قوله. وكانت الخالة يجيد الغناء والترتيل، ولعلها بثت فيع ذلك الشغف بالموسيقى الذي لازمه طيلة حياته. وكان طفلاً عبقرياً، تعلم القراءة في زمن وجيز، ولما كان أبوه إسحاق مولعاً بالقصص الرومانسية، فقد راح الوالد والولد يقرءان الروايات المختلفة في مكتبه أمه الصغيرة. ونشئ جان-جاك على مزيج من القصص الغرامية الفرنسية، وتراجم بلوتارخ، والفضائل الكلفينية، وجعله هذا المزيج قلقاً مهزوزاً. قد وصف نفسه وصفاً دقيقاً بأنه "أبيٌ هش في وقت معاً، في خلقي أنوثة وهو مع ذلك خلق عاتٍ لا يقهر، دأب على وضعي في موضع التناقض مع نفسي لأنه متذبذب بين الضعف والشجاعة، وبين الترف العفة".

لى كارمت، حيث عاش روسو برفقة مدام دى وارن عامي 1735–6، أصبح حالياً متحفاً لروسو.

وفي 1722 تشاجر أبوه مع رجل يدعى الكابتن جوتيه، فأسال الدم من أنفه، فاستدعاه القاضي المحلي ولكنه هرب من المدينة اتقاء السجن، واتخذ مقره مدينة نيون على ثلاثة عشر ميلاً من جنيف. وبعد سنوات تزوج ثانية. وكفل فرانسوا وجان-جاك خالهما جابريل برنار. وألحق فرانسوا بصانع ساعات، فهرب، واختفى من التاريخ. وأما جان-جاك وابن خاله أبراهام برنار فقد أرسلا إلى مدرسة داخلية يديرها القس لامبرسييه في قرية بوسيه القريبة "هنا كان علينا أن نتعلم اللاتينية، وكل اللغو التافه الذي أطلق عليه اسم التعليم". وكان التعليم المسيحي الكلفني جزءاً من صميم المنهج.

وأحب معلميه، ولا سيما أخت القسيس، الآنسة لامبرسييه، وكانت في الثلاثين، وجان-جاك في الحادية عشرة، فوقع في غرامها على طريقته العجيبة. كان إذا ساطته عقاباً على سوء الأدب، أبهجه أن يتعذب على يديها، "فإن شيئاً من الشهوانية اختلط بالألم والخزي، مما خلف فيّ الرغبة في تكرار العقوبة أكثر من الخوف". فلما عاد إلى الذنب وضح التذاذه بالعقاب وضوحاً صممت معه على ألا تعود إلى ضربه بالسوط. وقد ظل عنصر مازوكي يلازم تكوينه العشقي إلى النهاية.

"وهكذا قضيت سن المراهقة، ببنية متقدة، دون أن أعرف أو حتى أشتهي أي إشباع آخر لرغباتي المشبوبة غير ما أوحت به إليّ الآنسة لامبرسييه في براءة، وحين بلغت مبلغ الرجال لم يخفِ هذا الميل الصبياني بل اتحد مع الميل الآخر. ولقد ظلت هذه الحماقة وما صاحبها من شدة حياء فطري تحول دائماً بيني وبين الاجتراء مع النساء، وهكذا كنت أقضي أيامي أتحرق في صمت شوقاً لم أهيم بهن دون أن أجرؤ على البوح برغباتي.

"وهانذا قد خطوت أول خطوة وأشقها في تيه اعترافاتي الحالك الأليم. ذلك أننا لا نستشعر في البوح بذنب ينطوي على الإجرام فعلاً ذلك النفور الشديد الذي نستشعره في البوح بذنب لا يثير غير السخرية".

نص كتاب العقد الاجتماعي. للقراءة، اضغط على الصورة.

ويجوز أن روسو، في حياته اللاحقة، وجد عنصر لذة في شعوره بالمقاومة والصد من العالم، ومن أعدائه، ومن أصدقائه.

وبعد اللذة التي وجدها في عقوبات الآنسة لامبرسييه وجد متعة في المنظر الطبيعي الرائع الذي أحاط به، "كان في الريف من الفتنة...ما حبب إليّ الحياة الريفية حباً لم يستطع الزمن أن يطفئه". ولعل هذين العامين الذين أنفقهما في بوسيه كانا أسعد سني عمره رغم ما تكشفه له من ظلم في هذه الدنيا. فقد عوقب مرة على ذنب لم يجنه، فاستجاب بسخط لم يفارقه قط، وبعدها "تعلم أن يرائي، ويتمرد، ويكذب، وبدأت كل الرذائل المألوفة في حياتنا تفسد براءتنا السعيدة".

ولم يجاوز قط هذه المرحلة من التعليم المدرسي أو الكلاسيكي وربما كان افتقاره إلى التوازن، وصواب الحكم، وضبط النفس، وإخضاعه العقل والوجدان-ربما كان هذا كله راجعاً لإنهاء تعليمه المدرسي في فترة مبكرة. ففي 1724؛ حين بلغ الثانية عشرة، أعيد هو وابن خالته إلى بيت أسرة برنار. وزار أباه في نيون، وهناك هام بفتاة تدعى فورسون، فصدته عنها، ثم بأخرى تدعى جوتون "أبت أن تسمح له بشيء من التجاوز معها، في حين أباحت لنفسها أشد الحريات معي". وبعد عام من التردد والتذبذب ألحق صبيا بحفار في جنيف. وكان يحب الرسم، وقد تعلم الحفر على ظروف الساعات، ولكن معلمه كان يضربه بقسوة على ذنوب صغيرة، "فدفعني إلى رذائل كنت أحتقرها بفطرتي، كالكذب، والكسل، والسرقة". وأنقلب الصبي الذي كان من قبل سعيداً إلى غلام منطوٍ مكتئب كاره لعشرة الناس.

ووجد السلوى في الإدمان على قراءة الكتب التي استعارها من مكتبة قريبة، وفي الرحلات الريفية يقوم بها في الآحاد. وحدث مرتين أنه تباطأ في الحقول حتى وجد أبواب المدينة مغلقة إذ حاول العودة، فأنفق الليل في العراء، ومضى إلى عمله نصف مشدوه، وكان جزاؤه علقة ساخنة.

وفي رحلة ثالثة من هذه الرحلات حملته ذكرى هذا الضرب على أن يقرر ألا يعود إطلاقاً فمضى قدماً إلى كونفنيون في سافوي الكاثوليكية، على ستة أميال من بلدته، وهو لم يبلغ بعد السادسة عشرة (15 مارس 1728) لا نقود معه ولا ثياب سوى ما يحمله على ظهره.

هناك طرق باب قسيس القرية الكاثوليكي الأب بنوا ديونفير، ولعله سمع أن هذا الكاهن الشيخ تواق لهداية الجنيفيين الشريدين، فهو يقدم لهم الطعام الطيب عملاً بالنظرية القائلة أن المعدة الممتلئة تعين على التفكير المستقيم. وقد قدم لجان-جاك غذاءً طيباً، وقال له "اذهب إلى آنسي، حيث تجد سيدة صالحة خيرة يتيح لها كرم الملك أن تحول النفوس عن تلك الخطايا التي أقلعت عنها لحسن الحظ". ويضيف روسو أن هذه السيدة هي "مدام دفاران، التي اهتدت إلى الكثلكة مؤخراً، والتي رتب القساوسة أن يبعثوا إليها بأولئك التعساء المستعدين لبيع عقيدته، وكانت إلى حد ما مضطرة إلى أن تشارك هؤلاء معاشاً قدره ألفا فرنك أنعم بها عليها ملك سردانيا". ورأى الفتى الشريد أن شطراً من ذلك المعاش قد يستأهل تغيير العقيدة. وبعد ثلاثة أيام، في آنسي، مثل أمام مدام فرانسوا-لويز دلاتور، بارونة فاران.

كانت في التاسعة والعشرين، امرأة حلوة، كيسة، دمثة، سمحة جذابة الملبس، "ما رأيت وجهاً أجل ولا جيداً أبدع، ولا ذراعين مليحتين أروع تكويناً". وكانت في مجموعها أبلغ حجة تناصر الكاثوليكية رآها روسو على الإطلاق. ولدت يفيفي بأسرة طيبة، وتزوجت وهي صغيرة جداً من المسيو (البارون فيما بعد) دفاران اللوزاني وبعد سنوات من التنافر الأليم تركته، وعبرت البحيرة إلى سافوي، ونالت حماية الملك فكتور أمادو، وكان يومها في إفيان. وبعد أن نزلت آنسي، قبلت اعتناق الكاثوليكية، معتقدة أنها لو أدت شعائرها الدينية على الوجه الصحيح لغفر الله لها غرامياتها التي تقع فيها بين الحين والحين،

ثم إنها لم تستطع أن تصدق أن يسوع الرقيق القلب سيقذف بالرجال-فما بالك بامرأة جميلة-في النار الأبدية.

وكان يطيب لجان-جاك أن يمكث معها لولا أنها كانت مشغولة. فنفحته ببعض المال، وأمرته بأن يمضي إلى تورين ويتلقى التعليم في "نزل الروح المقدس" وقد استقبل هناك في 12 إبريل 1728، وفي 21 إبريل عمد في المذهب الكاثوليكي الروماني. وحين استعاد ذكرى هذه الواقعة بعد أربعة وثلاثين عاماً-وقبل عودته إلى البروتستانتية بثماني سنوات-كتب يصف في رعب تجربته في النزل، بما في ذلك محاولة للاعتداء على عفته من زميل مغربي حديث الاهتداء؛ وقد خيل إليه أن موقفه من اعتناق الكاثوليكية كان موقف النفور، والخزي، والتسويف الطويل. ولكن الظاهر أنه تكيف مع الظروف التي وجدها في النزل لأنه مكث هناك دون إكراه أكثر من شهرين بعد أن قبل في كنيسة روما.

ثم ترك النزل في يوليو، مسلحاً بستة وعشرين فرنكاً. وبعد أن أنفق أياماً في مشاهدة معالم المدينة وجد عملاً في متجر جذبه إليه جمال السيدة الواقفة خلف منضدته. ووقع في غرامها للتو والساعة، وما لبث أن جفا أمامها وبذل لها عهداً بالوفاء مدى الحياة. وابتسمت مدام بازيل، ولكنه لم تسمح له بأن يتجاوز يدها، ثم أن زوجها كان وشيك الوصول في أية لحظة. يقول روسو "إن عدم توفيقي مع النساء نشأ دائماً عن إفراطي في حبهن" ولكن كان في فطرته أن يجد في التأمل لذة أعظم مما يجد في الإشباع وقد فرج عن ضيقه بتلك "التكملة الخطرة التي تخدع الطبيعة وتنقذ الفتيان، الذين على شاكلتي مزاجاً، من اضطرابات كثيرة، ولكن على حساب صحتهم، وقوتهم، وأحياناً حياتهم".

ولعل هذه العادة، التي تفاقمت حماها نتيجة النواهي المرهبة، لعبت دوراً خفياً في زيادة نزقه، وأهامه الرومانسية، وشعوره بالقلق في المجتمع، وحبه للوحدة. وهنا نجد "الاعترافات" تتوخى صراحة لم يسبق لها نظير.

نص كتاب أحلام يقظة جوال منفرد. للقراءة، اضغط على الصورة.


"كانت أفكاري في شغل شاغل بالفتيات والنساء ولكن بطريقتي الخاصة. وقد أبقت هذه الأفكار حواسي في نشاط دائم مؤذٍ...وبلغ في التهيج مبلغاً جعلني ألهب رغباتي بأشد المناورات إسرافاً بعد أن عجزت عن إشباعها. فكنت ألتمس الأزقة المظلمة والأركان المنزوية، حيث أستطيع أن أتعرف عن بعد أمام أشخاص من الجنس اللطيف في الوضع الذي اشتهيت أن أكون عليه بقربهن. أو لم يكن ما رأيته مني هو عورتي-فذلك مل لم يخطر لي ببال، إنما كان العضو المثير للضحك (الأرداف). ولا يمكنني وصف اللذة الحمقاء التي استشعرها في تعريتها أما أعينهن. ولم تكن بين هذا وبين المعاملة المشتهاة (وهي الجلد) غير خطوة واحدة؛ ولست أشك أن امرأة حازمة كانت في مرورها مانحتي هذه المتعة لو إنني جرؤت على التمادي في فعلتي.

"وذات يوم ذهبت لأقف في مؤخرة حوش به بئر تستقي منه فتيات البيت...وعرضت عليهن مشهداً يثير الضحك أكثر مما يثير الغواية. أما أحكمهن فتظاهرن بأنهن لا يرين شيئاً؛ وبدأ بعضهن يضحكن، وأحس غيرهن بالإهانة فصحن مستغيثات".

ولكن واحدة منهن لم تتقدم للأسف لتجلده-وبدلاً من ذلك حضر حارس يحمل سيفاً ثقيلاً وله شارب رهيب، ومن خلفه أربعة عجائز أو خمس مسلحات بالمكانس. أما روسو فنجا بأن قال في تعليل مسلكه أنه "شاب غريب من أسرة كريمة إلتاث عقله" ولكن ماله قد يمكنه ف المستقبل من مكافأتهم على غفرانهم فعلته، "وتأثر الرجل المرعب" وخلى سبيله، الأمر الذي أسخط العجائز غاية السخط.

وكان خلال ذلك قد وجد وظيفة تابع يرتدي زي الخدم في بيت مدام دفرسللي، وهي سيدة تورينية لهالا نصيب من الثقافة. هناك اقترف جريمة أثقلت ضميره طوال عمره. ذلك أنه سرق شريطاً من أشرطة المدام الزاهية الألوان، فلما أتهم بهذه السرقة ادعى أن خامة أخرى أعطته الشريط. ووبخته الخادمة-ماريون-البريئة تماماً من السرقة توبيخاً انطوى على نبوءة، فقالت له "إيه يا روسو، ظننتك ذا طبيعة خيرة. أنك تجعلني غاية في التعاسة، ولكنني لا أرضى أن أكون في موقفك". وطرد كلاهما، ويضيف روسو في اعترافاته:

لست أدري ما أصاب ضحية افترائي هذا، ولكن كان الاحتمال ضعيفاً جداً في أن تجد لها وظيفة حسنة بعد ذلك، لأنها عانت من تهمة مؤذية لسمعتها من جميع الوجوه...ولقد الذكرى الأليمة لهذا العمل..تثقل ضميري إلى اليوم، وفي وسعي أن أكون صادقاً أن رغبتي في التخفيف من ألم هذه الذكرى شاركت كثيراَ في تصميمي على كتابة اعترافاتي.

وقد تركت تلك الشهور الستة التي عمل فيها خادماً بصمتها على خلقه، فهو لم يصل قط إلى احترام نفسه رغم كل وعيه بعبقريته: شجعه قسيس شاب لقيه وهو يخدم مدام دفرسللي على الاعتقاد بأن في استطاعته التغلب على أخطائه إذا حاول مخلصاً القرب من أخلاقيات المسيح. وقال السيد جيم هذا إن أي دين صالح مادام يشيع السلوك المسيحي؛ ومن ثم فقد أومأ إلى أن جان-جاك يكون أهنأ بالاً إن هو عاد إلى مسقط رأسه ومذهبه الأصلي. وقد استقرت هذه الآراء "لرجل من أفضل عرفت من الرجال" طويلاً في ذاكرة روسو، وأوحت إليه بصفحات مشهورة في كتابه "إميل". وبعد عام التقى في مدرسة سان-لازار اللاهوتية، بقس آخر هو إذ الأبيه جاتييه، رجل له "قلب يفيض رقة وحناناً" فاته الترقي بأنه كان سبباً في حمل عذراء في أبرشيته. يقول روسو معقباً "لقد كانت هذه الفعلة فضيحة رهيبة في أسقفية شديدة التزمت، لا يصح فيها أبداً للقساوسة (الخاضعين لتنظيم حسن) أن يكون لهم أبناء-إلا من نساء متزوجات". ومن "هذين القسيسين الفاضلين ألفت شخصية قسيس سافوا".

وفي مطلع صيف عام 1729، عاود روسو-الذي بلغ الآن السابعة عشرة-الحنين إلى حياة الترحل، ثم أنه علل نفسه بأنه قد يجد بمعونة مدام دفاران وظيفة أقل إذلالاً لكبريائه. فأنطلق بصحبة غلام جنيفي مرح يدعى باكل سيراً من تورين، واخترقا ممر جبل سنيس في الأب إلى شامبري وآنسي. وقد صور قلمه الرومانسي تلك الانفعالات التي جاشت بها نفسه وهو يدنو من مسكن مدام دفاران تصويراً رائعاً "فقد ارتعشت ساقاي من تحتي وغامت عيناي، فلم أبصر ولم أسمع ولم أذكر أحداً، واضطررت مراراً إلى الوقوف لألتقط أنفاسي وأملك أحاسيسي المشدوهة". ولا شك في أنه كان غير واثق من أنها سترحب بمقدمه. فكيف يستطيع أن يفسر لها كل ما طرأ على حياته من صروف وتقلبات منذ تركها؟ على أن "نظرتها الأولى بددت جميع مخاوفي. ووثب قلبي لسماع صوتها. وألقين نفسي عند قدميها، وفي نشوة من الفرح العارم ضغطت شفتاي على يدها": ولم يسوءها هيامه بها، فخصصت له حجرة في بيتها، وحين بدأ البعض يتقولون كان جوابها "فليقولوا ما شاءوا، ولكني مادامت العناية قد ردته إليّ، فإني عازمة على ألا أتخلى عنه".

البلوغ

پلازو ملكاً لتوماسو كويريني في 968 كانارگيو البندقية، والذي كان مقر السفارة الفرنسية عندما كان روسو سكرتير السفير.

وتعلق بها تعلقاً شديداً، كأي فتى يتعلق بامرأة الثلاثين كان يلثم سراً الفراش الذي تنام عليه، والكرسي الذي تجلس عليه "بل الأرض ذاتها حين يخطر إلى أنها مشت عليها".

وكان شيد الغيرة من كل من ينافسونه على الاستئثار بوقتها. وتركته يخرخر كالهر السعيد، وكانت تدعوه تارة بالقط الصغير، وتارة بالطفل، وشيئاً فشيئاً أرتضى أن يدعوها "ماما" واستخدمته في كتابة رسائلها وإمساك حساباتها، وجمع الأعشاب لها، ومعاونتها في تجاربها الكيميائية. وأعطته كتباً ليقرأ-الاسبكتاتور، ويوفندرف، وسانت افرمون، وملحمة فولتير الهنرياده. وكانت هي نفسها تحب أن تتصفح "قاموس بويل التاريخي النقدي" وكانت لا تسمح للاهوتها بأن يضايقها، ولعل استمتاعها بصحبة الأب جرو، ناظر مدرسة اللاهوت المحلية، مرجعه أنه كان يساعدها على إحكام عقد مشدها "وبينما كان مشغولاً بهذا كانت تجري في أرجاء الغرفة، هنا أو هنا كما تدعو الدواعي. وكان الأب، ناظر المدرسة، يتبعها متذمراً تجره الأربطة من خلفها، وهو لا يفتأ يردد "أرجوكِ أن تقفي ساكنة يا سيدتي". وكان هذا كله مشهداً مسلياً حقاً".

وربما كان هذا القسيس المرح هو الذي أشار بأن جان-جاك قد يستوعب من التعليم قدراً يؤهله لأن يكون قسيس قرية، ذلك على الرغم من كل أمارات الغباوة البادية عليه. ووافقت مدام دفاران وهي مغتبطة بالعثور له على مهنة يرتزق منها. وعليه ففي خريف 1729 دخل روسو مدرسة سان-لازار اللاهوتية ليحضر للقسوسة. وكان قد ألف الكاثوليكية الآن بل شغف بها؛ أحب فيها طقوسها المهيبة، ومواكبها، وموسيقاها، وبخورها، وأجراسها التي خالها تعلن على الملأ كل يوم أن الله في سمائه، وأن العالم بخير أو سوف يكون بخير، أضف إلى ذلك أن مذهباً يستهوي مدام دفاران ويغفر لها خطاياها لا يمكن أن يكون سيئاً. غير أن التعليم المدرسي الذي حصله من قبل كان من الضآلة بحيث اقتضى الأمر أن يفرض عليه منهج مركز في اللاتينية. ولكنه لم يستطع صبراً على تصاريف أسمائها وصفاتها وأفعالها، وبعد خمسة أشهر من الجهد والعرق رده معلموه إلى مدام دفاران بتقرير يقول أنه "غلام لا بأس بتقواه" ولكنه لا يصلح [كاهن|كاهناً]].

وحاولت مساعدته من جديد. ودعاها ما لاحظته من ميله للموسيقى إلى تقديمه إلى نيكولوز لوميتر، عازف الأرغن في كتدرائية آنسي وذهب جان-جاك ليعيش معه طوال شتاء 1729-30، وعزاؤه أنه لا يبعد عن ماما سوى عشرين خطوة. وراح يرتل في فرقة الترتيل ويعزف على الفلوت، وأحب الترانيم الكاثوليكية، ووجد الغذاء الطيب، وكان سعيداً. ولم يعكر عليه صفو العيش مع المسيو لوميتر غير إسراف هذا العازف في الشراب. وذات يوم تشاجر رئيس فرقة الترتيل الصغير مع رؤسائه، فجمع كراسات موسيقاه في صندوق، ورحل عن آنسي. وامرت مدام دفاران روسو أن يصحبه حتى ليون. هناك سقط لوميتر على الطريق مغشياً عليه بفعل (البطاح) أي هذيان الحمى الذي يصيب مدمني الخمر. واستغاث جان-جاك بالمارة وقد أصابه الرعب، وأعطاهم العنوان الذي كان مدرس الموسيقى يبحث عنه، ثم فر راجعاً إلى آنسي وماما. "أن تعلقي بها بكل ما فيه من حساسية وصدق اقتلع من قلبي كل مخطط يمكن تصوره وكل حماقات الطموح. فلم أر سعادة في غير العيش بقربها، وما كنت لأخطو خطوة دون أن أشعر أن المسافة بيننا قد بعدت". ولكن علينا أن نذكر أنه لم يتجاوز يومها الثامنة عشرة.

نص كتاب دين الفطرة. للقراءة، اضغط على الصورة.


فلما وصل إلى آنسي وجد أن المدام قد رحلت إلى باريس ولا أحد يعرف متى تعود. وأحس أنه وحيد مهجور، فراح ينفق اليوم تلو اليوم هائماً على وجهه في الريف، يتأسى بالمنظر إلى ألوان الربيع المشرقة وسماع زقزقة الطيور-هذه الطيور العاشقة بلا ريب. وكان أحب الأشياء إليه أن يستيقظ مبكراً ويرقب الشمس تطلع ظافرة فوق الأفق. ورأى في إحدى جولاته تلك آنستين راكبتين، تحثان جواديهما المترددين على خوض غدير أمامهما. وفي نوبة من نوبات البطولة أمسك بعنان أحد الجوادين وعبره الماء والآخر يتبعه. وكان على وشك المضي إلى حال سبيله لولا أن الفتاتين أصرتا على أن يصحبهما إلى كوخ يجفف فيه حذاءه وجواربه، فوثب على ظهر أحد الجوادين خلف الآنسة ج. تلبية لدعوتها "فلما اضطررت إلى الإمساك بها لأستقر في مكاني راح قلبي يدق وكانت دقاته من العنف بحيث أحست بها" في تلك اللحظة بدأ يكبر في هيامه بمدام دفاران. وأنفق الشباب الثلاثة يومهم في رحلة خلوية معاً، وتجرأ روسو فقبل يد إحدى الفتاتين ثم تركتاه، فقفل إلى آنسي لا يكاد يعبأ بغياب ماما عنها. وقد حاول العثور على الآنستين ثانية، ولكن دون جدوى.

وما لبث أن عاد يضرب في الأرض من جديد، واصطحب هذه المرة خادمة مدام دفاران إلى فريبورج. وإذا اخترق جنيف "ألفيتني متأثراً بالغ التأثر حتى لم أكد أقوى على المضي في طريقي...فقد رفعت صورة الحرية (الجمهورية) روحي إلى الذرى". ومن فيبورج مشى إلى لوزان. ولم يعرف التاريخ كاتباً شديد الولع بالمشي مثله. فمن جنيف إلى تورين إلى آنسي إلى لوزان إلى نوشاتل إلى برن إلى شامبري إلى ليون عرف الطريق واستمتع شاكراً بالمناظر والروائح والأصوات.

"يطيب لي أن أمشي على سجيتي، وأن أقف حيث أشتهي، فحياة المشي ضرورية لي. والسفر على الأقدام، في ريف جميل، وجو بديع، وبهدف لطيف أختم به رحلتي-هذا أنسب ما يروقني من ضروب العيش".

ذلك أنه لعدم شعوره بالاطمئنان في حضرة الرجال الذين أصابوا حظاً من التعليم، وبالخجل والعي في خضرة النساء الجميلات، كان يسعد إذا انفرد بالغابات والحقول، والماء، والسماء، فجعل من الطبيعة مستودع سره ونجواه وأفضى إليها بغرامياته وأحلامه في حديث صامت. وخيل إليه أن حالات الطبيعة المتقلبة تمتزج أحياناً في تناغم صوفي مع حالته النفسية. ولم يكن أول من أشعر الناس بجمال الطبيعة، إلا أنه كان أشد رسلها تحمساً لها وتأثيراَ فيهم فنصف شعر الطبيعة منذ روسو هو جزء من تراثه، لقد شعر هاللر من قبل بجلال جبال الألب ووصفه، ولكن روسو جعل من سفوح سويسرا على طوال الساحل الشمالي لبحيرة جنيف ملكه الخاص، وأورث الأجيال عبير كرومها المدرجة. فلما أراد اختيار موقع لبيت يسكنه شخصيتي جولي وفولمار أسكنهما هنا، في كلارنس بين فيفيه ومونترو، في فردوس أرضي امتزجت فيه الجبال والخضرة والماء والشمس والثلوج.

وانتقل إلى نوشاتل حين لم يصب نجاحاً في لوزان "هنا....بفضل تدريسي للموسيقى اكتسبت بعض الإلمام بها دون وعي مني." وفي بلدة قريبة تدعى بودري التقى بحبر يوناني يلتمس بعض المال لترميم كنيسة القبر المقدس في أورشليم، فرافقه روسو مترجماً له، ولكنه تركه في سوليو ومشى خارجاً من سويسرا داخلاً فرنسا. وفي أثناء سيره دخل كوخاً وسأل صاحبه أيستطيع شراء طعام، فقدم له الفلاح خبز الشعير واللبن، وقال إن هذا كل ما يملك، ولكنه حين رأى أن جان-جاك ليس جابي ضرائب فتح باباً مسحوراً نزل منه ثم عاد بخبز قمح، وبيض، ونبيذ. وعرض روسو أن يدفع ثمن طعامه، ولكن الفلاح أبى أن يقبله، وعلل سلوكه بأنه مضطر إلى إخفاء خير الطعام مخافة أن يفرض عليه المزيد من الضرائب. إن ما قاله لي خلف في ذهني أثراً لا يمحى، وبذر بذور تلك الكراهية التي لا تطفأ والتي نمت منذ ذلك الحين في قلبي، الكراهية لما يقاسيه هؤلاء التعساء من عنت، والسخط الشديد على ظالميهم.

وفي ليون أنفق أياماً بغير مأوى، يفترش المقاعد في الحدائق العامة أو ينام على الأرض، واستخدم حيناً في نسخ الموسيقى. فلما سمع أن مدام دفاران.

تسكن شامبري (على أربعة وخمسين ميلاً إلى الشرق)، انطلق لينضم إليها من جديد. ووجدت له وظيفة سكرتير لملاحظ الأقاليم (1732-34) وكان خلال ذلك يعيش تحت سقفها، لا ينقص من سعادته بعض الشيء غير ما كشف من أن مدير أعمالها كلود آنية هو أيضاً يعشقها. ويتضح ما طرأ على غرامه من فتور من هذه الفقرة الفريدة في اعترافاته: "لم أستطع أن أعلم، دون ألم، أنها تعيش في مودة أوثق مع شخص غيري...ومع ذلك فبدلاً من أن أشعر بأي كراهية للشخص الذي تفوق عليّ على هذا النحو وجدت الود الذي أكنه لها يمتد فعلاً إليه، فلقد تمنيت لها السعادة فوق كل شيء وإذ كان معنياً بخطتها التي توسلت بها للسعادة، فقد رضيت له السعادة هو أيضاً واعتنق خلال ذلك أفكار خليلته تماماً وشعر بصداقة مخلصة لي...وهكذا عشنا في وحدة أسعدتنا جميعاً، وحدة لا يقوى على فصم عراها غير الموت. ومما يدل على سمو خلق هذه المرأة الودود أن كل الذين أحبوها أحبوا بعضهم بعضاً، فحتى الغيرة والتنافس أذعنا للعاطفة التي ألهمتهم إياها وما رأيت قط واحد ممن أحاطوا بها بضمير أقل حقد للآخرين. فليتوقف القارئ هنيهة عند هذا المديح، وإذا استطاع أن يتذكر أي امرأة أخرى تستحقه فليرتبط بها إن أراد لنفسه السعادة.

نص كتاب خطاب حول أصل التفاوت وجذوره بين البشر. للقراءة، اضغط على الصورة.


أما الخطوة التالية في هذه الرواية الغرامية المتعددة الأطراف فكانت هي أيضاً نقيضاً لكل قواعد الزنا. ذلك أن مدام دفاران حين أدركت أن جارة لها تدعى المدام دمانتون تتطلع إلى أن تكون أول من يعلم جان-جاك فنون الغرام، عرضت نفسها عليه خليلة دون أن يكون في هذا الوضع إضرار بخدماتها المماثلة لآنية، إما لأنها أبت أن تسلم بالتفوق لجارتها وإما لأنها أرادت أن تحمس الفتى من ذراعين أقل حناناً من ذراعيها وأنفق جان-جاك ثمانية أيام يدير الأمر في رأسه، فقد كان من أثر طول ألفته بها أن أفكاره كانت بنوية أكثر منها شهوانية. يقول "لقد أحببتها حباً منعني من أن اشتهيها" وكان آنئذ يعني من الأمراض التي قدر لها أن تطارده حتى النهاية، وهي التهاب المثانة وضيق مجرى البول. وأخيراً، وبكل الحياء المنتظر منه، ارتضى العمل باقتراحها. بقول:

"وأخيراً جاء اليوم الذي كنت أخشاه أكثر مما أتوق إليه....فلقد كان قلبي يحبذ غرامياتي دون أن يشتهي الجائزة. ولكني حصلت عليها رغم ذلك. ورأيتني لأول مرة بين ذراعي امرأة، وامرأة أعبدها. أكنت سعيداً؟ لا لقد ذقت اللذة، ولكني لا أدري أي حزنٍ طاغٍ سمم هذه التعويذة فلقد شعرت كأني أقترف سفاح المحارم. وبينما كنت أضمها بين ذارعي في نشوة الفرح أغرقت صدرها مرتين أو ثلاثاً بدموعي. أما هي فلم تكن بالحزينة ولا بالفرحة، بل كانت هادئة وهي تعانقني وتقبلني ولم تستشعر أي انتشاء، ولا أحست بالندم قط، لأنها لم تكن شهوانية على الإطلاق، ولم تكن تبحث عن اللذة بتاتاً.

وقد عزا روسو إلى سم الفلسفة مناورات هذه السيدة وهو يستحضر ذكرى هذا الحدث البارز فيما بعد. قال:

"أكرر أن كل مشاعرها كانت نتيجة خطئها لا نتيجة شهواتها. فلقد كانت كريمة المولد، نقية القلب، نبيلة السلوك، وكانت رغباتها سوية فاضلة، وذوقها رقيقاً مرهفاً. وبدا أنها خلقت لذلك الطهر الرائع-طهر الآداب-الذي أحبته على الدوام ولكنها لم تمارسه قط، لأنها بدلاً من أن تصغي إلى أوامر قلبها اتبعت عقلها الذي ضللها... ومن سوء حظها أنها كانت تعتز بالفلسفة، وكان من أثر المبادئ الخلقية التي استخلصتها من هذه الفلسفة إفساد الفضيلة التي أشار بها قلبها.

ومات آنيه في 1734. واستقال روسو من وظيفته في خدمة ملاحظ الإقليم، وتولى أعمال المدام وقد وجدها في حال خطيرة من الخلل تشرف على الإفلاس فحصل على بعض المال بتدريس الموسيقى،ـ وفي 1737 آلت إليه ثلاثة آلاف فرنك استحقت له من ميراث أمه، فأنفق بعضها على الكتب، وأعطى الباقي لمدام دفاران. ثم لزم الفراش، فمرضته ماما بحنان. ولما لم يكن لبيتها حديقة فقد استأجرت (1736) كوخاً في ضاحية يسمى الشارميت هناك "سارت حياتي سيراً هادئاً غاية الهدوء" ومع أنه "لم يكن يحب قط أن يصلي في قاعة" فإن الخلاء خارج الكوخ حفزه لشكر الله على جمال الطبيعة وعلى مدام دفاران، وللب البركة الإلهية على رباطهما. وكان يومها شديد التعلق باللاهوت الكاثوليكي مع شائبة حزينة من الجانسنية "فكثيراً ما عذبني خوف الجحيم".

وكان يقلقه اكتئاب هو ضرب من الوهم كان رائجاً في ذلك العهد. وقد خيل إليه أن هناك ورماً في غشاء قريب من قلبه، فقصد مونبلييه في مركبة البريد: وفي الطريق هدأ من اكتئابه بما زعم أنه تحقيق لوصال بمدام دلارناج (1738) وكانت أماً لفتاة في الخامسة عشرة. فلما عاد إلى شامبري وجد أن مدام دفاران تجرب علاجاً مماثلاً، وأنها اتخذت عشيقاً جديداً لها من صانع باروكات شاب يدعى جان فنتسنريد. واحتج روسو؛ فقالت له إنه يسلك كالأطفال، وأكدت له أن في حبها متسعاً لاثنين باسم جان. ولكنه أبى أن "يحط من كرامتها على هذا النحو"، فاقترح عليها أن يعود إلى وضعه القديم. فزعمت أنها موافقة، ولكن استياءها من تخليه عنها بهذه السرعة أصاب محبتها له بالفتور. وأعتكف في شارميت وأقبل على دراسة الفلسفة.

ولول مرة (حوالي 1738) وعى بنسائم "لتنوير" الهابة من باريس وسيريه. فقرأ بعض أعمال نيوتن، وليبنتز، وبوب، وقلب في متاهات قاموس بيل. ثم عاد إلى درس اللاتينية، وأحرز في ذلك بجهده وحده تقدماً أكثر مما أحرز من قبل على يد معلميه ووفق إلى أن يقرأ شذرات من فرجل، وهوراس، وتاسيتوس، وترجمة لاتينية لمحاورات أفلاطون. وطلع عليه لابروبير، وبسكال، وفنيلون، وبريفوست، وفولتير، وكأنهم رؤيا أدارت رأسه "لم يفتنا شيء مما كتبه فولتير"؛ والواقع أن كتب فولتير هي التي "أوحت إليّ بالرغبة في أن أتأنق في الكتابة، وحملتني على محاولة تقليد تلوينات ذلك الكتاب الذي فتنت به أية فتنة"وعلى غير وعي منه فقد اللاهوت القديم الذي كان من قبل إطار أفكاره، شكله وصرامته، فوجد نفسه يفكر دون رعب في عشرات الهرطفات التي كانت تبدو له في شبابه فاضحة شائنة. وحل محل إله الكتاب المقدس إيمان حار يوشك أن يكون مشوباً هو الإيمان بوحدة الوجود. هناك إله، نعم، والحياة بدونه لا معنى لها ولا يطيقها الإنسان، ولكنه ليس ذلك الإله الخارجي، المنتقم، الذي تصوره الناس القساة الجبناء؛ إنما هو روح الطبيعة، والطبيعة في صميمها جميلة، والطبيعة البشرية في أساسها خيرة. وعلى هذا الإيمان، وعلى بسكال، سيقيم روسو فلسفته.

وفي 1740 وجدت له مدام دفاران وظيفة معلم خاص لولدي المسيو بونو دمابليه، رئيس بلدية ليون وافترق عنها دون لوم ولا عتاب من أحد الطرفين، وأعدت له ثياب الرحلة، وخاطت لها بعض الملابس بيديها اللتين كانتا فتنة له يوماً ما.

العودة لپاريس

Pierre Alexandre du Peyrou, rich inhabitant of Neufchâtel, plantation owner, writer, friend and publisher of some of Rousseau's oeuvre. His mansion was Le Palais du Peyrou.

كانت أسرة مابليه حافزاً جديداً لروسو. وكان رئيس البلدية أكبر أخوة ثلاثة نابهين، أحدهم جابرييل بونو دمابليه الذي اقترب من الشيوعية، والآخر هو الأبيه إيتين بونو دكوندياك، الذي أوشك أن يكون مادياً. وقد التقى روسو بثلاثتهم. وبالطبع وقع في غرام مدام دمابليه، ولكنها كانت من السماحة بحيث لم تعر الأمر أهمية. واضطر جان-جاك أن ينصرف إلى مهمته، وهي تعليم ولديها. فأعد للسيد دمابليه بياناً بأفكاره التربوية، وكانت في بعضها تتفق والمبادئ التحررية التي ستعرض عرضاً رومانسياً ممتازاً في كتابه "إميل" بعد اثنين وعشرين عاماً، وفي بعضها تناقض رفضه اللاحق لـ"الحضارة"، لأنها اعترفت بقيمة الفنون والعلوم في تطوير النوع الإنساني. وكان يلتقي مراراً برجال كالأستاذ بورد عضو أكاديمية ليون (وكان صديقاً لفولتير)، فتشرب قدراً أكبر من "التنوير"، وتعلم أن يهزأ بالجهل والخرافة الشائعين بين الجماهير. ولكنه ظل طوال حياته مراهقاً. فذات يوم رأى شابة عارية تماماً إذ اختلس النظر إليها وهي تستحم في الحمامات العامة، وتوقف قلبه عن النبض، فلما خلا إلى نفسه في حجرته وجه إليها خطباً جريئاً غفلاً من التوقيع قال فيه:

"لا أكاد أجرؤ يا آنسة بالظروف التي أدين لها بسعادة رؤيتي إياك وعذاب حبي لك. فقد فتنني فيك ما هو أكثر من ذلك الجسد النحيل اللطيف الذي لا ينتقص العري من جماله، وذلك القوام الأنيق، وتلك الخطوط الرشيقة...ما هو أكثر من نضارة الزئبق المنثور على شخصك بهذا السخاء الكثير...أنها حمرة الخجل الناعمة التي رأيتها تكسو جبينك حين أسفرت عن وجودي لعينيك بعد أن جردتم بخبث شديد-بغناء بيتين من الشعر.

وكان الآن وقد شب إلى السن التي تغريه بعشق الصبايا، فكادت كل فتاة حسنة الطلعة تثير أشواقه وأحلامه، ولكنه تعلق على الأخص بسوزان سير. "مرة-وا أسفاه، مرة واحدة فقط في حياتي؟ لمس فمي فمها. إيه أيتها الذكرى؟ هل أفقدك في القبر؟" وبدأ يفكر في الزواج منها، ولكنه اعترف لها قائلاً "ليس لدي ما أقدمه لك سوى قلبي" ولما لم يكن قلبه عملة قانونية، فإن سوزان قبلت يد غيره، وانكفأ روسو إلى أحلامه من جديد.

إنه لم يخلق ليكون عاشقاً ناجحاً ولا معلماً كفئاً.

"كان لدي من المعرفة القدر اللازم تقريباً لمدرس خاص...وبدا أن رقة طبعي الفطرية تهيئني لهذا العمل، لولا أن تعجل الأمور اختلط بهذا الطبع فإذا سارت الأمور رخاء ورأيت أن الجهود التي لم أضن بها أثمرت كنت ملاكاً، أما إذا أخفقت فقد كنت أنقلب شيطاناً. فإذا لم يفهمني تلميذاي تعجلت الشرح، وإذا أظهرا أي أمارات على الطبع المشاكس كان ذلك يستفزني استفزازاً يكاد يحملني على قتلهما....وصممت على تركهما بعد أن اقتنعت بأنني لن أنجح أبداً في تعليمهما التعليم الصحيح. وتبين المسيو دمابليه هذا بالوضوح الذي تبينته به وأن كنت ميالاً إلى الاعتقاد بأنه ما كان ليطردني قط لولا أنني أعفيته من هذا العناء".

وهكذا استقل مركبة البريد قافلاً إلى شامبري بعد أن استقال وهو حزين، أو طرد طرداً كريماً. والتمس العزاء من جديد بين ذراعي ماما. فاستقبلته هي في تلطف وأفسحت له مكاناً على مائدتها مع عشيقها. ولكنه لم يكن سعيداً في هذا الموقف، فأغرق نفسه في الكتب والموسيقى، وابتكر طريقة للتدوين الموسيقي تستخدم الأرقام بدلاً من الرموز. ولما عزم على الذهاب إلى باريس وعرض اختراعه على أكاديمية العلوم أثنى الجميع على قراره. وفي يوليو 1742 عاد إلى ليون ملتمساً خطابات تقديم إلى الأعيان في العاصمة. وأعطاه آل مابليه خطابات إلى فونتنيل والكونت دكايلوس وقدمه بورد إلى الدوق درشليو. ومن ليون استقل المركبة العامة إلى باريس تداعب رأسه أحلام المجد.

وكانت فرنسا آنذاك مشتبكة في حرب الوراثة النمساوية (1740-48) ولكن الحرب كانت تدور رحاها على أرض أجنبية، وعليه فقد سارت باريس سيرتها الأولى وواصلت حياة المرح البهي والاضطراب الفكري، حياة المسارح الناطقة بمسرحيات راسين، والصالونات المتألقة بالهرطقات والسخريات، والأساقفة الذين يقرؤون فولتير، والشحاذين الذين ينافسون البغايا، الباعة الجوالين الذين ينادون على بضائعهم، والصناع الذين يبذلون العرق في سبيل لقمة العيش إلى هذه الدوامة أقبل جان-جاك روسو، وهو في الثلاثين من عمره، في أغسطس 1742، وفي كيسه من المال خمسة عشر جنيهاً. واستأجر حجرة في فندق سان-كنتان بشارع الكوردلييه قرب السوربون-"شارع حقير وفندق تعس، وحجرة بائسة" وفي 22 أغسطس قدم إلى الأكاديمية "مشروعاً عن علامات جديدة للتدوين الموسيقي". ورفض العلماء مشروعه في مجاملة لطيفة. وشرح له رامو رأيهم قائلاً "أن علاماتك حسنة جداً...ولكن عليها اعتراضاً، هو أنها تحتاج إلى إعمال الذهن، وهو أمر لا يمكن دائماً أن يرافق سرعة التنفيذ. أما موضوع علامتنا فيصور للعين دون تزامن مع هذه العملة" واعترف روسو بأن الاعتراض لا يمكن التغلب عليه.

نص كتاب محاولة في أصل اللغات. للقراءة، اضغط على الصورة.


وأتاحت له خطابات التقديم التي أخذها معه ذلك الاتصال بفونتيل الذي كان هو في عامه الخامس والثمانين أحرص على طاقته من أن يأخذ روسو مأخذ الجد، والاتصال بماريفو الذي قرأ مخطوطة مسرحية روسو الهزلية "نارسيس" واقترح أن يدخل عليها تحسينات، وذلك رغم انشغاله بنجاحه روائياً وكاتباً مسرحياً وقابل الوافد الجديد ديدرو، الذي لم يكن بعد قد نشر أي مؤلف يؤبه به، وكان يومها يصغر جان-جاك بعام واحد.

"كان ولوعاً بالموسيقى، يعرفها نظرياً... وقد حدثني ببعض مشروعاته الأدبية... وسرعان ما وثق هذا بيننا صلة دامت خمسة عشر عاماً، وأغلب طني أنها كانت ستدوم إلى اليوم لولا أننا لسوء الحظ... أبناء حرفة واحدة".

وكان يصاحب ديدرو إلى المسرح أو يلاعبه الشطرنج، والتقى روسو في تلك اللعبة بفيليدرو وغيره من مهرة لاعبيها، و"لم يكن عندي شك في أنني في النهاية سأتفوق عليهم جميعاً". ووجد سبيله إلى بيت مدام دوبان وصالونها، وكانت ابنة المصرفي صموئيل برنار، وعقد صداقة مع ابن زوجها كلود دوبان دفرانكوي وخلال ذلك أوشكت نقوده على النضوب.

وبدأ يبحث من حوله عن عمل يستكمل به جهود أصدقائه في إطعامه. فعرضت عليه بنفوذ مدام بزنفال وظيفة سكرتير للسفارة الفرنسية في البندقية. وبعد أن قطع رحلة طويلة محفوفة بالخطر بسبب الحرب، وصل إليها في ربيع 1743 وقدم نفسه إلى السفير الكونت دمونتاجو. ويؤكد لنا روسو أن هذا الكونت كان أمياً تقريباً، وكان على السكرتير أن يفك شفرة الوثائق وأن يحررها، وكان يقدم رسائل الحكومة الفرنسية إلى مجلس شيوخ البندقية بشخصه لأنه لم ينسَ الإيطالية التي كان قد تعلمها في تورين وكان فخوراً بمنصبه الجديد، وشكا من أن مركباً تجارياً زاره لم يطلق المدافع تحية له مع أن هذه "التحية نالها من هم أقل شأناً". وتشاجر الرئيس والمرءوس على أيهما يظفر بالرسوم التي تدفع نظير استخراج السكرتير لجوازات السفر إلى فرنسا. وقد صلحت حال روسو بفضل نصيبه من هذه الرسوم، فتناول الطعام الطيب على غير العادة، واختلف إلى المسرح والأوبرا، ووقع في غرام الموسيقى الإيطالية والفتيات الإيطاليات.

وذات يوم زار مومساً تسمى لابدوانا "لكيلا أبدو شديد البلاهة أمام رفاقي" وطلب إليها أن تغني فغنت، فنقدها دوكاتيه وهم بالانصراف، ولكنه رفضت أن تأخذ قطعة النقود دون أن تكون قد بذلت في نيلها جهداً. فأرضاها، وعاد إلى مسكنه "مقتنعاً كل الاقتناع بأنني سأتجرع عواقب هذه الفعلة، فكان أول شيء فعلته أنني استدعيت جراح الملك ألتمس منه الدواء "ولكن الطبيب" أقنعني بأن في خلقتي ما يجعلني لا أقبل العدوى بسهولة" وبعد فترة أقام له أصدقاؤه حفلة يثاب فيها بجائزة هي الغانية الجميلة زوليتا فدعته إلى حجرتها وخلعت ثيابها. "وفجأة، بدلاً من أن اضطرم بنار الشهوة أحسست ببرودة قاتلة تسري في عروقي، وباشمئزاز ينفذ إلى أعماقي، فجلست وانخرطت بالبكاء كالأطفال". وقد علل عجزه هذا فيما بعد بأن أحد ثديي المرأة كان مشوهاً. أما زوليتا فقد انقلبت عليه هازئة وقالت له "دع النساء وشأنهن، وانصرف إلى درس الرياضة".

وأوقف المسيو دمونتاجو صرف راتب روسو لأن راتبه هو كان متأخراً. فعادا إلى الشجار، ورفت السكرتير (1744) وشكا روسو إلى أصحابه في باريس وأرسل استفسار إلى السفير فأجاب "يجب أن أبلغكم كم كنا مخدوعين في السيد روسو. ذلك أن حدة طبعه ووقاحته الناجمين عن شدة اعتداده بنفسه، وعن جنونه، هما اللذان أفضيا به إلى الحال الذي وجدناه عليه. لذلك طردته كما يطرد خادم سيئ" وقفل جان- جاك إلى باريس (11 أكتوبر) وطرح على الموظفين المختصين في الحكومة وجهة نظره في النزاع فلم ينصفوه. فلجأ إلى مدام ديزنفال، ولكنها رفضت أن تستقبله. فأرسل إليها خطاباً عنيفاً نستطيع أن نحس فيه لفحات الثورة الفرنسية البعيدة:

"كنت مخطئاً يا سيدتي، فقد ظننتك منصفة فإذا بك "نبيلة" فقط، وكان يجب عليّ أن أذكر هذا وأن أدرك أنه لا يليق بي-وأنا رجل غريب أنتمي إلى طبقة العامة-أن أشكر أحد السادة. ولو أن قدري رماني ثانية في قبضة سفير بهذا الخلق لكابدت آلامي دون شكوى. فإذا كان مفتقراً إلى الإحساس بالكرامة، ينقصه سمو النفس، فذلك لأن النبالة في غنى عن هذا كله، وإذا اقترن بكل ما هو حقير دنيء في بلد من أشد بلاد الله فساداً، فذلك لأن أجداده خلقوا له من الشرف ما يكفيه؛ وإذا عاشر الأوغاد، أو كان هو نفسه وغداً، وإذا أكل على خادم أجره، إذن يا سيدتي فلن أخلص إلا إلى هذا الرأي، وهو أن من حسن حظ المرء ألا يكون وليد أفعاله هو. فهؤلاء الأجداد-من كانوا؟ أشخاص لا شهرة لهم، ولا مال، نظرائي، كان لهم موهبة من نوع ما، وبنوا لأنفسهم سمعة، ولكن الطبيعة تبذر بذرة الخير والشر، أعطتهم نسلاً حقيراً".

ثم أضاف روسو في "الاعترافات":

"لقد خلفت عدالة شكاواي وعدم جدواها في ذهني بذور السخط على نظمنا الاجتماعية الحمقاء التي تضحي فيها دائماً رفاهية الشعب والعدل الحقيقي في سبيل مظهر للنظام ما أنزل الله به من سلطان، لا ثمرة له إلا أنه يضيف موافقة السلطة العامة إلى ظلم الضعفاء وبغي الأقوياء".

ولما عاد مونتاجو إلى باريس أرسل روسو "بعض المال تسوية لحسابي...وتسلمت من أعطاني وسددت كل ديوني، وعدت يا مولاي كما خلقتني. "واستقر ثانية في فندق سان-كنتان وارتزق بنسخ مدونات الموسيقى. ولما سمع النبيل الذي كان يحمل آنئذ لقب دوق أوليان بفقره أعطاه كراسات موسيقى لينسخها مشفوعة بخمسين جنيهاً ذهبياً، فاحتجز روسو منها خمسة ورد الباقي لأنه يزيد على حقه.

وكان ما يكسبه أقل كثيراً مما يتيح له أن يعول زوجة، ولكنه رأى أن في استطاعته أن يعول خليلة إذا أحكم التدبير وكان من بين من يؤاكلونه في فندق سان-كنتان صاحبة الفندق، وبعض الآباء الدينيين المفلسين، وشابة تخدم الفندق غسالة أو خياطة. وكان في هذه المرأة، واسمها تريز لقاسير، ما في جان-جاك من إحجام وتردد، ووعي بالفقر وأن لم تكن فخورة بفقرها مثله. وكان يدافع عنها إذا عاكسها الآباء. وانتهى بها الأمر إلى أن ترى فيه حاميها، وسرعان ما وجد الواحد منهما سبيله إلى حضن صاحبه (1746) وبدأت أصارحها بأنني لن أتخلى عنها ولن أتزوجها". واعترفت بأنها ليست عذراء، ولكنها أكدت له أنها لم تأثم غير مرة واحدة، وكان ذلك منذ أمد بعيد. فصفح عنها صفحاً جميلاً، مؤكداً لها أن عذراء العشرين مخلوق نادر الوجود في باريس على أي حال.

وكانت مخلوقة بسيطة لا سحر فيها ولا دلال، لا تستطيع الكلام في الفلسفة أو السياسة كنسا الصالونات، ولكنها تعرف كيف تطهو، وتدبر شؤون البيت وتحتمل في صبر نزواته وعاداته الغريبة. وكان يتكلم عنها عادة باعتبارها "مدبرة البيت" أما هي فتقول عنه "رجلي" وندر أن اصطحبها في زياراته لأصدقائه، لأنها ظلت على الدوام مراهقة ذهنياً، كما ظل هو على الدوام مراهقاً خلقيا.

"حاولت أول الأمر أن أصلح عقلها، ولكن جهودي أدراج الرياح. ذلك أن عقلها بقي على ما فطرته الطبيعة، فهو لا يقبل التثقيف. ولا يخجلني أن اعترف أنها لم تعرف قط كيف تقرأ جيداً، وإن كانت تكتب كتابة لا بأس بها.. ولم تستطع قط أن تتلو شهور السنة بالترتيب، أو تميز بين عدد وآخر رغم ما بذلت من عناء في محاولة تعليمها. وهي لا تعرف كيف تعد النقود، ولا تحسب ثمن أي شيء فإذا تكلمت كانت الكلمة التي تخطر لها هي في أحيان كثيرة عكس الكلمة التي تقصدها. وقد صنفت فيما مضى قاموساً بعباراتها لأروح به عن المسيو دلكسمبورج، وكثيراُ ما ذاع أمر أغلاطها بين أخص أصحابي".

فلما حملت "أرتبك أشد ارتباك" فماذا هو صانع بالأطفال؟ وأكد له بعض أصحابه أنه من المألوف إرسال الأطفال غير المرغوب فيهم إلى الملجأ لقطاء. فلما ولد الطفل فعل هذا رغم احتجاجات تريز، ولكن بتعاون أمها (1747) وخلال الأعوام الثانية التالية ولد له أربعة أطفال تصرف فيهم على هذا النحو. وقد ألمع بعض الشكاك إلى أن روسو لم يرزق أطفالاً، وأنه أخترع هذه القصة ليخفي عجزه الجنسي، ولكن كثرة دفاعه عن تنصله هذا من المسئولية تجعل هذه النظرية بعيدة الاحتمال. وقد أعترف سراً بتصرفه في هذا الأمر لديدرو، وجريم، ومدام ديينيه؛ واعترف به ضمناً في كتابهم "إميل"؛ واستشاط غضباً على فولتير لأنه أذاع خبره، ثم أقر به صراحة في كتابه "الاعترافات" وأعرب عن ندمه. إنه لم يخلق للحياة العائلة، لأنه كان حزمة مرهفة من الأعصاب، وجواباً شريداً في الجسد والروح. وكان يعوزه ذلك الاهتمام بالأطفال الذي يجعل الأب صاحباً رزيناً، ولم تكتمل رجولته قط.

في نحو هذه الفترة أسعده الحظ بأن يجد وظيفة مريحة. فقد اشتغل سكرتيراً لمدام دويان، ثم لابن أخيها. وحين أصبح دويان دفرانكوي أميناً عاماً للصندوق رقى روسو صرافاً براتب ألف فرنك في السنة. واتخذ الآن الضفيرة الذهبية، والجوارب الجوارب البيض، والباروكة، والسيف، كلها شارات حاكا بها الأدباء ثياب الطبقة الأرستقراطية ليجدوا طريقهم إلى بيوت النبلاء. وفي وسعنا أن نتصور ضيقه بشخصيته المنقسمة على ذاتها. وقد أستقبل في عدة صالونات وصنع أصدقاء جدد، منهم رينال، ومارمونيتل، ودوكلو، ومدام دينيه، ثم فريدرش ملشيور جريم، الذي ارتبط به ارتباطاً حميماً جداً ومؤذياً جداً. وأختلف إلى حفلات العشاء المثيرة في بيت البارون دولباخ حيث كان ديدرو يقتل الآلهة بسلاح سماه خصومه فك حمار. في وكر الملحدين ذاك ذاب وتلاشى جل كثلكة جان-جاك.

وألف الموسيقى خلال ذلك. وكان قد بدأ في 1743 مزيجاً من الأوبرا والباليه سماه "ربات الفنون الرشيقات" يحي به غراميات أناكربون، وأوفيد، وتاسو، وأخرجت الأوبرا في 1745 محدثة بعض الضجة في بيت جابي الضرائب لابولفيير، وقد سخر منها رامو وزعم إنها محاكاة لإنتحالات من الملحنين الإيطاليين، ولكن الدوق رشليو أعجب بها وعهد إلى روسو بتنقيح أوبرا وباليه تسمى "أعياد رامير" أعدها رامو وفولتير على سبيل التجربة. وفي 11 ديسمبر 1745 كتب روسو أول رسالة لأمير أدباء فرنسا:

"لقد ظللت خمسة عشرة عاماً أكد وأكدح لأجعل نفسي جديراً باحترامك وبالعطف الذي تحبو به شباب الأدباء الذين تكتشف فيهم الموهبة. ولكني بفضل كتابتي موسيقى إحدى الأوبرات أجدني قد انقلبت موسيقياً. وأياً كان النجاح الذي تحققه جهودي الضعيفة فإنها ستكون في نظري جهوداً رائعة لو كسبت لي شرف معرفتك إياي، والإعراب عن الإعجاب والاحترام العميق اللذين يشرفني أن يكنهما لك خادمك المتواضع المطيع جداً".

وأجاب ڤولتير: "سيدي، إنك تجمع في شخصك موهبتين وجدتا على الدوام منفصلتين على الدوام، فهذان مبرران طيبان يحملانني على تقديرك ومحبتك".

وبهذين الخطابين من خطابات الحب بدأت خصومتهما الشهيرة.


في عام 1749 سجن ديدرو في فانسين عقاباً له على فقرات مهينة في كتابه "رسائل عن المكفوفين" وكتب روسو إلى مدام دبومبادور يلتمس الإفراج عن صديقه أو الإذن له بأن يشاركه سجنه. وخلال ذلك الصيف قام غير مرة برحلة دائرية طولها عشرة أميال بين باريس وفانسين ليزور ديدرو. وفي واحدة منها أخذ نسخة من مجلة الماركيز دفراني ليقرأ أثناء سيره. وهكذا وقع على الإعلان عن جائزة تقدمها أكاديمية ديجون لأفضل مقال يجيب عن هذا السؤال "هل أعان إحياء العلوم والآداب والفنون على إفساد الأخلاق أم على تطهيرها؟" وأغراه الإعلان بدخول المسابقة، فهو الآن في السابعة والثلاثين، وقد آن الأوان ليحقق لنفسه الشهرة. ولكن هل بلغ من الإحاطة بالعلم أو الفن أو التاريخ مبلغاً يكفي لمناقشة مثل هذه الموضوعات دون أن يفضح ما تعليمه من قصور؟ وقد وصف في خطاب كتبه إلى مالزيرب في 12 مايو 1762 بحماسته العاطفية المتميزة تلك الرؤيا التي تراءت له أثناء هذه المسيرة. قال:

"وفجأة أحسست أن مئات الأضواء المتلألئة تخطف بصري. وتزاحمت حشود من الخواطر النابضة بالحياة في ذهني بقوة واختلاط جعلاني أضطرب اضطراباً لا يوصف وأحسست برأسي يدوّم في دوار كأنني مخمور، وضاق صدري بخفقان عنيف. فلما عجزت عن السير لصعوبة التنفس ارتميت على شجرة على الطريق وقضيت نصف ساعة في حال من الانفعال الشديد حتى أنني حين قمت وجدت مقدمة صدريتي كلها مبللة بالدموع..أوه، لو أتيح لي أن أكتب ولو ربع ما رأيت وأحسست تحت تلك الشجرة، فبأي وضوح كنت أميط اللثام عن كل تناقضات نظامنا الاجتماعي! بأي بساطة كنت أبين أن الإنسان بفطرته خير، وأن نظمنا هي التي جعلته شريراً".

وهذه العبارة الأخيرة ستكون نشيد حياته المتردد، وتلك الدموع التي تدفقت على صدريته كانت منبعاً من المنابع العليا التي انبثقت منها الحركة الرومانسية في فرنسا وألمانيا. لقد كان في وسعه الآن أن يكسب قلبه في هجوم على كل تكلف باريس وتصنعها، وفساد أخلاقها، وزيف سلوكها المصقول، وإباحية أدبها، وشهوانية فنها، وتعالي طبقيتها، وسفه أغنيائها الغليظ الذي تموله إبتزازاتهم من الفقراء، وجفاف الروح لحلول العلم محل الدين، والمنطق محل الوجدان. إنه بإعلانه الحرب على هذا الانحلال يستطيع أن يبرر بساطة ثقافته، وعاداته الريفية، وقلقه وضيقه في المجتمع، ونفوره من حيث القيل والقال، ومن الفكاهة التي تجردت من الاحترام، ويبرر احتفاظه المتحدي بإيمانه الديني وسط إلحاد أصحابه. لقد عاد في أعماق نفسه كلفنياً كما كان، وذكر بشيء من الحنين تلك العفة التي لقنها في صباه. إنه بدخوله مسابقة ديجون سيرفع وطنه جنيف فوق باريس، وسيشرح لنفسه ولغيره لم كان سعيداً في ليشارميت، وشقياً غاية الشقاء في صالونات باريس.

فلما وصل إلى فانسين كاشف ديدرو منيته في دخول المسابقة. فهلل ديدرو للفكرة، وأشار عليه بأن يهاجم حضارة جيلهما بكل ما في وسعه من قوة. فلن يجرؤ متسابق آخر على اتخاذ هذا الموقف، وسيكون موقف روسو فريداً في بابه عاد جان-جاك إلى مسكنه وهو يتحرق شوقاً لهدم الآداب والعلوم التي كان ديدرو يستعد للإشادة بها في "الموسوعة" أو القاموس العقلاني للعلوم والآداب والحرف: (1751 وما يليها) وكتبت "المقال" بطريقة فريدة جداً...فكرست له ساعات الليل التي جفاني فيها النوم، وكنت أتأمل في فراشي وجفناي مغمضتان، وأدير في ذهني المرة بعد المرة عباراتي بعناية واهتمام لا يصدقان..وحالما فرغت من المقال دفعته لديدرو فرضي عنه، وأشار ببعض تصويبات يجب في رأييه إجراؤها...وأرسلت المقال دون أن أخبر بأمره أحداً غيره، اللهم إلا جريم فيما أذكر". أما أكاديمية ديجون فقد توجت مقاله بالجائزة الأولى (23 أغسطس 1740)-وهي ميدالية ذهبية وثلاثمائة فرنك، واتخذ ديدرو الإجراءات بما عهد به من حماسة، لنشر المقال الذي سمي "مقالاً في الآداب والفنون والعلوم" وسرعان ما كتب إلى المؤلف يبلغه النبأ إن مقالك ساحر إلى حد فاق كل تصور، فلم يكن لهذا النجاح ضريب على الإطلاق، وكأني بباريس وقد أدركت أنه هاهنا، في قلب حركة التنوير تماماً، قام رجل يتحدى عصر العقل، ويتحداه بصوت سيصغي إليه العالم.

أما المقال فقد بدا في استهلاله مشيداً بانتصارات عصره:

"أنه لمشهد جليل جميل أن نرى الإنسان يرفع نفسه-إن جاز هذا التعبير-من العدم بجهوده هو؛ فيبدد بنور العقل كل السحب الكثيفة التي اكتنفته بالطبعة فسما فوق نفسه، وحلق بالفكر إلى أجواء الفضاء، واشتمل بخطى عملاقة آفاق الكون الشاسعة كأنه الشمس؛ وأجل من ذلك وأعجب أنه انكفأ إلى نفسه ليدرس الإنسان ويصل إلى معرفة فطرته وواجباته وهدفه..كل هذه المعجزات رأيناها تجدد خلال الأجيال القليلة الأخيرة".

ولابد أن فولتير جاد بابتسامة الرضى عن فرحة هذا الاستهلال، فهاهنا تلميذ جديد لجماعة "الفلاسفة"؛ والرفاق الطيبين الذين سيقضون على الخرافة "والعار"؛ ثم ألم يكن لوشنقار الفتى هذا مساهماً في الموسوعة فعلاً؟ ولكن ما إن جاءت الصفحة التالية حتى اتخذت المناقشة وجهة مؤسفة. فقال روسو إن تقدم المعرفة هذا كله جعل الحكومات أعظم سطوة، فسحقت حرية الفرد واستبدلت بالفضائل البسيطة والكلام الصريح لعهد أكثر خشونة وبدائية، نفاق اللباقة الاجتماعية.

"لقد أقصيت من بين الناس الصداقة المخلصة، والاحترام الحقيقي، والثقة الكاملة وتسترت الغيرة والريبة، والخوف، وبرودة العاطفة، والتحفظ والكراهية، والغش، دائماً وراء ذلك القناع الواحد الخدَّاع، قناع التأدب، والصراحة والكياسة اللتين يتباهى بها الناس، ذلك القناع الذي ندين به لنور عصرنا وقيادته..فلتطالب الآداب والفنون والعلوم بنصيبها الذي أسهمت به في هذا العمل المفيد".

ويكاد فساد الفضائل والأخلاق نتيجة لتقدم المعرفة والفن أن يكون قانوناً من قوانين التاريخ "لقد غدت مصر أم الفلسفة والفنون الجميلة، وسرعان ما غزاها الغزاة". أما اليونان التي كان يسكنها الأبطال يوماً ما فقد قهرت آسيا مرتين، وكانت "الآداب" يومها في المهد، ولم تكن فضائل إسبارطة قد حلت محلها-مثلاً إغريقياً أعلى-تلك الثقافة الأثينية المهذبة، وسفسطة السفطائيين، وتماثل براكستيلبس الشهوانية؛ فلما بلغت تلك "الحضارة" أوجها، أطاح بها فليب المقدوني بضربة واحدة، ثم قبلت نير روما في استكانة. أما روما فقد غزت عالم البحر المتوسط كله يوم كانت أمة من الفلاحين والجند، متمرسة بنظام صارم، فلما أسلمت نفسها للذات الأبيقورية، وأشادت ببداءات أوفيد وكاتللوس، ومارتيال، باتت مرتعاً للرذيلة "وهزؤاً بين الأمم، وهدفاً لاحتقار الشعوب حتى الهمج منها. وحين عادت روما إلى الحياة في حركة النهضة الأوربية، عادت الفنون والآداب تنخر في عافية المحكومين والحاكمين، وخلفت إيطاليا أوهى من أن تثبت للهجوم. فأخضع شارل الثامن ملك فرنسا توسكانيا ونابلي دون أن يمتشق حساماً تقريباً، وعزت حاشيته كلها هذا النجاح غير المتوقع إلى انصراف أمراء إيطاليا ونبلائها باهتمام أعظم إلى تثقيف عقولهم دون الاهتمامات النشيطة والأعمال العسكرية".

والأدب ذاته عنصر من عناصر الفناء:

"يحكى أن الخليفة عمر حين سُئل في أمر مكتبة الإسكندرية وما يفعله بها أجاب: "وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها فتقدم بإعدامه" وقد ساق أدباؤنا هذا الأسلوب في التفكير على أنه بلغ غاية السخف، ولكن لو أن البابا جريجوري الأكبر كان في مكان عمر، والإنجيل في مكان القرآن، لأحرقت المكتبة رغم ذلك، ولربما عد هذا أروع عمل قام به في حياته".

أنظر إلى تأثير الفلسفة الممزق فبعض "محبي الحكمة" هؤلاء يخبروننا بأنه ليس هناك شيء اسمه المادة، وغيرهم يؤكدون لنا أنه لا وجود لشيء إلا للمادة وليس إله آخر غير الكون ذاته؛ وطريق ثالث يعلن أن الفضيلة والرذيلة ليستا سوى أسمين، وأنه لا اعتبار لشيء إلا للقوة والمهارة فهؤلاء الفلاسفة "يقوضون أسس إيماننا ويحطمون الفضيلة. إنهم يسخرون من الكلمات القديمة التي نستعملها مثل "الوطنية" و"الدين" ويكرسون مواهبهم لهدم وتشويه كل ما نقدسه غاية التقديس". ومثل هذا الهراء ما كان ليعمر في العصور القديمة بعد موت صاحبه، أما الآن فبفضل الطباعة "ستبقى إلى الأبد تأملات هوبز وسبينوزا المؤذية. إذن فاختراع الطباعة كان من أفدح الكوارث في تاريخ الإنسانية، ومن السهل أن نرى أن الملوك في المستقبل سيحرصون على إقصاء هذا الفن الرهيب عن ممالكهم حرصهم من قبل على تشجيعه".

ولنلاحظ ما أوتيت الشعوب التي لم تعرف قط الفلسفة أو العلم أو الأدب من قوة وتفوق؛ الفرس في عصر كورشن أو الألمان كما وصفن تاكيتوس، أو "في زماننا هذا الأم البسيطة (سويسرا) التي لم تقوَ حتى الشدائد والكوارث على قهر بسالتها المشهورة، والتي لم يستطع أي مثال أن يفسد أمانتها" وأضاف الجنيفي الفخور إلى هذه الشعوب "تلك الأمم السعيدة التي لم تعرف حتى أسماء الكثير من الرذائل التي يصعب القضاء عليها، متوحشي أمريكا الذين لم يتردد مونتيني في تفضيل طريقة حكمهم البسيطة الفطرية، لا على قوانين أفلاطون فحسب، بل على أكمل الرؤى التي تستطيع الفلسفة أن تستشرفها".

إذن فأي نتيجة ينبغي أن نخلص إليها؟ هي أن "الترف والإسراف، والرق، كانت في جميع الأجيال سوط عذاب سلط على جهود كبريائنا للخروج من حالة الجهالة السعيدة تلك التي وضعتنا فيها حكمة العناية الإلهية. فليتعلم البشر ولو مرة أن الطبيعة كانت تحميهم من العلم، تماماً كما تخطف الأم سلاحاً خطراً من يدي ولدها".

والجواب عن سؤال الأكاديمية العالمة هو أن العلم إذا تجرد من الفضيلة كان فخاً، وإن التقدم الحقيقي الوحيد هو التقدم الخلقي، وإن رقي العلم قد أفسد أخلاق البشر أكثر مما طهرها، وإن الحضارة ليست ارتقاء الإنسان إلى وضع أسمى، بل سقوطه من بساطة ريفية كانت فردوس البراءة والسعادة.

وقبيل ختام المقال كبح روسو جماح قلمه وألقى ببصره في شيء من الخوف على أشلاء العلم، والفن، والأدب، والفلسفة، التي خلفها في إثره وتذكر أن صديقه ديدرو يعد موسوعة كرسها لتقدم العلم. فاكتشف فجأة أن بعض الفلاسفة-كبيكن وديكارت-كانوا "معلمين عظاماً" ورأى أن النماذج الحية من هذه السلالة ينبغي أن يرحب بهم حكام الدول مشيرين لهم. ألم يعين شيشرون قنصلاً لروما، وأعظم الفلاسفة المحدثين قاضياً لقضاة إنجلترا؟ ولعل ديدرو حشر تلك السطور في المقال، ولكن جان-جاك كان صاحب الكلمة الأخيرة:

"أما نحن البشر العاديين الذين لم تشأ السماء أن تحبونا مواهب عظيمة فلنظل في جهالتنا. ولنترك لغيرنا مهمة تعليم الناس واجباتهم، ولننصرف إلى القيام بواجباتنا. أيتها الفضيلة أيتها المعرفة السامية للعقول البسيطة أليست مبادئك منقوشة على كل قلب؟ وهل نحن في حاجة، لكي نتعلم نواميسك إلى أكثر من..الإصغاء لصوت الضمير؟ هذه هي الفلسفة الصادقة التي يجب أن نتعلم القناعة بها".

ولم تدرِ باريس أتأخذ هذا المقال مأخذ الجد، أم تفسره على أنه محاولة ماكرة في المبالغة والمفارقة كتبها المؤلف بخبث. وقال بعضهم (فيما روى روسو) أنه لم يصدق كلمة واحدة مما كتب. أما ديدرو الذي آمن بالعلم وضاق بقيود العرف والأخلاق فيبدو أنه أستحسن مبالغات روسو باعتبارها عقاباً افتقر إليه المجتمع الباريسي، وأما حاشية الملك فقد حبذت المقال باعتباره توبيخاً للفلاسفة السفهاء الهدامين كانوا يستحقونه منذ أمد بعيد. ولابد أن نفوساً حساسة كثيرة ضاقت كهذا الكاتب البليغ بما في باريس من ثرثرة حمقاء وبريق كاذب. وقد عبر روسو عن مشكلة تظهر في كل مجتمع متقدم، فهل ثمرات التكنولوجيا تستأهل ما في الحياة المصنعة من عجلة، وتوترات، ومناظر، وضجيج، وروائح؟ وهل التوتر يقوض الأخلاق؟ وهل من الحكمة أن نمضي وراء العلم إلى خراب شامل، ووراء الفلسفة إلى اليأس من كل رجاء مشدد للعزائم؟.

وانبرى العديد من النقاد للدفاع عن الحضارة منهم بورد عضو أكاديمية ليون، ولاكا عضو أكاديمية روان، وفورميه عضو أكاديمية برلين، ولا ننسَ ستانسلاس لسكفنسكي، الطيب القلب ملك بولندا السابق ودوق اللورين اللاحق. وأشار الأدباء إلى أن هذا الهجاء لم يزد على أن توسع في الشكوك التي أعرب عنها مونتيني في مقاله "عن آكلة لحوم البشر" وسمع غيرهم فيه بصوت بسكال يرتد من العلم إلى الدين، وبالطبع كان مئات من "اللاهوتيين والقديسين" قد أدانوا الحضارة منذ زمن بعيد باعتبارها مرضاً أو خطيئة. وكان في وسع اللاهوتيين أن يزعموا أن "براءة" الحالة الطبيعية وسعادتها التي قال بها روسو، والتي سقط منها الإنسان، ليست إلا قصة جنة عدن معادة، فحلت "الحضارة" محل "الخطيئة الأصلية" علة في سقوط الإنسان، وفي كلتا الحالتين قضت الرغبة في المعرفة على سعادة الإنسان. أما المفكرون المعتزون بعلمهم مثل فولتير عجبوا لرجل في السابعة والثلاثين يكتب هذه المرثية الصبيانية ليهاجم منجزات العلم، ونعمة السلوك المهذب، وإلهامات الفن، وإما الفنانون أمثال بوشيه فلعلهم كانوا يتلوون ألماً تحت سوط روسو، ولكن فنانين آخرين مثل شاردان ولاتور كان في وسعهم أن يرموه بالتعميم العشوائي، وأما الجنود فقد سخروا من إشادة هذا الموسيقار الرقيق بالصفات العسكرية وبالتأهب الدائم للحرب.

واعترض جريم، صديق روسو، على أي رجوع إلى "الطبقية" فقال متعجباً "ياله من هراء شيطاني!: ثم سأل سؤالاً شائكاً، ما الطبقية؟" فلقد لاحظ بيل أنه لا تكاد توجد كلمة تستعمل استعمالاً أكثر غموضاً من كلمة ...الطبيعة...وليسمن المؤكد "أنه لأن شيئاً ما مصدره الطبيعة فهو إذن خير وصواب: فنحن نرى في النوع البشري أشياء سيئة جداً مع أنه لا يتطرق إلينا شك في أنها من عمل الطبيعة". ولا ريب أن مفهوم روسو عن الطبيعة البدائية كان تصويراً رومانسياً للطبيعة في حالتها المثالية. فالطبيعة (أي الحياة دون تنظيم وحماية اجتماعيين) "حمراء في الناب والمخلب" وناموسها الأساسي هو : أقتل وإلا قتلت. والطبيعة التي أحبها جان-جاك؛ كما يتجلى حبه في قيقيه أو كلارنس كان ضرباً متحضراً من الطبيعة، روضها وهذبها الإنسان. والحق أنه لم يرد أن يرتد إلى الأحوال البدائية بكل ما انطوت عليه من قذارة، وخطر، وعنف بدني، إنما أراد أن يعود إلى الأسرة الأبوية التي تفلح الأرض وتعيش على ثمارها، وهفت نفسه إلى التحرر من قواعد المجتمع المهذب وقيوده-ومن الأسلوب الكلاسيكي، أسلوب الاعتدال والعقل. وقد أبغض باريس وحن إلى شارميت وقبيل ختام حياته، في كتابه "أحلام جوال وحيد" صور هذه الفكرة القاصرة تصويراً مثالياً فقال:

ولدت أكثر الناس ثقة بالناس، ولم تخذل هذه الثقة ولو مرة واحدة طوال أربعين سنة. فلما وقعت فجأة بين صنف آخر من الأشخاص والأشياء انزلقت إلى مئات الفخاخ..واقتنعت أنه ليس في مظهر الابتسامات المتكلفة التي أغدقت على غير الغش والكذب، فانتقلت بسرعة من النقيض إلى النقيض....وأصبحت أشمئز من الناس...وأنا لم أعتد قد اعتياداً حقيقياً على المجتمع الحضري الذي كل ما فيه هم وإكراه والتزام، والذي يجعلني استقلالي الفطري عاجزاً فيه على الدوام عن ألوان الخضوع التي لا مندوحة عنها لكل من يريد العيش بين الناس.

وفي "الاعترافات" سلم في شجاعة بأن هذا "المقال" الأول (كان مفتقراً الافتقار كله إلى المنطق والنظام وإن زخر بالقوة والحرارة؛ فهو أضعف ما كتبت إطلاقاً من حيث الحجة، وأخلاه من الإيقاع والانسجام).

ومع ذلك فقد رد على نقاده بقوة، وأكد مفارقاته من جديد. ومجاملة لستانسلاس استثنى شيئاً واحدا: فقال أنه بعد الروية قرر ألا تحرق المكتبات أو تغلق الجامعات والأكاديميات "لأننا لن نجني من وراء هذا إلا إغراق أوربا مرة أخرى في دياجير الهمجية"؛ و"حين يفسد البشر فإن من الخير لهم أن يكونوا متعلمين عن أن يكونوا جهلة". ولكنه لم يعدل عن أي فقرة من اتهامه للمجتمع الباريسي. ودليلاً على انسحابه منه أقلع عن لبس السيف والضفيرة الذهبية والجوارب البيضاء، وارتدى ما يرتديه رجال الطبقة الوسطى من رداء بسيط وباروكة أصغر. قال مارمونتيل "وهكذا منذ تلك اللحظة اختار الدور الذي سيلعبه، والقناع الذي سيلبسه". فإن كان هذا قناعاً فإنه أحسن لبسه، وأصر عليه إصراراً شديداً، حتى لقد أصبح جزءاً من صميم الرجل وغير وجه التاريخ.

العودة لجنيڤ (1754)

Ramsay, Allan (1766), Rousseau wearing an Armenian costume .

في ديسمبر 1750 اشتد على روسو مرض المثانة حتى ألزمه الفراش ستة أسابيع وزادته هذه المحنة نزوعاً إلى الاكتئاب والعزلة، وأرسل إليه معارفه الأغنياء أطباءهم ليعودوه، ولكن تطبيب ذلك الزمان لم يؤهلهم لمساعدته "فكلما امتثلت لأوامرهم ازددت شحوباً ونحولاً وهزالاً. ولم يوحِ لي خيالي...على هذا الجانب من القبر، بغير الآلام المتصلة كابدتها من الرمل والحصاة وحصر البول، وكان كل ما يخفف من آلام غيري من المرضى كنقيع الشعير، والحمامات والفصد-يضاعف من عذابي"(88).

وفي مطلع عام 1751 أنجبت له تريز طفلاً ثالثاً تبع أخويه إلى ملجأ اللقطاء. وقد علل هذا في فترة لاحقة بأنه كان أفقر من أن يربي أطفالاً، وأنه لو وكلهم إلى آل لقاسير لكان في ذلك بوارهم، وأنهم كانوا سيعبثون عبثاً منكراً في عمله كاتباً وموسيقياً وأكرهه المرض على الاستقالة من وظيفته صرافاً لديوان دفرانكوي التخلي عن دخله منها، وراح منذ الآن يكسب معظم قوته بنسخ كراسات الموسيقى براقع عشرة سنوات للصفحة. ولم يتلقَ روسو أي دخل من بيع "المقال" سواء كان سبب إهمال ديدرو أو شح الناشرين وتبين أن موسيقاه أكسب له من فلسفته.

وفي 18 أكتوبر 1752، وبفضل نفوذ دوكلو، مثلت أوبريت روسو "عراف القرية" أمام الملك والبلاط في فونتنبلو، ولقيت من النجاح ما أتاح لها عرضاً ثانياً بعد أسبوع وظفرت حفلة للجمهور في باريس (أول مارس 1753) باستحسان أشمل، ووجد المؤلف المعتكف نفسه مرة أخرى رجلاً يشار إليه بالبنان. وكان هذا "الفاصل" الصغير، الذي ألف روسو كلماته وموسيقاه، أشبه باللحن المصاحب "المقال": فالراعية كوليت، التي أحزنتها مغازلات كولان لفتيات المدينة، يرشدها عراف القرية إلى استمالته ثانية بمغازلة غيره من الرجال، فيغار عليها كولان ويعود إليها، ثم ينشدان معاً أغاني راقصة تشيد بحياة الريف وتذم حياة المدينة. وحضر روسو الحفلة الافتتاحية وكاد يرضى عن المجتمع بعد الخصام.

"غير مسموح بالتصفيق أمام الملك، وعليه فقد كان كل شيء مسموعاً، وهذا يخدم المؤلف والتمثيلية. وسمعت من حولي همس النساء اللاتي يدون في حسن الملائكة. وكانت الواحدة تقول للأخرى في صوت خافت: "هذا رائع، هذا خلاب، ليس هناك لحن واحد لا ينفذ إلى الفؤاد" وقد أثار دموعي سروري بأنني أشعر هذا العدد الكبير من الأشخاص اللطفاء بهذه العاطفة، ولم أستطع أن أمسكها في اللحن الثنائي الأول حين لاحظت أنني لم أكن الوحيد الذي يبكي".(89)

في ذلك المساء بعث إليه الدوق دومون كلمة يطلب إليه الحضور إلى القصر في الساعة الحادية عشرة من صباح الغد ليقدم إلى الملك، وأضاف الرسول أن من المتوقع أن ينفح الملك المؤلف معاشاً. ولكن مثانة روسو أفسدت الخطة. يقول:

"أيصدق أحد أن ليله هذا النهار الرائع كانت ليلة عذاب وحيرة؟ فقد كان أول خاطر لي إنني بعد أن أقدم للملك سأضطر إلى الانسحاب غير مرة وكانت هذه الضرورة قد سببت لي معاناة شديدة في المسرح: وقد تعذبني في الغد وأنا في البهو أو في حجرة الملك، بين جميع العظماء، منتظراً خروج جلالته. لقد كانت علتي هي السبب الأهم في الحيلولة بيني وبين الاختلاط بالجماعات الراقية والاستمتاع بحديث الحسان...ولا يستطيع غير من خبر هذا الموقف أن يحكم بالفزع الذي يوحي به التعرض لخطره(90).

وعليه فقد أرسل كلمة يعتذر من الحضور. وبعد يومين وبخه ديدرو على تضييعه فرصة كهذه تتيح رزقاً أنسب له ولتريز" وتحدث عن المعاش بحرارة أكثر مما كنت أتوقع في موضوع كهذا من فيلسوف...مع أنني شكرت له تمنياته الطيبة، فإنني لم أستطع أن أسيغ مبادئه، الأمر الذي أثار بيننا نقاشاً حامياً هو أول ما وقع بيننا من نزاع(91). على أنه لم يحرم كل ربح من وراء تمثيليته. فقد أعجبت به مدام ديونبادو إعجاباً حملها على أن تمثل هي نفسها دور كوليت في عرضها الثاني في البلاط، وأرسلت له خمسين جنيهاً ذهبياً، وأرسل له لويس مائة.(91) وراح الملك نفسه، "بأنكر صوت في مملكته يتغنى بلحن كوليت الحزين" "لقد فقدت خادمي"-وكان هذا إرهاصاً بظهور جلوك.

وكان روسو خلال ذلك يعد مقالات عن الموسيقى للموسوعة "وقد كتبتها في عجلة شديدة، وكتابة سيئة لهذا السبب، في الشهور الثلاثة التي أتاحها لي ديدرو. وقسا رامو في نقد هذه المقالات في كتيب سماه "أخطاء حول الموسيقى في الموسوعة" (1755) وعدل روسو في المقالات، وجعلها أساساً لــ"قاموس الموسيقى" (1767) واعتبره معاصروه، باستثناء رامو، موسيقياً من أعلى طراز(93) وينبغي أن نعده الآن مؤلفاً مجيداً في فرع صغير من فروع الموسيقى، ولكنه كان ولا شك أكثر من كتب عن الموسيقى طرافة وإمتاعاً في ذلك الجيل.

ولما غزت فرقة من مغنى الأوبرا الإيطالية باريس في 1752 تفجر الجدل حول مزايا كل من الموسيقى الفرنسية والإيطالية. وقفز روسو إلى المعركة بــ"رسالة في الموسيقى الفرنسية" (1753) يقول جريم إنه "يثبت فيها استحالة تلحين الموسيقى في ألفاظ فرنسية، وأن اللغة الفرنسية لا تصلح إطلاقاً للموسيقى، وإنه لم يكن قط للفرنسيين ولن يكون لهم أبداً موسيقى(94)". وكان روسو بكليته في صف إتساق الألحان (الميلوديا). كتب في روايته "أحلام جوال وحيد" يقول "غنينا أغنية قديمة كانت أفضل كثير من النشاز الحديث(95)" وأي جيل لم يسمع تلك الشكوى؟ وفي مقاله "الأوبرا" الذي تضمنه قاموسه الموسيقي أعطانا إلماعاً لفاجنر، فعرف الأوبرا بأنها "مشهد درامي غنائي يحاول الجمع من جديد بين جميع مفاتن الفنون الجميلة في تمثيل حركة عاطفية مشبوبة...ومقومات الأوبرا هي القصيدة الشعرية، والموسيقى، والزخرفة: فالشعر يتحدث إلى الروح، والموسيقى إلى الأذن، والصورة إلى العين...والدرامات اليونانية كان يمكن أن تسمى أوبرات(96)".

وحوالي تلك الفترة (1752) رسم موريس كنتان دلاتور صورة لروسو بالباستيل(97)، التقط فيها ملامح جان-جاك مبتسماً، وسيماً، أنيقاً، وقد أنكر ديدرو الصورة لأنها لا تتفق والحقيقة(98). ووصف مارمونتيل روسو كما رآه في تلك السنوات في حفلات عشاء دولباخ فقال "كان قد ربح لتوه الجائزة..في ديجون...فيه تأدب يشوبه الإحجام، قد...يبلغ من للتواضع مبلغاً يقرب من التذلل. ترى عدم الثقة واضحة من خلال تحفظه المشوب بالخوف، وكانت عيناه المطرقتان ترقبان كل شيء بنظرة ملؤها الارتياب الحزين. وقل أن شارك في حديث، وندر أن كشف لنا عن دخيلة نفسه(99)".

وغدا مركز روسو بعد تنديده بالعلم والفلسفة بهذا العنف حرجاً بين جماعة الفلاسفة الذين سيطروا على الصالونات. وكان مقاله قد ألزمه بالدفاع عن الدين. وتروي مدام دينيه أنه في عشاء دعت إليه مدام كينو، وجدت المضيفة أن الحديث عن الدين أصبح نابياً، فرجت ضيوفها "أن يحترموا على الأقل الدين الطبيعي" وبادر بالرد المركيز دسان-لامبير، الذي كان مؤخراً مزاحماً لفولتير على حب دوشاتليه، وسيكون عما قليل مزاحماً لروسو على حب مدام دوديتو فقال "أنه لا يستحق من الاحترام أكثر من أي دين آخر". وتواصل مدام ديينيه كلامها فتقول: "فلما سمع روسو هذا الرد غضب وتمتم بكلام أضحك الجماعة عليه". قال: "إذا كان من الجبن أن يسمح الإنسان لآخر أن يغتاب صديقاً فإن من الإجرام أن يسمح لأحد بأن يتحدث عن إلهه الذي هو حاضر، وأنا أومن بالله يا سادة...واتجهت إلى سان لامبير وقلت له "إنك يا سيدي وأنت شاعر، ستوافقني على أن وجود كائن خالد، كلي السلطان، عظيم الذكاء، هو البذرة لأروع ضروب الحماسة". فأجاب "أعترف بأنه جميل أن نرى هذا الإله يوجه وجهه إلى الأرض،... ولكنها بذرة الحماقات"، وقاطعه روسو قائلاً "سيدي، سأبرح الحجرة إن زدت كلمة واحدة". والواقع أنه كان قد قام عن كرسيه وكان يفكر جدياً في الهروب لولا أن أعلن عن قدوم الأمير(100).

ونسي الجميع موضوع الجدل. وفي رواية وردت في مذكرات مدام ديينيه، أن روسو قال لها أن هؤلاء الكفرة يستحقون النار الأبدية(101).

وجدد روسو الحرب على الحضارة في مقدمة مسرحيته الهزلية "نارسيس"، التي مثلتها فرقة الكوميدي فرانسيز في 18 ديسمبر 1752 "أن الميل إلى الآداب يكون دائماً إيذاناً في الشعب ببداية فساد سرعان ما يعجل به هذا الميل. ولا ينبعث هذا الميل في أمة إلا من منبعين خبيثين...التبطل، وشهوة الامتياز(102)". ومع ذلك استمر حتى عام 1754 يختلف إلى "مجمع" دولباخ المؤلف من أحرار الفكر. هناك استمع مارمونتيل، وجريم، وسان-لامبير، وغيرهم إلى الأبيه بتي يقرأ مأساة من تأليفه، فوجدوها عملاً تافهاً يدعو للرثاء، ولكنهم أطروها إطراءً جميلاً، وكان الأديب قد ثمل بالخمر إلى حد أعماه عن إدراك ما في ثنائهم من تهكم، فانتفخت أوداجه رضى وغبطة، أما روسو الذي غاظه نفاق أصحابه فقد انتقض على الأب بقريع لا هوادة فيه، فقال له "أن تمثيليتك لا قيمة لها...وكل هؤلاء السادة يسخرون منك، فانصرف وعد لتكون قسيساً في قريتك(103)". ووبخ دولباخ روسو على فظاظته، فانصرف غاضباً وانقطع عن الجماعة عاماً.

لقد دمر رفاقه كثلكته، ولكنهم لم يدمروا إيمانه بمقومات المسيحية. وعادت بروتستانتية صباه تطفو في الوقت الذي تغوص فيه كثلكته. فتصور جنيف صباه كاملة مبرأة من العيوب، وخيل إليه أنه سيكون فيها أكثر راحة واطمئناناً من في بلد أضنى روحه كباريس. ولو عاد إلى جنيف لاكتسب من جديد لقباً يبعث على الفخر، هو لقب المواطن، ومعه الامتيازات الخاصة التي ينطوي عليها هذا اللقب. وعليه ففي يونيو سنة 1754 استقل مركبة البريد إلى شامبري وهناك وجد مدام دفاران فقيرة تعسة، ففتح لها كيس نقوده، ثم واصل رحلته إلى جنيف. هناك رحب به القوم ابناً ضالاً قد ثاب إلى رشده: ويبدو أنه وقع إقراراً يؤكد فيه من جديد عقيدته الكلفنية(104)؛ وأغتبط رجال الدين الجنيفيون باستعادتهم "موسوعياً" إلى حظيرة إيمانهم الإنجيلي ورد إليه اعتباره مواطناً، وراح بعدها يوقع في فخر "جان-جاك روسو، المواطن": قال:

"تأثرت تأثراً بالغاً بما لقيت من عطف...المجلس (المدني) والمجمع (الكنسي) وعظيم احترام القضاة، والوزراء، والمواطنين، وحفاوتهم بي....حتى إنني أقلعت عن فكرة العودة إلى باريس إلا لفظ إدارة البيت، والعثور على مل للسيد لفاسير وزوجته، أو تدبير أمر معاشهما، ثم العودة مع تريز إلى جنيف لأستقر فيها ما بقي لي من عمر(105)".

واستطاع الآن أن يتذوق جمال البحيرة وشواطئها تذوقاً أكمل مما فعل في صباه "لقد احتفظت بذكرى حية...لطرف البحيرة الأبعد، وكتبت له وصفاً بعد سنوات في هلويز الجديدة". ودخل الفلاحون السويسريون في حلم الفردوس الريفي الذي سيصفه في تلك الرواية: فهم ملاك لمزارعهم لا يخضعون لضريبة رؤوس أو سخرة، يشغلون أنفسهم بالحرف المنزلية في الشتاء، ويقفون في قناعة بمنأى عن ضجيج العالم وصراعه. وكانت ذكرى دويلات المدن السويسرية عالقة بذهنه وهو يصف مثله السياسي الأعلى في كتاب "العقد الاجتماعي".

وفي أكتوبر 1754 قصد باريس على وعد بالعودة منها سريعاً. ووصل فولتير إلى جنيف بعد رحيل روسو عنها بشهرين، واستقر به المقام في فيلا ديليس. واستأنف جان-جاك في باريس صداقته لديدرو وجريم، دون أن تبلغ من الثقة ما بلغته من قبل. ولما نمى إيه نبأ موت مدام دولباخ كتب إلى البارون خطاب تعزية رقيقاً؛ وتصالح الرجلان، وعاد روسو يؤاكل الزنادقة، وظل ثلاثة أعوام أخر يبدو من جميع الوجوه واحداً من جماعة الفلاسفة، ولم يبحث كثيراً في عقيدته الكلفنية الجديدة. واستغرقه الآن الإشراف على طبع "مقاله" الثاني الذي قدر له أن يهز الدنيا أكثر مما هزه سابقه.


جرائم الحضارة

في نوفمبر 1753 أعلنت أكاديمية ديجون عن مسابقة أخرى، أما السؤال الجديد فكان "ما الأصل من عدم المساواة بين البشر، وهل يقره قانون الطبيعة"؟ يقول روسو "استرعى انتباهي هذا السؤال الخطير، وأدهشني أن الأكاديمية اجترأت على طرحه للنقاش، ولكن ما دامت قد أظهرت شجاعتها...فقد عكفت فوراً على مناقشته(106)". وأختار لبحثه هذا العنوان "مقال في أصل وأسس عدم المساواة بين البشر". وفي شامبري في 12 يونيو 1754 أهدى هذا المقال الثاني "إلى جمهورية جنيف" وأضاف خطاباً موجهاً إلى "سادتها الحاكمين" الرفيعي الشرف والمجد، يعرب عن بعض الآراء الفذة في السياسة:

"في بحوثي عن خير القواعد التي يمكن أن يرسيها الإدراك السليم عن تكوين الحكومة أدهشني أن أجدها كلها تحققت فعلاً في حكومتكم، بحيث أنني لو لم أولد بين أسوار مدينتكم لرأيته لزاماً عليّ أن أقدم هذه الصور عن المجتمع الإنساني إلى ذلك الشعب الذي يبدو أنه انفرد دون سائر الشعوب بحيازته لأعظم مزاياهم، ووفر لنفسه أفضل وقاية من مساوئها(107)". ثم هنأ جنيف بعبارات تصدق تماماً على سويسرا اليوم:

"بلد انصرف عن شهوة الغزو الهمجية لافتقاره السعيد للقوة، وأمن بفضل موقعه الأسعد حظاً من خوف الوقوع غنيمة في يد غيره من الدول: مدينة حرة تتوسط عدة أمم، لا مصلحة لواحدة منها في العدوان عليها، ومصلحة كل منها في منع غيرها من هذا العدوان(108)".

وبارك معبود الثورة الفرنسية المستقبل تلك القيود المفروضة على الديمقراطية في جنيف، حيث لا حق في التصويت إلا لثمانية في المائة من السكان:

"لكي نتقي خدمة المصالح الخاصة والمشروعات الطائشة وجميع البدع الخطرة التي انتهت بالقضاء على الاثنين، ينبغي ألا تطلق الحرية لكل رجل في اقتراح القوانين الجديدة على هواه، بل يقصر هذا الحق على القضاة دون غيرهم...فقدم القوانين هو أهم عامل في إضفاء القدسية والاحترام عليها، والناس سرعان ما يتعلمون الاستهانة بالقوانين التي يرونها تبدل وتغير كل يوم، ولو اعتادت الدول أن تهمل تقاليدها القديمة بحجة التحسين والإصلاح، لجلبت من الشرور ما هو أسوأ مما تحاول أن تقضي عليه(109)".

أكان هذا مجرد ذريعة يلتمس بها العودة إلى المواطنة الجنيفية؟

أما وقد تحقق لروسو هذا الهدف فإنه قدم مقاله لأكاديمية ديجون. ولم يمنح الجائزة، ولكن حين نشر المقال في يونيو 1755، سره أن يصبح من جديد الحديث المثير لصالونات باريس. ذلك أنه لم يترك مفارقة إلا تناولها ليثير الجدل حولها. فهو لم ينكر عدم المساواة "الطبيعي" أو الإلزامي، ويلم بأن هناك أفراداً هم بحكم مولدهم أصح أو أقوى من غيرهم في البدن أو الخلق أو الذهن. ولكنه زعم أن كل ضروب عدم المساواة الأخرى-الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والخلقية، عير طبيعية، نشأت حين ترك البشر "الحالة الطبيعية"، وأقاموا الملكية الخاصة وأسسوا دولاً تحمي الثروة والامتياز.

"فالإنسان بطبيعته طيب(110)"، وأكثر ما يجعله شريراً تلك النظم الاجتماعية التي تقيد أو تفسد ميوله للسلوك الطبيعي. وقد صور روسو حالة فطرية مثالية كان الناس فيها أقوياء الأطراف، خفاف الأقدام، حديدي البصر ، يعيشون حياة الحركة والعمل، حياة كان الفكر فيها دائماً أداة للعمل وتابعاً له، لا بديل مضعفاً عنه. ثم قارن بين هذه الصحة الفطرية وبين الأمراض المتكاثرة التي تنجم في الحضارة عن الثروة والأعمال التي تتطلب القعود الكثير:

"أن أغلب عللنا من صنعنا، وكان يسيراً علينا أن نتجنبها، كلها تقريباً، بالتزام أسلوب الحياة البسيط، المماثل ، المنعزل، الذي قررته الطبيعة. فإذا كانت الطبيعة. قد قضت بأن يكون الإنسان سليماً صحيحاً، فأنني أجرؤ على الزعم بأن حالة التفكير والتأمل حالة تناقض الطبيعة، وأن (I'homme Qui M(dite est un aminal d(rar(.).

وحين نفكر في بنية المتوحشين القوية-على الأقل أولئك الذين لم ندمرهم بمشروباتنا الروحية-وفي أنهم لا يكادون يعانون من أي علل غير الجروح والشيخوخة، يغرينا هذا بالاعتقاد بأننا تتبعنا لتاريخ المجتمع المدني؛ إنما نحن نروي تاريخ أمراض البشر(112)".

ويسلم روسو بأن هذه الحالة المثالية "الحالة الطبيعية.. ..ربما لم توجد قط؛ وأغلب الظن أنها لن توجد أبداً(113)". فهو لا يعرضها بوصفها حقيقة واقعة من حقائق التاريخ بل مقياساً للمقارنة. وهذا ما عناه بهذا الاقتراح المفزع "فلنبدأ إذن بتنحية الحقائق جانباً لأنها لا تمس السؤال.والتحقيقات التي يصح أن نخوض فيها....يجب ألا تعالج على أنها حقائق تاريخية، بل حجج مشروطة وفرضية(114)": على أننا قد نكون فكرن عن حياة الإنسان قبل قيام النظام الاجتماعي، بملاحظة حال الدول الحديثة السلوك، لأن "الدول اليوم ما زالت في حالة طبيعية(115)".فكل منها ذات سيادة فردية، لا تعرف فعلاً أي قانون إلا قوانين المكر والقوة، ويجوز أن نفرض أن الإنسان الذي سبق تكوين المجتمعات كان يحيا في حالة مشابهة من السيادة الفردية، وعدم الأمان، والفوضى الجماعية، والعنف بين الحين والحين. ولم يكن مثل روسو الأعلى هو هذه الحياة المتخيلة التي سبقت المجتمعات (لأن المجتمع قد يكون قديماً قدم الإنسان)، بل مرحلة لاحقة من التطور عاش فيها الإنسان في أسر أبوية النظام وجماعات قبلية، ولم ينشئوا بعد نظام الملكية الخاصة "إن أقدم المجتمعات قاطبة، والمجتمع الطبيعي الوحيد، هو الأسرة(116)".

ذلك كان العصر الذي بلغت فيه سعادة البشر أقصاها. حقاً أنه لم يخل من عيوب، وآلام، وعقوبات، ولكنه خلا من القوانين، اللهم إلا السلطة الأبوية والنظام الأسري؛ "لقد كانت هذه الحالة في جملتها أفضل حالة يستطيع الإنسان ممارستها، فلم يكن ليعدل عنها لولا أن أصابه خطب فادح(117). وهذا الخطب هو إقامة الملكية الفردية، وما نجم عن ذلك من تفرقة اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، ومعظم شرور الحياة الحديثة.

"أن أول رجل سور قطعة من الأرض ث خطر له أن يقول "هذه ملكي" ووجد الناس من البساطة بحيث يصدقونه؛ هذا الرجل كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المتمدن. ليت شعري كممن الجرائم، والحروب، والاغتيالات، كم من الفظائع والكوارث، لم يكن في استطاعة أي إنسان أن ينقذ البشرية منها باقتلاع الأوتاد المحددة للأرض أو ردم القناة المحيطة بها والصياح بإخوانه أن احذروا الاستماع إلى هذا النصاب، إنكم إن نسيتم أن ثمرات الأرض ملك لنا جميعاً، وأن الأرض ذاتها ليست ملكاً "لأحد، كان في ذلك هلاككم(118)". ومن هذا الاغتصاب الذي سمح به الناس انبعثت لعنات الحضارة: كالانقسامات الطبيعية، والعبودية، ورق الأرض، والحسد، والسرقة، والحرب، والظلم القانوني، والفساد السياسي، والغش التجاري، والاختراعات، والعلم، والأدب، والفن، و"التقدم"-وبكلمة واحدة، الانحطاط. فلحماية الملكية الخاصة نظمت القوة ثم أصبحت هي الدولة، ولتيسير الحكم طور القانون لتعويد الضعفاء الإذعان للأقوياء بأقل قدر من الإكراه والتكلفة(119). وهكذا نشأ هذا الوضع الذي نرى فيه "القلة المميزة تكتظ بالكماليات، على حين تفتقر الجماهير الجائعة إلى أبسط ضروريات الحياة(120)". يضاف إلى هذه المظالم الأساسية طائفة أخرى متفرعة عنها" كالوسائل المخزية التي يمارسها الناس أحياناً لمنع ولادة البشر، والإجهاض، وقتل الأطفال، وخصي الذكور، والانحرافات الجنسية، وترك الكثيرين من الأطفال الذين يقعون فريسة لإملاق أبويهم في العراء أو قتلهم(121)". هذه الكوارث كلها مفسدة مضعفة، والحيوانات لا تعرفها؛ وهي تجعل "الحضارة" سرطاناً ينهش جسد البشرية. وعلى نقيض هذا الفساد والانحراف المتعدد الأشكال، نجد حياة المتوحشين صحيحة، سليمة، رحيمة،. أينبغي أن نعود إذن إلى الهمجية؟ "أيجب أن تلغى المجتمعات إطلاقاً؟ وتبطل عبارة "مُلكي" و"مُلكك"، ونعود إلى الغابة لنحيا بين السباع؟" لم يعد هذا في وسعنا، فسم الحضارة يسري في دمائنا، ولن ننتزعه بالهروب إلى الغابات، والقضاء على الملكية الخاصة، والحكومة؛ والقانون، معناه الزج بالناس في فوضى هي شر من الحضارة. "لن يستطيع الإنسان العودة أبداً إلى زمان البراءة والمساواة متى تركه(122)". وقد تبرر الثورة، لأن القوة قد تطيح عدلاً بما أقامته القوة وساندته(123)، ولكن الثورة ليست مستحبة الآن. وخير ما نستطيعه هو أن ندرس الأناجيل من جديد، ونحاول تطهير دوافعنا الشريرة بممارسة أخلاق المسيحية(124). في استطاعتنا أن نجعل من العطف الفطري على إخواننا البشر أساساً للأخلاق والنظام الاجتماعي. ونستطيع العزم على أن نحيا حياة أقل تعقيداً، نقنع فيها بالضروريات، ونحتقر أسباب البذخ والترف، ونجتذب سباق "التقدم" وحماه. نستطيع أن ننبذ ما في الحضارة من ضروب الزيف، والنفاق، والفساد، واحداً بعد الآخر، ونعيد تشكيل أنفسنا على الأمانة الطبيعية، والإخلاص. نستطيع أن نترك ضوضاء مدننا وصخبها، وأحقادها، وفسقها، وجرائمها، ونذهب لنعيش في بساطة الريف ومسئوليات الأسرة وقناعتها. نستطيع أن نطلق دعاوى الفلسفة ومسالكها المسدودة، ونعود إلى إيمان ديني يشد أزرنا حين نواجه آلام الموت".

ونحن نحس اليوم شيئاً من التكلف في هذا السخط البار بعد أن سمعنا هذا كله مائة مرة. فلسنا على ثقة من أن الشرور التي وصفها روسو تنجم عن الأنظمة الفاسدة أكثر مما تنجم عن طبيعة البشر؛ وعلى أية حال فالطبيعة البشرية هي التي صنعت الأنظمة. ويوم كتب جان-جاك "مقاله" الثاني كانت الإشادة بذلك "الهمجي اللطيف المعشر، المتدفق العاطفة" قد بلغت ذروتها. ففي 1640 كان ولتر هاموند قد نشر كتيباً "يثبت أن أهل مدغشقر أسعد شعوب الأرض(125)". وبدا أن القصص التي رواها اليسوعيون عن هنود هورون وإيركوا مصداق للصورة التي رسمها الروائي ديفو لخادم روينصن كروزو اللطيف "فرايداي". أما فولتير فكان يسخر عموماً من أسطورة الجمجي الشريف، ولكن استخدمها بمرح في قصته "الساذج" وداعبها يدور في قصته "تذييل الرحلة بوجانفيل" ولكن هلفينيوس هزأ بإشادة روسو بالهمجي مثلاً أعلى(126)، وزعم دوكلو-رغم أنه كان صديقاً وفياً لجان-جاك-أن "الهمج هم الذين تستشري بينهم الجريمة، وطفولة أمة ما ليست عصر براءتها(127)". ويمكن القول على الجملة أن المناخ الفكري كان مواتياً لنظرية روسو.

أما ضحايا مطاعن روسو فقد هدءوا ضمائرهم بالزعم أن هذا المقال الثاني متكلف كسابقهِ. ووصفته مدام دودفان صراحة بأنه دجال(128). وسخر الشكاك من ادعاءاته بسلامة عقيدته المسيحية، وبتفسيره الحرفي لسفر التكوين(129) وبدأ جماعة الفلاسفة يرتابون فيه لأنه يقلب خططهم الرامية إلى استمالة الحكومة إلى أفكارهم في الإصلاح الاجتماعي، ولم يحبذوا استثارة كراهية الفقراء. وسلموا بحقيقة الاستغلال، ولكنهم لم يروا أي مبدأ في إحلال الغوغاء محل القضاة. أما الحكومة فلم تحتج على اتهامات روسو،والراجح أن القصر لم يرَ في المقال إلا تدريباً على الخطابة. وكان روسو فخور ببلاغته، فأرسل نسخة من المقال إلى فولتير، وترقب في شوق كلمة ثناء منه. وجواب فولتير درة من درر الأدب والحكمة وآداب السلوك الفرنسية. قال: "تلقيت يل سيدي كتابك الجديد الذي يهاجم النوع الإنساني. وأني أشكرك عليه. وأنك لتسر الناس الذين تخبرهم بحقائق تهمهم، ولكنك لن تقوم بذلك اعوجاجهم. إنك ترسم بألوان صادقة جداً فضائع المجتمع الإنساني،...وأن أحداً لم يبذل قط مثل هذا الذكاء الكثير ليقنع الناس بأن يكونوا وحوشاً. والمرء حين يقرأ كتابك تتملكه الرغبة في أن يمشي على أربع (Marcher ( Quatre Pattes) ولكن بما أنني فقدت تلك العادة منذ أكثر من ستين عاماً. فأني لسوء الحظ أشعر أنه يستحيل عليّ استئنافها... "وإني متفق معك على أن الآداب والعلوم كانت أحياناً علة الكثير من الشرور...(ولكني) اقرر أنه لا شيشرون، ولا قارو، ولا لوكريتيوس، ولا فرجيل، ولا هوراس، كان لهم أقل نصيب في تحريمات ومصادرات ماريوس، وصلا، وأنطونيوس، وليبدوس، وأكتافيوس...وعليك أن تعترف بأن بترارك وبوكاشيو لم يكونا السبب فيما عانته إيطاليا من متاعب داخلية، وأن مزاح مارو لم يكن السبب في مذبحة القديس برتولومي، وأن مسرحية كورنبي "السيد" لم تثر حروب الفروند. إن الجرائم الكبرى قد اقترفها رجال مشهورون ولكنهم جهلة، والذي جعل هذه الدنيا، وسوف يجعلها على الدوام، وادياً للدموع هو جشع الناس الذي لا يشبع وغرورهم الذي لا يفتر...أن الأدب يغذي الروح، ويقومها، ويعزيها، أنه يخلق مجدك في ذات الوقت الذي تهاجمه فيه... "لقد أنبأني السد شابوي أن صحتك سيئة للغاية. فعليك ان تحضر وتستردها في جو وطنك، وتستمتع بالحرية، وتشرب معي لبن أبقارنا، وتعيش على أعشابنا. وأني يا سيدي بكل، الفلسفة وكل التقدير المشرب بالمحبة، خادمك المتواضع جداً المطيع جداً(130).

ورد روسو التحية بمثلها، ووعد بأن يزور فيللا المباهج عن عودته إلى سويسرا(131).ولكن حز في نفسه كثيراً ذلك الاستقبال الذي استقبل به مقاله في جنيف التي أهداها إياه بمثل هذا المديح السار. والظاهر أن الأوليجاركية الصغيرة المحكمة التي تسلطت على الجمهورية أوجعتها بعض تعليقات ذلك المقال اللاذعة، ولم تسغ تنديد روسو الشامل بالملكية، والحكومة، والقانون "لم أحس أن جنيفياً واحداً سر بما حواه المقال من حماسة قلبية(132). وعليه فقد قررت أن الوقت لم يحن بعد لعودته إلى جنيف.

المحافظ

شهد عام 1755، الذي نشر فيه المقال الثاني، ظهور مقال طويل بقلم روسو في المجلد الخامس من الموسوعة عنوانه، مقال في الاقتصاد السياسي. وهو جدير بالملاحظة لأنه خالف المقالين السابقين عليه في بعض تفاصيله الهامة. ففي هذا المقال نرى الكاتب يبجل المجتمع، والحكومة، والقانون، باعتبارها نتائج طبيعية لفطرة الإنسان وحاجاته، ويصف الملكية الخاصة بأنها عطية اجتماعية وحق أساسي. "من المؤكد أن حق الملكية أقدس حقوق المواطنة، بل أنه من بعض الوجوه أهم من الحرية ذاتها. فالملكية هي الأساس الصحيح للمجتمع المدني، والضمان الحقيقي لتعهدات المواطنين(133) بمعنى أن الناس لن يعملوا فوق ما تتطلب أبسط حاجاتهم ما لم يحتفظوا بالناتج الفائض لأنفسهم، ليستهلكوه أو ينقلوه لغيرهم كما يشاءون. ويوافق روسو الآن على أن يورث الآباء ثروتهم لأبنائهم، ويقبل في اغتباط ما يتمخض عنه هذا من انقسامات طبقية. "ما من شيء أضر بالفضيلة والجمهورية من انتقال المراتب والثروات باستمرار بين المواطنين: ومثل هذه التغيرات هي الدليل على وجود مئات من ضروب الخلل والاضطراب، وهي مصدرها في الوقت نفسه، ومن شأنها أن تقلب كل شيء رأساً على عقب وتفسده(134).

ولكنه يواصل التنديد بالظلم الاجتماعي وبما في القانون من محاباة طبقية. فكما أن من واجب الدولة أن تحمي الملكية الخاصة ووراثتها القانونية، كذلك ينبغي أن يسهم أعضاء المجتمع ببعض ثروتهم لإعالة الدولة. وينبغي أن تُفرض ضريبة صارمة على جميع الأشخاص بنسبة تصاعدية مع ثروتهم و"فائض ممتلكاتهم"(135)، وألا تُفرض ضريبة على الضروريات، وأن تفرض ضريبة مرتفعة على الكماليات، وينبغي أن تمول الدولة نظاماً قومياً للتعليم. "أن الأطفال إذا نشئوا معاً (في مدارس قومية) في حضن المساواة وإذا أشربوا قوانين الدولة ومبادئ الإدارة العامة..فلن نشك في أنهم سيحبون بعضهم بعضاً كما يفعل الأخوة. ليصبحوا في الوقت المناسب مدافعين وآباء الوطن الذي كانوا أبناؤه(136). والوطنية خير من العالمية أو التظاهر الهزيل بالعطف العالمي(137)".

وكما طغت النزعة الفردية على المقالين الأولين، طغت النزعة الاجتماعية على مقال الاقتصاد السياسي. وهنا يصرح روسو لأول مرة بعقيدته الغريبة وهب أن في كل مجتمع "إرادة عامة" فوق المجموع العدد لما يحبه الأفراد الذين يؤلفونه وما يكرهون. فالمجتمع، في فلسفة روسو المقطورة، كائن اجتماعي له روحه الخاصة. "أن الدولة هي أيضاً كائن معنوي، يملك الإرادة، وهذه الإرادة العامة التي تنحو دائماً إلى صيانة ورفاهية الدولة كلها وكل جزء فيها، هي مصدر القوانين، وهي التي تشكل لجميع أعضاء الدولة، في علاقاتهم بعضهم ببعض القاعدة التي تفرق بين العدل والظلم(138).

وحول هذا المفهوم يقيم روسو الأخلاق والسياسة التي ستغلب منذ الآن على آرائه في الشؤون العامة. فنرى الثائر الذي اعتبر الفضيلة تعبير الإنسان الحر الطبيعي يعرفها الآن بأنها "ليست سوى مطابقة الإيرادات الفردية للإرادة العامة"(139). ونرى الرجل الذي كان ينظر إلى القانون مؤخراً جداً على أنه إثمٌ من آثام الحضارة، وأنه أداة مريحة لفرض النظام الطيع على الجماهير المستغلة، يصرح الآن بأن القانون وحده هو الذي يدين له الناس بالعدل والحرية، وهذا الجهاز النافع من أجهزة الإرادة الجماعية هو الذي يرسي، في الحق المدني، المساواة الطبيعية بين البشر، أنه الصوت السماوي الذي يملي على كل مواطن مبادئ العقل العام"(140).

ولعل محرري الموسوعة المطاردين كانوا قد نبهوا روسو إلى التخفيف في هذا المقال من هجومه على الحضارة. وسنجده بعد سبع سنوات، في كتابه "العقد الاجتماعي" يدافع عن الجماعة ضد الفرد، ويقيم فلسفته السياسة على فكرة الإرادة العامة المقدسة السامية. على أنه لم يزل خلال ذلك فردياً وثائراً يبغض باريس، ويؤكد ذاته ضد أصدقائه، ويصنع كل يوم أعداء جدداً.

الهارب

كان أصدقاؤه الحميمون الآن هم جريم، وديدور، ومدام دينييه. أما جريم فقد ولد في راتزبون عام 1723، فكان بذلك يصغر روسو بأحد عشر عاماً. وقد تعلم في ليبزج في العقد الأخير من حياة باخ، وتلقى عن أوهان أوجست إرنشتي أساساً مكيناً في لغتي اليونان والرومان وآدابهما. فلما وفد على باريس في 1749 تعلم الفرنسية بما عرف عن الألمان من إتقان ودقة، وما لبث أن وافى مجلة المركيز بمقالاته. وفي 1750 أصبح السكرتير الخاص للكونت فون فريزن. وأغراه حبه للموسيقى بالتعلق بروسو، كما رماه جوع أكثر عمقاً تحت قدمي الآنسة فل المغنية بالأوبرا، فلما آثرت عليه المسيو كاهوزاك، يقول روسو أن جريم: "حز في نفسه حتى أصبحت إمارات خطبه مأساوية-فكان ينفق الأيام والليالي في تراخ وتبلد. ويرقد وعيناه مفتوحتان..لا يتكلم، ولا يأكل، ولا يتحرك. وكنت والأبيه رينال نرعاه، فالأبيه-وكان أشد مني وأصح-يسهر عليه ليلاً، وأنا أرعاه نهاراً، فلا نغيب عنه معاً في وقت واحد"(141).

واستدعى فون فريزن طبيباً يعوده، فأبى أن يصف له دواء غير الزمن. وأخيراً ذات صباح، قام جريم، وارتدى ثيابه، واستأنف نظام حياته العادي، دون أن يذكر يومها أو بعدها..هذا التبلد الشاذ(142).

وقدم روسو جريم إلى ديدور، وراح ثلاثتهم يحلمون بالذهاب معاً إلى إيطاليا. واستوعب جريم في نهم سيل الأفكار المتدفق من معين عقل ديدور وتعلم لغة "الفلاسفة" الخالية من التوقير؛ وألف كتاباً لا أدرياً "في التعليم الديني للأطفال" وأشار على فون فريزن بأن يتخذ ثلاث خليلات في وقت واحد "تذكاراً للثالوث الأقدس"(143) وأقلقت روسو تلك الألفة النامية بين جريم، الذي سيصفه سانت بوف بأنه "أكثر الألمان فرنسية"، وبين ديدور "أكثر الفرنسيين ألمانية"(144) وفال روسو شاكياً "إنك تهماني ياجريم، وأنا أغفر لك هذا" وأخذه جريم عند كلمته. فقال لي إنني مصيب...ثم حطم كل قيد، فلم أعد أراه إلا في صحبة أصدقائنا المشتركين(145).

وفي سنة 1747 كان الأبيه رينال قد بدأ يرسل للمكتتبين الفرنسيين والأجانب خطاب أنباء نصف شهري سماه "الأنباء الأدبية" يورد فيه الوقائع في جنيا الأدب والعلوم والفلسفة والفنون الفرنسية-وفي 1753 عهد بالمشروع إلى جريم الذي-واصله بمعونة من ديدرو وآخرين حتى 1790. وأثناء اضطلاع جريم بالمجلة كان من بين من وافاها بمقالاتهم أفراد بلرزون. كملكة السويد لويزا أوريلكا وملك بولندة السابق ستانسلاس لسكيزنسكي، وكاترين الثانية قيصرة روسيا، وأميرة ساكس-جوتا، وأمير وأميرة هيس-دارمشات، ودوقة ساكس-كوبورج ودوق تسكانيا الكبير، والدوق كارل أوجست أمير ساكس-فيمار. أما فردريك الأكبر فقد أحجم عن المشاركة فيها لكثرة عدد من يبادلهم الرسائل في فرنسا وأخيراً وافق على أن يتسلم المجلة، ولكنه لم يدفع لها مالاً قط. وقد أذاع جريم العدد الأول من المجلة عقب اضطلاعه بإصدارها (مايو 1753):

في الصفحات المطلوبة منا لن نضيع وقتاً على النشرات التي تغرق باريس كل يوم...بل سنحاول أن نعطي تقريراً دقيقاً، وتحليلاً منطقياً (Critique Raisonn(e) للكتب التي تستحق أن يتهم بها الجمهور.

وستكون الدراما جزءاً هاماً من تقريرنا لأنها فرعٌ رائع من فروع الأدب الفرنسي وعلى العموم لن نغفل شيئاً جديراً بفضول غيرنا من الشعوب(146).

وهذه الرسائل الأدبية المشهورة هي الآن سجل رئيسي نفيس لتاريخ فرنسا الفكري في النصف الثاني من القرن الثامن العشر، وقد استطاع جريم أن يكون صريحاً في مقالاته النقدية، لأنها لم تكن معروفة للجمهور الفرنسي أو للمؤلف الذي تتناوله. وكان يتوخى الإنصاف عادة، إلا مع روسو في فترة لاحقة. وقد أصدر الكثير من الأحكام الصائبة، ولكنه أساء الحكم على "كانديد" فزعم أنها لا تثبت-للنقد الجاد، على أن هذا الرأي لم يدفق إليه تحامل على فولتير، فقد وصفه بأنه: "أعظم الرجال في أوربا جاذبية وأكثرهم لطفاً، وأبعدهم صيتاً(147)".

ورد فولتير التحية بطريقته الشيطانية فقال: "ما الذي يتراوى لهذا البوهيمي أن يبزنا ذكاء وفطنة؟" ورسائل جريم هذه هي التي أذاعت في أرجاء أوربا أفكار التنوير الفرنسي أكثر من أي كتابات أخرى باستثناء مؤلفات فولتير. ومع ذلك خامرته الشكوك في جماعة الفلاسفة وفي إيمانهم بالتقدم، فقال: "إنما العالم مركب من: شرور لا يحاول إصلاحها غير إنسان معتوه"(149) وفي 1757 كتب يقول:

"يبدو أن القرن الثامن عشر فاق كل القرون في المدائح التي كالها لنفسه...ولو تمادى في هذا قليلاً لأقنع خيرة المفكرين أنفسهم بأن دولة الفلسفة، الهادئة المسالمة، أوشكت أن تسود بعد عواصف الجنون الطويلة، وأن ترسي إلى الأبد سلام البشر وهدوؤهم وسعادتهم...ولكن الفيلسوف الصادق، لسوء الحظ، لديه أفكار أقل تعزية ولكنها أصح وأدق....وهيهات أن أصدق أننا مقتربون من عصر العقل، وأكاد أعتقد أن أوربا تتهددها ثورة مدمرة"(150).

ونلمح هنا أثراً من الكبرياء والغرور اللذين كانا يغيظان أصدقاء جريم أحياناً. فلقد كان هذا المتفرنس، ينفق الساعات في التزين، وذر المساحيق على وجهه وشعره، والإسراف في التعطر إسرافاً لقب من أجله بدب المسك(151). وهو يبدو في رسائله ينير التحيات بمنة ويسرة بيد تتوقع الرد عليها. وقد اشترط فردريك للاشتراك في الرسائل أن "يعفيني جريم من تحياته"(152). ومثل هذا التملق كان بالطبع من أسلوب الرسائل في ظل "النظام القديم".

واسترعى جريم انتباه باريس، وهو الوجل البارد المتزن عادة، بإشرافه على الموت هياماً بالآنسة فل، وبدخوله في مبارزة من أجل مدام ديينيه. وكانت هذه الأخيرة-لويز-فلورانس تارديو ديسكلافيل-ابنة بارون من فالنسين مات في خدمة الملك عام 1737. وبعد ثمانية أعوام حين بلغت لويز العشرين، تزوجت من دنيس-جوزف لاليف ديينيه وكان ابن جابٍ غني. وذهبا للعيش في قصر ريفي جميل يدعى الشاتو دلاشيفريت، على تسعة أميال من باريس، بقرب غابة مونمورنسي. وفاضت حياتها سعادة، فتساءلت "أيستطيع قلبي أن يتحمل هذه السعادة؟ وكتبت إلى ابنة عم لها تقول" كان يعزف على البيان القيثاري، وأنا جالسة على مسند كرسيه ويسراي على كتفه، ويمناي تقلب الأوراق، فلم يفته قط أن يقبلها في كل مرة تمر أمام شفتيه(153).

ولم تكن جميلة، بل صغيرة الجسم أنيقة على نحو ساحر، بديعة التكوين Yres Bien Faint (كما تنبئنا)(154)؛ وستفتن عيناها السوداوان النجلاوان فولتير بعد حين. ولكن " الإحساس دائماً بنفس الشيء يصبح بعد قليل تماماً كالإحساس بلا شيء"(155)، فلم يمضِ غير عام حتى كف ديينيه عن ملاحظة هاتين العينين. لقد كان قبل الزواج فاسقاً عربيداً فعاد الآن كما كان، يسرف في الشراب، ويسرف في القمار، وينفق المال الطائل على الأختين فريير، اللتين أسكنهما كوخاً على مقربة من لاشيفريت وولدت له زوجته خلال ذلك طفلين. وفي 1748 عاد من رحلة في الإقليم، وضاجع امرأته، فنقل إليها عدوى الزهري. وحصلت على انفصال شرعي عن زوجها بعد أن اعتلت صحتها وتحطمت روحها. ووافق على تسوية سخية؛ وورثت هي ثروة عمها، فاحتفظت بلاشيفريت، وحاولت أن تنسى تعاستها في الحدب على طفليها ورعاية صديقاتها. فلما أصيبت إحداهن-وهي مدام دجوللي-بالجدري إصابة مميتة ذهبت لويز لتمرضها، ومكثت معها إلى النهاية، معرضة نفسها لعدوى قد تؤدي بها أو تشوهها مدى الحياة.

وأجمعت صديقاتها على أن يحسن بها أن تتخذ عشيقاً. وجاء عشيق (1746) وهو دوبان دفرانكوي، الرجل الذي وظف روسو عنده. وقد بدأ بالموسيقى، وانتهى بالزهري، ولم يلبث أن شفي من هذا الداء في حين ظلت هي تعاني منه(156). وانضم إلى زوجها في اقتسام الآنستين دفيريير. وقال لها دوكلو في صراحة جافية "أن فرانكوي وزوجك يقتسمان الأختين فيما بينهما(157)". فأصيبت بحمى وهذيان داما ثلاثين ساعة. وحاول دوكلو الحلول محل دوبان، ولكنها طردته. ثم كانت مأساة أخرى حين أعطتها مدام دجوللي وهي على فراش الموت حزمة أوراق تفضح غرامياتها وألحت عليها في أن تحرقها، ففعلت. واتهمها المسيو دجوللي بأنها أحرقت عن عمد شهادات مديونيتها هي له. وأنكرت التهمة ولكن القرائن كانت ضدها، إذ كان معروفاً أنها كانت تعين زوجها بالمال رغم انفصالها عنه.

في هذه الأزمة دخل جريم الدراما، وكان روسو قد قدمه إلى لويز في 1751، وكثيراً ما اشترك ثلاثتهم في عزف الموسيقى أو الغناء معاً. وذات مساء في حفلة أقامها الكونت فون فريزن أعرب أحد الضيوف عن اعتقاده بأن مدام ديينيه مذنبة..ودافع عنها جريم، واحتد النقاش إلى حد المساس بالشرف، وتبارز صاحب الاتهام والمدافع، فجرح جريم جرحاً طفيفاً. بعد حين وجدت الوثائق المفقودة، وبرئت ساحة السيدة، فشكرت جريم باعتباره "فارسها الهمام" ونمى تقدير الواحد منهما لصاحبه فاكتمل جباً من أبقى وأثبت ما شهده ذلك العصر القلب. وحين أتلف الحزن صحة البارون دولباخ لموت زوجته، وسافر جريم للعناية به في الريف، سألته لويز "ولكن من سيكون فارسي يا سيدي إن هاجمني أحد في غيابك"؟ فأجاب جريم "هو ما كان من قبل-حياتك الماضية(158)" ولم يكن الجواب قاطعاً مانعاً، ولكنه فاق حدود الثناء.

وكان روسو قد التقى بمداد ديينيه في 1748 في بيت مدام دويان. ودعته إلى لاشيفريت. وفي "مذكراتها" وصف له:

"أنه يقدم التحيات والمجاملات، ولكنه ليس مؤدباً، أو على الأقل يعوزه مظهر التأدب. والظاهر أنه جاهل بعادات المجتمع، ولكن من الواضح أنه مفرط الذكاء. وله بشرة سمراء، وعينان بيضاوان تتوهجان وتضفيان الحيوية على قسماته.....ويقال أنه عليل، ويتجلد لعذاب يحرص على كتمانه....وهذا في ظني هو الذي يضفي عليه أحياناً....، مظهر الاكتئاب(159)".

أما الصورة التي رسمها لها فلم تكن شديدة التأنق:

"لم يكن حديثها الخاص ممتعاً، وأن لم يعوزه اللطف في حضرة الجنسين...وأسعدني أن أبدي لها بعض المجاملات، وقبلتها قبلات أخوية صغيرة، ولم تبدو أكثر شهوانية منها هي....لقد كانت غاية في النحول، والشحوب، ولها صدرٌ كظاهر يدها. وكان هذا العيب وحده كافياً للتخفيف من أحر رغباتي(160)".

وظل سبع سنوات يلقى الترحيب في بيت مدام ديينيه. فلما رأت مبلغ ضيقه في باريس فكرت في سبل تقديم المعونة له، ولكنها كانت تعلم أنه سيرفض المال. وبينما كانا ذات يوم يسيران في حديقتها خلف لاشيفريت، أرته كوخاً يسمى "الأرميتاج (الصومعة)" كان من قبل ملكاً لزوجها. وكان مهجوراً متهدماً، ولكن موقعه على حافة غابو مونمورنسي حمل روسو على أن يقول في انفعال: "ياله من مسكن مبهج يا سيدي! كأن هذا الملجأ أعد لي خصيصاً"(161). ولم تجب السيدة، ولكن حين عودا السير إلى الكوخ في سبتمبر 1755، أدهش روسو أن يجده قد رمم، وأثثت حجراته الست، ونظفت الأرض المحيطة به ورتبت. وينقل عنها أنها قالت "يا عزيزي، إليك ملجأك، فأنت الذي اخترته، أن الصداقة تقدمه لك. وأرجو أن يزيل هذا فكرتك القاسي، فكرة الانفصال عني" وكانت تعلم أنه فكر من قبل في أن يقيم في سويسرا، ولعلها لم تعرف ما طرأ من فتور على تحمسه لجنيف. و"فاضت دموعي على اليد الكريمة" يد صديقته، ولكنه تردد في قبول عرضها. فأغرت تريز ومدام لفاسير بقبول خطتها، و"أخيراً تغلبت على جميع قراراتي".

وفي أحد القيامة، 1756، ولكي تجمل الهدية بلياقة، جاءت باريس في مركبتها، وأخذت "دبها" كما كانت تدعوه، هو وخليلته وحماته، إلى الأرميتاج. ولم يلذ تريز فراقها لباريس، أما ورسو، فما أن استنشق هواء الخلاء حتى شعر بأنه أسعد منه في أي وقت منذ أيام فردوسه الريفي مع مدام دفاران. "في 9 إبريل 1756 بدأت أحيا"(162)، ولكن جريم أفسد الفرحة بتحذير لمدام ديينيه:

"إنكِ تضرين روسو ضرراً بليغاً بإعطائه الأرميتاج، ولكنكِ تضرين نفسك ضرراً أبلغ. فستكمل العزلة مهمة تسويد خياله، وسيبدو كل أصدقائه في عينيه ظلمة جاحدين، وأنت أولهم، إن رفضت ولو مرة واحدة أن تمتثلي لأوامره"(163).

وانطلق بعد ذلك جريم، الذي أصبح الآن سكرتيراً للمرشال دستريه، ليلعب دوره في الحرب التي سترسم خريطة العالم من جديد.


كان روسو قد انتقل إلى كوخ مدام دينيه في 9 إبريل 1756 مصطحباً غير الشرعية تريز لافاسير وأمها. وسعد بالعيش هناك حيناً، إذ أحب غناء الطيور وزقزقتها، وحفيف الأشجار وعبيرها، وهدوء الجولات المنفردة في الغابات. وكان في جولاته يحمل قلماً وكراسة ليقتنص الأفكار وهي تمرق منه.

ولكنه لم يخلق للراحة والسلام. ذلك أن حساسيته ضاعفت كل عناء، وخلقت مزيداً من المتاعب. لقد كانت تريز زوجة وفية ولكنها لا تستطيع أن تكون رفيقاً لذهنه، كتب في إميل يقول "ينبغي ألا يقترن الرجل الذي يفكر بزوجة لا تستطيع مشاطرته أفكاره"(1). ولم يكن بتريز المسكينة حاجة تذكر للأفكار، ولا كبير حاجة للكلمات المكتوبة. لقد بذلت له جسدها وروحها، واحتملت غضباته، وأغلب الظن أنها ردت عليها بمثلها، وسمحت له بأن يقترب من حافة الخيانة مع مدام دودتو، وكانت هي على قدر ما نعلم وفية في تواضع باستثناء حادث لا سند لنا فيه إلا في رواية بوزويل. ولكن أنى لهذه المرأة الساذجة أن تستجيب لذلك الاتساع والتنوع الجامح في عقل قدر له أن يزلزل نصف القارة؟ استمع إلى تفسير روسو:

"ماذا يظن القارئ إذا قلت له...إنني منذ اللحظة الأولى التي وقع عليها بصري حتى اللحظة التي أكتب الآن فيها لم أشعر قط بأقل حب لها، ولم أشتهِ قط أن أملكها...وأن الحاجات البدنية التي أشبعت بشخصها كانت بالنسبة لي حاجات الجنس فقط، دون أن تنبعث إطلاقاً من شخصيتها؟...لقد كانت أولى حاجاتي، وأعظمها، وأقواها، وأشرهها، كلها في قلبي: الحاجة إلى رباط (روحي) حميم، حميم ما أمكن. وكانت هذه الحاجة الفريدة بحيث لا يشبعها أوثق الاتصال البدني، ولم يكن بد لها من وجود روحين"(2).

ولعل تريز كانت ترد على هذه الشكاوى بردها، لأن روسو كان قد كف الآن عن القيام بوظائفه الزوجية. ففي 1754 قرر لطبيب جنيفي: "لقد تعرضت طويلاً لأقسى الآلام، لعلة حصر البول التي لا شفاء لي منها، والتي نجمت عن احتقان في مجرى البول يسد القناة سداً يستحيل معه فيها حتى قسطرات الدكتور داران المشهور"(3). وزعم أنه أقلع عن كل اتصال جنسي مع تريز بعد 1755(4) ثم أضاف "حتى ذلك التاريخ كنت صالحاً، ومن تلك اللحظة أصبحت طاهراً، أو على الأقل متيماً بالطهارة.

وجعل وجود حماته معهما هذا المثلث حاداً إلى درجة مؤلمة. وقد عالها هي وزوجته ما استطاع من دخله الذي جاءه من نسخ الموسيقى ومن بيع كتبه. غير أن مدام لافاسير كان لها بنات أخريات تحتجن إلى مهور ويعشن في ضنك مقيم. وجمع جريم وديدرو ودولباخ فيما بينهم للمرأتين معاشاً سنوياً قدره أربعمائة جنيه، وأخذوا عليهما العهد بكتمان الأمر على روسو مخافة جرح كبريائه. واختصت الأم نفسها وبناتها بمعظم المال (على رواية روسو)(5)، واستدانت باسم تريز، ودفعت تريز الديون، وأخفت أمر المعاش طويلاً، وأخيراً كشف روسو سره، فاستشاط غضباً على أصدقائه لإذلاله على هذا النحو. وقد زادوه غضباً بالإلحاح عليه في أن ينتقل من الإيرمتاج قبل حلول الشتاء، فالكوخ (في رأيهم) لم يعد للجو البارد. وحتى لو احتملت زوجته برد الشتاء فيه فهل في طاقة الأم احتماله؟ وكان ديدرو قد كتب في تمثيلية "الابن الطبيعي"(6): "إن الرجل الصالح يحيا في مجتمع؛ ولا يعيش وحيداً غير الطالح". وخيل لروسو أنه المقصود بهذا القول، وبدأ الآن نزاع طويل لم تكن المصالحات التي تخللته إلا مهادنات. وشعر روسو أن جريم وديدرو يحولان إغرائه بالعودة إلى مدينة فاسدة لأنهما يحسدانه على السلام الذي وجده بين الغابات. وقد كشف في خطاب أرسله إلى صاحبة الفضل عليه، مدام ديينيه، (وكانت في باريس) عن خلقه بصراحة ونفاد صبر. قال:

"أريد أن يكون أصدقائي أصدقاء لا سادة عليّ؛ أريد أن ينصحوني لا أن يحاولوا التسلق علىّ؛ وأن يكون لهم كل المطالب على قلبي دون مطلب واحد يقيد حريتي. إني لأراها غريب تلك الطريقة التي يتدخل بها الناس باسم الصداقة في شؤوني دون أن يطلعوني على شؤونهم...وحرصهم الشديد على أن يؤدوا لي ألف خدمة يرهقني، ففيه لمسة من الاستعلاء تضنيني؛ ثم إن كل إنسان في وسعه أن يفعل مثل ما يفعلون..."

وإني لتوحدي وانعزالي على الناس أشد حساسية من غيري. فلو فرضنا أنني تشاجرت مع إنسان يعيش وسط الزحام، فإنه يفكر في الأمر لحظة ثم تنسيه إياه عشرات الشواغل بقية النهار. أما أنا فلا يصرف أفكاري عنه شيء ولا أفتأ أقلبه في ذهني طوال الليل وأنا مؤرق، وأفكر فيه وأنا أتمشى وحدي من شروق الشمس إلى غروبها، وقلبي لا يهدأ لحظة واحدة، وإساءة من صديق كفيلة بأن تجعلني أعاني في يوم واحد سنوات من الحزن. وإن لي أنا العليل حقا في التسامح الواجب من أخوتي البشر نحو هفوات رجل مريض وغضباته...وأنا فقير، وفقري يخول لي بعض الرعاية (أو كذلك يخيل إلي)". "لا يدهشك إذن إن أنا أبغضت باريس أكثر فأكثر. ليس لي شيء أنشده من باريس سوى رسائلك. ولن يراني أحد هناك ثانية أبداً. وإذا شئت أن تنبئني بآرائك حول هذا الموضوع، وبكل ما تبغين من قوة وعنف، فلك الحق في ذلك. فستلقي مني قبولاً حسناً، وستكون-عديمة الجدوى"(7).

وقد أجابته بما يكفي من العنف فقالت "أوه، دع هذه الشكاوى التافهة لمن خلت قلوبهم ورؤوسهم(8). ولكنها استفسرت مراراً عن صحته وراحته، واشترت له حاجياته، وأرسلت له الهدايا الصغيرة. "ذات يوم والحرارة بلغت من التجمد درجة قصوى، وجدت وأنا أفتح طرداً به عدة أشياء طلبت إليها أن تبتاعها لي جونلة داخلية من الفانيلا الإنجليزية قالت إنها كانت تلبسها، ورغبت إلي في أن ألبسها صدرية داخلية، ورأيت في هذه الرعاية البالغة الود حناناً شديداً-وكأنها تعرت لتكسوني-حتى رحت في انفعالي أقبل الخطاب والجونلة جميعاً غير مرة وأنا أذرف الدمع. وخالتني تريز قد جننت(9)".

وخلال عامه الأول في الإرميتاج صنف "قاموس الموسيقى" ولخص بلغته المجلدات التي ألفها الأبيه دسان-بيير عن الحرب، والسلام، والتعليم، والإصلاح السياسي. وفي صيف 1756 تلقى من المؤلف نسخة من قصيدة فولتير في الزلزال الذي أهلك خمسة عشر ألف شخص، وجرح خمسة عشر ألف آخرين في لشبونة في عيد جميع القديسين أول نوفمبر 1755، وقد تساءل فولتير كما تساءل نصف العالم لم اختارت العناية، المفترض فيها أنها خيرة، لهذه المذبحة العمياء عاصمة قط\ر كله كاثوليكي، وساعة-9.40 صباحاً-كل الأتقياء يصلون فيها في الكنيسة. وفي نغمة من التشاؤم المطلق رسم فولتير صورة للحياة والطبيعة محايدتين حياداً قاسياً بين الشر والخير. وفي الفقرة التالية من الاعترافات نقرأ رد فعل روسو لهذه القصيدة القوية:

"حين أدهشني أن أرى هذا المسكين، الغارق (إن جاز القول) في أسباب الثراء والتشريف، يشكو بمرارة أرزاء هذه الحياة، ويجد كل شيء خطأ، فكرت في مشروع جنوني هو أن أجبره على تحويل اهتمامه إلى نفسه، وعلى إثبات أن كل شيء صواب. إن فولتير وهو يبدو مؤمناً بالله لم يؤمن قط في الواقع بشيء غير الشيطان، لأنه إلهه المزعوم كائن خبيث لا يلتذ إلا بالشر، كما يقول. وسخف هذه القصيدة الصارخ يثير أشد التقزز من رجل ينعم بثراء فاحش، رجل يحاول من حضن السعادة أن يشيع اليأس في قلوب أخوته البشر بما يصور من صورة رهيبة قاسية لكل الكوارث التي أعفي منها، أما أنا الذي يحق لي أكثر منه أن أعدد وأزن كل شرور الحياة البشرية، فقد فحصتها في غير تحيز، وأثبت له أنه ما من شر من جميع الشرور الممكنة يجب أن ننسبه للعناية، وألا نرده بالأحرى إلى إساءة استعمال الإنسان لقدراته لا إلى الطبيعة"(10).

وعليه في 18 أغسطس 1756 أرسل روسو إلى فولتير "رسالة في العناية الإلهية من خمس وعشرين صفحة، بدأها بإقرار لطيف بفضل فولتير. قال:

"جاءتني قصائدك الأخيرة يا سيدي في عزلتي، ومع أن جميع أصدقائي يعرفون محبتي لكتاباتك، فلست أدري من كان ممكناً أن يرسل لي هذا الكتاب سواك. فقد وجدت المتعة والفائدة جميعاً، وتبينت فيه يد الأستاذ...ولزام علي أن أشكرك على المجلد وعلى صنيعك"(11).

ثم ناشد فولتير ألا يلوم العناية الإلهية على مصائب البشر. فمعظم الشرور راجع لحماقتنا، أو خطيئتنا، أو إجرامنا: "لاحظ أن الطبيعة لم تحشد عشرين ألف بيت من ستة طوابق أو سبعة، وأنه لو كان سكان تلك المدينة الكبرى موزعين توزيعاً أكثر توازناً في مساكن أقل تكاثفاً، لكانت الخسارة أقل كثيراً، أو ربما انعدمت، ولكان كل أهلها قد هربوا نعد أول هزة، ولرأيناهم في الغد على بعد عشرين فرسخاً، مرحين كأن شيئاً لم يصبهم"(12).

وكان فولتير قد كتب أ، قلة من الناس من يودون أن يولدوا من جديد في نفس الظروف؛ فرد روسو بأن هذا لا يصدق إلا على الأثرياء الذين أتخموا باللذات، وملوا الحياة، وأعوزهم الإيمان؛ أو على الأدباء القاعدين، غير الأصحاء، الغارقين في تأملاتهم، الساخطين؛ ولكنه لا يصدق على بسطاء الناس كالطبقة الوسطى الفرنسية أو القرويين السويسريين. والذي يجعل من الحياة معضلة لنا هو إساءة استعمالها(13). ثم إن شر الجزء قد يكون خير الكل؛ فموت الفرد يتيح الحياة المتجددة للنوع. والعناية الإلهية عامة لا خاصة؛ فهي تسهر على الكل، ولكنها تترك أحداثاً نوعية للأسباب الثانوية والقوانين الطبيعية(14). وقد يكون الموت المبكر نعمة كذلك الذي أصاب أطفال لشبونة، وهو على أية حال غير ذي بال ما دام هناك إله، لأنه تعالى سيكافئ الجميع على ما أصابهم من معاناة لا يستحقونها(15). ومسألة وجود الله تجاوز الحل بالعقل. ولنا أن نختار بين الإيمان والكفر، فلم نرفض إيماناً ملهماً معزياً؟؛ أما عن نفسي "فقد عانيت في هذه الحياة كثيراً، لهذا يملؤني الرجاء في حياة أخرى. وكل دقائق الميتافيزيقا لن تشككني لحظة في وجود عناية خيرة وفي خلود النفس. أنني أحس هذا، وأؤمن به، وأتمناه... وسأدافع عن هذه المعتقدات إلى آخر نسمة من حياتي"(16).

واختتم روسو خطابه ختاماً لطيفاً، فقال إنه متفق مع فولتير على التسامح الديني، وأكد له "إنني أوثر أن أكون مسيحياً على طريقتك لا على طريقة الصوربون"(17). ورجا فولتير أن ينظم بكل ما في شعره من قوة وفتنة "كتاب تعليم مسيحي للمواطن" يتضمن قاموساً أخلاقياً يهدي الناس في فوضى العصر. وكتب فولتير إقراراً مهذباً بوصول رسالة روسو، ودعاه للنزول ضيفاً عليه في الدليس(18)، ولم يبذل محاولة منظمة لتنفيذ حجج روسو، ولكنه رد عليها بطريق غير مباشر بروايته "كانديد" (1759).


حفل شتاء 1756-1757 بالأحداث لروسو. ففي فترة ما خلال تلك الشهور بدأ يكتب أشهر رواية في القرن الثامن عشر "جولي، أو هلويز الجديدة" وقد تصورها أول الأمر دراسة في الصداقة والحب. فابنتا العم جولي وكلير تحبان سان-برو، ولكنه حين يغوى جولي تظل كلير الصديقة الوفية لكليهما. فلما أخجله أن يكون الكتاب مجرد رواية غرامية، عمد إلى رفع القصة إلى مقام الفلسفة بتحويل جولي إلى التدين، والعيش في ولاء مثالي لزوجها فولمار وهو سيد شكاك استسلم لتعاليم فولتير وديدرو. يقول روسو في اعترافاته:

"كانت العاصفة التي أطلقتها الموسوعة..في ذلك الحين على أشدها. فلم يلبث الفريقان، اللذان بلغ سخطهما بعضهما على بعض نهايته، أن أصبحا أشبه بذئاب غاضبة... لا مسيحيين ولا فلاسفة يرغب كل منهما في إثارة الآخر وإقناعه وهداية إخوانهم إلى طريق الحق. وكنت قد جهزت بالحقائق الصارمة للفريقين لأنني بطبعي عدو لكل أنواع التخريب، ولكنهم لم يستمعوا إلي. ففكرت في طريقة أخرى، بدت لي في بساطتي جديرة بالإعجاب؛ وهي التخفيف من كراهيتهما المتبادلة بأن أحطم تعصبهما، وأظفر لكل فريق ما للآخر من فضائل وحسنات تستحق تقدير الجميع واحترامهم. وأحرزت الفكرة...النجاح المرتقب، فقد قربت ووحدت الحزبين المتنافسين على هدف واحد هو سحق الكتاب...ولما رضيت..عن خطتي، عدت إلى الموقعين تفصيلاً...فأسفر هذا عن الجزأين الأول والثاني من "هلويز"(19).

وكان يقرأ على تريز ومدام ليفاسير كل مساء صفحات من القصة عند المدفأة. وشجعته الدموع التي كانت تذرفها تريز، فدفع بالمخطوطة إلى مدام ديينيه حين عادت إلى قصرها الريفي، لاشتزيت، على ميل من الإيرميتاج. وفي مذكراتها استعادة للحدث: "حين وصلنا هنا...وجدنا روسو في انتظارنا. وكان هادئاً رائق المزاج للغاية. وأحضر لي رواية (جانباً منها) قد بدأها...وقد قفل إلى الإيرميتاج أمس ليستأنف هذا العمل، الذي يزعم أنه قوام سعادة حياته"(20). وبعد قليل كتبت إلى جريم:

"وبعد العشاء قرأنا مخطوطة روسو. ولست أدري هل أنا متحيزة ضدها، ولكني غير راضية عنها، إنها مكتوبة بأسلوب في غاية الروعة، ولكنها مسرفة في التفصيل، وتبدو غير واقعية ومفتقرة إلى الحرارة. ولا تقول شخوصها كلمة واحدة مما ينبغي أن تقوله، فالمؤلف هو الذي يتكلم دائماَ. ولا أدري كيف أخرج من هذا المأزق، فلست أحب أن أخدع روسو، ولا أستطيع أن أستقر على إدخال الحزن على قلبه"(21).

على أن روسو، على نحو ما، بث الحرارة في جولي خلال الشتاء، أكان ذلك لأن قصة حب حية دخلت حياته؟ ذلك في 30 يناير 1757 زارته سيدة كان قد لقبها في باريس باعتبارها أخت زوج مدام ديينيه. وكانت هذه السيدة، واسمها اليزابث-صوفي دبيلجارد، قد تزوجت الكونت دودتو، ثم تركته، وأصبحت الآن خليلة عدة سنوات للمركيز دسان-لامبير، الذي كان يوماً ما مزاحماً لفولتير على مدام دناتليه. وكان زوجها وعشيقها كلاهما قد انطلق إلى ساحة القتال. وفي صيف 1756 كانت الكونتيسة قد استأجرت قصر أوبون الريفي، على نحو ميلين ونصف من الإيرميتاج. وكتب لها سان-لامبير أن روسو على رحلة جواد قصيرة منها، واقترح عليها أن تسري عن وحدتها بزيارة الكاتب الشهير الذي أوقف الحضارة كلها موقف الدفاع عن نفسها. فذهبت في مركبة، فلما انغرزت في الوحل واصلت الرحلة سيراً، فوصلت وحذاؤها وثوبها ملطخان. "وجعلت المكان يدوي بضحكها الذي شاركتها فيه من كل قلبي"(22). وأعطتها تريز تغيرة ملابس. ومكثت المركيزة لتتناول "وجبة ريفية خفيفة" وكانت في السابعة والعشرين، وروسو في الخامسة والأربعين. ولم تكن باهر الجمال سواء في طلعتها أو قوامها، ولكن رقتها، وروحها المرحة أثارت حياته المظلمة. وفي العصر التالي أرسلت إليه رسالة لطيفة، مخاطبة إياه باللقب الذي اتخذه بعد أن استوطن جنيف ثانية:

"أيها المواطن العزيز، أعيد إليك الثياب التي تفضلت بإعارتي إياها. وقد وجدت عند رجوعي طريقاً أفضل كثيراً، ويجب أن أخبرك بمبلغ سروري بهذا، لأنه ييسر لي العودة إلى زيارتك. ويؤسفني أنني لم أمكث إلا قليلاً...وسيكون أسفي أقل إذا كنت أكثر حرية، واثقة دائماً من أنني لا أزعجك. وداعاً يا مواطني العزيز، وأرجوك أن تشكر للآنسة ليفاسير كل ما أبدته نحوي من عطف"(23).

وبعد أيام عاد سان-لامبير من الجبهة. وفي إبريل استدعي من جديد للخدمة العسكرية، وما لبثت الكونتيسة المرحة أن خطرت إلى الإيرميتاج على صهوة جوادها ثياب الرجال. وصدم زيها روسو، ولكنه ما لبث أن أحس أنه يحتوي امرأة فاتنة. فنطلق مع ضيفه سيراً في الغابات تاركاً تريز لواجباتها المنزلية وأخبرته مدام دودتو عن شدة محبتها لسان لامبير، وفي مايو رد زيارتها، فذهب إلى أوبون في الوقت الذي تكون فيه "وحيدة تماماً" كما قالت له. يقول "كنت أحياناً في رحلاتي المتكررة لأوبون أنام هناك...

وكنت أراها كل يوم تقريباً طوال ثلاثة أشهر. ورأيت شخصية جولي متمثلة في مدام دودتو، ثم لم أعد أرى غير مدام دودتو (في جولي)، ولكن بكل أسباب الكمال التي جملت بها معبودة قلبي"(24).

وأسلم نفسه زمناً لهذا الهذيان المحموم حتى لقد كف عن كتابة قصة، وراح بدلاً من هذا يكتب الخطابات الغرامية التي حرص على أن تعثر عليها في كوي أشجار أوبون. فقال لها أنه يجب، ولم يقل من محبوبته؛ ولكنها بالطبع. فوبخته، وأكدت له أنها ملك سان-لامبير جسداً وروحاً، ولكنها سمحت له بمواصلة زياراته وتودده الحار؛ والمرأة على أي حال تحيا حياة واحدة فقط حين تحب، وحياة مضاعفة حين يحبها اثنان. "لم تنكر على شيئاً يمكن أن تمنحه أرق الصداقات، ولكنها لم تمنحني شيئاً يجعلها خائنة". وهو يروي أنباء ما كانا يخوضان فيه من "أحاديث مستفيضة متكررة...خلال الشهور الأربعة التي أنفاها في صلة حميدة لا تكاد تضارعها صلة بين صديقين من الجنسين يحصران نفسهما داخل الحدود التي لم نتجاوزها قط"(25). وفي روايتها لهذه العلاقة نجد الحركة الرومانسية على أشدها: فلا شيء في قصته يمكن أن يضارع هذه النشوات:

"لقد سكرت كلا بخمر الحب-حبها لحبيبها، وحبي لها،؛ وامتزجت تنهداتها ودموعنا...ولم تنسَ نفسها قط لحظة واحدة في حميا هذا السكر اللذيذ، وأؤكد تأكيداً قاطعاّ إنني أن كنت مرة، وأنا منساق بحواسي، قد حاولت حملها على الخيانة، فإنه لم يكن بي رغبة حقيقية في النجاح..ذلك أن واجب نكران الذات تسامى بعقلي...لقد كان من الممكن أن أقارف الجريمة، وقد قورفت مائة مرة في قلبي؛ ولكن أن ألوث شرف حبيبتي صوفي! آواه، أممكن هذا؟ كلا! لقد قلت لها مائة مرة إنه محال...فإن حبي لها أعظم ما أن يغريني بتملكها...تلك كانت اللذة الوحيدة لرجل أوتي مزاجاً من أكثر الأمزجة تأججاً، ولكنه ربما كان في الوقت ذاته من أجبن من أنجبتهم الطبيعة من البشر"(26).

ولاحظت مدام ديينيه أن "دبها لم يعد يزورها الآن إلا لماماً، وسرعان ما علمت بنبأ رحلاته لأخت زوجها. فآلمها النبأ. وكتبت إلى جريم في يونيو تقول "من القسوة على أي حال أن يهرب منك فيلسوف في أقل اللحظات توقعاً لهروبه"(27). وذات يوم في أوبون وجد روسو "صوفي" تبكي. ذلك أن سان-لامبير نمى إليها خبر عبثها هذا، وقد أبلغ بالخبر (كما قالت لجان-جاك) "بطريقة سيئة. إنه ينصفني، ولكنه مغيظ...وأخشى ما أخشاه أن تكلفي حماقاتك الراحة والهدوء بقية أيامي"(28). واتفقا على أن الذي باح بالسر لسان-لامبير لابد هو مدام ديينيه، لأننا "كما نعلم أنه تراسله". أو لعلها باحت به لجريم، الذي كان يلقى سان-لامبير بين الحين والحين في وستفاليا. وقد حاولت مدام ديينيه-في رواية ورسو-أن تحصل من تريز على خطاباته التي تلقاها من مدام دودتو، واتهم مضيفته بخيانته في خطاب عنيف:

"هناك عاشقان (صوفي وسان-لامبير) عزيزان عليّ، وهما وثيقا الارتباط جديران بحب الواحد لصاحبه...وأحسب أن محاولات بذلت للتفريق بينهما، وأنني استعملت لبث الغيرة في صدر أحدهما. ولم يكن الاختيار سديداً، ولكنه بدا محققاً لأغراض الحقد؛ وأنت التي أشتبه في أنها مذنبة بهذا الحقد..وهكذا كان يمكن أن يُلصق بالمرأة التي أمن لها أعظم تقدير...عار قسمة قلبها وشخصها بين حبيبين، ويلصق بي أنا عار كوني أحد هذين التعيسين. ولو علمت أنك فكرت في هذا إطلاقاً ولو لحظة واحدة في حياتك، سواء عنها أو عني، لأبغضتك حتى آخر نسمة من حياتي، ولكني لا أتهمك بالتفكير في هذا فحسب، بل بقوله أيضاً.

"أتعلمين كيف أكفر عن أخطائي في الفترة القصيرة التي أنا مضطر للمكث فيها بقربكِ، بفعل ما لا يفعله أحد سواي: بمصارحتك برأي الناس فيكِ وبالصدود التي عليكِ أن ترأبيها"(29).

وأحزن عنف هذه التهم مدام دينيه، سواء أكانت مذنبة أم بريئة (ولا علم لنا بالحقيقة)، فأبلغتها إلى حبيبها البعيد جريم. وأجاب بأنه قد حذرها من "المآذق الشيطانية"، التي ستتورط فيها بإنزال روسو النزق الغريب الأطوار في الإيرميتاج(30). ودعت جان-جاك إلى شفريد، وحيته بالعناق والجموع، وأجاب على الدموع بمثلها، ولم تدلِ له بأي تفسير وصل إلينا علمه، وتعشى معها، ونام في بيتها، ورحل في الغد مودعاً بعبارات الصداقة.

وزاد ديدور الطين بلة. فقد أشار على روسو بأن يكتب إلى سان-لامبير معترفاً بميله لصوفي، مؤكداً له رغم ذلك وفاءها. ووعد روسو بأن يكتب (في رواية ديدرو) ولكن مدام دودتو رجته ألا يفعل، وأن يدعها تنقذ نفسها بطريقتها الخاصة من المآزق التي ورطها فيها هيامه وعبثها. فلما عاد سان-لامبير من الجبهة حدثه ديدرو بالعلاقة، مفترضاً أن روسو قد اعترف بها. ولام روسو ديدرو ورماه بخيانته، ولام ديرو ورسو ورماه بخديعته. ولم يتصرف تصرف الفلاسفة غير سان-لامبير. فقد جاء وصوفي إلى الإيرميتاج، و "دعا نفسه إلى العشاء معي...وعاملني بصرامة ولكن بروح الصداقة". ولم يوقع عليه عقوبة أشد من النوم والشخير بينما كان جان-جاك يقرأ عالياً خطابه المطول إلى فولتير. على أن مدام دودتور لم تشجع المزيد من اللقاءات بروسو. وأعاد لها الخطابات التي كتبتها يناء على طلبها، ولكن حين طلب خطاباته إليها قالت إنها أحرقتها. يقول "جرؤت على الشك في زعمها هذا...وما زلت أشك. فلم تلق في النار قط خطابات كخطاباتي. لقد رأى الناس أن خطابات هلويز (لأبيلار) حارة! فيا للسماء!، فماذا كانوا يقولون في خطاباتي هذه؟"(31) وانكفأ إلى عالمه الخيالي مجروحاً شاعراً بالخزي، واستأنف كتابه "هلويز الجديدة"، وسكب فيه عواطف رسائله المشوبة لمدام دودتو.

على أن صنوفاً جديدة من الذل كانت في انتظاره حين عاد جريو من الحرب (سبتمبر 1757) "لم أكد أتبين فيه جريم القديم" الذي كان فيما مضى "يعده شرفاً له أن ألقي عليه نظرة"(32) ولم يستطع روسو أن يفهم العالة في فتور جريو، ولم يعرف أن جريم عرف بأمر الخطاب المهين الذي أرسله إلى مدام ديينيه. وكان جريم يقرب من جان-جاك أنانية، ولكنه فيما عدا ذلك نقيضه عقلاُ وخلقاً-فهو شكاك، واقعي، فظ، قاس(33). وهكذا فقد روسو صديقين بخطاب واحد.


وحدثت أزمة جديدة حين قررت مدام ديينيه في أكتوبر 1757 أن تزور جنيف. وإليك قصة روسو: كتبت إليّ تقول "يا صديقي، سأقوم فوراً بالرحلة إلى جنيف، لأن صدري ساءت حالته، وصحتي اعتلت كثيراً، بحيث يتعين عليّ أن أذهب لاستشارة ترونشان". وزادت دهشتي لهذا القرار الذي اتخذ هكذا فجأة، وفي بداية أسوأ طقس في السنة...وسألتها من سيصحبها، فأجابت بأنه ابنها ومعلمه مسيو دليفان، ثم أردفت بغير اكتراث "وأنت يا عزيزي، ألا تذهب أنت أيضاً؟" ولم يخطر لي أنها جادة فيما تقول، لأنني في هذا الفصل منت لا أكاد أقوى على المضي إلى حجرتي (أي السفر بين لاشفريت والإيرميتاج) فقد رحت امزح حول الفائدة التي يسديها مريض لآخر. ولم تكن هي ذاتها، قيما بدا لي، جادة في اقتراحها، وإلى هنا انتهى الأمر"(34).

وكان له مبررات وجيهة للزهد في مصاحبة المداد، فقد حالت دون ذلك آلامه وأوصابه، ثم كيف يستطيع أن يترك تريز؟ أضف إلى ذلك أن الشائعات أرجفت بأن مضيقته حبلى، من جريم على الأرجح، وصدق روسو القصة حيناً وهنأ نفسه على النجاة من موقف مثير للسخرية. ولكن المرأة المسكينة كانت صادقة، فهي تعاني من السل، ويبدو أنها كانت مخلصة في رغبتها في أن يرافقها روسو، ولم لا يبهجه أن يعود، على نفقتها، لزيارة المدينة التي كان يفخر كثيراً بأنه مواطن فيها؟ وكتب ديدرو، العالم بشعورها، إلى روسو يناشده أن يأخذ طلبها مأخذ الجد ويستجيب له، ولو لما في ذلك من بعض الرد على إحساناتها. وأجاب روسو بأسلوبه المعهود:

"أحس أن الرأي الذي تراه مصدره غيرك. وفضلاً عن عدم ميلي لأن أدع نفسي أساق على غير إرادتي تحت ستار اسمك من شخص ثالث أو رابع، فإنني ألاحظ في هذه النصيحة الثانوية نزعاً من الغدر لا يتفق وصراحتك، ويحسن بك أن تكف عنه مستقبلاً لأجلك ولأجلي"(35).

وفي أكتوبر أخذ خطاب ديدرو وجابه عليه إلى لاشفريت وقرأهما "بصوت عالٍ واضح" على جريم ومدام ديينيه. وفي الخامس والعشرين من الشهر رحلت قاصدة باريس. وذهب روسو ليودعها وداعاً محرجاً، يقول "ولحسن الحظ قامت في الصباح، وبقي لي من الوقت متسع للذهاب والغداء مع أخت زوجها" في أوبون.(36) وفي التاسع والعشرين (كما جاء في مذكرات مدام ديينيه) كتب إلى جريم.

"قل لي يا جريم لم يعلن جميع أصدقائي أن من واجبي أن أصحب مدام ديينيه؟ أمخطئ أنا، أم أنهم كلهم مسحورون؟...إن مدام ديينيه مسافرة في مركبة أجرة لطيفة، ويصحبها زوجها، ومعلن ولدها، وخمسة خدم أو ستة...فهل أحتمل أنا السفر في مركبة أجرة؟ وهل أطمع في القيام برحلة طويلة كهذه وبهذه السرعة الكبيرة دون أن يقع لي حادث؟ وهل عليّ أن أطلب وقوفها في كل لحظة لأنزل، أم عليّ أن أعجل بعذاباتي وساعاتي الأخيرة باضطراري إلى فرض القيود على نفسي؟ (يلوح) أن أصدقائي المخلصين...مصممون على إرهاقي حتى الموت"(37).

وفي 30 أكتوبر غادرت مدام دينيه باريس قاصدة جنيف، وفي 5 نوفمبر (في رواية المذكرات) رد جريم على روسو: "لقد بذلت ما وسعني من جهد لأتجنب الرد القاطع على الدفاع الرهيب الذي وجهته إلي. وأنت تلح عليّ في أن أرد...إنه لم يدر بخلدي قط أنه كان من واجبك أن تصحب مدام ديينيه إلى جنيف. وحتى لو كان دافعك الأول هو أن تعرض عليها صحبتك لها، لكان من واجبها أن ترفض عرضك، وأن تذكرك بما يجب عليك نحو مركزك، وصحتك، والمرأتين اللتين جررتهما إلى معتكفك؛ هذا رأيي...وأنت تجسر على أن تحدثني بعبوديتك، أنا الذي كنت طوال أكثر من عامين الشاهد اليومي على كل دلائل الصداقة البالغة الحنان والكرم، التي منحتها إياك هذه المرأة، ولو استطعت أن أصفح عنك لرأيتني غير جدير بصداقة إنسان. أنني لا أريد أن أراك ما حييت، وسأحسب نفسي سعيداً إن استطعت أن أطرد من عقلي ذكرى سلوكك. سأطلب إليك أن تنساني وأنت تكف عن إزعاجي"(38).

ومن جنيف كتبت مدام ديينيه إلى جريم: "لقد تلقيت شكر الجمهورية على الطريقة التي عاملت بها روسو واستقبلت وفداً من صانعي الساعات للغرض ذاته...إن القوم هنا ينظرون إليّ نظرة الإجلال من أجله"(39). ونبهها تونشان إلى ضرورة بقائها عاماً تحت رعايته الطبية. وكانت تختلف مراراً إلى بيتي فولتير في جنيف ولوزان. وبعد حين لحق بها جريم، وقضيا معاً ثمانية أشهر في عيشة سعيدة.

وفي 23 نوفمبر 1757 كتب إليها روسو (كما يروي) يقول:

إن كان ممكناً لإنسان أن يموت حزناً لما كنت الآن على قيد الحياة.....إن الصداقة قد انطفأت بيننا يا سيدتي، ولكن ذلك الذي مضى وانقضى ما زالت له حقوقه، وأنا أحترمها. فأنا لم أنسَ كرمكِ معي، ولك أن تنتظري مني ما يمكن من عرفان بالجميل لشخص لا أستطيع أن أحبه بعد...

"أردت أن أغادر الإيرميتاج. وكان ينبغي لي أن أفعل، ويزعم أصدقائي أنه لابد من بقائي هناك إلى الربيع، وما دام أصدقائي يريدون هذا فسأبقى هناك إن وافقت"(40).

وفي أوائل ديسمبر جاء ديدرو لزيارة ورسو، فوجده ساخطاً باكياً لما حل به من "استبداد" أصدقائه. وقد وردت رواية ديدرو لهذه الزيارة في خطابه المؤرخ 5 ديسمبر إلى جريم:

"إن الرجل مسعور Forcen ... لقد زرته، ولمته على شناعة سلوكه بكل القوة التي منحتني إياها الصراحة والأمانة. وقد دافع عن نفسه في ثورة غضب أحزنتني...إن هذا الرجل يقف حائلاً بيني وبين عملي، ويربك عقلي؛ وكأني بجواري أحد المحكوم عليهم بالهلاك الأبدي...أي منظر هذا-منظر رجل شرير ضار! لا تدعني أراه ثاني، فهو يحملني على الإيمان بالشيطان والجحيم"(41).

وتلقى روسو رداً من مدام ديينيه في 10 ديسمبر. والظاهر أن جريم كان قد نقل إليها ملاحظات روسو عن "عبوديته" في الإيرميتاج، لأنها كتب إليه بمرارة غير معهودة فيها:

"كل ما يسعني عمله الآن أن أرثي لك، بعد أن بذلت لك طوال سنوات عديدة كل أمارات الصداقة الممكنة. فأنت شقي جداً..." "وما دمت مصمماً على مغادر الإيرميتاج، ومقتنعاً بأنه ينبغي لك أن تفعل، فإنه يدهشني أن يقنعك أصدقاؤك بعد إلحاح بالبقاء فيه. أما أنا فلا أستشير أصدقائي أبداً في أمر واجي، وليس عندي ما أزيد في أمر واجبك"(42).

وفي 15 ديسمبر، ورغم حلول الشتاء، غادر روسو الإيرميتاج ومعه تريز وكل متعلقاتها. أما أمها فقد أرسلها لتعيش في باريس مع بناتها الأخريات ولكنه وعد بأن يسهم في نفقاتها. وانتقل إلى كوخ في مونمورنس أجره له وكيل للوي-فرانسو دبوريون، أمير كونتي. هناك، وقد ولى ظهره لأصدقائه السابقين، أنتج في خمس سنوات ثلاثة من أعظم كتب القرن تأثيراً.


خصامه مع جماعة الفلاسفة

كان مسكنه الجديد يقع فيما سماه "حديقة مون-لوي" وهو "حجرة واحدة" أمامها مرجة، وفي طرف الحديقة حصن قديم فيه "طاقة خالصة على الهواء". وكان عليه أن يستقبل زواره حين يجيئون "وسط أطباقي القذرة وقدوري المحطمة" ويرتعد مخافة أن ينخسف "أرض الحجرة التي تهدمت" تحت أقدام ضيوفه. ولم يكترث لفقره، فقد كان يكسب ما يكفيه بنسخ الموسيقى، أغتبط بكونه حرفياً كفئاً(43)، وبأنه لم يعد تابعاً لامرأة غنية. وكان يرد هدايا جيرانه اللطفاء حين يرسلونها إليه، فقد أحس أن من الذل أن يأخذ المرء أكثر مما يعطي. وأرسل له الأمير دكنوتي الدجاج مرتين، فأخبر الكونتيسة دبوفليه أنه سيرد الهدية الثالثة إن جاءت.

ونلاحظ عرضاً كثرة الأرستقراطيين الذين ساعدوا ثورا التنوير. لا لموافقتهم على آرائهم بقد تعاطفهم الكريم مع العبقرية المحتاجة. لقد كان في نبلاء النظام القديم الكثير من عناصر النبل، وقد خصت الأرستقراطية روسو بصداقتها رغم تنديده بها. وكان الحرفي المعتز بنفسه ينسى نفسه أحياناً ويفخر بأصدقائه حملة الألقاب، قال في معرض حديثه عن مرجته: "كانت تلك الشرفة قاعة الجلوس التي استقبلت فيها مسيو ومدام لكسمبورج، والدوق ديفيلروا، وأمير تنجري، ومركيز أمرنتيير، ودوقة مونمورنسي، ودوقة بوفليه ، والكونتيسة دفالنتنوا، والكونتيسة دبوفلييه، وغيرهم من نفس الرتبة...الذين تنازلوا بأن يحجوا إلى مون-لوي"(44).

وكان منزل المرشال والمرشالة دلكسمبورج غير بعيد من كوخ روسو. وما لبثا عقب وصوله أن دعواه إلى العشاء فرفض الدعوة. ثم كرراها في صيف 1758 فرفضها ثانية. ثم أتيا حوالي عيد القيامة في 1759 ومعهما ستة من أصدقائهم النبلاء يتحدونه في معكفه. وراعه الأمر فقد اكتسبت المرشالة يوم كانت الدوقة دبوفليه سمعة بأنها فتنت عدداً هائلاً من الرجال. ولكنها خلفت خطاياها وراءها وغدت في نضجها امرأة فيها فتنة الأمومة لا مجرد فتنة الجنس؛ وسرعان ما أذابت تحفظه الخجول وهمزته ليشارك في حديث حي. وتسائل الزوار لم يعيش رجل أوتي هذه المواهب في هذا الضنك. ودعا المرشال روسو وتريز ليذهبا ويعيشا معه حتى يمكن إصلاح كوخهما؛ ولكن جان-جاك ظل على مقاومته؛ وأخيراً اقتنع هو وتريز بأن يسكنا حيناً "القصر الريفي الصغير" الواقع في ضيعة لكسمبورج. فانتقلا إليه في مايو 1756. وكان روسو أحياناً يزور لكسمبورج وزوجته في بيتهما الفخم، هناك كان يغرى بسهولة بأن يقرأ عليهما وعلى ضيوفهما بعض فصول الرواية التي كان يكملها. وبعد بضعة أسابيع عاد هو تريز إلى كوخهما ولكنه واصل زياراته لآل لكسمبورج، وظلا هما على وفائهما له طوال تقلبات مزاجه. وشكا جريم من أن روسو "هجر أصدقائه القدامى واستبدل بنا قوماً من أعلى الطبقات"(45) ولكن جريم هو الذي نبذ روسو، وفي خطاب كتبه جان-جاك إلى مالزيرب في 28 يناير 1762 رد على من اتهموه بالتنديد بالنبلاء، وبالتودد إليهم:

"سيدي، إنني أكره كرهاً شديداً تلك الطبقات الاجتماعية التي تتسلط على غيرها...ولا يضايقني أن أعترف لك بهذا وأنت سلسل أسرة مشهورة بعراقتها...إنني أبغض العظماء، أبغض وضعهم، وقسوتها، وأهواءهم...ورذائلهم...بمثل هذا المزاج ذهبت كإنسان يجر جراً إلى قصر (آل لكسمبورج) الريفي في مونمورنس. ثم رأيت سادته؛ وقد أحبوني، وأحببتهم يا سيدي، وسأظل أحبهم ما حييت...وإني لأبذل لهم، لا أقول حياتي فتلك عطية هزيلة..بل الفخر الوحيد الذي مس قلبي-وهو ذلك التشريف الذي أتوقعه من الخلف، والذي سيمنحنيه ما في ذلك شك، لأنه حقي، ولأن الخلف منصفون دائماً".

وكان يود أن يحتفظ بصديقة سابقة-هي مدام دودتو، ولكن سان-لاميير لامها على الشائعات التي ربطت فيها باريس اسمها باسم روسو، فأخبرت روسو بأن يكف عن الكتابة لها. وتذكر أنه أعترف لديدرو بحبه لها، فخلص الآن إلى أن ديدرو هو الذي ثرثر به في الصالونات و "عقدت النية على مقاطعته إلى الأبد"(46).

ولكنه أختار أسوأ اللحظات والوسائل ففي27 يوليو 1758 كان هلفتيوس قد نشر في كتابه "في العقل" هجوماً عنيفاً على الكهنوت الكاثوليكي. وأفضت الضجة المترتبة على هذا الهجوم إلى المطالبة المتصاعدة بخطر "الموسوعة" (التي كان قد صدر منها سبعة مجلدات) وكل الكتابات التي تنتقد الكنيسة أو الدولة. وكان المجلد السابع يتضمن مقال دالامبير المتهور عن جنيف، الذي امتدح فيه القساوسة الكلفنين على عقيدة التوحيد التي يتكتمونها وناشد السلطات الجنيفية أن تسمح بإقامة مسرح. وفي أكتوبر 1758 نشر روسو "خطاباً إلى مسيو دالامبير عن المسرح" وكان على اعتدال لهجته إشهار حرب على عصر العقل، وعلى زندقة فرنسة منتصف القرن الثامن عشر وفساد خلقها، وقد بذل روسو في مقدمتها قصارى جهده في التبرؤ من ديدرو، دون أن يذكر اسمه صراحة: "كان من بين أصحابي أرستارخوس" رجل صارم، عادل ولكنه لم يعد صاحباً لي ولست أريد مزيداً من صحبته، على أنني لن عن الأسف عليه وأن قلبي ليفتقده أكثر من كتاباتي، وأضاف في هامش معتقداً أن ديدرو قد أفشى سره لسان-لامبير:

"إن كنت قد امتشقت حساماً على صديق فلا تيأس لأن هناك سبيلاً لرد الحسام إليه وإن كنت قد أشقيته بكلامك فلا تخف لأن في الإمكان مصالحته. أما الإهانة واللوم المؤذي وإفشاء السر وجرح قلبه بالخيانة فهذه كلها تسخطه عليك وهو تاركك إلى غير عودة(47)".

أما الخطاب الذي تبلغ صفحاته في الترجمة 135 فكان بعضه دفاعاً عن الدين كما يبشر به علانية في جنيف. كان روسو نفسه موحداً-أي رافضاً للاهوت المسيح كما سيدل على ذلك كتاب "إميل" بعد قليل، ولكنه حين تقدم طالباً المواطنة الجنيفية كان قد أقر بالعقيدة الكلفنية الكاملة، وفي هذا الخطاب دافع عن الدين القديم، وعن الإيمان بالوحي الإلهي، باعتبارهما أمرين لا غنى عنهما لأخلاق الشعب. "أن ما يمكن إثباته لأغلبية الناس بالعقل ليس إلا الحساب، إن ما يمكن إثباته لأغلبية الناس بالعقل ليس الحساب النفعي للمصلحة الشخصية" ومن ثم كان مجرد الدين الطبيعي" سيهبط بالأخلاق إلى مستوى لا يزيد على تجنب اكتشاف الذنوب.

ولكن اللاهوت كان مثاراً صغيراً للجدل في حجة روسو، أما همجيته الأمامية فكانت على اقتراح دلامبير بأن يصرح بإقامة مسرح في جنيف. هنا لم يكن العدو الخفي هو دالامبير، بل فولتير. فولتير الذي حجب سناء شهريته نزيلاً بجنيف، فخر روسو بمواطنته الجنيفية، حجباً أثار حنقه، فولتير الذي جرؤ على تقديم التمثيليات في جنيف أو قربها، والذي حث لامبير بلا شك على أن يضمن مقالاً في الموسوعة نداء بإنشاء مسرح جنيفي. فماذا؟ أتدخل في مدينة اشتهرت بأخلاقها البيورتانية ضرباً من اللهو. كان في كل مكان تقريباً يمجد الفساد الخلقي؟ أن الدرامات المحزنة تصور جريمة دائماً، وهي لا تظهر العواطف ما ظن أرسطو، بل تلهبها، ولاسيما عواطف الجنس والعنف. وأما التمثيليات الهزلية فنادراً ما تعرض الحب الزوجي النقي، وكثيراً ما تهزأ بالفضيلة، كما فعل حتى موليي في مسرحيته "مبغض البشر". وكل الناس عليمون بأن الممثلين يحيون حياة العربدة والفساد، وأن معظم ممثلات المسرح الفرنسي الفاتنات هن مضرب الأمثال في فوضى الجنس، وبؤر ومصادر الفساد في مجتمع يعبدهن. وربما كانت شرور المسرح هذه في المدن الكبيرة مثل باريس ولندن لا تؤثر إلا في شطر صغير من السكان، أما في مدينة صغيرة كجنيف (لا يسكنها أكثر من 14.000 نسمة) فإن سمومها تتغلغل في جميع الطبقات ، وتثير العروض أفكاراً مولعة بالجديد وحرباً بين الأحزاب(48).

وإلى هنا كان روسو يردد الرأي البيورتاني أو الكلفني في المسرح، ويقول في فرنسا عام 1758 ما قاله من قبل ستيفن جوسون في إنجلترا عام 1579، ووليم يرين عام 1632، وجريمي كوليار عام 1698. ولكن روسو لم يقتصر على التنديد. فهو لم يكن بيورتانياً؛ ومن ثم دعا إلى الرقص والمراقص تحت رعاية الدولة وإشرافها. وقال إنه ينبغي أن توفر أسباب الترفيه العامة ولكن من ونوع اجتماعي وصحي، كالرحلات الخلوية، والألعاب في الهواء الطلق، والمهرجانات، والاستعراضات (هنا أضاف روسو وصفاً نابضاً بالحياة لسباق زوارق على بحيرة جنيف)(49).

ويقول لنا روسو أن الحطاب "أصاب نجاحاً كبيراً" فقد بدأت باريس تمل حياة الفساد؛ ولم يعد هناك لذة في الانحرافات الخارجة على العرف التي أصبحت هي ذاتها عرفاً. فلقد أتخمت المدينة برجال يسلكون مسلك النساء، ونساء يتحرقن شوقاً إلى أن يكن كالرجال. لقد شبعت من الدراما الكلاسيكية وأشكالها الطنانة المتكلفة ورأت حقارة قواد مدام دبومبادور وجنودها أما جند فردريك الإسبارطيين. وكان الاستماع إلى فيلسوف يمجد الفضيلة تجربة منعشة وسيزداد تأثير "الخطاب" الأخلاقي حتى يشارك هو وكتابات روسو الأخرى في إحداث عودة للياقة تكاد تكون ثورية في عهد لويس السادس عشر. ولم يكن في وسع الفلاسفة أن يتوقعوا هذا. فالذي أحسوا به في إعلان روسو هو أنه عمل من أعمال الخيانة، لأنه هاجمهم في لحظة خطرهم الأكبر. ففي يناير 1759 حظرت الحكومة نهائياً نشر الموسوعة أو بيعها. وحين ندد روسو بأخلاق باريس رماه أخصائه القدامى بالنفاق. وقد تذكروا مطاردته لمدام دودتو، وحين ندد بالمسرح نوهوا بأنه كتب "كان القرية" و "نارسيس" للمسرح، وأنه كان يختلف إلى المسرح. ورفض سان-لامبير برسالة جافية (10 أكتوبر 1768) نسخة "الخطاب" التي أرسلها إليه روسو:

"لا أستطيع قبول هديتك، ولعل لك عذراً-على غير ما أعلم-في الشكوى من ديدرو، ولكن هذا لا يعطيك حق إهانته علناً. فأنت لا تجهل طبيعة الاضطهاد التي يعانيها....ولست أملك يا سيدي إلى أن أقول لك إن هذا العمل الشائن الذي اقترفته صدمني كثيراً...كلانا يختلف في مبادئنا اختلافاً أشد من أن يتيح لنا أن ننسجم. فانسَ أنني موجود...وأني أعدك بأن أنسى شخصك، ولا أذكر عنك شيئاً إلا مواهبك"(50).

على أن مدام ديينيه حين عادت من جنيف شكرت روسو على النسخة التي بعث بها إليها، ودعته للعشاء فذهب، والتقى بسان-لامبير ومدام دودتو آخر لقاء.

ووافاه من جنيف أكثر من عشرة خطابات ثناء. وحظر قضاة جنيف على فولتير عرض أي مسرحيات على أرض جنيف بعد أن شجعهم موقف روسو. ونقل فولتير مواهبه المسرحية إلى تورنيه. وانتقل هو إلى فرنيه. وأحس بوجع الهزيمة، فاتهم روسو بأنه هارب مارق، وأسف على تردي قطيع "الفلاسفة" الصغير إلى هوة صراع يفنون فيه أنفسهم. وكتب يقول "إن جان-جاك السيئ السمعة هو يهوذا الجماعة"(51) ورد روسو بخطاب (29 يناير 1760) إلى الراعي الجنيفي بول مولتو:

"أتحدثني عن ذلك الرجل فولتير؛ لم يلوث اسم ذلك المهرج رسائلك؟ لقد دمر ذلك التعس وطني (جنيف). ولو كان احتقاري له أقل لكرهته أكثر. وأنا لا أرى في مواهبه العظيمة إلا شيئاً مخزياً يضاف إلى خزيه، ويحط من قدره بسبب الطريقة التي يسخر بها...إيه أيها المواطنون الجنيفيون، إنه يكلفكم غالياً جزاء إيوائكم له!"(52).

وأحزن روسو أن يعلم أن فولتير يخرج التمثيليات في تورنيه، وأن كثيراً من المواطنين الجنيفيين يعبرون الحدود إلى فرنسا ليشهدوا هذه الحفلات-لا بل ليشارك بعضهم فيها. ووجد استياؤه مبرراً آخر للحرب حين طبع خطابه الذي أرسله إلى فولتير عن زلزال لشبونة في مجلة برلين (1760)، لأن فولتير فيما يبدو أعار المخطوطة في غير مبالاة لأحد الأصدقاء. فأرسل روسو الآن (17 يونيو) إلى فولتير خطاباً من أعجب الخطابات في رسائل هذا العصر الصاخب. قال بعد أن لام فولتير على نشر الخطاب دون إذنه:

"إنني لا أحبك يا سيدي. فلقد آذيتني أن تلميذك المتحمس لك أبلغ الأذى. لقد دمرت جنيف جزاء على الملجأ الذي قدمت لك. ولقد نفرت مواطني من جراء المديح الذي مدحك به بينهم. وأنت الذي تجعل مقامي في وطني شيئاً لا أطيقه، أنت الذي ستضطرني للموت على أرض غريبة، محروماً من كل تعزيات المحتضرين، ملقي على كوم من أكوام المهملات في ازدراء، بينما يحيط بك كل ما يستطيع إنسان أن يطعم فيه من أسباب التكريم في وطني. فأنا باختصار أكرهك، لأنك هكذا شئت، ولكن أكرهك بمشاعر إنسان ما زال في وسعه أن يحبك لو كنت قد رغبت في حبي. ولم يبق من جميع المشاعر التي امتلأ بها قلبي نحوك سوى الإعجاب بعبقريتك الرائعة، وحب كتاباتك. وإذا كنت لا أكرم فيك غير مواهبك فليس الذنب ذنبي. ولن يوجد قصور أو نقص أبداً في الاحترام الواجب لها، ولا في المسلك الذي يقتضيه ذلك الاحترام"(53).

ولم يجب فولتير، ولكنه كان يدعو روسو سراً "المشعوذ" و "المجنون"(54) و "النسانس الصغيرة" وقد كشف فر سائله لدالامبير عن نفس لا تقل حساسية وتأججاً عن نفس جان-جاك:

"وتلقيت رسالة طويلة من روسو. لقد جن جنوناً مطبقاً...فهو يهاجم المسرح بعد أن كتب هو نفسه تمثيلية هزيلة رديئة؛ هو يهاجم فرنسا التي تطعمه؛ وهو يجد خمسة أضلاع متعفنة أو ستة من برميل ديوجين ويتسلقها لينبحنا؛ وهو يتخلى عن أصدقائه. ويكتب إلى-إلى!-أشد ما سود به متعصب الصحائف إهانة...ولولا أنه قزم حقير لا أهمية له، انتفخت أوداجه غروراً، لما كان في الأمر أذى يذكر؛ ولكنه أضاف إلى وقاحة خطابة وعار التآمر مع متنطعي السوسنيين هنا للحيلولة بيني وبين إقامة مسرح لي في تورنيه، أو على الأقل لمنع المواطنين من التمثيل فيه معي. وإذا كان قصده من هذه الحيلة الوضيعة أن يعد لنفسه عودة ظافرة إلى الأزقة الحقيرة التي نشأ فيها، فذلك فعل وغد، ولن أصفح عنه ما حييت. ولو أن أفلاطون لعب على لعبة من هذا النوع لانتقمت منه، فما بالك بتابع خانع لديوجين. إن مؤلف "الويزا الجديدة" ليس إلا وغداً شريراً"(55).

في هذين الخطابين اللذين كتبهما أشهر كاتبين في القرن الثامن عشر نستشف من وراء تيارات العصر التي يحسبها الناس غير شخصية، الأعصاب التي اشتد إحساسها بكل لطمة في الصراع، والغرور البشري المشترك الذي تضطرب به أفئدة الفلاسفة والقديسين.


إلواز الجديدة

إن الكتاب الذي أخطأ فولتير في تسميته كان طوال ثلاث سنين ملاذا لروسو من أعدائه، وأصدقائه، والعالم. بدأه عام 1756 وفرغ منه في سبتمبر 1758، وأرسله إلى ناشر في هولندا، وظهر في فبراير 1761 باسم "جولي أو هلويز الجديدة، رسائل عاشقين جمعها ونشرها ج.ج روسو". وصياغة الرواية في شكل رسائل كانت عادة قديمة، ولكن لعل الذي دعا روسو إلى التصميم عليها هو محاكاته رواية رتشاردسن "كلاريسا".

والقصة بعيد الاحتمال ولكنها نسيج وحدها. فجولي هي ابنة بارون ديتانج، وهي في السابعة عشرة أو نحوها. وتدعو أمها الشاب الوسيم سام-برو ليكون معلمها الخاص. ويقع أبيلار الجديد هذا في غرام هلويز الجديدة، كما كان يمكن أن تتوقعه أي أم في دنيا الواقع. ولا يلبث أن يرسل إلى تلميذته رسائل حب حددت اللحن لقرن من القصص الرومانسي:

"إني لأرتعد كلما تصافحت أيدينا، ولا أدري كيف يحدث هذا، ولكنها تتصافح دوماً. وإني أجفل حالما أحس لمسة إصبعك، وتأخذني حمى أو قولي حمى مصحوبة بهذيان بهذه المتع؛ وتتخلى عني حواسي شيئاً فشيئاً، فإذا خرجت هكذا عن طوري فماذا أستطيع أن أقول، أو أفعل، وأين أختبئ، وكيف أكون مسئولاً عن سلوكي؟"(56) ثم يقترح أن يرحل ولكنه يكتفي بالكلام دون الفعل:

"وداعاً إذن يا جولي المفرطة الفتنة...غداً سأكون رحلت إلى الأبد. ولكن ثقي أن غرامي العنيف الطاهر بكي لن ينتهي إلا بانتهاء حياتي، وأن قلبي المفعم بهذا المخلوق الملائكي، لن يهبط بنفسه إلى إفساح مكان فيه لحب ثانِ، وأنه سيوزع كل ولائه المستقبل بينك وبين العفة، وأنه لن يدنس لهيب آخر المذبح الذي عبدت عليه جولي(57).

وقد تبتسم جولي لهذا التعبد، ولكن فيها من الأنوثة ما يمنعها من إقصاء مثل هذا الكائن المبهج عن المديح. فتطلب إليه أن يؤجل قراره. فالاتصال الكهربائي بين الذكر والأنثى قد احدث بها على أي حال اضطراباً مماثلاً، وسرعان ما تعترف بأنها هي أيضاً قد أحست باللدغة الغامضة: "منذ أول يوم التقينا فيه تشربت السم الذي يسري الآن في حواسي وعقلي، شعرت به فوراً وعيناك، وعواطفك، وحديثك، وقلمك المذنب-كلها تزيد كل يوم أذاه(58)". ومع ذلك يتعهد بألا يطلب مطلباً أشد إثماً من قبلة "كوني عفيفة وإلا احتقرت، وسأكون جديراً بالاحترام وإلا عدت كما كنت، ذلك هو الأمل الوحيد الباقي لي، والذي يفضل الأمل في الموت". ويوافق سان-برو على أن يجمع بين الهذيان والعفة، ولكنه يعتقد أن هذا يتطلب معونة خارقة من السماء.

"أيتها القرى السماوية،...انفخي فيّ روحاً تطيق السعادة العظمى! أيها الحب الإلهي! يا روح وجودي، آواه، أسندي لأنني أوشكت على السقوط تحت وطأة الوجد!...آواه كيف احتمل سيل السعادة المتدفق الذي يفيض به قلبي؟ كيف أطرد هواجس عاشقة خائفة؟(59). وهكذا طوال 657 صفحة. فإذا بلغنا صفحة 91 قبلته. والكلمات تقصر عن وصف "حالي بعد ذلك بلحظة، حين شعرت-إذ ارتعشت يداي-برعدة رقيقة-وشفتاي المعطرتان-شفتا جولي حبيبتي-تضغطان شفتي، وأنا بين ذراعيها! وبأسرع من البرق انطلقت من كياني نار مباغتة(60). فإذا وصلنا الرسالة التاسعة والعشرين وجدنا أنه أغواها، أو أنها أغوته. ويهيم هو في عوالم من النشوة، ولكنها تحسب كل شيء قد ضاع. "إن لحظة غفلة واحدة قد أسلمتني إلى تعاسة أبدية. لقد سقطت في وهدة العار التي لا مخرج منها"(61).

وتموت أم جولي كمداً حين تعلم بأن بكارتها فضت. ويقسم البارون أن يقتل سان-برو، فيخرج هذا في رحلة بحرية حول الأرض. وتتزوج جولي فولمار، وهو روسي كريم المولد. متقدم السن، تكفيراً عن ذنبها وطاعة لأبيها، ولكنها تظل تراسل سان-برو خفية، وتشعر نحوه بعاطفة أقوى من حبها الواجب عليها لزوجها. ويدهشها أن تجد فولمار إنساناً طيباً، وفياً حريصاً على راحتها، منصفاً كريماً مع الجميع، وذلك رغم إلحاده.وفي رسالة كتبتها لسان-برو تؤكد له أن الرجل والمرأة قد يجدان الرضى في "زواج المصلحة" ولكنها لن تعرف السعادة الكاملة أبداً. فانحرافها قبل زواجها يثقل ذاكرتها وأخيراً تعترف لزوجها بلحظة الإثم تلك. ويقول أنه علم بها، وصمم على ألا يذكرها أبداً. ويخبرها أنه لم يكن إثماً قط. وتأكيداً لغفرانه لها يدعو سان-بور للحضور والإقامة مع الأسرة معلماً خاصاً لطفلهما، ويحضر سان-بو؛ ويؤكد لنا المؤلف أن الثلاثة يعيشون معاً في وفاق حتى يفرق بينهم الموت. ويغيب الزوج العجيب أياماً. وتخرج جولي وسان-برو للتجديف في بحيرة جنيف، ويعبران إلى سافوي، ويريها الصخور التي كتب عليها اسمها في منفاه، ويبكي؛ وتمسك بيده المرتعشة، ولكنهم يعودان بريئين من الإثم في كلارنس في إقليم فو(62).

ويعجبان كيف يمكن لفولمار أن يكون بهذه الطبيعة دون إيمان ديتي. ويفسر سان-برو هذه الظاهرة الشاذة، وهو كجولي بروتستنتي متمسك بدينه:

"إن فولمار الذي أقام في أقطار كاثوليكية رومانسية لم يغره ما خبره من إيمان أهلها. بأن يرى في المسيحية رأياً أفضل. فقد رأى أن مذهبه لا يتجه إلى لمصلحة كهنتهم، وهو يتألف بجملته من حركات مثيرة للسخرية ورطانة بألفاظ لا معنى لها. ولاحظ أن ذوي الفطرة السليمة والأمانة مجمعون على رأيه، وأنهم لا يتحرجون من الجهر برأيهم، لا بل أن القساوسة أنفسهم في الخفاء كانوا يهزؤون سراً بما يعلمون ويثبتون في الأذهان علانية، ومن ثم فكثيراً ما أكد لنا أنه بعد أن أنفق كثيراً من الوقت والجهد في البحث، لم يلتقِ قط بأكثر من ثلاث قساوسة يؤمنون بالله(63)". ويضيف روسو في حاشية، معاذ الله أن أوافق على هذه التأكيدات القاسية الطائشة! ومع ذلك يذهب فولمار بانتظام إلى الخدمات الدينية البروتستنتية مع جولي، بدافع من احترامه لها ولجيرانه. وترى جولي وسان-برو فيه "أغرب اللامعقول-إنساناً يفكر تفكير ملحد ويسلك مسلك مسيحي(64)".

وهو لا يستحق اللطمة الأخيرة، ذلك أن جولي تعهدت إلى فولمار وهي على وشك الموت بحمى أصابتها وهي تنقذ ابنها من الغرق-بخطاب غير مختوم يعلن لسان-برو أنه كان على الدوام حبها الوحيد. وفي وسعنا أن نفهم دوام ذلك الحب الأول ولكن لن نجزي طول وفاء زوجها وثقته بها بمثل هذا الرفض القاسي وهي على فرش الموت؟ أن هذا لا يكاد يتفق والنبل الذي أضفاه المؤلف على خلق جولي.

ومع ذاك فهي من أعظم اللوحات في القصص الحديث. وقد استلهمها روسو من محي ذكرياته الخاصة رغم أن (كلاريسا) وتشاردسن أوحت بها في أغلب الظن، الفتاتان اللتان قادا جواديهما عبر النهير في آنسي، والذكريات التي احتفظ بها في إعزاز لمدام دفاران حين كانت تبسط عليه حمايتها في سنوات صباه، ثم لمدام دودتو، التي أشعرته بفيض الحب حين وقفت سداً أمام شهوته، وبالطبع ليست جولي واحدة من هاتين المرأتين، ولعلها ليست أي امرأة التقي بها روسو طيلة حياته، بل مثالاً مخلقاً من أحلامه. وقد أفسد الصورة إصرار روسو على جعل شخوصه كلها تقريباً تتكلم كروسو، فجولي تزيدها الأمومة عمقاً تغدو حكيمة من الحكماء، فتطيل الحديث في كل شيء من التدبير المنزلي إلى الاتحاد الصوفي بالله. وهي تقول لابد أن نفحص صحة هذه الحجة، ولكن أي امرأة جديرة بالحب نزلت يوماً ما إلى مثل هذه التفاهة.

أما سان-برو فهو بالطبع أشبه الشخوص بروسو، حساس لكل مفاتن النساء، تواق للركوع عند أقدامهن التي يحلم بها، ويسكب عبارات الولاء والحب البليغة التي رددها في وحدته. ويصفه روسو بأنه لا يفتأ يأتي عملاً مجنوناً ثم يحاول أن يثوب إلى رشده(65). وسان-برو إنسان متزمت أشد التزمت بالقياس إلى لفليس الوغد السافر كما صوره وتشاردسن. وهو الآخر لابد أن ينطق بلسان روسو، فهو يصف باريس بأنها دوامة من الشرور-غنى فاحش، وفقر مدقع، وحكومة عاجزة، وهواء فاسد، وموسيقى رديئة، وأحاديث تافهة، وفلسفة باطلة، وانهيار كامل تقريباً للدين، والفضيلة، والزواج، وهو يردد مقال روسو الأول عن صلاح الإنسان الفطري وتأثيرات الحضارة المفسدة المحطة، ويهنئ جولي وفولمار على إثارهما حياة الريف الهادئة الصحية في كلارنس.

أما فولمار فأكثر الأشخاص أصالة في معرض روسو. فمن كان النموذج الذي حاكه المؤلف على غراره؟ لعله دولباخ، "الملحد اللطيف"، والبارون الفيلسوف، والمادي الفاضل، والزوج الوفي لزوجة واحد ومن بعدها لأختها. أو لعله سان-لامبير، الذي صدم روسو بتبشيره بالإلحاد، ولكنه صفح عنه لمغازلته خليلته. ويعترف روسو صراحة باستخدامه النماذج الأصلية الحية والذكريات الشخصية:

"إن قلبي المفعم بما وقع لي، والذي لم يزل جياشاً بالكثير من الانفعالات العنيفة، أضاف الشعور بآلامه إلى الأفكار التي أوحى إلي بعها التأمل...وعلى غير وعي مني وصفت المواقف التي كنت فيها آنئذ، ورسمت صوراً لجريم، ومدام ديينيه، ومدام دودتو، وسان-لامبير، ولشخصي(66)".

وخلال لوحات الأشخاص هذه عرض روسو جوانب فلسفته كلها تقريباً. فأعطانا صورة مثالية للزواج السعيد، ولضيعة تدار بكفاية، وعدالة، ورحمة؛ ولأطفال بيربون ليكونوا مزيجاً مثالياً من الحريو والطاعة، ومن ضبط النفس والذكاء. واستبق الحجج التي سيوردها في كتابه "إميل":أن يوجه التعليم أولاً لتربية البدن ليكون صحيحاً، ثم لتربية الخلق ليعود النظام الصارم، وبعد ذلك فقط لتربية الذهن ليعود الجدل العقلي. تقول جولي "إن السبيل الوحيد لجعل الأطفال طيعين ليس سبيل الجدل العقلي معهم، بل إقناعهم بأن الجدل العقلي فوق سنهم(67). وينبغي ألا نلجأ إطلاقاً للجدل العقلي، أو ألا يكون هناك أي تعليم عقلي، قبل سن البلوغ. وحرصت القصة حرصاً شديداً على مناقشة الدين. فترى إيمان جولي يغدو الأداة لخلاصها، وقد ألهمها الاحتفال الديني الذي قدس زواجها إحساساً بالتطهر والوفاء. ولكنه إيمان بروتستانتي خالص ذلك الذي يشيع في الكتاب. فسان-برو يسخر مما يبدو له من نفاق القساوسة الكاثوليك في باريس؛ ويندد فولمار بعزوبة الكهنة لأنها قناع يخفي وراءه الفجور، ويضيف روسو بشخصه هذه العبارة: "إن فرض العزوبة على جماعة كبيرة مثل قساوسة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ليس لمنعهم من أن يكون لهم زوجات، بقدر ما هو لأمرهم بأن يقنعوا بزوجات غيرهم من الرجال(68)". ويصرح روسو بهذه المناسبة بتأييده للتسامح الديني، ويبسطه حتى على الملحدين، "أن المؤمن الحقيقي لا يتعصب ولا يضطهد غيره. ولو كنت قاضياً؛ ولو قضى القانون بعقوبة الموت على الملحدين؛ لبدأت بحرق كل مبلغ يشي بإنسان آخر، لأنه هو نفسه ملحد(69)".

وكان للقصة تأثير بالغ في تنبيه أوربا لمفاتن الطبيعة وروائعها. ففي فولتير؛ وديدرو، ودالامبير، لم تشجع حمى الفلسفة وحياة الحضر الإحساس المرهف بجلال الجبال وجمال ألوان السماء. أما روسو فقد تميز بولادته في أحضان أروع مناظر أوربا وقعاً في النفوس. وكان قد مشى من جنيف متجولاً في سافوي عبر الألب إلى تورين، ومن تورين إلى فرنسا؛ واستمتع بمشاهد الريف وأصواته وعبيره؛ وأحس بكل شروق شمس كأنه انتصار الإله على الشر والشك. وقد تصور توافقاً صوفياً بين حالات مزاجه والمزاج المتغير للأرض والهواء؛ وعانقت نشوة حبه كل شجرة وزهرة، وكل ورقة عشب. وتسلق الألب إلى نصف ارتفاعها، ووجد نقاء في الهواء، خيل إليه أنه يطهر أفكاره ويجلوها. وقد وصف هذه التجارب بإحساس وحيوية جعلا من تسلق الجبال، ولا سيما في سويسرا، رياضة من أكبر رياضات أوربا.

ولم يحدث من قبل في الأدب الحديث أن ظفر الوجدان، والعاطفة المشبوبة، والحب الرومانسي، بمثل هذا العرض والدفاع المستفيضين البليغين. فلقد أعلن روسو، في تمرده على عبادة العقل من بوالو إلى فولتير، مكانة الوجدان العليا وحقه في أن يسمع في ترجمة الحياة وتقييم القصائد، وبرواية "هلويز الجديدة" أعلنت الحركة الرومانسية تحديها للعصر الكلاسيكي. وقد سبقتها بالطبع لحظات رومانسية حتى في عز الكلاسيكية، مثال ذلك أن أوتوريه دورفيه داعب الريفي في قصته "لاستريه" (1610-1627)، وأن الآنسة سكوديري أسهبت في وصف الغراميات في قصتها "أرطمين، أو قورش العظيم" (1649-1653)، كذلك زاوجت مدام دلا فييت في الحب والموت في قصتها "أمير كليف" (1678)، وأدخل راسين هذا الموضوع في مسرحيته "فيدر" (1677)، وهي قمة العصر الكلاسيكي، ونحن نذكر كيف ورث روسو الروايات الغرامية القديمة عن أمه، وقرأها مع أبيه. أما جبال الألب فإن البرشت فون هاللر كان قد تغنى بجلالها (1729)، كذلك تغنى جيمس طومسن بجمال الفصول ورهبتها (1726-1730). ولابد أن جان-جاك قرأ قصة بريفوست "مانون لسكو" (1731)، وأحاط علماً برواية رتشاردسن "كلاريسا" في ترجمة بريفوست (1747-1748) (لأنه كان يقرأ الإنجليزية بصعوبة). ومن قصة الإغواء تلك إلى ألفي صفحة (ولم تكتمل بعد) اقتبس شكل الرسائل في الرواية لصلاحيته للتحليل النفسي، وكما دبر رتشاردسن لكلاريسا نجية تدعى الآنسة هاو، كذلك دبر روسو لجولي نجية هي ابنة عمها كلير. ولاحظ روسو في غيظ أن ديدرو نشر تقريظاً حماسياً لرتشاردسن (1761) عقب نشر جولي، فحجب بذلك سناء قصته جولي.

ولا تقل رواية جولي عن كلارسيا أصالة ومآخذ، وهي تسمو عنها كثيراً في أسلوبها والروايتان غنيتان في شطحات الخيال مثقلتان بالمواعظ. ولكن فرنسا، التي تبرز العالم أسلوباً، لم ترَ قط اللغة الفرنسية تتخذ مثل هذا اللون، والحرارة، والنعومة، والإيقاع، فروسو لم يكن مجرد مبشر بالوجدان، وإنما كان يملكه، فكل ما يمسه مشرب بالحساسية والعاطفة. وقد نبتسم لنشواته ولكننا نجد أن ناره تدفئنا. وقد نكرر الخطب المقحمة ونمر بها مرور الكرام، ولكنا نمضي في القراءة، وبين الحين والحين تتجدد حياة القصة بمشهد شعر بع المؤلف شعوراً حاداً. كان فولتير يفكر بالآراء ويكتب بالأبجرامات، أما روسو فكان يبصر بالصور ويؤلف بالأحاسيس. ولم تكن عباراته ووقفاته بريئة من الصنعة، فقد اعترف بأنه كان يقلبها وهو في فراشه حين تقصي النوم عن جفنيه عاطفة الفنان المشبوبة(70). يقول كانت "لابد من أن أقرأ روسو إلى أن يكف جمال عباراته عن فتنتي، وعندها فقط أستطيع أن أفحصه في روية وتعقل(71)".

ولقيت جولي النجاح في أعين الجميع إلا الفلاسفة. فوصفها جريم بأنها تقليد هزيل لكلاريسا، وتنبأ بأن النسيان سيطويها سريعاً(72). وقال فولتير وهو يهدر غضباً (21 يناير 1761) لا تزدني حديثاً عن رواية جان-جاك من فضلك، فلدق قرأتها لشدة أسفي، ولشدة أسفه لو كان لدي من الوقت ما يتسع لإبداء رأيي في هذا الكتاب السخيف(73). وبعد شهر أفصح عن رأيه في كتابه "رسائل حول هلويز الجديدة" الذي نشر باسم مستعار. فنبه إلى الأخطاء اللغوية، ولم تبد منه أي إشارة تدل على تقديره لوصف روسو للطبيعة-وإن كان سيقلد جان-جاك بعد حين بتسلقه ربوة ليتعبد للشمس المشرقة. وتبينت باريس قلم فولتير، وحكمت بأن "الشيخ" عضته الغيرة بأنيابها.

وإذا ضربنا صفحاً عن هذه الوخزات، فأن روسو ابتهج بالاستقبال الذي ليقه أول عمل مطول له. يقول ميشليه "لم يعهد في تاريخ الأدب كله نجاح عظيم كهذا(74)". وظهرت الطبعة تلو الطبعة، ولكن المطبوع كان أقل كثيراً من الطلب ووقف الجمهور في طوابير أمام المكتبات لشراء الكتاب، وكان القراء الملهوفون يدفعون اثني عشر سواً في الساعة ليستعيروه، وقراء النهار يؤجرونه لغيرهم يقرؤونه في الليل(75). وروى روسو في اغتباط أن نبيلة طلبت مركبتها وقد تهيأت للذهاب إلى مرقص في الأوبرا، وشرعت تقرأ جولي خلال ذلك، وشوقتها القصة تشويقاً أغراها بالمضي فيها حتى الرابعة صباحاً بينما الخادمة والجياد في انتظارها(76). وقد عزا انتصاره إلى اللذة التي يجدها النساء في قراءة قصص الغرام، ولكن كان هناك أيضاً نساء مللن حياتهن خليلات، وتقن إلى أن يكن زوجات، وأن يكون لأطفالهن آباء. وتلقى روسو مئات الخطابات في نمورنسي يشكره فيها أصحابها على كتابه، وكثر عدد النساء اللائى عرضن عليه حبهن حتى انتهى به خياله إلى أنه "ما من امرأة في المجتمع الراقي لم أكن ألقى التوفيق في الاتصال بها لو حاولته(77)".

وكان من الطريف أن يكشف إنسان عن سريرته كشفاً كاملاً كما فعل روسو خلال سان-برو وجولي، وليس هناك أكثر طرافة وإمتاعاً من نفس إنسان تتجرد أمام الناظرين ولو تجريداً جزئياً أو لا شعورياً. تقول مدام دستال "هنا مزقت كل أقنعة القلب(78)". وبدأ الآن سلطان الأدب الذاتي، تلك السلسلة الطويلة الممتدة إلى زماننا، من إفشاءات الذات، من القلوب المحطمة في صفحات مطبوعة، من " النفوس الجميلة" التي تسبح في المأساة جهاراً نهاراً. وفشا بين الناس الإفصاح عن حرارة العاطفة، والإعراب عن الانفعال والشعور، لا في فرنسا وحدها بل في إنجلترا وألمانيا أيضاً. وبدأ يتلاشى الأسلوب الكلاسيكي، أسلوب ضبط النفس، والنظام، والعقل، والشكل، وأوشكت دولة "الفلاسفة" أن تدول. لقد أصبح القرن الثامن عشر بعد عام 1760 ملكاً لروسو(79).


العودة لپاريس: الهروب

عجيب أن يفلت من الرقيب كتاب يحوي ما حوى إميل من هجوم صريح على كل شيء إلا أسس المسيحية، وأن يطبع في فرنسا. ولكن الرقيب كان مالزيرب المتسامح العطوف. وقبل أن يأذن بالنشر حث روسو على أن يحذف فقرات من المؤكد أنها تدفع الكنيسة إلى العداء النشيط. ولكن روسو رفض. ولقد نجا زنادقة آخرون من الاضطهاد لأشخاصهم بالتخفي وراء أسماء مستعارة، أما روسو فقد ذكر أسمه بشجاعة على صفحات غلاف كتبه.

وبينما ندد جماعة الفلاسفة بإميل باعتباره خيانة أخرى للفلسفة، أدانه أحبار فرنسا وقضاة باريس وجنيف باعتباره مروقاً من المسيحية. وأعد رئيس أساقفة باريس، عدو الجنسنين، للنشر في أغسطس 1762 رسالة قوية تهاجم الكتاب. وكان برلمان باريس المناصر للجنسنين مشغولاً بطرد اليسوعيين، ولكنه أراد رغم ذلك أن يبدي غيرته على الكاثوليكية، وأتاح له ظهور إميل فرصة ليضرب ضربته دفاعاً عن الكنيسة. واقترح مجلس الدولة الذي كان يخوض حرباً مع البرلمان، ويكره أن يكون دونه غيرة على سلامة العقيدة، أن يلقي القبض على روسو. فلما نمى الخبر إلى أصدقاء روسو من النبلاء نصحوه بالرحيل فوراً من فرنسا. وفي 8 يونيو بعثت إليه مدام دكريكي رسالة تشي بانفعالها. قالت: لا ريب في أن أمراً صدر بالقبض عليك. فاستحلفك بالله أن تهرب...إن حرق كتابك لن يضيرك أما شخصك فلا يطيق السجن. فاستشر جيرانك(1).

أما الحيران فكانا مرشال ومرشالة لكسمبورج. وقد خشيا أن يتورطا في الأمر لو قبض على روسو(2)، فحثاه هو وأمير كونتي على الهروب إلى سويسرا، وأعطوه مبلغاً من المال وعربة لعبر بها الطريق الطويل من فرنسا إلى سويسرا. وأذعن روسو على مضض. وترك تريز في رعاية المرشالة. وبرح مونمورني في 9 يونيو. في ذلك اليوم حضر مرسوم بالقبض عليه ولكنه نُفذ ببطء رحيم، لأن الكثيرين من رجال الحكومة سرهم أن يتركوه يهرب. وفي ذلك اليوم ذاته قال الأستاذ أومير جولي دفلوري لبرلمان باريس وهو يلوح بنسخة من إميل:

"يبدو أن هذا العمل ألف لهدف واحد هو رد كل شيء إلى الدين الطبيعي، وتطوير ذلك النظام الإجرامي في خطة المؤلف لتربية تلميذه..."

وأنه ينظر إلى جميع الأديان على أنها تستوي في الخير، وعلى أنها كلها منبعثة من مناخ الناس، وحكومتهم وطبعهم..وأنه بناء على هذا يجرؤ على هدم صحة الكتاب المقدس والنبؤات، ويقينية المعجزات الواردة في الأسفار المقدسة. وعصمة الوحي، وسلطان الكنيسة..وهو يسخر من الدين المسيحي ويجدف عليه. ذلك الدين الذي هو وحده من صنع لله.

ومؤلف هذا الكتاب الذي جرؤ على وضع أسمه عليه يجب القبض عليه بأسرع ما يمكن. ومن الأهمية لمكان، أن تجعل العدالة-من المؤلف وأولئك الذين...شاركوا في طبع هذا الكتاب وتوزيعه-مثلاً وعبرة للناس بكل صرامة.

ومن ثم فقد أمر البرلمان:

بأن يمزق الكتاب المذكور ويحرق في فناء القصر (قصر العدالة) أسف السلم الكبير، بيد كبير الجلادين، وعلى كل الذي يملكون نسخاً من الكتاب أن يسلموها إلى المسجل لإبادتها، ومحظور على الناشرين طبع هذا الكتاب أو توزيعه، وسيقبض على جميع بائعيه وموزعيه ويعاقبون طبقاً لنص القانون الصارم، ويجب القبض على ج-ج روسو وزجه في سجن الكونسيرجري في قصر العدالة(3).

وفي 11 يونيو مزق وحرق إميل كما نص الأمر، ولكن روسو كان قد وصل إلى سويسرا. أمرت الحوذي أن يقف لحظة دخولي إقليم برن وخرجت من مركبتي، وخررت على وجهي، وقبلت الأرض وصحت في غمرة فرحي: "حمداً لك أيتها السماء، حامية الفضيلة، إنني ألمس أرضاً للحرية(4)".

ولم يكن مطمئناً كل الاطمئنان. فواصل ركوبه إلى إيفردون، قرب الطرف الجنوبي لبحيرة نوشاتل، في مقاطعة برن، وهناك مكث شهراً مع صديقه القديم روجان. أيبحث عن منزل في جنيف؟ ولكن في 19 يونيو أدان مجلس الخمسة والعشرين الذي يحكم جنيف كلاً من "لإميل" و العقد الاجتماعي" لأنهما خارجان على التقوى، فاضحان، وقحان، مفعمان بالتجاديف والافتراءات على الدين. وقد جمع المؤلف تحت ستار الشك كل ما من شأنه أن يضعف المقومات الرئيسية للدين المسيحي المنزل، ويهزها ويهدمها...ويتعاظم خطر الكتابين ووجوب شجبهما لأنهما مكتوبان بالفرنسية (لا باللاتينية التي لا تعرفها غير القلة) بأسلوب شديد الإغراء، منشوران باس مواطن جنيفي(5).

وعليه فقد أمر المجلس بحرق الكتابين، وحرم بيعهما، وأصدر مرسوماً بالقبض على روسو إذا دخل يوماً ما أرض الجمهورية. ولم يتعرض قساوسة جنيف على هذا التبرؤ من أشهر أبناء جنيف الأحياء. ولا ريب في أنهم شعروا بأن أي عطف يبدونه لمؤلف "إعلان بإيمان كاهن سافوى"، سيؤكد ما كشفه دالامبير عما يبطنونه من ميول للتوحيد، وانقلب عليه يعقوب فيرن الذي ظل صديقاً له سنين كثيرة، وطالب بأن يسحب روسو أقواله. يقول روسو وهو يذكر ذلك الموقف "لو سرت بين الجماهير أي شائعة عني لأضرت بي، وقد عاملني كل مروجي الإشاعات والمتفيقهين كأنني تلميذ مهدد بالجلد لأنه لم يحسن حفظ درسه الديني(6)".

وتأثر فلوتير من موقف غريمه، فلقد قرأ إميل، وتعليقاته ما زالت ترى على نسخته المحفوظة بمكتبة جنيف. وفي خطاب مؤرخ 15 يونيو كتب عن الكتاب "إنه خليط تهرف به مرضعة بلهاء في أربعة مجلدات بها أربعون صفحة ضد المسيحية من أجرأ ما عرفنا...وهو يقول في الفلاسفة من الأشياء المؤذية قدر ما يقوله في المسيح، ولكن الفلاسفة سيكونون أكثر تسامحاً من القساوسة(7). على أية حال أعجبه "إعلان الإيمان" فقال عنه خمسون صفحة كاملة، ولكنه أضاف "من المؤسف أن يكون كاتبها...وغداً كهذا(8). وكتب إلى مدام دودفان سأحب مؤلف كاهن سافوي، مهما فعل ومهما يفعل(9)..ولما سمع أن جاك طريد لا مأوى له صاح "فليأتِ إلى هنا (إلى قريته)..يجب أن يأتي. سأستقبله بذراعين مفتوحتين. سيكون هنا سيداً أكثر مني. سأعامله كأنه أبني(10)". وبعث بدعوته إلى خمسة عناوين مختلفة, ولابد أنها وصلت إلى أحدها، لأن روسو أعرب فيما بعد عن أسفه لأنه لم يرد عليها(11). وفي 1763 جدد فولتير الدعوة، فرفضها روسو، واتهم فولتير بأنه حرض مجلس الخمسة والعشرين على إدانة "العقد الاجتماعي" و "إميل"..ولكن فولتير أنكر التهمة، وبحق فيما يبدو.

وفي بواكير يوليو 1762 أخطر مجلس الشيوخ برن روسو بأنه لا يستطيع السماح بوجوده في إقليم برن، وأن عليه أن يرحل عنه في بحر خمسة عشر يوماً وإلا واجه السجن. وتلقى خلال ذلك خطاباً رقيقاً من دالامبير ينصحه بأن يحاول الإقامة في إمارة نوشاتل، وكانت تقع في قضاء فردريك الأكبر، ويحكمها إيرل ماريشال جورج كيث، الذي قال عنه دالامبير إنه سيستقبلك ويعاملك كما كان الآباء في العهد القديم يستقبلون ويعاملون الفضيلة المضطهدة(12). وتردد روسو، لأنه كان قد انتقد فردريك زاعماً أنه طاغية في ثياب فيلسوف(13). ومع ذلك قبل في 10 يوليو 1762 دعوة ابنة أخي روجان مدام دلاتور، بأن ينزل بيتاً تملكه. موتييه-ترافير، على خمسة عشر ميلاً جنوب شرقي مدينة نوشايل في بقعة سيصفها بوزويل بأنها وادٍ بري بديع تحيط به الجبال الشاهقة(14). وحوالي 11 يوليو تقدم جان-جاك بالتماس إلى الحاكم، وبما تميز به من تواضع وإباء. كتب إلى: (ملك بروسيا).

"لقد قلت فيك الكثير من السوء، وأغلب الظن أني قائل فيك المزيد منه؛ ولكنني أنا مطارد من فرنسا ومن جنيف، ومن مقاطعة برن، جئت ألتمس ملجأ وفي ولايتك...سيدي، لم أستحق منك فضلاً، ولا أطلب فضلاً، ولكنني أحسست بأن من واجبي أن أصرح لجلالتك بأنني في قبضتك، وأنني شئت أن أكون كذلك، ولجلالتك أن تتصرف معي كما تشاء".

وكتب فردريك إلى كيث في تاريخ غير مؤكد، وهو لم يفرغ بعد من حرب السنين السبع: "يجب أن ننقذ هذا الشقي المسكين. فذنبه الوحيد أن له آراء غريبة يحسبها سديدة، سأرسل إليك مائة كروان، فتفضل بإعطائه منها ما يحتاج إليه. وأظنه سيقبلها عيناً بأسهل مما يقبلها نقداً، ولولا أننا نخوض حرباً، ولولا أننا أفلسنا، لبنيت له كوخاً بحديقة حيث يستطيع العيش كما عاش في ظني آباؤنا الأولون....أظن أن روسو المسكين قد أختار المهنة الخطأ، فواضح أنه ولد ليكون ناسكاً مشهوراً،وأباً من آباء البرية يشتهر بنسكه وجلده لجسده. ختاماً أقول أن نقاء أخلاقيات صاحبك المتوحسن يعدل عدم منطقية عقله(15)".

أما المريشال، الذي يقول روسو إنه قديس بخيل، عجوز، شارد الذهن، فقد أرسل إليه الزاد والفحم والخشب، وأقترح أن يبني له بيتاً صغيراً. وفسر جان-جاك هذا العرض بأنه آتٍ من فردريك، فرفضه، "ولكن منذ تلك اللحظة تعلقت به تعلقاً صادقاً حتى أصبحت أهتم الآن بمجده قدر ما كنت أرى انتصاراته إلى ذلك الحين ظالمة(16). وفي أول نوفمبر، والحرب قاب قوسين من نهايتها، كتب إلى فردريك يصف مهام السلم: "مولاي:

أنت حامي وولي نعمتي، وأن لي لقلباً خلق ليعرف الجميل، وأريد أن أبرئ نفسي معك إن استطعت. تريد أن تعطيني الخبز، أفليس بين رعاياك من يعوزه الخبز؟ أبعد عن عيني ذلك السيف الذي يومض ويجرحني...أن سيرة الملوك الذين أوتوا همتك عظيمة، وأنت لا تزال بعيداً عن ساعة منيتك، ولكن الوقت كالسيف، وليس أمامك لحظة واحدة تضيعها. أو تستطيع أن تعتزم الموت دون أن تكون أعظم الرجال قاطبة.

ولو أتيح لي يوماً أن أرى فردريك العادل المرهوب يملأ بلاده في نهاية المطاف بشعب سعيد سيكون أباً له، إذن لذهب جان-جاك روسو عدو الملوك، ليموت فرحاً في أسفل عرشه(17)".

ولم يرد فردريك رداً وصل إلينا علمه، ولكن حين ذهب كيث إلى برلين أخبره الملك بأنه تلقى توبيخاً من روسو(18).

وحين خيل لجان-جاك أنه ضمن بيتاً يقيم فيه، أرسل إلى تريز لتلحق به. ولم يكن واثقاً من أنها ستأتي، لأنه أحس قبل ذلك بزمن طويل بفتور محبتها له، وعزا هذا إلى توقفه عن الاتصال الجنسي بها، لأن "الاتصال بالنساء كان يؤذي صحتي(19)". فلعلها الآن تؤثر باريس على سويسرا. ولكنها حضرت. وكان لقاء ذرفا فيه الدموع وتطلعا أخيراً إلى بضع سنين ينعمان فيها بالسلام.


روسو ورئيس الأساقفة

ولكن السنوات الأربع التالية كانت أشقى ما لقيا. ذلك أن قساوسة نوشاتل الكلفنين أدانوا روسو علانية بالهرطقة، وحظر القضاة بيع "إميل". واستأذن روسو راعي الكنيسة في موتيه في أن ينضم إلى شعب كنيسته، ربما ليهدئ ثائرة القساوسة، أو مدفوعاً برغبة صادقة في أتباع مبادئ كاهن سافوي، (أما تريز فظلت كاثوليكية)، فقبل واختلف إلى الكنيسة للصلاة، وتناول القربان "بعاطفة من القلب، وعيناي تملؤها دمع الحنان(20)". وأعطى الساخرين منه سلاحاً باتخاذ الزي الأرمني-قلنسوة من فراء، وقفطان، وحزام. وأتاح له الروب الطويل أن يستر آثار حصر البول الذي ابتلي به. وكان يختلف إلى الكنيسة في هذا الزي، وارتداه وهو يزور اللورد كيث، الذي لم يعلق عليه إلا بتحيته بعبارة (السلام عليكم). وواصل الإضافة إلى دخله بنسخ الموسيقى، ثم أضاف أليها الآن أشغال الإبرة، وتعلم صناعة الدنتلا. كنت أحمل كالنساء مخدتي في زياراتي، أو أجلس لأشتغل بالإبرة عند باب بيتي.. وأتاح لي هذا أن أنفق وقتي مع جاراتي دون أن أحي مللاً..(21).

وأغلب الظن أن الناشرين أقنعوه في هذه الفترة (أواخر 1762) بأن يبدأ كتابه "اعترافات" وكان قد أقسم أن يعتزل التأليف، ولكن هذا لن يكون تأليفاً بقدر ما هو دفاع عن خلقه وسلوكه ضد عالم من الخصوم، لا سيما ضد تهم جماعة الفلاسفة وشائعات الصالونات. أضف إلى ذلك أنه كان مضطراً إلى الرد على عدد كبير من مختلف الرسائل. وقدم له النساء على الأخص بخوراً معزباً من إعجابهم الشديد، لا لتعاطفهن فحسب مع المؤلف المطارد لرواية مشهورة، بل لأن نفوسهن كانت تهفو للرجوع إلى الدين، ولم يرين في "كاهن سافوي" وصانعه عدواً حقيقياً للدين، بل المدافع الشجاع ضد إلحاد يشيع الكآبة في النفوس. لمثل هؤلاء النساء ولرجال عديدين، غدا أب الاعتراف، ومرشداً للنفوس الضمائر. وقد نصحهم بأن يقيموا على دين شبابه أو يعودوا إليه، ضاربين صفحاً عن كل الصعوبات التي يوحي بها العلم الفلسفة. فتلك العجائب البعيدة التصديق ليست هي الجوهر، ولا ضير في تنحيتها في صمت، إنما العبرة بالإيمان بالله وبالخلود، فبهذا الأيمان والرجاء ستطيع الإنسان أن يتسامى فوق كل كوارث الطبيعة التي لا تفهم، وكل آلام الحياة وأحزانها. وطلب كاثوليكي شاب متمرد على دينه تعاطف روسو، فأجابه روسو ناسياً تمرداته ألا يهتم كثيراً بالتوافه العارضة. "لو أنني ولدت كاثوليكياً لظللت كاثوليكياً، علماً بأن كنيستك تضع قيداً صحيحاً على شطحات العقل الذي لا يجد قراراً ولا شاطئاً حين يريد سبر أعماق الأشياء السحيقة(22)". وأشار على جل طلاب الحكمة هؤلاء بالهروب من المدينة إلى الريف، ومن التكلف والتعقد إلى البساطة الطبيعية للحياة، والرضا الهادئ بالزواج والأبوة.

وأحبت النساء اللاتي صدمهن القساوسة المتعلقون بالحياة الدنيا ورؤساء الدين المتشككون، هذا المهرطق الزاهد الذي ندد به جميع الكنائس، وإن اقتصر هذا الحب على الرسائل. فقالت مدام دبلو، النبيلة المحترمة، لجماعة من النبلاء والنبيلات، "ما من شيء يمنع امرأة ذات حس مرهف صادق من تكريس حياتها لروسو إلا أسمى ضروب العفة، لو كانت واثقة من أنه سيحبها حباً حاراً(32). وحسبت مدام دلاتور بعض ما جاء في خطاباته لها من مجاملات اعترافاً بالحب، فاستجابت في رقة وحرارة وتدفق وبعثت إليه بصورتها، مؤكدة أنها لا تنصفها. وابتأست حين أجاب بهدوء رجل لم يرها قط(24). إلا أن معجبات أخريات تمنين لو قبلن الأرض التي يمشي عليها، وأقامت بعضهن مذابح له في قلوبهن، ودعاه بعضهن المسيح المولود من جديد. وكان يصدقهن أحياناً، ورأى في نفسه المؤسس المطلوب لدين جديد(25). وسط هذا التمجيد كله، أثار الشعب عليه كاهن أعلى من كهنة التمويل (الهيكل)-كأنما لتأكيد القياس-ليدينوه ثائراً خطراً. ففي 20 أغسطس 1762 أصدر كرستوف دبومون، رئيس أساقفة باريس، رسالة لجميع الكهنة في أسقفيته ليقرئوا على شعبهم، ويعلنوا على الملأ، اتهامه لإميل ذات التسع والعشرين صفحة. وكان رجلاً صارم العقيدة طاهر السمعة، حارب الجانسنيين والموسوعية والفلاسفة؛ وبدا له الآن أن روسو، بعدما ظهر من انفصاله عن الملحدين، صد أنظم إليهم في مهاجمة الإيمان الذي يرتكز عليه في رأي رئيس الأساقفة نظام فرنسا الاجتماعي كله وحياتها الأخلاقية بأسرها.

واستهل اتهامه بالاستشهاد لما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس:

"ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم..متعظمين، مستكبرين، مجدفين..غير طائعين لوالديهم متصلفين، محبين للذات، دون محبة الله...أناس فاسدة أذهانهم ومن وجهة الإيمان مرفوضون(26)". وهاهي قد جاءت تلك الأزمنة ما في ذلك شك:

"إن الكفر الذي تشجعه جميع الشهوات يلبس كل لبوس ليكيف نفسه على نحو ما وفق جميع الأعمار، والأشخاص والطبقات...فقد يستعير أسلوباً خفيفاً لطيفاً لعوباً، ومن هنا الحكايات الكثيرة التي تستوي بذاءة وزندقة (روايات فولتير)، وترفه عن الخيال لأنها غواية للعقل ومفسدة للقلب. وقد يدعي الرجوع إلى الأصول الأولى للمعرفة متظاهراً بعمق آرائه وسموها، ويزعم له سنداً إليها، لكي يخلع نيراً يقولون إنه يجلل البشر بالعار. وقد يعلوا صوته كأنه امرأة غضبى فيهاجم الغيرة الدينية، ومع ذلك يبشر بالتسامح الشامل بحماسة. وقد يمزج الجد بالهزل في جمعه بين هذه الأساليب الكلامية المختلفة، ويخلط الحكم بالفحش، والحقائق الكبيرة بالأخطاء الكبيرة، والإيمان بالتجديف، ويأخذ على عاتقه-باختصار-التوفيق بين النور والظلمة، وبين المسيح وبليعال"(27).

وقال رئيس الأساقفة أن هذه الطريقة لجأ إليها إميل بصفة خاصة، فهو كتاب حفل بلغة الفلسفة دون أن يكون فلسفة حقاً، وطفح بنتف من المعرفة لم تثر المؤلف، وكل ما تفعله أنها تربك قراءه لا محالة. أنه رجلٌ مولع بمفارقات الآراء والسلوك، يجمع بين بساطة العادات وخيلاء الفكر، بين الحكم القديمة وجنون التجديد؛ وبين احتجاب عزلته ورغبته في أن تعرفه الدنيا بأسرها. إنه يندد بالعلوم، ثم يصادقها. إنه يمتدح روعة الإنجيل، ثم يدمر تعاليمه. لقد أقام نفسه معلماً للنوع الإنساني ليخدعه، ومرشداً للشعب ليضل العالم، ونبياً للقرن ليهدمه، فيالها من مغامرة(28).

وهال رئيس الأساقفة ما أقترحه روسو من إغفال ذكر الله أو يدين لإميل حتى يبلغ الثانية عشرة أو حتى الثانية عشرة، فمعنى هذا أن "الطبيعة كلها تكون قد تحدثت عبثاً بعظمة الخالق..وأن كل تعليم خلقي سيفقد مساندة الإيمان الديني. ولكن الإنسان ليس بطبيعته خيراً كما زعم المؤلف. فهو يولد ملوثاُ بالخطيئة الأصلية، وهو يشارك في إفساد البشرية العام. والمعلم الحكيم-وخير المعلمين كاهن ترشده النعمة الإلهية-يتوسل بكل وسيلة سليمة ليغذي دوافع الخير في الناس، ويقتلع دوافع الشر، ومن ثم فهو يطعم الطفل بلبن الدين الروحي، لكي ينمو نحو الخلاص..وبهذا التعليم وحده يمكن أن يغدو الطفل عابداً مخلصاً للإله الحق ، وواحداً من رعايا الملك الأوفياء(29). وأن الكثير من الخطايا والجرائم ليظل باقياً حتى بعد هذا التعليم المجتهد، فما بالك بها إذا حرم الطفل منه. إن سيلاً عارماً من الشر يغرق في هذه الحالة(30)".

وقال رئيس الأساقفة في ختام كلامه إنه لهذه الأسباب:

"بعد استشارة عدة أشخاص عرفوا بورعهم وحكمتهم، وبعد التضرع لاسم الله القدوس، ندين هذا الكتاب لأنه يحوي تعليماً بغيضاً من شأنه أن يقلب القانون الطبيعي وأسس الدين المسيحي، وأن يرسي مبادئ تناقض تعليم الأناجيل الخلقي، وينحوا إلى تكدير سلام الدول. وتزعم الثورة على سلطان الملك، ولأنه يتضمن الكثير جداً من الدعاوى الباطلة المفترية المفعمة بالحقد على الكنيسة ورعاتها..لذلك نحظر صراحة على جميع الأشخاص في أسقفيتنا أن يقرؤوا الكتاب المذكور أو يقتنوه، وإلا وقعوا تحت طائلة العقاب(31)".

وطبع هذه الرسالة "بامتياز الملك" وسرعان ما وصلت إلى موتيه-ترافير. وقرر روسو أن يرد عليها، وهو الذي كان على الدوام مصمماً على الكف عن الكتابة. وقبل أن يضع قلمه (18 نوفمبر 1762) كان قد أطلق له العنان حتى بلغ الرد 128 صفحة، وطبع بأمستردام في مارس 1763، بهذا العنوان: "من جان-جاك روسو المواطن الجنيفي إلى كرستوف ديمومون رئيس أساقفة باريس". وسرعان ما أدانه برلمان باريس ومجمع جنيف. ورد روسو على الهجوم الذي شنه عليه مذهلا أوربا الكبيران بالهجوم عليهما جميعاً. وراح الرومانسي الخجول الذي نبذ من قبل جماعة الفلاسفة يكرر الآن حججهم بجرأة مستهترة.

وأستهل رده بسؤال ما زال يسأله جميع الخصوم بعضهم لبعض في هذا الجدل الذي لا ينتهي. "لم يتحتم عليّ أن أقول أي شيء لك يا صاحب النيافة؟ وأي لغة مشتركة يمكننا أن نتحدث بها، وكيف نستطيع أن يفهم الواحد منا الآخر(32)؟ وأبدى أسفه لأنه ألف كتاباً على الإطلاق، وهو لم يفل إلا حين بلغ الثامنة والثلاثين، وقد جره إلى هذه الغلطة أنه لاحظ مصادفة ذلك "السؤال التعس" الذي وجهته أكاديمية ديجون، ودفعه نقاد المقال إلى الرد عليهم، ثم أفضى كل جدل إلى جدل جديد...فألفيتني، إن جاز التعبير أغدو مؤلفاً في سن يهجر فيها المؤلفون التأليف عادة..ومنذ ذلك الحين إلى اليوم اختفت الراحة والأصدقاء(33)". وزعم أنه في حياته كلها كان:

"أكثر حماسة مني استفادة..ولكني كنت مخلصاً في كل شيء..بسيطاً طيعاً، وإن كنت مرهف الحس ضعيفاً أفعل الشر كثيراً وأحب الخير دائماً..أتبع عواطفي أكثر من مصالحي..أخشى الله دون أن أخشى الجحيم..أجادل في الدين ولكن دون إباحة. لا أحب الكفر ولا التعصب، ولكن أمقت المتعصبين أكثر مما أمقت الملحدين..وأعترف بأخطائي لأصدقائي وأعلن آرائي للعالم كله(34)".

وأحزنته إدانة الكاثوليك لإميل أقل مما أحزن إدانة الكلفنين. فهو الذي كان يعتز بلقبه "مواطناً جنيفياً" هرب من فرنسا أملاً في أن يتنفس في مسقط رأسه نسيم الحرية، وأن يجد من الترحيب ما يعزيه عما لقي من إذلال كثير. أما الآن "فمادا أقول؟ إن قلبي ينفلق؛ ويدي ترتعد، والقلم يسقط منها، وعليّ أن أصمت..ويجب أن أجتر في الخفاء أشد أحزاني مرارة(35). فها هو الرجل الذي اجترأ في قرن اشتهر بالفلسفة، والعقل والإنسانية، على أن يدافع عن قضية الله، هاهو قد وسم؛ وحرم وطورد من بلد إلى بلد، ومن ملجأ إلى ملجأ، دون اكتراث لفقره، ولا رحمة لأمراضه" ثم وجد ملاذاً آخر الأمر عند "ملك مستنير ذائع الصيت" وانزوى في قرية صغيرة رابضة بين جبال سويسرا، ظاناً أنه في النهاية، واجد العزلة والهدوء، ولكن طاردته حتى هناك لعنات الكهنة..أن رئيس الأساقفة هذا "الرجل الفاضل، النبيل النفس، الكريم المحتد"، كان ينبغي أن يوبخ هؤلاء المضطهدين، ولكنه بدلاً من هذا أصدر الأذن في غير خجل، "وهو الذي كان يجب أن يدافع عن قضية المظلومين(36).."

وأحس روسو أن أشد ما ساء رئيس الأساقفة هو تعليم روسو أن الناس يولدون أخيار، أو غير أشرار على الأقل، وقد أدرك بومون أنه لو كان هذا حقاً، ولو لم يكن الإنسان ملوثاً منذ مولده بوراثته خطيئة آدم وحواء، لسقط التعليم بكفارة المسيح، وهذا لتعليم لب العقيدة المسيحية. ورد روسو بأن تعليم الخطيئة الأصلية لم يذكر بوضوح في أي مكان من الكتاب المقدس. وقد أدرك أن رئيس الأساقفة قد صدمه الاقتراح بتحايل تعليم الدين، فرد بأن تربية الأطفال على أيدي الراهبات والقساوسة لم تقلل من الخطيئة أو الجريمة، فهؤلاء الأطفال بعد أن يكبروا يفقدون خوفهم من الجحيم، ويؤثرون لذة صغيرة حاضرة على الجنة التي وعدوا بها. ثم ما بال هؤلاء القساوسة أنفسهم-أتراهم نماذج للفضيلة في فرنسا المعاصرة(37)؟ ومع ذلك "فأنا مسيحي، مسيحي بإخلاص، طبقاً لتعليم الإنجيل، لا مسيحي متلمذ للقساوسة، بل تلميذ للمسيح". ثم أضاف روسو وعينيه على جنيف "إنني في سعادة بالولادة في أقدس وأعقل دين في الأرض، ما زلت متعلقاً تعلقاً لا انفصام فيه بأيمان آبائي. وأنا مثلهم أتخذ من الأسفار المقدسة والعقل القواعد الوحيدة بأيماني(38)..." وأحس بلوم من أخبروه بأنه "مع أن كل أصحاب العقول الذكية يفكرون كما تفكر، فأنه ليس من الخير أن يفكر العوام على هذا النحو".

"ذلك ما يتصايحون به عليّ من كل جانب، ولعله ما كنت نفسكَ قائله لي لو كنا وحيدين في مكتبك. هكذا الناس، فهم يغيرون لغتهم مع ملابسهم، ولا يقولون الحق إلا وهم في أروابهم، أما في ثيابهم التي يبدون فيها أمام الناس فلا يعرفون إلا أن يكذبوا. وهم ليسوا مخادعين غشاشين أمام وجوه البشر فحسب، بل إنهم لا يخجلون من أن يعقبوا كل من يأبون أن يكونوا غشاشين كذابين علانية مثلهم، مخالفين في ذلك ضمائرهم(39)".

وهذا الخلاف بين ما نؤمن به وما نبشر به هو سر الفساد في الحضارة العصرية. أن هناك تحيزات ينبغي أن نحترمها على ألا تحيل التربية إلى خداع هائل وتقوض الأساس الخلقي للمجتمع(40). فإذا أصبحت هذه التحيزات قتالة فهل نسكت على جرائمها؟

"لست أقول، ولا أرى، أن الدين الحسن لا وجود له...ولكن الذي أقول له....أنه ما من دين من الأديان التي سادت لم يثخن الإنسانية بالجراح. وكل المذاهب عذب بعضها بعضاً وكلها قدم لله قربان الدم البشري. وأياً كان مبعث هذه التناقضات فهي قائمة، فهل من الإجرام الرغبة غب إزالتها(41)؟".

وقبيل ختام رده دافع روسو عن إميل دفاع المحب المتيم بكتابه، وتسائل لم لم يقم لمؤلفه تمثال. "هبني ارتكبت بعض الأخطاء، لا بل كنت دائماً مخطئاً، أفلا شفاعة لكتاب يشعر المرء في كل جزء فيه-حتى في أغلاطه وحتى في الضرر الذي قد يكون فيه-بالحب الصادق للخير وبالغيرة على الحق؟..كتاب لا يشع غير السلام، واللطف، والصبر، وحب النظام، وطاعة القوانين في كل شيء، حتى في أمر الدين. كتاب تؤكد فيه قضية الدين تأكيداً رائعاً، وتحترم فيه مكارم الأخلاق احتراماً كبيراً....ويصور الشر فيه على أنه حماقة، والفضيلة على أنها شيء محبب للنفوس...أجل، إنني لا أخشى أن أقولها..فلو أن في أوربا حكومة وحدة مستنيرة حقاً .. لخلعت على مؤلف إميل أسباب التشريف العلنية، ولأقامت له تمثالاً...ولكن خبرتي الكبير بالبشر تمنعني من أن أتوقع تقديراً كهذا وأنا لم أعرفه معرفة تكفي لأن أتوقع ذلك الذي أتوه".

ولكنهم أقاموا له التماثيل.


روسو والكلفنيون

لم يبتهج بخطاب روسو الذي وجهه إلى كرستوف بومون غير بعض أحرار الفكر في فرنسا وبعض المتمردين السياسيين في سويسرا. وجاءت من البروتستنت معظم الردود "المفندة" لدعاوى روسو والموجه إلى المؤلف. ورأى قساوسة جنيف الكلفنيون في الخطاب هجوماً على المعجزات وتنزيل الكتاب المقدس، والإغضاء عن هذه الهرطقات معناه التمهيد من جديد للخطر الذي عرضهم له دالامبير. وغضب روسو من إحجام الأحرار الجنيفيين عن الجهر بالدفاع عنه، فأرسل (12 مايو 1763) إلى مجلس جنيف الكبير يتخلى عن مواطنته. وقد حضي عمله هذا ببعض التأييد المسموع في 18 يونيو رفع وفد إلى الرئيس الأول للجمهورية "احتجاجاً غاية في التواضع والاحترام من مواطني جنيف وسكان مدنها" شكا فيما شكا من مظالم، من أن الحكم الصادر على روسو غير قانوني، وأن مصادرة نسخ إميل من مكتبات جنيف كانت عدواناً على حقوق الملكية. ورفض مجلس الخمسة والعشرين الاحتجاج وفي سبتمبر أصدر المدعي العام، جان روبير ترونشان (أبن عم طبيب فولتير)، خطابات مكتوبة من الريف "للدفاع عن إجراءات المجلس المختلف عليها. وناشد "المحتجون" روسو الرد على ترونشاني. وإذ لم يكن بروسو أي نية في البعد عن الشر، فقد نشر (ديسمبر 1764) تسعة "خطابات مكتوبة من الجيل"-وهي رد من بيته الجبلي على أوليجاركية السهل الجنيفي. وكان ساخطاً أشد السخط على القساوسة والمجلس جميعاً، فهاجم الكلفنية كما هاجم الكاثوليكية، وأحرق بذلك معظم جسور من خلفه.

وقد وجه الخطابات من الناحية الشكلية لزعيم المحتجين. واستهلها بتناول الأذى الذي لحق به من جراء الإدانة المتعجلة لكتبه وشخصه، دون أن تتاح له أي فرصة للدفاع. واعترف بعيوب كتبه. "لقد وجدت أنا نفسي الأخطاء الكثيرة فيها. ولست أشك في أن غيري قد يرون فيها أخطاء أكثر وأنه ما زالت هناك أخطاء أخرى لم أدركها لا أنا ولا غيري...فبعد الاستماع إلى الطرفين سيحكم الجمهور..وسينجح الكتاب أو يسقط وتنتهي القضية عند هذا(43). ولكن أكان الكتاب مؤذياً؟ أيمكن أن يقرأ إنسان "هلويز الجديدة" "وإعلان إيمان كاهن سافوي" ثم يعتقد حقاً أن مؤلفها قصد هدم الدين؟ صحيح أن الكتابين حاولا تدمير الخرافة لأنه شر بلاء رزئت به البشرية، ولأنها محنة الحكماء وأداة الطغيان(44). ولكن ألم يؤكد ضرورة الدين؟ إن المؤلف يتهم بعدم إيمانه بالمسيح، وهو مؤمن بالمسيح ولكن بطريقة مختلفة عن طريقة متهميه. إننا نعترف بسلطان المسيح، لأن فكرنا يوافق على تعليمه ولأننا نجدها تعاليم سامية. ونحن نسلم بالوحي منبثقاً من روح الله، دون أن نعرف كيف..وإذ نقر بسلطان إلهي في الإنجيل، فإننا نؤمن بأن المسيح بشر بهذا السلطان، ونحن نقر بفضيلة في سلوكه تفوق فضيلة البشر، وبحكمة في تعاليمه تفوق حكمة البشر".

وأنكر الخطاب الثاني حق مجلس مدني في الحكم في قضايا الدين (ناسيا العقد الاجتماعي). وفي إدانة إميل انتهاك لمبدأ أساسي من مبادئ حركة الإصلاح البروتستنتي، وهو حق الفرد في أن يفسر الكتاب المقدس لنفسه(45).

"لو برهنت لي اليوم في مسائل الدين مضطراً للإذعان لقرارات غيري، فسأتحول إلى الكاثوليكية غداً(46)". وسلم روسو بأن دعاة الإصلاح البروتستنتي أصبحوا بدورهم مضطهدين للتفسير الفردي(47). ولكن هذا لا يبطل المبدأ الذي لولاه لكانت ثورة البروتستنت على السلطة البابوية ظالمة. واتهم القساوسة الكلفنيين (باستثناء راعي) بأنهم اعتنقوا روح الكاثوليكية المتعصب، ولو كانوا أوفياء لروح الإصلاح البروتستنتي لدافعوا عن حقه في نشر تفسيره الخاص للكتاب المقدس. وجاد الآن بكلمة ثناء على رأي دالامبير في قساوسة جنيف:

"أن أحد الفلاسفة يلقي عليهم نظرة عجلى، ثم يتغلغل إلى أعماقهم، فيريهم أنهم أريوسيون، سوسينيون، فيقول هذا، ويحسب أنه بهذا القول يشرفهم ولكنه لا يدرك أنه يعرض مصالحهم الدنيوية للخطر، وهو الأمر الوحيد الذي يقرر على العموم إيمان البشر في هذه الدنيا(48)".

وفي الخطاب الثالث تناول اتهامه برفض المعجزات. فنحن إن عرفنا المعجزة بأنها خرق لقوانين الطبيعة، فلن نستطيع أبداً أن نعرف هل الشيء معجزة أم غير معجزة، لأننا لا نعرف كل قوانين الطبيعة(49). فحتى في ذلك العصر كان كل يوم يشهد معجزة جديدة يحققها العلم، لا مخالفاً بذلك قوانين الطبيعة، بل بفضل معرفته بها معرفة أعظم.

كان الأنبياء في قديم الزمان يستنزلون النار من السماء بكلمتهم، أما اليوم فالأطفال يفعلون هذا بقطعة صغيرة من الزجاج (المشتعل). إن يشوع أوقف الشمس، وأي واضع للتقاويم يستطيع الوعد بمثل هذه النتيجة إذا حسب كسوف الشمس(50). وكما أن الأوربيين الذين يجرون عجائب كهذه بين الهمج يعدهم هؤلاء آلهة، فكذلك معجزات الماضي-حتى معجزات المسيح-ربما كانت نتائج طبيعية فسرتها الجماهير خطأ بأنها تعطيلات إلهية للقانون الطبيعي(51). ولعل لعازر الذي أقامه المسيح من بين الأموات لم يكن في حقيقة الأمر ميتاً. ثم، كيف أن تثبت معجزات معلم صدق تعليمه، إذ كان معلمو التعاليم المعتبرة عموماً تعاليم كاذبة قد أجروا معجزات قيل إنها أيضاً حقيقية، كما حدث حين بارى سحرة مصر هارون في تحويل هارون في تحويل العصي إلى حيات؟(52). أن المسيح حذر من "المسحاء الكذبة" الذين يعطون آيات عظيمة وعجائب(53).

كان روسو قد بدأ خطاباته بغرض مساعدة المحتجين من رجال الطبقة الوسطى، ولم يطلب توسيعاً لحق الانتخاب في اتجاه ديمقراطي، لا بل إنه في الخطاب الرابع يلتزم بالرأي بأن الأرستقراطية المنتخبة هي خير أشكال الحكم، وأكد لحكام جنيف أن المثل الأعلى الذي رسمه في "العد الاجتماعي" كان في صميمه متفقاً مع الدستور الجنيفي(54). ولكن في الخطاب السابع أخبر أصدقاءه من البرجوازية المحتجة أن الدستور لا يقر سيادة المواطنين ذوي الحقوق الانتخابية إلا خلال الانتخابات للمجلس العام ومؤتمره السنوي، أم في باقي السنة فالمواطنون مجردون من السلطة. وفي تلك الفترة الطويلة كلها يكون مجلس الخمسة والعشرين الصغير هو الحكم الأعلى في القوانين، وفي مصير جميع الأفراد تبعاً لذلك، والواقع أن المواطنين والبرجوازيين الذين يبدون أصحاب سيادة في المجلس العام، يصبحون بعد فضه عبيداً لسلطة استبدادية بغير دفاع لرحمة خمسة وعشرين مستبداً(56).

وكان هذا أقرب إلى الدعوة للثورة. ولكن روسو استنكر هذا الملجأ الأخير. ففي خطابه الأخير أثنى على البرجوازية باعتبارها أعقل طبقة في الدولة، وأكثرها حباً للسلام، محصورة بين طبقة أشراف غنية ظالمة، وجماهير متوحشة غبية(57). ولكنه نصح المحتجين بالصبر والمصابرة، وبأن يركنوا إلى العدالة والزمن لينصفاهم من مظالمهم.

وأغضبت "خطابات الجبل" هذه أعداء روسو وساءت أصدقاءه..وأفزعت هرطقاته القساوسة الجنيفيين، وزادهم فزعاً ادعاؤه أنهم يشاطرونه إياها. فأنقلب الآن عنف على القساوسة الكلفنيين ورماهم بأنهم "رعاع غشاشون، بطانة غبية، وذئاب مسعورة". "وأعرب عن إيثاره للكهنة الكاثوليك البسطاء في القرى والمدن الفرنسية(58). ولم يستعن "المحتجون" بالخطابات في حملتهم الناجحة لنيل المزيد من السلطة السياسية؛ واعتبروا روسو حليفاً خطراً لا يركن إليهم، فاعتزم ألا يشارك بعدها بأي نصيب في السياسة الجنيفية".


روسو وڤولتير

كان قد تساءل في الخطاب الخامس، لم لم يوحِ "المسيو فولتير" الذي "طالما زاره" أعضاء المجلس الجنيفيون، لهم "بروح التسامح تلك التي لا يني عن التبشير بها، والتي يحتاج هو إليها أحياناً؟ وأجرى على لسان فولتير حديثاً خيالياً(59) يحبذ فيه حرية الكلام للفلاسفة بحجة أن قلة لا تُذكر هي التي تقرأ لهم. وكان تقليده لأسلوب فولتير الخفيف الرشيق بارعاً. ولكنه صور حكيم فرنيه معترفاً بتأليفه لكتاب نشر حديثاً اسمه "عظة الخمسين" وكان فولتير أنكر أبوته غير مرة لأنه زخر بالهرطقات. ولا ندري أكان كشف روسو للسر متعمداً خبثاً؟ على أي حال هذا ما رآه فولتير، وحنق منه أشد الحنق، لأنه عرضه لإمكان طرده من فرنسا من جديد، في الوقت الذي كان مستقراً فيه في فرنية.

وصاح حين قرأ الخطاب الواشي "يا للمجرم! يا للوحش! كان يجب أن أضربه بالنبوت-نهم، سآمر بضربه بالنبوت في جباله عن ركبتي مربيته؛" وقال متفرج "أرجو أن تهدئ روعك، لأني أعلم أن روسو ينوي أن يزورك، وسيكون في فرنية قريباً جداً"..وصاح فولتير وقد بدت عليه نية الأذى "آه، فليأتِ فقط". "ولكن كيف ستستقبله؟".

"سأقدم له العشاء، وأعطيه فراشي، وأقول له هاك عشاء طيباً، وهاهو أفضل فراش في البيت؛ فتفضل بقبول الاثنين وانعم بالسعادة هنا(60)".

ولكن روسو لم يحضر. وثأر فولتير لنفسه بإصداره (31 ديسمبر1764) كتيباً بقلم مجهول، سماه "عواطف المواطنين" هو لطخة من أشد اللطخ التي تلوث خلقه ومهنته سواداً. ولا بد من نقل ما جاء به ليصدق القارئ:

"أننا نرثي للأحمق، ولكن حين تستحيل حماقته جنوناً فأننا نوثق رباطه. ذلك أن التسامح-وهو فضيلة-يصبح عنها رذيلة.....لقد غفرنا لهذا الرجل رواياته، التي آذى فيها اللياقة والحياء كما آذى المنطق السليم. وحين خلط الدين بقصصه، اضطر قضاتنا إلى محاكاة قضاة باريس....وبرن...واليوم ألا يفرغ الصبر حين ينشر كتاباً جدياً يعتدي فيه اعتداءاً مجنوناً على الدين المسيحي، وعلى الإصلاح البروتستنتي الذي يدعيه، وعلى كل خدام الإنجيل المقدس وكل هيئات الدولة؟-إنه يقول بجلاء، وبسمه صراحة، ليس في الإنجيل معجزات نستطيع أخذها حرفياً دون أن نطلق عقولنا...."

"أهو عالم يجادل العلماء؟ لا...بل رجل مازال يحمل آثار فجوره المخزية...ويجر معه من بلد إلى بلد، ومن جيل إلى جيل، المرأة التعسة التي كان سبباً في موت أمها، والتي ألقى بأطفالها على باب مستشفى...جاحداً كل مشاعر الطبيعة، كإنكاره لمشاعر الشرف والدين..."

"أيريد أن يطيح بدستورنا بتشويهه، كما يريد أن يطيح بالمسيحية التي يدعيها؟ يكفي أن ينذر بأن المدينة التي يزعجها تنكره......فإذا ظن أنها تمتشق الحسام (أي تقوم بثورة) بسبب (إدانة) إميل، فليضف هذه الفكرة إلى سخافاته وحماقاته..ولكن يجب أن يخبر بأننا إن ترفقنا في عقاب رواية فاجرة، فإننا سنقسو في عقاب خائن لئيم(61)".

وكان هذا الكلام فعلة مخزية لا يشفع لها غضب فولتير ولا أمراضه ولا شيخوخته، (وكان الآن في السبعين). لأعجب إذا كان روسو لم يصدق قط (وحتى في يومنا هذا لا نكاد نصدق) أن فولتير هو كاتبه، بل نسبه إلى القس الجنيفي فيرن، الذي أكد عبثاً أنه ليس كاتبه. وأذاع روسو في لحظة من أجمل لحظاته رداً على "العواطف" (يناير 1765):

"أريد أن أدلي ببساطة بالتصريح الذي يبدو أنه مطلوب مني بهذا المقال. فما من علة صغيرة أو كبيرة، كما يدعي المؤلف، قد لوثت قط جسدي. والعلة التي أصابتني ليس هناك أدنى شبه بينها وبين تلك المشار إليها فقد ولدت معي، ويعرف الذين رعوني في طفولتي، الباقون على قيد الحياة. وهي معروفة للسيدات مالوان، وموران، وتيري، وداران...فإذا وجدن في هذه العلة أقل أمارة من أمارات الفجور، فأني أرجوهن أن يلعنني ويفضحنني..والمرأة العاقلة التي يقدرها العالم، والتي تعنى بي في كوارثي..لا يشقيها إلا مشاطرتها لشقائي. أما أمها فهي في الواقع فياضة بالحياة، وفي صحة سابغة، رغم شيخوختها (فقد عمرت إلى الثالثة والتسعين). ولم ألق قط، ولا تسببت في إلقاء على باب مستشفى ولا في أي مكان آخر...ولن أزيد..اللهم إلا القول بأنني حين يحضرني الموت أؤثر أن أكون قد ارتكبت ما يتهمني به المؤلف، عن أن أكون كاتب كتيب كهذا..(62)"

ومع أن تسليم روسو أطفاله لملجأ للقطاء (لا إلقاءهم في العراء بالضبط) كان موضوعاً يعرفه المقربون في باريس (فقد اعترف به للمرشالة لكسمبورج)، فإن نشر فولتير كانت أول إفشاء علني لهذا السر. وخامر جان-جاك الظن في أن مدام ديينيه أفشته عند زيارتها لجنيف، واقتنع الآن بأنها هي وجريم وديدرو كانوا يأتمرون لتشويه سمعته. وقد هاجم جريم روسو في هذه الفترة غير مرة في "الرسائل الأدبية(63)". وفي خطابه المؤرخ 15 يناير 1765 في معرض الحديث عن "خطابات من الجبل" انظم إلى فولتير في اتهام روسو بالخيانة: "إن وجد في أي مكان على الأرض جريمة تدعى الخيانة العظمى، فهي ولا ريب في مهاجمة الدستور الأساسي لدولة بالأسلحة التي أستخدمها روسو ليطيح بدستور وطنه".

والشجار الطويل الذي نشب بين فولتير وروسو من أفجع اللطخ التي لوثت وجه حركة التنوير. لقد باعد بينهما مولدهما ومركزهما. ففولتير، ابن الموثق الموسر، تلقى تعليماً حسنناً، لا سيما في الدراسات القديمة؛ أما روسو المولود في أسرة فقيرة وشيكة التفكك، فلم يتلقَ أي تعليم نظامي، ولم يرث أي تقليد كلاسيكي، وقد قبل فولتير القواعد الأدبية التي وضعها بوالوا-"أحب العقل، ولتستقِ كل كتاباتك من العقل بهائها وقيمتها(64)". أما في رأي روسو (كما في رأي فاوست وهو يغوي مارجريت بروسو) فإن "الوجدان كل شيء(65)". وكان فولتير لا يقل عن جان-جاك حساسية وسرعة انفعال، ولكنه عادة كان يرى من سوء الأدب أن يترك الانفعال يشوه فنه، وقد اشتم في دعوة روسو للوجدان والغريزة لا عقلية فوضوية فردية تبدأ بالثورة وتنتهي بالدين. وقد شجب فولتير بسكال، أما روسو فردده كالصدى. وكان فولتير يعيش كما يعيش أصحاب الملايين، أما روسو فكان ينسخ الموسيقى ليكسب قوته. وكان فولتير خلاصة كل لطائف المجتمع، أما روسو فكان يشعر بالقلق في المجتمعات، وكان أقل صبراً وأضيق صدراً من أن تحتفظ بصداقة صديق. وكان فولتير أبن باريس، وربيب مرحها وترفها، أما روسو فكان طفل جنيف، برجوازياً مكتئباً، وبيورتانياً يكره تميز الطبقات الذي يجرحه، وألوان البذخ التي لا قدرة له على الاستمتاع بها، ودافع فولتير عن الترف لأنه يداول مال الأغنياء بتشغيل الفقراء، أما روسو فأدانه لأنه "يطعم مائة فقير في مدننا ويسبب هلاك مائة ألف في قرانا(66)" وذهب فولتير إلى أن آثام الحاضرة ترجحها فنونها وما توفره من أسباب الراحة، أما روسو فكان لا يشعر بالراحة في أي مكان، ويندد بكل شيء تقريباً. وأصغى المصلحون إلى فولتير، وأستمع الثوار إلى روسو.

إن هوراس وليلول حين قال إن "هذه الدنيا ملهاة لمن يفكروا، ومأساة لمن يشعرون(67)". أجمل في سطر واحد؛ على غير قصد منه؛ حياة أعظم عقلين من عقول القرن الثامن عشر تأثيراً في الناس.


بوزويل يلتقي بروسو

في رواية بوزويل لزيارات خمس قام به لجان-جاك في ديسمبر 1764 تصوير غاية في اللطف لروسو. فلقد أقسم ذلك المعجب الذي لا مهرب منه يميناً مغلظة (21 أكتوبر) أنه "لن يكلم ملحداً؛ ولن يتمتع بامرأة؛ قبل أن يلقى روسو(68)" وفي 3 ديسمبر شد رحاله من نوشاتل إلى موتييه-ترافير. وحين بلغ برو في منتصف الطريق وقف بنزل وسأل ابنة صاحبه ماذا تعرف عن فريسته. وكان جوابها مقلقاً:

"إن المسيو ورسو يحضر هنا كثيراً ويمكث أياماً مع مدبرة بيته؛ الآنسة ليفاسير. وهو رجل لطيف جداً؛ له وجه جميل؛ ولكنه لا يحب أن يأتي الناس ويحملقوا فيه كأنه رجل له رأسان. يا للسماء! أن فضول الناس لا يصدق؛ أن كثيرين؛ كثيرين يأتون ليروه؛ وكثيراً ما يرفض لقاءهم. إنه مريض، ويكره أن يزعجه أحد(69)".

ولكن بوزويل واصل رحلته بالطبع. وفي موتييه نزل بفندق القرية.

"وأعددت خطاباً لمسيو روسو أخبرته فيه أن سيداً أسكتلندياً عتيق الطراز في الرابعة والعشرين قدم بأمل لقائه. وأكدت له أنني جدير باحترامه...وفي خاتم خطابي بيت له أن لي قلباً وروحاً...والخطاب آية في بابه حقاً. وسأحتفظ به ما حييت برهاناً على أن في قدرة روحي أن تتسامى(70)".

وكان خطابه-الذي كتبه بالفرنسية-مزيجاً بارعاً من السذاجة المتعمدة والإعجاب الذي لا يرد:

"إن كتاباتك يا سيدي أذبلت قلبي. ورفعت روحي. وألهبت خيالي. صدقني سيبهجك أن تلتقي بي. إيه يا سان-برو العزيز! أيها المعلم المستنير! أي روسو البليغ المحبوب! يحدثني قلبي بأن صداقة شريفة حقاً ستولد اليوم..لدي الكثير الذي أحدثك به. ومع أنني لسن إلا شاباً فقد خبرت من ألوان الحياة ما سيدهشك...ولكني أتوسل إليك أن تلقاني وحدك...ولا أدري هلا أفضل أن ألقاك إطلاقاً من أن ألقاك أول مرة في صحبة. وأني مترقب ردك بفارغ الصبر(71).

وأرسل له روسو كلمة يقول إن في استطاعته الحضور إذا تعهد بأن تكون زيارته قصيرة. وذهب بوزويل "مرتدياً سترة وصدرية بدانتيللا مذهبة، وبنطلون ركوب من جلد الغزال، ومنتعلاً حذاءاً طويلاً. وفوق ذلك كله لبس معطفاً كبيراً من وبر الجمل الأخضر المبطن بفراء الثعلب". وفتحت تريز الباب "فتاة فرنسية قصيرة رشيقة أنيقة". وقادته صعداً إلى روسو-رجل ظريف أسمر اللون في زي الأرمن...وسألته عن صحته فقال: "مريض جداً ولكني طلقت الأطباء". وأعرب روسو عن إعجابه بفردريك وازدرائه للفرنسيين-"شعب جدير بالاحتقار، ولكنك ستجد نفوساً عظيمة في أسبانيا". بوزويل: " وفي جبال اسكتلندا". وقال روسو عن اللاهوتيين أنهم "سادة يقدمون تفسيراً جديداً لشيء من الأشياء ويتركونه مغلقاً على الإفهام كما كان". وناقشا أحوال كورسيكا، وقال روسو أنه قد طلب إليه أن يشرع لها قوانين، وبدأ بوزويل تحمسه الدائم لاستقلال كورسيكا. ثم صرفه روسو بعد قليل، قائلاً أنه يود التمشي منفرداً.

وفي 4 ديسمبر استأنف بوزويل الحصار. وتحدث معه روسو مليا، ثم صرفه: إنك "تزعجني. هذا طبعي ولا حيلة لي فيه". بوازيل: "أرفع الكلفة معي". روسو "أمضي". وصحبت تيريزا بوازوبل إلى الباب وقالت له "لقد عشت مع المسيو روسو اثنين وعشرين عاماً، ولن أتخلى عن مكاني لأكون ملكة فرنسا. وأنا أحاول الانتفاع النصيحة الطيبة التي يسديها إليّ. وإذا مات سأضطر إلى دخول الدير(71).

وطرق بوازيل الباب مرة أخرى في 5 ديسمبر. وتأوه روسو "يا سيدي العزيز، يؤسفني عجزي عن التحدث إليك كما أشتهي" بوزويل: بحي هذه الأعذار وأثار الحديث بقوله: لقد اعتنقت الكاثوليكية وأنوي الاختفاء في دير روسو يل للحماقة!..بوزويل: "أخبرني بحق أأنت مسيحي؟" وقرع روسو صدره وأجاب: "نعم إنني أعتز بأني مسيحي". بوزويل (الذي كان مصاباً بالاكتئاب) قل لي: هل تعاني من الاكتئاب؟ روسو: لقد ولدت هادئا، وليس بي ميل طبيعي للاكتئاب. لقد أصابتني به الكوارث التي حلت بي. بوزويل: ما رأيك في الأديار، والكفارات، والعلاجات التي من هذا النوع؟ روسو: كلها سخافات. بوزويل: هل لك يا سيدي أن تضطلع بإرشادي الروحي؟ روسو: لا أستطيع. بوزويل: سأعود. روسو: لا أعد بلقائك. إنني أعاني ألماً، إنني أحتاج إلى مبولة كل دقيقة(73).

في عصر ذلك اليوم، في بيت القرية كتب بوزويل في أربع عشرة صفحة مجملاً لحياتي وبعث به إلى روسو. وقد اعترف فيه بحادث زنا أتاه، وسأل روسو ألا يزال في إمكاني أن أجعل نفسي رجلاً؟ وعاد إلى نوشاتل، ولكنه كان بباب روسو مرة أخرى في 14 ديسمبر وأخبرته تريز أن سيدها مريض جداً، وأصر بوزويل، واستقبله روسو "ووجدته جالساً وهو في غاية الألم". روسو: لقد غلبتني العلل، وخيبات الأمل، والحزن. إنني أستعمل مجساً. كل إنسان يعتقد أن من واجبي أن أصغي له..عد في العصر. بوزويل: وكم تطول زيارتي؟ روسو: "ربع ساعة، لا أكثر. بوزويل: عشرين دقيقة. روسو: هيا انصرف. ولكنه لم يتمالك نفسه من الضحك.

وعاك بوزويل في الرابعة وهو يحلم بلويس الخامس عشر. "إن الأخلاق تبدو أي أمراً غير يقيني. فأنا مثلاً أحب أن يكون لي ثلاثون امرأة. ألا أستطيع أن أشبع تلك الرغبة؟ لا. ولكن انظر، لو كنت غنياً لاستطعت أن تتخذ عدداً من الفتيات، وأحبلهن، وبهذا يزداد النسل. ثم أعطيهن مهوراً، وأزوجهن لفلاحين طيبين سيسعدون جداً بالزواج منهن. وهكذا يصبحن زوجات في نفس السن التي كن يتزوجن فيها لو ظللن أبكاراً، وأكون أنا من ناحيتي قد أفدت بالاستمتاع بعدد كبير من مختلف النساء. فلما لم يقع من نفس روسو هذا الفرض الملكي، سأله "أخبرني من فضلك كيف أكفر عن الشر الذي ارتكبته؟" وأجاب روسو جواباً ذهبياً "ليس هناك تكفيراً عن الشر إلى الخير(74)". وطلب بوزويل إلى روسو أن يدعوه للغداء، وقال روسو "غداً" وعاد بوزويل إلى الفندق منتعشاً غاية الانتعاش.

وفي 15 ديسمبر تناول الطعام مع جان-جاك وتريز في المطبخ، وقد وجده نظيفاً مشرقاً. وكان روس رائق المزاج، ولم تبدُ عليه علامات الاضطراب العقلية التي ستظهر فيما بعد. وكان كلبه وقطعته على وفاق مع بعضهما البعض ومعه. "ووضع بعض الطعام على صينية خشبية، وجعل كلبه يرقص حوله وغنى روسو..لحناً مرحاً بصوت رخيم وذوق رفيع. وتحدث بوزويل في الدين.."أن الكنيسة الأنجليكانية أفضل المذاهب عندي. روسو: نعم، ولكنها ليست الإنجيل. ألا تحب القديس بولس؟ إنني أحترمه، ولكني أحسبه مسئولاً إلى حد ما عما في رأسك من اختلاط. لو عاش لكان قسيساً أنجليكانياً.

الآنسة ليفاسير: استلقى المسيو دفولتير يا سيدي؟ بوزويل: بكل تأكيد. ثم إلى روسو: أن المسيو دفولتير لا يحبك. روسو: أن المرء لا يحب من أذاهم أذى شديداً. أن حديثه ممتع جداً، لا بل إنه بفضل كتبه. وطال بوزويل المكث فوق ما تحتمله الضيافة، ولكن حين ودع "قبلني روسو مرات، وضمني بين ذراعيه بود رقيق". فلما وصل بوزويل إلى الفندق قالت ربته سيدي: أضنك كنت تبكي. ويضيف إنني أحتفظ بذكرى هذه الكلمات إطراءً صادقاً لإنسانيتي(75).


دستور لكورسيكا

بعد أن زار بوزويل فولتير في فرنيه، مضى في رحلته إلى إيطاليا ونابلي وكورسيكا، ربما بحث من روسو. وكانت كورسيكا بزعامة باسكالي دي باولي قد حررت نفسها من سيطرة جنوة (1755) ورحب روسو في "العقد الاجتماعي" من قبل بمولد الدولة الجديدة.

"ما زال في أوربا بلد واحد مفتوح للمشرع. إنه جزيرة كورسيكا. والبسالة والإصرار اللذان برهن بهما هذا الشعب الشجاع على قدرته على استرداد حريته والدفاع عنها يستحقان المعونة من إنسان حكيم يعلمهم كيف يحتفظون بها. ونفسي تحدثني بأن هذه الجزيرة الصغيرة سوف تدهش أوربا يوماً ما(76)". ولو أخذ رأي فولتير لرأى أن روسو آخر رجل في أوربا يصح دعوته للتشريع. ولكن الذي حدث أن جان-جاك تلقى في 31 أغسطس 1764 الخطاب الآتي من ماتيو بوتافوكو، المبعوث الكورسيكي لدى فرنسا:

"لقد ذكرت كورسيكا يا سيدي في "عقدك الاجتماعي" على نحو يتيه به وطننا. وهذا الثناء من قلم مخلص كل الإخلاص كقلمك...أوحى بالرغبة القوية في إنك يمكن أن تكون المشرع الحكيم الذي يعين الأمة على الحفاظ على الحريات التي اقتنتها بدم كثير. وإني أدرك بالطبع أن المهمة التي أجرؤ على الإلحاح عليك في الاضطلاع بها تحتاج إلى معرفة خاصة بالتفاصيل...ولكنك إن تفضلت أن تقبل المهمة فسأزودك بكل المعرفة الضرورية لإنارتك. وسيبذل المسيو باولي...قصاراه ليرسل إليك من كورسيكا كل المعلومات التي قد تحتاج إليها. ويشاطرني رغبتي هذا الزعيم المرموق، لا بل جميع إخواني المواطنين الذين أتيح لهم الإطلاع على أعمالك، ويشاركني مشاعر الاحترام التي تشعر بها أوربا كلها نحوك، والتي أنت أهل لها لأسباب كثيرة جداً(77)".

ورد روسو (15 أكتوبر 1764) بقبول المهمة، وطلب تزويده بالمعلومات عن طبيعة الشعب الكورسيكي، وتاريخه، ومشاكله. واعترف بأن العمل قد يكون "فوق طاقتي وإن لم يكن فوق تحمسي". ثم كتب إلى بوتافيوكو، في 26 مايو 1765 يقول: "غير إني أعدك أنه لن يكون لي اهتماماً فيما بقي لي من أجل غير نفسي وكورسيكا، وكل ما عدا ذلك من أمور سأقصيه عن أفكاري(78)". ثم عكف من فوره على وضع "مشروع دستور لكورسيكا".

واقترح روسو في مشروعه و"العقد الاجتماعي" في ذاكرته، أن يوقع كل مواطن على تعهد ملزم لا رجعة فيه بوضع نفسه-"جسدي وأملاكي وإرادتي، وكل قدراتي"-تحت تصرف الأمة الكورسيكية(79). وحيا "الكورسيكيين البواسل" الذين ظفروا باستقلالهم، ولكنه نبههم إلى أن فيهم رزائل كثيرة-كالكسل، وقطع الطريق، والعداوات، والوحشية-ومعظمها ناجم عن كراهيتهم لسادتهم الأجانب. وخير علاج لهذه الرذائل أن يعيشوا عيشة زراعية خالصة. وينبغي أن توفر القوانين كل إغراء للشعب ليلزم الأرض بدلاً من التجمع في المدن، فالزراعة تعين على الخلق الفردي والصحة القومية، أما التجارة بأنواعها والمالية فتفتح الأبواب لكل ضروب الغش والاحتيال، ويجب على الدولة ألا تشجعها. ويجب أن يكون السفر كله على الأقدام أو على ظهور الدواب، وأن يكافأ الزواج المبكر والأسرة الكبيرة؛ وأن تسقط المواطنة عن الرجال الذين يظلون عزاباً إلى الأربعين. ويجب خفض الملكة الخاصة وزيادة ملكية الدولة. "بودي أن أرى الدولة المالك الوحيد؛ ولا يصيب الفرد من الملكية المشتركة إلا بنسبة خدماته(80)"، وينبغي إلزام السكان بفلاحة أراضي الدولة إذا اقتضى الأمر، وأن تشرف الحكومة على التعليم كله، وعلى الآداب العامة كلها؛ وأن تشكل الحكومة نفسها على غرار الولايات السويسرية (الكنتونات).

وفي 1768 اشترت فرنسا كورسيكا من جنوه؛ وجردت عليها جيشاً؛ وعزلت باولي، وأخضعت الجزيرة للقانون الفرنسي. وكف روسو عن المضي في مشروعه؛ وندد بالغزوة الفرنسية لأنها انتهاك "لكل عدل؛ وإنسانية؛ وحق سياسي، وتفكير سليم(81)".

اللاجئ

ظل روسو عامين يحيا حياة متواضعة هادئة في موتييه؛ يقرأ؛ ويكتب ويرعى مرضه، ويعاني من إصابة بعرق النسا (أكتوبر 1764)؛ ويحتفي بالزوار الذين تجيزهم تريز بعد الفحص. وقد وصفه أحدهم وصف عارف بالجميل فقال:

"أنك لا تتصور أي سحر في الاجتماع به؛ ولا أي أدب صادق في سلوكه؛ ولا أي عمق في سلوكه؛ ولا أي عمق من الهدوء والبشاشة في حديثه. ألم تتوقع صورة مغايرة تماماً لهذه الصورة؛ وألم تصور لنفسك مخلوقاً غريب الأطوار؛ جاداً دائماً لا بل فظاً أحياناً؟ فيا لها من غلطة! إنه يجمع إلى سمات اللطف الكثيرة نظرة من نار؛ وعينين لم ير قط مثل لحيويتيهما. فإذ تناولت موضوعاً يهتم به، تكلمت عيناه، وشفتاه، ويداه-وكل ما فيه. وأنت تخطئ كل الخطأ أن تصورته إنساناً لا يكف عن التذمر. فهو على النقيض يضحك مع الضاحكين ويثرثر ويمزج مع الأطفال؛ ويسخر من مديرة منزله(82)".

ولكن القساوسة المحليين كانوا قد اكتشفوا ما في "إميل" و"خطابات الجبل" من هرطقات، ورأوها فضيحة أن يمضي هذا الوحش في تلويث سويسرا بوجوده فيها. ورغبة في تهدئة ثائرتهم عرض (10 مارس 1765) أن يتعهد، في وثيقة رسمية "بألا ينشر أبداً أي كتاب جديد في أي موضوع ديني، لا بل أن يتناوله عرضاً في أي كتاب جديد آخر...وأكثر من ذلك أنني سأظل شاهداً، بمشاعري وسلوكي، بالقيمة العظمى التي أعلقها على سعادة الاتحاد بالكنيسة(83)". واستدعاه مجمع كنيسة نوشاتل للمثول أمامه والرد على تهم الهرطقة الموجهة إليه، فالتمس إعفاءه: "يستحيل على رغم صدق نيتي أن أحتمل جلسة طويلة(84) وهو ما كان الحقيقة المؤلمة". وانقلب عليه راعي كنيسته، وندد به في مواعظ علنية متهماً إياه بأنه عدو المسيح(85). وألهبت هجمات القساوسة شعب أبرشياتهم، فراح بعض القرويين يحصبون روسو إذا خرج للتمشي. وقرب نصف ليلة 6-7 سبتمبر أيقظته هو وتريز حجارة تقذف على جدرانهما وتحطم نوافذهما. وأخترق حجر كبير الزجاج وسقط عند قدمه. واستدعى جار له-وكان موظفاً في القرية-بعض الحراس لإنقاذه، وتفرق الجمع، ولكن أصدقاء روسو الباقين في موتييه نصحوه بأن يبرح المدينة.

وأتته عدة عروض تقد له الملجأ "ولكني كنت متعلقاً بسويسرا تعلقاً منعني من أن أصمم على الرحيل عنها ما دام في استطاعتي العيش فيها(86)". وكان قد زار قبل عام "الأيل دسان-بيير"، الجزيرة الصغيرة الواقعة وسط بحيرة بيين، ولم يكن على الجزيرة سوى بيت واحد-هو بيت الوكيل، وخيل لروسو أن المكان بقعة مثالية لعاشق للعزلة يكرره الناس. وكان يقع في كانتون برن التي طردته قبل عامين، ولكنه تلقى تأكيدات غير رسمية بأن في استطاعته الانتقال إلى الجزيرة دون أن يغشى الاعتقال(87).

وهكذا، حوالي منتصف سبتمبر 1765؛ بعد ستة وعشرين شهراً في موتييه؛ ترك هو وتريز المنزل الذي أصبح عزيزاً عليهما وذهبا للإقامة مع أسرة الوكيل في مكان لا يتيح انعزاله "لا للجمهور ولا لرجال الكنيسة تكديره(88)". "وخيل إليه أنني سأكون في تلك الجزيرة أشد انعزالاً عن الناس....وأن البشر سيكونون أسرع نسياناً لي(89)". ورغبة في تغطية نفقاته أعطى الناشر دوبير حق نشر كل كتبه؛ "وجعلته مستودع جميع أوراقي؛ بشرط صريح هو ألا يستعملها إلا بعد موتي؛ لأن غاية أماني كانت أن أختم حياتي في هدوء؛ دون أن أفعل شيئاً يعيدني مرة أخرى إلى ذاكرة الجماهير(90)". وعرض عليه المرشال كيت معاشاً قدره ألف ومائتا جنيه؛ فوافق أن يأخذ نصفه. ودبر معاشاً آخر لتريز واستقر معها على الجزيرة وهو لا يتوقع من الحياة شيئاً آخر. وكان الآن في سنته الثالثة الخمسين.

وبعد ثلاثة عشر عاماً- في آخر سنة من عمره-ألف كتاباً من أروع كتبه اسمه "أحلام متجول وحيد" وصف في بلاغة مخففة معيشته على جزيرة سان-بيير "كانت أول وأهم متعة أتوق إلى تذوقها بكل حلاوتها هي حياة الدعة اللذيذة(91)". وقد رأينا في غير هذا الموضع مبلغ إعجابه بلينايوس؛ أما الآن، وفي بيده أحد كتب عالم نبات سويدي؛ فقد بدأ يعدد ويدرس النباتات التي وجدها على ملكه الصغير. أو كان إذ صحى الجو يفعل كما يفعل تورو على بركة فولدن:

"كنت أرتمي وحيداً في زورق أجدف به إلى وسط البحيرة حين يكون الماء هادئاً. هناك؛ وأنا ممدد بطولي كله في الزورق؛ وعيناي إلى السماء كنت أترك نفسي للماء يحملني هوناً كما يشاء؛ ساعات عدة أحياناً، وأنا غارق في مئات الأحلام المبهجة(92)".

ولكن راحته لم تطل حتى على هذه المياه. ذلك أن مجلس شيوخ برن أمره في 17 أكتوبر 1765 بأن يرحل عن الجزيرة والمقاطعة خلال خمسة عشر يوماً. وغلبته الحيرة والهزيمة "فالتدابير التي كنت فد اتخذتها تأميناً لموافقة الحكومة الضمنية، والهدوء الذي تركت فيه لأستقر، وزيارات العديدين من أهل برن لي"، كل هذا حدا به إلى الاعتقاد بأنه الآن في مأمن من الإزعاج والمطاردة. والتمس من مجلس الشيوخ شيئاً من التفسير والتأجيل، واقترح بديلاً يائساً لحكم النفي:

"لست أرى لي غير سبيل واحد، ومهما بدا رهيباً، فإني سأتخذه لا دون نفور فحسب، بل برغبة شديدة إذا تفضل أصحاب السعادة بالموافقة. وذلك إنني إن طاب لهم سأقضي ما بقي لي من أجل سجيناً في إحدى قلاعهم، أو في أي مكان آخر في ضياعهم يرون اختياره. وسأعيش فيه على نفقتي، وسأقدم ضماناً بألا أكلفهم أي نفقة. وأقبل ألا أحمل ورقاً أو قلماً، أو أكون على اتصال بأي إنسان في الخارج. فقد سمحوا لي، وع بعض الكتب، بالاحتفاظ بحرية المشي بين الحين والحين في حديقة، وسيرضيني هذا. أكان ذلك إيذاناً بانهيار عقله؟ إنه يؤكد لنا عكس هذا:

"لا تظنوا أن وسيلة تبدو بهذا العنف هي ثمرة اليأس. فعقلي في تمام الهدوء في هذه اللحظة. وقد ترويت في اتخاذ قراري، ولم انتهِ إليه إلا بعد تفكير عميق. وأرجو أن تلاحظوا أنه إذا بدا هذا قراراً شاذاً فإن وضعي أكثر شذوذاً. فالحياة المضطربة التي أكرهت على أن أحياها سنوات عديدة دون انقطاع، خليقة بتعذيب رجل موفور العافية، فما بالكم بعليل تعس براه التعب وسوء الحظ، ولم يعد له الآن من أمنية إلا أن يموت في هدوء وسلام(93)".

وكان رد برن أن أمرته بالرحيل عن الجزيرة وعن كل إقليم برن خلال أربع وعشرين ساعة(94). فإلى أين يمضي؟ كان لديه دعوات إلى بوتسدام من فردريك، وإلى كورسيكا من باولي، وإلى اللورين من سان-لامبير، وإلى أمستردام من ناشره ري، وإلى إنجلترا من ديفد هيوم. ففي 22 أكتوبر كتب إليه هيوم الذي كان يومها سكرتيراً للسفارة البريطانية في باريس يقول:

"أن محنك العجيبة التي لم يسمع بمثلها، فضلاً عن فضيلتك وعبقريتك لا بد أن تثير عواطف كل إنسان فينحاز إليك، ولكني أعلل نفسي بأنك واجد في إنجلترا أماناً مطلقاً من كل اضطهاد، لا بفض ما تمتاز به قوانيننا من روح سمحة فحسب، بل بفضل الاحترام الذي يكنه كل الناس هناك لشخصيتك(95)". وفي 26 أكتوبر غادر روسو جزيرة سان-بيير ورتب أن تظل تريز حيناً في سويسرا، ورحل هو إلى ستراسبورج، ومكث فيها شهراً كاملاً دون أن يستقر على رأي. وأخيراً قرر أن يقبل دعوة هيوم إلى إنجلترا، ومنحته الحكومة الفرنسية جوازاً بالحضور إلى باريس. هناك التقى به هيوم أول لقاء، وما لبث أن شغف به، وتحدثت باريس كلها عن عودة للنفي. وكتب هيوم يقول "محال وصف أو تصور تحمس هذه الأمور لروسو...فلم يظفر شخص قط بما ظفر به من اهتمام القوم...لقد حجب بهاء فولتير وسواه حجباً تاماً(96)".

ولكن الصدقة الوليدة أصيبت بصدع في المهد ومن العسير هنا أن نحدد الحقائق بدقة أو نرويها دون تحيز. ففي أول يناير 1766 أرسل جريم إلى قرائه التقرير الآتي:

دخل جان-جاك روسو باريس في 17 ديسمبر. وفي الغد تمشي في حدائق لوكسمبورج وهو يرتدي زيه الأرمني، وإذ لم ينبه أحد إلى الأمر فأن أحداً لم ينتفع بالمشهد. وقد أسكنه الأمير كونتي في التامبل حيث يعقد الأرمني المذكور بلاطه كل يوم. كذلك يتمشى يومياً في ساعة معينة في الشوارع الكبيرة القريبة من مسكنه . وهاهو ذا خطاب تداولته الأيدي في باريس خلال مكثه هنا، وقد لقي نجاحاً كبيراً(98)". وهنا نقل جريم خطاباً زعم أن روسو تلقاه من فردريك الأكبر. وكان قد زيفه على روسو هوراس والبول. ولندع والبلول نفسه يتحدث عنه في خطاب له إلى هوراس كونواي في 12 يناير 1766.

"أن الفضل في شهرتي الراهنة لتأليف تافه جداً، ولكنه أثار ضجة لا تصدق. ذلك إنني كنت ذات مساء في بيت مدام جوفران أسخر من ادعاءات روسو وتناقضاته، وقلت أشياء أضحكتهم. فلما عدت إلى البيت دونتها في خطاب، وأريته في الغد لهلفتيوس ودوق نفرنوا، وقد سرا به كثيراً حتى إنهما، بعد الإشارة على بعض الأخطاء اللغوية....شجعاني على إطلاع الناس عليه. وأنا كما تعلم يطيب لي أن أهزأ بالدجالين سواء السياسيين منهم أو الأدباء مهما عظم قدر مواهبهم، لذلك لم أنكر الفكرة. وسرت النسخ مسرى النار، وهاأنذا "أصبحت موضة Et Me Voici( la mode ...وإليك الخطاب (وهو مترجم حرفياً عن فرنسية وليلول): ملك بروسيا إلى مسيو روسو عزيزي جان-جاك

لقد لفظت جنيف وطنك، لقد جعلتهم يطاردونك من سويسرا، البلد الذي أطريته كثيراً في كتاباتك، وقد أصدرت فرنسا أمراً باعتقالك. فتعال إليّ إذن، فأنا معجب بمواهبك، وتمتعني أحلامك، وهي (بهذه المناسبة) تشغلك فوق ما ينبغي وأطول مما ينبغي. وعليك أن تكون في النهاية حكيماً وسعيداً. لقد أثرت ما يكفي من الأقاويل بسبب غرائب لا تليق برجل عظيم بحق. فأثبت لخصومك أن في استطاعتك أحياناً أن تكون معقولاً، فمن شأن هذا أن يغيظهم دون أن يؤذيك. إن بلادي تقدم لك معتكفاً هادئاً، وإنني أرجو لك الخير، وأحب أن أساعدك إذا استطعت أن تستطيب مقامك. أما إذا واصلت رفض معونتي، فتأكد أنني لن أخبر أحداً بالأمر. وإذا أصررت على إجهاد نفسك لتجد نكبات جديدة، فاختر ما يحلو لك منها، فأنا ملك، وفي استطاعتي أن أحصل لك منها على ما يلبي رغباتك، وسأكف عن اضطهادك حين تكف عن أن تجد فخرك في أن تضطهد-وهو بالتأكيد ما لن يحدث لك أبداً بين خصومك.

صديقك المخلص فردريك(69)

أما ولبول فلم يحدث له أن التقى بروسو قط. ولم يجد عقله الرفيع الثقافة، وثراؤه الموروث معنى في كاتبات روسو. وقد عرف عيوب روسو وحماقته من حفلات عشاء مدام جوفران، حيث كان يلتقي ديدرو وجريم. وأغلب الظن أنه لم يدرك أن روسو الحساس إلى درجة العصاب، قد دفعته إلى مشارف الانهيار العقلي سلسلة من المجادلات الضيقات. ولو كان وليول على علم بهذا حقاً لكانت دعابته قاسية شائنة. على أننا ينبغي أن نضيف أنه حين طلب هيوم رأيه في إيجاد معتكف لروسو في إنجلترا، تعهد وليول بأن يمد الطريد بكل ضروب المعونة(100).

أكان هيوم على علم بهذا الخطاب؟ يبدو أنه كان موجوداً ببيت مدام جوفران حين لفق أول الأمر، وقد اتهم بأنه "شارك" في تحريره(101). وقد كتب إلى المركيزة دباربنتان في 16 فبراير 1766:

"إن الدعابة الوحيدة التي سمحت بها لنفسي في أمر خطاب ملك بروسيا المزعوم كانت على مائدة عشاء اللورد أو سوري(102)". وفي 3 يناير 1766 قام هيوم بزيارة وداع لضيوف البارون دولباخ وأخبرهم بآماله في إنقاذ "الرجل القصير القامة" من الاضطهاد وتوفير أسباب السعادة له في إنجلترا. أما دولباخ فتشكك قائلاً يؤسفني أن أبدد الآمال والأوهام التي تخدعك، ولكني أقول لك أنه لن يمضي طويل زمن حتى ينقشع عنك الوهم بصورة محزنة. إنك لا تعرف صاحبك، وأصارحك بأنك تحتضن ثعباناً في صدرك(103)".

وفي صباح الغد غادر باريس إلى كاليه في مركبتي أجرة هيوم وروسو مع جان-جاك دلوز وسلطان كلب روسو. ودفع روسو نفقاته بعد أن رفض عروض هيوم ومدام دبوفليه، ومدام دفرديلان بمده بالمال. فلما بلغوا دوفر (10 يناير) عانق هيوم، وشكره لأنه أتى به إلى بلد تسوده الحرية.


في بريطانيا (1766-67)

وصلوا إلى لندن في 13 يناير 1766 ولاحظ المارة زي روسو-قلنسوته الفراء، وروبه الأرجواني، وحزامه، وأوضح لهيوم أنه يشكو مرضاً يجعل سراويل الركوب القصيرة غير مريحة له(104). واقنع هيوم صديقه كوفواي بأن يقترح معاشاً للغريب الكبير، ووافق جورج الثالث على منحه مائة جنيه في العام، وأبدى رغبة في أن يلقي عليه نظرة سريعة بصفة غير رسمية. وحجز جاريك لروسو وهيوم مقصورة في المسرح دروري لين في مواجهة المقصورة الملكية في ليلة تقرر فيها حضور الملك والملكة. ولكن حين زار هيوم روسو لقي عنتاً شديداً في إقناعه بأن يترك كلبه الذي مزق نباحه بسبب حبسه قلب الغريب المنفي. وأخيراً "احتويت روسو بين ذراعي و....حملته على المسير في شيء من الإكراه(105)". وبعد الحفل دعا جاريك روسو إلى عشاء لتكريمه وهنأه روسو على تمثيله: "سيدي، لقد جعلتني أذرف الدموع على مأساتك، وابتسم لملهاتك، مع أنني لم أكد أفهم كلمة من لغتك".

وإلى هنا كان هيوم على الجملة مسروراً غاية السرور بضيفه. وكتب إلى مدام دباربنتان بعد وصوله إلى لندن بقليل يقول:

سألتني رأيي في جان-جاك روسو. وأني بعد أن راقبته في جميع النواحي....أصرح بأنني لم أعرف رجلاً أكثر منه لطفاً ولا أكرم خلقاً. فهو رقيق، متواضع، ودود، نزيه، مرهف الحس، فإذا بحثت عن عيوب فيه لم أجد سوى قلة صبر مفرطة، وميل لاحتضان شبهات ظالمة في خير أصدقائه...أما عن نفسي فبودي لو أمضيت حياتي في صحبته دون أن يكدر علاقتنا مكدر. أن في سلوكه بساطة عجيبة. وهو في الأمور العادية طفل بمعنى الكلمة. وهذا من شأنه أن يسهل...لمن يعيشون معه أن يسوسوه(106)".

ثم يقول: "إن له قلباً حاراً ممتازاً، وفي الحديث كثيراً ما تشتد حماسته إلى ما يشبه الإلهام. وإني أحبه حباً جماً وأرجو أن يكون لي في وده نصيب...لقد تنبأ لي فلاسفة باريس إنني لت أستطيع اصطحابه إلى كاليه دون شجار، ولكني أحسبني قادراً على العيش معه طوال حياتي في صداقة وتقدير متبادلين. وأعتقد إن من أكبر أسباب انسجامنا أن كلينا لا يحب الجدل، وهذا ليس حالهم. ويسؤهم منه أيضاً ظنهم إنه مغال في الدين؛ ومن الغريب حقاً أن يكون فيلسوف هذا الجيل، الذي لقي أشد اضطهاد أكثرهم تديناً(107)...أن به شوقاً إلى الكتاب المقدس، وهو في الحق أفضل من المسيحيين قليلاً(108)".

على أنه كان هناك صعوبات. ففي لندن، كما في باريس، توافد النبلاء والنبيلات، والمؤلفين والنواب على بيت السيدة آدمز في شارع بكنجهام، حيث أسكن هيوم روسو. وسرعان ما ضاق بهذه المجاملات، ورجا هيوم أن يجد له بيتاً بعيداً عن لندن. وجاء عرض بالعناية به في دير ولزي، فأراد أن يقبله، ولكن هيوم أقنعه بأن يسكن مع بدال في تشيزيك على التيمز على ستة أميال من لندن..فانتقل إلى هذا المنزل روسو وسلطان في 18 يناير وأرسل الآن في طلب تريز، وأزعج مضيفه وهيوم بإصراره على وجوب السماح لها بالجلوس إلى المائدة معه. وشكا هيوم في خطاب إلى مدام دبوفليه.

"إن مسيو دلوز..يقول أن الناس يرونها شريرة محبة للشجار والثرثرة، ويظنون أنها أهم سبب في رحيله عن نوشاتيل (موتييه). وهو نفسه تعترف أنها من الغباء بحيث لا تعرف في أي سنة ميلادية نحن ولا في أي شهر من السنة، ولا في أي يوم من الشهر أو الأسبوع، وأنها لا تستطيع أن تتعلم أبداً القيم المختلفة للعملة في أي بلد. ومع ذلك فهي تحكمه حكماً مطلقاً كما تحكم المربية طفلاً. وقد اكتسب كلبه هذه السيادة في غيابها، فحبه لهذا المخلوق يفوق كل تعبير أو تصور(109).

ووصلت تريز خلال ذلك إلى باريس فاستقبلها بوزويل وتطوع باصطحابها إلى إنجلترا. وفي 12 فبراير كتب هيوم إلى مدام دبوفليه يقول "جاءني خطاب فهمت منه أن الآنسة مسافرة على جناح السرعة في صحبة صديق لي، وهو شاب في غاية الطيبة، وفي غاية اللطف، وفي غاية الجنون..وبه من الولع بالأدب ما يجعلني أتوجس من حدث مؤذ لشرف صديقنا(110). وقد ادعى بوزويل أنه برر هذا الإحساس السابق. وقد جاء في صفحات في يوميته، تالفة الآن(111)، أنه شارك تريز فرشها في نزل ثاني ليلة بعد رحيلها عن باريس. ثم ليالي عديدة بعدها. ووصلا إلى دوفر باكراً في 11 فبراير. وتقول اليومية: "الأربعاء 12 فبراير. ذهبت صباح أمس إلى الفراش مبكراً جداً، وفعلتها مرة، والجملة ثلاث عشرة. كنت في الحق محباً لها. وفي الثانية بعد الظهر قمنا في رحلتنا. في ذلك المساء صحب تريز إلى هيوم بلندن ووعدها بأنه "لن يذكر علاقتنا الغرامية حتى مماتها أو ممات الفيلسوف".

وفي المرة الثالثة عشرة أسلمها إلى روسو. ولقيها بقبلات كثيرة..وقد بدا في حال من الشيخوخة والضعف حتى "إنك (بوزويل) لم يعد فيك حماسة له(113) طبعاً".

وفي تشيزيك، كما في موتييه، تلقى رووس من البريد أكثر مما أراد، وشكا من نفقات البريد التي كان عليه أن يدفعها. وذات يوم، حين جاءه هيوم بــ"شحنة" من لندن، رفض تسلمها، وطلب إليه أن يردها إلى مكتب البريد. ونبهه هيوم أن موظفي البريد في هذه الحالة سيفتحون الخطابات المرفوضة ويطلعون على أسراره. وتطوع الاسكتلندي الصبور بأن يفتح ما يرد من رسائل روسو إلى لندن وألا يأتيه إلا بما يراه هاماً منها. ووافق جان-جاك، ولكنه سرعان ما توجس شراً من عبث هيوم ببريده.

وأتته دعوات للغداء، شاملة للآنسة ليفاسير عادة، من الأعيان في لندن فاعتذر روسو من قبولها بحجة مرضه ولكن السبب على الأرجح هو كرهه إظهار تريز أمام علية القوم. وكان يبدي رغبته في الانزواء في أعماق الريف. فلما سمع رتشارد ديفنيورت برغبته هذه من جاريك، عرض عليه بيتاً في ووتن بداربيشير على 150 ميلاً من لندن. فقبله روسو مغتبطاً. وأرسل ديفنيوت مركبة تنقله هو وتريز، وشكا روسو من أنه بعامل معاملة المتسولين، وأردف قائلاً لهيوم "إن كانت هذه حقاً حيلة من حيل ديفنبورت، فأنت عليم بها موافق عليها، وما كان في إمكانك أن تسيء ألي بأكثر من هذا". وبعد ساعة (كما يقول هيوم)، جلس فجأة على ركبتي، وطوق عنقي بيديه، وقبلني بكل حرارة ثم قال وهو يبلل وجهي كله بالدموع: "أممكن أن تصفح عني يا صديقي العزيز؟ إنني بعد جميع دلائل الود التي تلقيتها منك، أجازيك في النهاية بهذه الحماقة وهذا المسلك السيئ. ولكن لي رغم ذلك قلباً جديراً بصداقتك، وأنا أحبك ولأقدرك، ولم تضع علي سدى أقل مكرمة من مكرماتك" فقبله وعانقه عشرين مرة بفيض من الدموع(113).

وفي الغد 22 مارس انطلق جان-جاك وتريز قاصدين ووتن، فلم يرهما قط بعد. ولم يلبث هيوم أن كتب إلى هيوبليز تحليلاً بصيراً بحالة روسو وخلقه.

كان مصمماً تصميم البائس على الاندفاع إلى هذه العزلة رغم كل اعتراضاتي، أنا أتوقع لأنه سيكون تعساً في موقفه ذاك كما كان في الواقع تعساً في جميع المواقف. فسيكون محروماً تماماً من أي شغل يشغله، ومن الأصحاب ومن أي تسلية من أي نوع تقريباً. لقد قرأ أقل القليل في حياته، وطلق الآن كل قراءاته طلاقاً بائناً، ولقد رأى أقل القليل من الدنيا وليس به أي فضول ليرى أو يلاحظ. والواقع أنه لا يملك الكثير من المعرفة، وكل ما فعله طوال حياته أنه أحس فقط، وإحساسه في هذه الناحية مرهف إلى حد لا أعرف له مثيلاً، ولكنه مع ذلك يشعره بالألم بأحد مما يشعره باللذة، وما أشبهه برجل لم تنزع عنه ثيابه فحسب، بل جاده أيضاً. ثم دفع به ذلك الموقف ليصارع قوى الطبيعة الغاشمة الصاخبة التي تلم على الدوام بهذا العالم الأسفل(114).

ووصل وروسو وتريز إبلا ووتن في 29 مارس. وراقه البيت الجديد لأول وهلة. فوصفه في خطاب لصديق بنوشاتل: "بيت منعزل...ليس واسعاً جداً ولكنه مناسباً جداً، شيد في منتصف الطريق على جانب واد، وأمامه "أبدع مخضرة في الوجود" ومشهد طبيعي من مروج، وأشجار، ومزارع متفرقة، وعلى مقربة منه طرق للتنزه على ضفاف غدير. وفي أسوأ الأجواء أخرج في هدوء لجميع النباتات(115)". وكان آل ديفنبورت يشغلن قسماً من البيت حين يلمون به، وبقي به خدمهم ليعنوا بالفيلسوف و "مديرة بيته". وأصر روسو على أن يؤدي لديفنبورت ثلاثين جنيهاً في العام نظير الأجرة والخدمة.

ولم تعمر سعادتها أكثر من أسبوع. ففي 3 إبريل نشرت مجلة لندنية تسمى "سانت جيمس كرونكل" بالفرنسية والإنجليزية خطاب فردريك الأكبر المزعوم إلى روسو، دون إشارة إلى كاتبه الحقيقي. وحز الأمر في نفس جان-جاك حين نمى إليه الخبر، وزاد من ألمه أن محرر المجلة وهو وليم ستراهان كان صديقاً قديماً لهيوم. يضاف إلى هذا أن نغمة الصحف البريطانية في حديثها عن روسو تغيرت تغيراً واضحاً منذ برح تشزيك، فكثرت المقالات التي انتقد الفيلسوف الغريب الأطوار، واحتوى بعضها على أشياء أعتقد أن هيوم وحده هو الذي يعرفها، ويمكن أن يزود بها الصحف. على أية حال شعر أن واجب هيوم كان يقتضيه أن يكتب شيئاً للدفاع عن ضيفه الأسبق. وسمع أن الاسكتلندي كان يسكن بلندن البيت الذي يسكنه فرانسوا ترونشان، ابن عدو جان-جاك في جنيف، وأغلب الظن أن هيوم كان الآن على علم بنقائص روسو.

وفي 24 إبريل كتب روسو إلى سانت جيمس كرونكل ما يأتي:

"لقد عدوت يا سيدي على الاحترام الذي يدين به كل فرد لملك بأن نسبت علناً إلى ملك بروسيا خطاباً امتلأ مبالغة وغلاً، وكان يجب بناء عليه أن تعرف إنه ما كان يمكن أن يصدر عنه. لا بل إنك جرؤت على نقل توقيعه كأنك رأيته مكتوباً بيد. وإني أخبرك يا سيدي أن هذا الخطاب زيف في باريس، ومما يحزنني ويمزق قلبي أن المحتال الذي كتبه له شركاء ضالعون معه في إنجلترا. وواجبك نحو ملك بروسيا، ونحو الحقيقة، ونحوي أيضاً، يقتضيك أن تنشر خطابي هذا، الموقع بإمضائي، تصحيحاً لخطأ لا شك إنك كنت تلوم نفسك على ارتكابه لو علمت أن مؤامرة خبيثة سخرت لها. وإني أقدم لك خالص تحياتي".

جان-جاك روسو(116)

وفي وسعنا الآن أن نفهم لم ظن روسو أن هناك "مؤامرة" عليه. فمن غير خصومه القدامى، فولتير، وديدرو، وجريم، وغيرهم من نجوم التنوير، يمكن أن يدبروا هذا التغير الفجائي في لهجة الصحف البريطانية من الترحيب والتكريم إلى الهزء والتحقير؟ وفي نحو هذه الفترة نشر فولتير "خطاباً إلى الدكتور ج.ج يانسوف"، غفلاً من اسمه، أعاد فيه ذكر الإشارات المؤذي للشعب الإنجليزي في كتابات جان-جاك-كقوله إنهم ليسوا في الحقيقة أحراراً، وأنهم شديدو الولع بالمال، وأنهم ليسوا بطبيعتهم طيبين. وأعيد نشر أكثر الفقرات إيذاء في كتيب فولتير في دورية لندنية تسمى (للويدز افننج نيوز(117)). وفي 9 مايو كتب روسو إلى كونواي يطلب إليه وقف المعاش الذي يمنح له مؤقتاً. وألح عليه هيوم في قبوله، فرد عليه روسو بأنه لا يستطيع قبول أي امتياز يأتيه من وساطة هيوم. وطالبه هيوم بالتفسير. ويبدو أن روسو قد انتقل الآن إلى حالة من الشك والغيظ. ففي 10 يوليو بعث إلى هيوم بخطاب من ثماني عشرة صفحة من القطع الكبيرة، لا يسمح طوله المفرط بنقله هنا كاملاً، ولكنه من الأهمية البالغة لهذا الشجار الأشهر بحيث يقتضينا الأمر أن نتذكر بعض فقراته الرئيسية:

"إنني مريض يا سيدي، وليس بي كبير ميل للكتابة، ولكن بما أنك طلبت التفسير، فلابد من تقديمه لك.... إنني أعيش خارج العالم، وأجهل الكثير مما يدور فيه...ولا أعرف إلا ما أشعر به..." "إنك تسألني في جرأة من هو الذي يتهمك؟ أنه يا سيدي الرجل الوحيد في العالم كله الذي...أود تصديقه، إنه أنت...وإذا أشير إلى ديفد هيوم بشخص الغائب، فإني جاعلك الحكم فيما ينبغي أن يكون رأيي فيه".

واعترف روسو في إسهاب بأفضال هيوم، ولكنه أردف:

"أما إذا تحريت عن الخبر الحقيقي الذي صنعته بي، فإن هذه الخدمات ظاهرية أكثر منها جوهرية،..فأنا لم أكن نكرة تماماً بحيث أنني لو وصلت وحيدا. لما لقيت عوناً ولا مشورة..وإذا كان مستر ديفنبورت قد تفضل بإعطائي هذا المسكن فهو لم يفعل ذلك لإرضاء مستر هيوم الذي لم يكن يعرفه..وكل الخير الذي أصابني هنا كان يصيبني في الطريقة ذاتها بدونه (هيوم) ولكن الشر الذي أصابني ما كان يقع لي. إذ لم يكون لي أعداء في إنجلترا؟ وكيف لم يتفق أن يكون هؤلاء الأعداء بالضبط أصدقاء لمستر هيوم؟

"وقد نمى إلى أيضاً أن ابن المشعوذ تروشان، ألد خصومي، لم يكن فقط صديق مستر هيوم بل محسوبه أيضاً، وأنهما يسكنان معاً...."

وكل هذه الحقائق مجتمعة تركت في انطباعاً جعلني قلقاً...وفي الوقت نفسه لم تصل الخطابات التي كتبتها إلى وجهتها، وتلك التي تلقيتها كانت مفتوحة؟ وهذه كلها تناولتها يد مستر هيوم". "ولكن ما الذي حدث لي حين رأيت خطاب ملك بروسيا المزعوم منشوراً في الصحف العامة؟..لقد كشف لي شعاع من النور، سر ما طرأ على اتجاه الشعب البريطاني نحوي من تغير فجائي إلى حد مذهل؟ ورأيت في باريس مركز المؤامرة التي تنفذ في لندن..فحين نشر هذا الخطاب المزعوم في لندن لم ينبس مستر هيوم ببنت شفة، ولا كتب لي شيئاً، وهو العليم ولا ريب بأنه خطاب زائف...."

"لم يبقَ لي غير كلمة واحدة أقولها لك. إن كنت مذنباً فلا تكتب إلي، إذ لا جدوى من الكتابة، وثق إنك لن تخدعني. ولكن إن كنت بريئاً فتفضل بتبرير نفسك..وإلا فوداعاً إلى الأبد(118)".

وكان رد هيوم موجزاً (22 يوليو 1766) ولم يجب عن التهم، لأنه خلص إلى أن روسو مشرف على الجنون. وكتب إلى ديفنبورت يقول إن جاز لي أن أبذل النصح فهو أن تمضي فيما بدأته من حسنة حتى يحبس كلبه في مستشفى المجاذيب(119)...فلما سمع أن روسو ندد في خطابات أرسلها إلى باريس (كخطابه إلى الكونتيسة دبوفليه في 9 إبريل 1766)، بعث إلى دبوفليه صورة من خطاب جان-جاك الطويل. فردت على هيوم بما يلي:

"إن خطاب روسو فظيع، أنه مبالغ جداً ولا عذر له فيه إطلاقاً...ولكن لا تحسبه قادراً على الكذب أو الخداع، ولا تتصور انه دجال أو وغد، إن غضبه بلا مبرر حق، ولكنه غضب مخلص، وليس لدي في هذا أي شك..."

"وإليك ما أتصوره السبب فيه. لقد سمعتهم يقولون، ولعله أخبر، إنك صاحب عبارة من خير ما ورد في خطاب مستر ولبول-وأنك قلت مازحاً وأنت تتحدث باسم ملك بروسيا "إن شئت الاضطهاد، فأنا ملك، وأستطيع اضطهادهم نيابة عنك بأي نوع تريد" وأن مستر ولبول...قال إنك صاحب هذه العبارة. فإن صح هذا، وعلم به روسو، فهل تعجب أن يثور سخطه...وهو المرهف الحس، الغضوب، السوادي المزاج، المتكبر(120)".

وفي 26 يوليو كتب ولبول إلى هيوم يحمل نفسه كل اللوم-دون الإعراب عن اي ندم-في أمر الخطاب المزيف، ويدين "قلب روسو الجحود الشرير"(121)، ولكنه لم ينكر أن هيوم كان له يد في الخطاب. وكتب هيوم إلى دولباخ يقول "إنك محق تماماً؛ فروسو وحش". فلما سمع من ديفنبورت أن جان-جاك يكتب "اعترافاته" أفترض أن روسو سيذيع رأيه في الأمر على الملأ. ونصحه آدم سمث، وطورجو والمرشال كيث، بأن يتحمل الهجوم صامتاً، ولكن جماعة الفلاسفة في باريس يقودهم دالامبير، حرضوه على أن ينشر رايته عن نزاع ذاع خبره في عاصمتين. وعليه فقد أصدر (أكتوبر 1766) عرضاً موجزاً للنزاع الذي ثار بين السيدين هيوم وروسو، صاغه بالفرنسية دالامبير وسوار، وبعد شهر ظهر بالإنجليزية. وأذاع جريم مضمونه على نطاق واسع "في خطاب الاشتراك" الذي كتبه في 15 أكتوبر، فتردد صدى المشاجرة في جنيف، وأمستردام، وبرلين، وسانت بطرسبورج. وضاعفت الضجة أكثر من عشر نشرات، ونشر ولبول روايته للنزاع، وهاجم بوزويل ولبول، ورمت مدام دالاتور في "مجمل عن مسيو روسو"، هيوم بأنه خائن، ووفاه فولتير بمزيد من البيانات عن نقائص روسو وجرائمه، وعن اختلافه إلى أماكن سيئة السمعة وعن أعمال التحريض التي أتاها في سويسرا(123). أما جورج الثالث فقد تابع المعركة بفضول شديد(124). وأرسل هيوم الوثائق المتعلقة بها إلى المتحف البريطاني(125).

ووسط هذه الضجة الكبرى لزم روسو الصمت الرهيب. ولكنه صمم الآن على العودة إلى فرنسا أياً كان الخطر والثمن. فقد اكتأب لرطوبة مناخ إنجلترا وتحفظ الخلق الإنجليزي، وكانت العزلة التي نشدها فوق ما يطيق، ولم يكن قد بذل أي جهد في تعلن الإنجليزية فوجد مشقة في التفاهم مع الخدم. ولم يستطع الحديث إلا مع تريز-التي ما فتئت كل يوم تلح عليه في أن يأخذها إلى فرنسا. ودعماً لخططها أكدت له أن الخدم يبيتون دس السم له. وعليه ففي 30 إبريل كتب إلى مالك بيته الغائب يقول:

"غداً اترك بيتك يا سيدي..ولست أجهل الكمائن التي تدبر لي، ولا عجزي عن حماية نفسي، ولكني عشت يا سيدي، ولم يبقَ لي إلا أن أنهي بشجاعة حياة قضيت بشرف..وداعاً سيدي. سآسف دماً على المسكن الذي أبرحه الآن، ولكن أسفي سيكون أكثر لأنني وجدت فيك مضيفاً غاية في اللطف، ومع ذلك لم أستطع أن أجعل منه صديقاً"(126).

وفي أول ما يوفر مع تريز على عجل وفي رعب. وتركا حقائبهما ومالاً للوفاء بإيجار ثلاثة عشر شهراً..ولجهلهما بجغرافية إنجلترا استقلا مختلف وسائل الانتقال غير المباشرة،و قطعا شطراً من الطريق على الأقدام، وظلا عشرة أيام تائهين لا يعرف أحد مستقرهما. وأعلنت الصحف عن اختفائهما، ثم ظهرا في 11 مايو في سبولدنج لينكولنشير، ومنهما وجدا طريقهما إلى دوفر، وهناك استقلا سفينة إلى كاليه في 22 مايو. وبعد أن قضيا في إنجلترا ستة عشر شهراً. وكتب هيوم إلى طورجو وغيره من الأصدقاء طالباً إليهم أن يمدوا يد المعونة للمنبوذ الذي عاد الآن وحيداً مهجوراً إلى فرنسا وهو من الناحية القانونية لا يزال تحت طائلة الأمر باعتقاله.

في فرنسا

السنوات الأخيرة

قبر روسو في قبو الپانيون، پاريس.

حين وصل روسو إلى فرنسا في 22 مايو 1767 بعد مقامه التعس في إنجلترا، وبعد أن أشرف على الجنون، وجد بعض العزاء في الترحيب الذي لقيه من المدن التي اجتاز بها هو وتريز. ومع أنه سافر متخفياً تحت اسم جان- جوزف رينو، وكان لا يزال من الناحية القانونية خاضعاً للحظر الذي صدر ضده في 1762، إلا أن القوم تبينوه وكرموه، واستقبله أميان استقبال الظافرين، وأرسلت له مدن أخرى "نبيذ المدينة". وعرض عليه كثير من الفرنسيين- وكلهم من النبلاء- بيتاً يقيم فيه. أولهم ميرابو الأب، الذي خيره بين عشرين ضيعة، فاختار روسو فلوري- سو- مودون، القريبة من باريس. ولكن المركيز ألح عليه إلحاحاً مزعجاً ليقرأ كتبه، فهرب روسو، ولجأ إلى لوي- فرانسوا البوربوني، أمير كونتي، في ترييه- لو- شاتو، القريبة من جيزور (21 يونيو 1767). ووضع الأمير القلعة بأسرها تحت تصرف جان- جاك، بل إنه أوفد الموسيقيين ليشنفوا أذنيه بالموسيقى الهادئة؛ وفسر روسو هذا بأنه اتهام له بالجنون، وخامره الظن بأن شوازيل والكونتيسة بوفليه (خليلة الأمير) انضما إلى فولتير، وديدرو، وجريم، في التآمر عليه؛ والواقع أن فولتير كان قد اتهمه بإشعال النار في المسرح بجنيف، الذي احترق وأصبح أنقاضاً في 29 يناير 1768(45). واعتقد روسو أن كل من في جيزور ينظر إليه كأنه مجرم. وتاق إلى العودة لجنيف، وكتب إلى شوازيل يرجوه إقناع مجلس جنيف بأن يكفر لروسو عن الإساءات الماضية التي ألحقها به(46).

وأرسل إليه شوازيل تصريحاً رسمياً بالسفر إلى أي بقعة يريدها في فرنسا، وبأن يبرحها ويعود إليها متى شاء(47). وخطر لروسو الآن أن يعود إلى إنجلترا، فكتب إلى ديفنبورت يسأله أن كان يسمح له بأن يشغل ثانية بيت ووتن، وأجاب ديفنبورت بأنه يسمح بكل تأكيد.

ثم هرب روسو من تري في يونيو 1768 خوفاً على حياته فيها، وترك تريز في القصر الريفي ضماناً لسلامتها. واستقل مركبة عامة إلى ليون، وأقام حيناً مع أقرباء دانيل روجن الذي كان قد وفر له الملجأ في 1762 في سويسرة. على أنه ما لبث أن اعتزل في فندق الجولدن فونتن في بورجوان- أن- دوفينه. وعلى باب حجرته كتب قائمة بالأشخاص الذين يعتقد أنهم يأتمرون به. ثم أرسل في طلب تريز، واستقبلها بالفرح والدموع، وقرر آخر الأمر أن يتزوجها. وقد تم هذا القران في حفل مدني بالفندق في 30 أغسطس 1768.

وفي يناير 1769 انتقلا إلى بيت بمزرعة في موكان، قرب جربنوتل. وهناك كتب آخر صفحات، "الاعترافات"، وهي صفحات نصف مجنونة، وراح يهدئ أعصابه بدراسة علم النبات. ووجدت تريز أن طبعه يزداد حدة، وكانت هي ذاتها تعاني من الروماتزم والأوصاب الغامضة التي تصاحب أحياناً "تغيير المعيشة". وتشاجر الزوجان الحديثان مشاجرة بلغ من شدتها أن حملت روسو على الرحيل في رحلة طويلة لجمع النبات ودراسته بعد أن ترك لها خطاباً ينصحها بدخول الدير (12 أغسطس 1769)(48). فلما عاد ووجدها تنتظره تجدد حبهما. وندم الآن على انه تخلص من أطفالها. وأحس "أن الرجل الذي يستطيع تربية أولاده تحت بصره رجل سعيد جداً(49). وكتب إلى أم شابة يقول: إن أجمل أسلوب في الحياة يمكن أن يوجد هو أسلوب الأسرة.. فما من شيء يندمج معنا بأشد وأثبت من أسرتنا وأبنائنا... ولكن أنا الذي يتكلم على الأسرة والأبناء- ... سيدتي، أرثي لأولئك الذين يحرمهم قدرهم القاسي من هذه السعادة، أرثي لهم إن كانوا عاثري الحظ فقط، ومزيداً من الرثاء لهم إن كانوا مذنبين!"(50).

وكان الشتاء الذي قضته الأسرة في موكان شاقاً في بيت ريفي يقع في مهب الرياح كلها. والتمست تريز منه الرحيل إلى باريس. وهكذا استأنف الزوجان أسفارهما الطويلة في 10 أبريل 1770 وأنفقنا شهراً لطيفاً في ليون، حيث مثلت أوبريت روسو عراف القرية، جزءاً من احتفال أقيم تكريماً له. ثم سافرا في مراحل بطيئة مخترقين ديجون، ومونبار، وأوجزيز ثم بلغا باريس في خاتمة المطاف في 24 يونيو 1770. وأقاما في الطابق الرابع من نزله القديم في الأوتيل سانت اسبري، بشارع بلاتريير- واسمه الآن شارع جان- جاك روسو في حي من أشد أحياء المدينة ضجيجاً. وعاش عيشة متواضعة هادئة، يتكسب بنسخ الموسيقى ويدرس النبات، وكتب الآن (21 سبتمبر 1771) إلى لينايوس رسالة يعرب فيها عن إجلاله(51). فلما ذاع أنه يقيم في باريس خف لزيارته قدامى الأصدقاء ومريدوه الجدد: الأمير لين (الذي عرض عليه بيتاً في ضيعته قرب بروكسل)، وجريتري، وجلوك (الذي حاء ليناقش الموسيقى معه). والمسرح جولدوني، والمغنية صوفي أرنو، وجوستاف ولي عهد السويد، وشباب المؤلفين من أمثال جان- جوزف دوزو، وجاك- هنري برناردان دسان- بيير. وفي 1777 نال ما اشتهاه فولتير ولم ينله- وهو زيارة من الإمبراطور يوزف الثاني(52). ورد إليه تصريح الدخول إلى دار الأوبرا مجاناً، فكان يختلف إليها من حين لحين، ليسمع جلوك على الأخص. ووصفه برناردان دسان- بيير في هذه الحقبة (وكان الآن في الستين)بأنه رقيق البدن، متناسب الأعضاء، وله "جبين عال، وعينان متقدمتان. وفي غضون الجبين حزن عميق، ومرح حاد بل كاو"(53).

وقد استفزه للعودة إلى القلم- رغم وعده عام 1762 بالكف عن التأليف - اتصال هجوم أعدائه عليه. وكان في سبيل الرد عليهم، وعلى كل ما دار حوله من شائعات معادية في باريس وجنيف، وقد اضطلع بكتابه "الاعترافات" (1765) ومن ثم أتم الكتاب الآن (نوفمبر 1770)، ومع أن روسو كان حتى ذلك الحين عازفاً عن نشره كاملاً، إلا أنه صمم على أن تطلع باريس على أجزائه المتصلة لهذه الهجمات. وهكذا قرأ في ديسمبر على مسامع دوزو وغيره، وفي حجرته، فقرات طويلة من أعظم كتاب ألفه، واستمرت القراءة سبع عشرة ساعة قطعتها وجبتان خفيفتان عاجلتان(54). وفي مايو 1771 قام بتلاوة أخرى أمام الكونت والكونتيسة أجمون، والأمير بيناتللي أجمون، والمركيزة دميم، والمركيز جوينيه، واختتم بتحد من نار:

"لقد كتبت الحقيقة. فإذا سمع أي شخص أشياء مناقضة لما قررته الآن، حتى إذا أثبتت ألف مرة، فهو لم يسمع سوى تشهير وافتراء، وإذا رفض بتاتاً أن يمحصها ويراجعها معي وانا حي فهو ليس صديقاً للعدالة أو الحق. أما عن نفسي فإني أعلنها صريحة دون أدنى خوف أن كل من دقق النظر في بعينيه- طبعي، وخلقي، وسلوكي، وميولي، ولذاتي، وعاداتي- حتى بغير قراءة كتبي، ثم حكم علي بأنني رجل غير شريف إنما يستحق أن يشنق"(55).

والذين استمعوا إليه استنتجوا من شدة انفعاله أن عقله يوشك أن يختلط. وقال دوزو أن شكوك روسو واتهاماته لا تليق "بجان جاك الرجل السمح الفاضل"، فكان هذا النقد نهاية صداقتهما(56). وحمل غيره من المستمعين أصداء هذه القراءات إلى صالونات باريس، وأحس بعض ذوي النفوس الحساسة أن روسو قد افترى عليهم. وكتبت مدام ديبنيه إلى مفتش عام الشرطة تقول: "يجب أن أحيطك علماً مرة أخرى بأن الشخص الذي حدثتك عنه صباح أمس قد قرأ كتابه على السادة دورا، وييزيه، ودوز. ومدام يستخدم هؤلاء الرجال ليأتمنهم على القذف والتشهير فإن لك الحق في أن تحيطه برأيك في هذا الأمر. ويخيل إلي أنه ينبغي أن تكلمه بما يكفي من التلطف حتى لا يشكو، ولكن بحزم يثنيه عن العودة إلى خطئه. فإذا حصلت على كلمة شرف منه فإني أعتقد أنه لن يحنث بها. معذرة ألف مرة، ولكن سلامي النفسي كان في خطر"(57).

وطلبت الشرطة إلى روسو أن يكف عن قراءات، فوافق، وخلص إلى أنه لم يستطع قط أن يظفر بالاستماع المنصف إليه في حياته، وأعان شعور الإحباط هذا على اختلاط عقله. وبعد عام 1772 أغلق بابه دون الزوار كافة تقريباً عدا برناردان دسان- بيير. وكان في جولاته منفرداً يخامره الظن بأن كل من يمر به تقريباً عدو له. وفيما عدا أشباح العداء هذه فإنه احتفظ بطبيعته الطيبة الأصلية. فاكتتب رغم مقاومة فولتير في المال المجموع لإقامة تمثال له. وحين أرسل إليه أحد الآباء الروحيين كراسة تندد بفولتير وبخ الكاتب قائلاً: "لا ريب في أن فولتير رجل رديء وليس في نيتي أن أثني عليه، ولكنه قال وفعل أشياء طيبة كثيرة جداً بحيث ينبغي أن نرخي الستار على أخطائه"(58).

وحين كان ينصرف فكره عن "المؤامرة" التي يتخيلها من حوله، كان في استطاعته أن يكتب بوضوح كالعهد به من قبل، وبروح مدهشة من المحافظة والواقعية وقد رأينا كيف التمس المؤتمر البولندي المنعقد عام 1769 اقتراحاته بشأن دستور جديد. وقد بدأ كتابه "آراء حول حكومة بولندة" وفي أكتوبر 1771، انتهى منه في أبريل 1772. وأول انطباعاتنا عنه أنه يخرق جميع المبادئ التي دافع عنها من قبل دفاعاً مشبوباً. فإذا أعدنا قراءته في شيخوختنا كان عزاء لنا أن نرى أن روسو (وقد بلغ الستين) يمكن أن يشيخ هو أيضاً، وأن ينضج- كما يحب الشيوخ أن يقولوا. فالرجل الذي صرخ قائلاً "ولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان يرسف في الأغلال" هذا الرجل بعينه نبه الآن البولنديين، الذين حكم عليهم "حق النقض المطلق" بالفوضى، إلى أن الحرية امتحان عسير كما أنها عطية إلهية، وأنها تحتاج إلى مجاهدة للنفس أشق كثيراً من طاعة الأوامر الخارجية. قال:

"إن الحرية طعام قوي، ولكنه طعام يحتاج إلى هضم متين.. إنني أضحك من تلك الشعوب المنحطة التي تثور لمجرد كلمة من متآمر دساس، والتي تجرؤ على التحدث عن الحرية وهي تجهل كل الجهل ما تعنيه، والتي تتصور أنه لكي يتحرر الإنسان يكفي أن يكون ثائراً متمرداً. أيتها الحرية المقدسة السامية! ليت هؤلاء المساكين يعرفونك حق المعرفة، ليتهم يتعلمون أي ثمن يبذل للظفر بك ولصيانتك، وليت في الإمكان تعليمهم أن قوانينك أشد صرامة من نير الطغاة الثقيل!"(59).

لقد علمت الحياة ومونتسكيو روسو أن مناقشات مثل "عقده الاجتماعي" إنما هي أحلام تعوم في الفراغ ونظريات مجردة لا ترتكز على الواقع. لذلك سلم الآن بأن جميع الدول تضرب جذورها في التاريخ والظروف، وأن مصيرها الفناء أن هي قطعت جذورها دون تمييز. ومن ثم فقد نصح البولنديين بألا يدخلوا تغييرات فجائية على دستورهم، وبأن يحتفظوا بملكهم المنتخب على ان يقيدوا حق النقض المطلق، وبالكاثوليكية ديناً رسمياً للدولة مع تطوير نظام تعليمي يستقل عن الكنيسة(60). وقد بدت له بولندة بحال مواصلاتها ووسائل نقلها الراهنة أوسع من أن تحكم من مركز واحد، فمن الخير إذن تقسيمها إلى ثلاث دول تتحد فقط في الاتصالات المشتركة والشئون الخارجية. ومن عجب أن الرجل الذي ندد من قبل بالملكية الخاصة أصلاً للكل الشرور، كرس الآن الإقطاعية البولندية، واقترح فرض الضرائب على جميع الأراضي، على أن تترك حقوق الملكية الراهنة دون مساس بها، ثم أعرب عن أمله في أن تلغى القنية يوماً ما، ولكنه لم يدع إلى إنهائها في وقت قريب، فهذا في رأيه يجب أن يؤجل إلى أن يتاح للقن مزيد من التعليم. وقد أكد أن كل شيء رهن بنشر التعليم، وتعزيز الحرية بأسرع من تعزيز الذكاء والأخلاق معناه فتح الباب على مصراعيه للفوضى وتقسيم البلاد.

غير أن التقسيم تم قبل أن يتمكن روسو من إنهاء مقاله، فالسياسة العملية تجاهلت تشريعه الفلسفي في بولندة كما تجاهلته في كورسيكا. وقد شارك هذا الإحباط المزدوج في تكدير سنيه الأخيرة، وزاد من حدة احتقاره لجماعة الفلاسفة الذين أثنوا من قبل على أولئك الحكام- فردريك الثاني، وكاترين الثانية، ويوزف الثاني- الذين يقطعون الآن أوصال بولندة، وامتدحهم باعتبارهم حكاماً مستبدين مستنيرين وملوكاً فلاسفة.

وفي 1772 بدأ محاولة أخرى للرد على خصومه وسمي الكتاب "حوارات: روسو يحاكم جان جاك". وقد عكف على هذا الكتاب الذي بلغت صفحاته 450 فترات متقطعة على مدى سنين أربع، وكان الظلام يغشى عقله أكثر فأكثر كلما مضى فيه. وقد رجت المقدمة القارئ أن يقرأ الحوارات الثالثة قراءة دقيقة شاملة، "انظر إلى هذا التفضل الذي يطلبه منك قلب أثقله الحزن على أنه دين إنصاف تفرضه السماء عليك"(61). وقد اعترف بما يشوب الكتاب من "إسهاب مفرط وتكرار، وحشو، وفوضى"(62)، غير أن مؤامرة اتصلت خمسة عشر عاماً- فيما زعم- للنيل من سمعته، ولا بد أن يبرئ نفسه قبل أن يموت. وقد نفى وجود أي تضارب بين الفردية "الأحاديث وجماعية العقد الاجتماعي"، وذكر قراءه أن لم يرغب قط في أن يقضي على العلوم والفنون ويرتد إلى الهمجية. ووصف مؤلفاته- لا يما "جولي" و "أميل"- بأنها غنية في الفضيلة والحنان، وتساءل كيف يمكن أن يؤلف مثل هذه الكتب فاسق أنهكه المرض كما صوره المنتقصون من قدره(63). واتهم أعداءه بأنهم أحرقوا دمية تصوره، وبأنهم ألفوا السرينادات عنه للهزء به(64)وشكا من أنهم، حتى الآن، يراقبون كل زواره ويحرضون جيرانه على إهانته(65). ثم كرر قصة ميلاده، وأسراه، وصباه، ووصف رقة خلقه ونزاهته، ولكنه اعترف بما فيه من كسل، و "ميل إلى أحلام اليقظة"(66)، ونزوع إلى أن يخلق في جولاته منفرداً عالماً وهمياً يستطيع أن يسعد فيه ولو للحظة. وعزى نفسه بهذه النبوءة "أنا واثق من أنه سيأتي يوم يبارك فيه الناس الطيبون الشرفاء ذكراي ويبكون على مصيري"(67).

ثم أضاف إلى الحوار الأخير فصلاً عنوانه "تاريخ هذا الكتاب" ذكر فيه كيف أنه لكي يلفت نظر باريس وفرساي لكتابه اعتزم أن يودع نسخة من المخطوط، موجهة إلى العناية الإلهية، على المذبح الأعلى في كاتدرائية نوتردام. وقد حاول هذا في 24 فبراير 1776، فلما وجد المذبح مسدوداً بدرابزين، حاول الدخول إليه من جانبيه، فلما وجدهما مقفلين أصابه دوار، وخرج عدواً من الكنيسة، وراح يضرب على غير هدى ساعات في الشوارع في شبه هذيان قبل أن يبلغ مسكنه"(68). ثم كتب نداء للشعب الفرنسي عنوانه "إلى جميع الفرنسيين الذين مازالوا يعشقون العدل والحق" ونسخ صوراً منه على إعلانات وزعها على المارة في الشوارع. وقد رفضها العديد منهم قائلين أنه ليس موجهاً إليهم(69). فأقلع عن محاولاته. واستسلم للهزيمة.

وهدأت الآن ثائرته بعد أن راض نفسه على الإذعان. وكتب في هذه الفترة (1777- 78) أجمل كتبه "أحلام جواب منفرد" فروى كيف أن أهل موتييه رفضوه وحصبوا بيته، وكيف اعتكف في الأيل دسان تبيير في بحيرة بيين. وهناك وجد السعادة، ثم راح- بعد أن استرجع ذكرى تلك الخلوة- يصور المياه الهادئة، والجداول المتدفقة، والجزيرة تغطيها الخضرة، والسماء الكثيرة الصور والأشكال. وقد عزف على نغمة رومانسية جديدة بإلماعه إلى أن الروح المتألمة قد تجد دائماً في الطبيعة شيئاً يستجيب لمزاجها. ونحن نسأل أنفسنا حين نقرأ تلك الصفحات، أيستطيع رجل نصف مجنون أن يكتب بهذا الإتقان، وبهذا الوضوح، وأحياناً بهذا الهدوء والصفاء. ولكن الشكاوي القديمة تعود إلى الظهور، وينوح روسو من جديد لأنه نبذ أطفاله، وأنه لم يؤت الشجاعة البسيطة التي تمكنه من تربية أبنائه. وقد رأى طفلاً يلعب، فعاد إلى حجرته و"بكى وكفر عن ذنبه"(70). وفي تلك السنين الأخيرة التي قضاها في باريس كان ينظر بعين الحسد إلى ذلك الإيمان الديني الذي سماه بحياة العامة من الناس المحيطين به إلى مسرحية من الموت والبعث. وكان أحياناً يختلف إلى خدمات الصلاة الكاثوليكية. وقد زار ديراً مع برناردان دسان- بيير، وسمع الرهبان يتلون ابتهالاً فقال "آه؛ ما أسعد الإنسان الذي يستطيع أن يؤمن"(71). إنه لم يستطع أن يؤمن(72)، ولكنه حاول أن يسلك كمسيحي، ويتصدق، ويفتقد المرضى ويواسيهم(73). وقد قرأ وكتب حواشي على كتاب توماس أكمبيس "الاقتداء بالمسيح".

ثم خف إحساسه بالمرارة في نفسه بدنو أجله. وحين وصل فولتير إلى باريس فانهالت عليه أسباب التكريم، شعر روسو بالغيرة منه ولكنه تكلم بخير عن عدوه القديم. ووبخ أحد معارفه الذي سخر من تتويج فولتير في التياتر- فرانسيه فقال: "كيف تجرؤ على السخرية من التكريم الذي بذل لفولتير في الهيكل الذي هو ربه، وبيد الكهان الذين ظلوا خمسين سنة يعيشون على روائعه؟"(74). ولما سمع بأن فولتير يحتضر قال متنبئاً "كانت حياتانا مرتبطتين الواحدة بالأخرى، ولن يطول عمري بعده"(75).

وحين بدأ ربيع 1778 يزهر طلب بيتاً في الريف، فدعاه المركيز رينيه دجيراردان ليسكن كوخاً على مقربة من قصره الريفي في ارمينونفيل، على نحو ثلاثين ميلاً من باريس. وذهب إليه جان- جاك وتريز في 20 مايو، وهناك راح يجمع العينات النباتية ويعلم النبات لابن المركيز البالغ من العمر عشر سنين. وفي أول يوليو تعشى بشهية مع أسرة مضيفة. وفي صباح الغد أصيب بالنقطة ووقع على الأرض. فرفعته تريز إلى فراشه، ولكنه وقع منه، واصطدم بالأرض المبلطة صدمة حادة أحدثت قطعاً في رأسه تدفق منه الدم، وصرخت تريز مستغيثة، فحضر المركيز، ووجد أن روسو قد فاضت روحه.

ولاحقته الافتراءات إلى النهاية. فأذاع جريم وغيره القصة التي زعمت أن روسو انتحر. وأضافت مدام دستال فيما بعد أنه قتل نفسه حزناً حين اكتشف خيانة تريز. وفاقت هذه القصة غيرها قسوة، لأن تعقيب تريز عقب موته بقليل كشف عن حبها له. قالت "إن لم يكن زوجي قديساً فمن يستطيع أن يكون؟" ووصف غير ذلك من الشائعات روسو بأنه مات مجنوناً، ولكن كل الذين كانوا معه في أيامه الأخيرة تلك وصفوه بالهدوء والصفاء. وفي 4 يوليو 1778 ووري الثرى في جزيرة الحور في بركة صغيرة على ضيعة جيراردان. وظلت جزيرة الحور هذه طويلاً كعبة يحج إليها الأتقياء، فأمها المجتمع العصري كله- حتى الملكة- للصلاة على قبر روسو. وفي 11 أكتوبر 1794 نقل رفاته إلى البانتيون حيث ثوى إلى جوار رفات فولتير.

ومن ذلك المرفأ الذي نعما فيه بسلام الجوار نهضت روحاهما لتجددا حربهما في سبيل الثورة، وفرنسا، والإنسان الغربي.

الفلسفة

نظرية الإنسان الطبيعي

تمثال لروسو في إل روسو، جنيڤ.


مراحل التطور الإنساني

Rousseau (1755) [1754], Discourse on Inequality, Holland, frontispiece and title page .



النظرية السياسية

إل روسو، جنيڤ.



التعليم وتربية الأطفال

جان جاك روسو على طابق بريد روماني، 1962.
المقالة الرئيسية: إميل، أو في التعليم


الدين

ذكراه

Bicentenary of Rousseau’s birth, Geneva, 28 June 1912, "Jean-Jacques, aime ton pays [love your country]" , showing Rousseau’s father gesturing towards the window. The scene is drawn from a footnote to the Letter to d’Alembert where Rousseau recalls witnessing the popular celebrations following the exercises of the St Gervais regiment.

وهكذا ننتهي كما بدأنا بالتأمل المعزز بالدليل الآن، في ذلك الأثر الذي لا يصدق، والذي خلفه روسو في أدب القرن الذي بدأ بموته، وفي بيداجوجيته وفلسفته، ودينه، وأخلاقه، وعاداته، وفنه، وسياسته. والكثير مما كتب يبدو اليوم أن فيه غلواً، أو إسرافاً في العاطفة، أو سخفاً، و "الاعترافات" و "أحلام اليقظة" فقط هما اللذان يحركان مشاعرنا، ولكن حتى الأمس كانت كل كلمة من كلماته تسمع في ميدان أو آخر من ميادين الفكر الأوربي أو الأمريكي. إن روسو كما قالت مدام دستال "لم يخترع شيئاً، ولكنه أشعل النار في كل شيء"(76).

فأول شيء بالطبع هو أنه كان بمكانة الأم من الحركة الرومانتيكية. وقد رأينا غيره كثيرين يبذرون بذرتها. "طومسون، وكولنز، وجراي، ورتشردسن، وبريفو، والمسيحية ذاتها، التي يعد لاهوتها وفنها أعجب ضروب الرومانسية قاطبة. ولكن روسو أنضج البذار في مستنبت عواطفه الدافئ، وأسلم لنا الثمرة مكتملة النمو خصبة منذ مولدها، وفي "الأحاديث" و "العقد الاجتماعي" و "إميل" و "الاعترافات".

ولكن ما الذي سننيه بالحركة الرومانتيكية؟ تمرد الزجدان على الفكر، والغريزة على العقل، والعاطفة على الحكم، والذات على الموضوع، والنزعة الذاتية على الموضوعية، والوحدة على التجمع، والخيال على الواقع، والخرافة والأسطورة على التاريخ، والدين على العلم، والتصوف على الشعائر، والشعر والنثر الشعري على النثر والشعر النثري، والفن القوطي المحدث على الكلاسيكي المحدث، والأنثوي على الرجولي، والحب الرومانسي على زواج المصلحة، و "الطبيعة" و "الطبيعي" على المدنية والتكلف، والتعبير العاطفي على الضوابط العرفية، والحرية الفردية على النظام الاجتماعي، وتمرد الشباب على السلطة، والديموقراطية على الأرستقراطية، والإنسان في مواجهة الدولة- وباختصار، تمرد القرن التاسع عشر على الثامن عشر، أو بعبارة أكثر تحديداً، الفترة 1760- 1859 على 1648- 1760: هذه كلها أمواج للمد الرومانتيكي العظيم الذي اكتسح أوربا فيما بين روسو وداروين.

ولقد وجد كل من هذه العناصر تقريباً في روسو تعبيراً وتأييداً، ووجد بعض الدعم في حاجات العصر وروحه. ذلك أن فرنسا كانت قد ملت الفكر الكلاسيكي والانضباط الأرستقراطي. فأتاح تمجيد روسو للوجدان تحرراً للغرائز المكبوتة، والعاطفة المكظومة، والأفراد والطبقات المظلومة. وأصبحت "الاعترافات" كتاب الوجدان المقدس كما كانت "الموسوعة" العهد الجديد لعصر العقل. ولا يعني هذا أن روسو رفض العقل، فهو على العكس وصفه بأنه عطية إلهية، وقبله حكماً نهائياً(77)، ولكنه أحس أن نوره البارد في حاجة إلى دفء القلب ليلهم العمل والعظمة والفضيلة. وأصبحت "الحساسية" شعار النساء والرجال.. وتعلم النساء الإغماء، والرجال البكاء، بأسرع من ذي قبل، وتذبذبوا بين الفرح والحزن، ومزجوا الاثنين في دموعهم.

وقد بدأت الثورة "الروسوية" على صدور الأمهات، هاتيك الصدور التي آن الآن أوان تحريرها من عقال المشدات؛ على أن هذا الجانب من الثورة كان أصعب جوانبها، ولم يعقد له النصر إلا بعد أكثر من قرن تراوح فيه الحبس والإفراج. وبعد نشر "أميل" أرضعت الأمهات الفرنسيات أطفالهن، حتى في دار الأوبرا، وفيما بين الألحان(78). وأطلق الطفل من سجن أقمطته، وقام أبواه على تربيته بأنفسهم. فإذا التحق بالمدرسة حظي بالتعليم "على طريقة روسو" في سويسرا أكثر منه في فرنسا، ولما كانت النظرة للإنسان الآن تعده خيراً بطبيعته، فإن التلميذ وجب أن ينظر إليه لا على أنه عفريت صغير مشاكس بل ملاك رغباته هي صوت الله. ولم تعد حواسه تدان لأنها أدوات الشيطان، بل تعد أبواباً للخبرات المنيرة ولمئات المباهج البريئة. ووفقاً للنظرة الجديدة لا تعود حجرات الدرس سجوناً. أما التعليم فيجب أن يجعل طبيعياً وساراً بتفتيح حب الاستطلاع والقوى الفطرية وتشجيعها. واما حشو الذاكرة بالحقائق، وخنق الفكر بالعقائد القطعية، فيجب أن يحل محلها التدريب على فنون الإدراك الحسي، والحساب، والتفكير. ويجب أن يتعلم الأطفال من الأشياء لا من الكتب كلما أمكن- من النبات في الحقل، والصخور في التربة، والغيوم والنجوم في السماء. وقد حفز التحمس لأفكار روسو التربوية بستلوتزي ولافاتير في سويسرا، وبازدوف في ألمانيا، وماريا مونتسوري في إيطاليا، وجون ديوي في أمريكا؛ و "التربية التقدمية" هي جزء من تراث روسو، وقد نشأ فريدرش فروبل نظام رياض الأطفال في ألمانيا، ومنها انتشر في العالم الغربي طولاً وعرضاً.

ثم أدركت الفن نفحة من الإلهام الروسوي. فقد أثر تمجيد الطفولة في جروز ومدام فيجيه- لبرون، وعكست لوحات الفنانين من المدرسة السابقة- للرفائيلين في إنجلترا تمجيد العاطفة والغموض. وأعمق من هذا أثر روسو في الأخلاق والسلوك. فطرأ المزيد من دفء الصداقة ووفائها، ومن التضحيات والاهتمامات المتبادلة. واقتنص الحب الرومانسي الأدب وشق طريقه إلى الحياة. واستطاع الأزواج الآن أن يحبوا زوجاتهم دون هزء بالتقاليد؛ واستطاع الآباء أن يحبوا أبناءهم، وأصلح ما فسد من الأسرة، "كان الناس يغضون عن الخيانة الزوجية، أما روسو فقد جرؤ على اعتبارها جريمة"(79). صحيح أنها استمرت، ولكنها لم تعد أمراً لا غنى عنه. وحل محل الإعجاب الأعمى بالمحظيات الشفقة على المومسات. وقاوم احتقار العرف طغيان الأتيكيت. وارتفعت سمعة الفضائل البورجوازية، كالاجتهاد، والاقتصاد، وبساطة العادات واللباس. وعما قليل ستطيل فرنسا "الكيلوت" (السراويل القصيرة) إلى سراويل طويلة وتصبح "صان- كيلوت" (متطرفة) في زيها كما هي في سياستها. وقد ساهم روسو مع البستنة الإنجليزية في تغيير الحدائق الفرنسية من رتابة طراز النهضة إلى المنحنيات الرومانتيكية والأركان الفجائية، وأحياناً إلى فوضى برية و "طبيعية". وانطلق الرجال والنساء من المدينة إلى الريف، وزاوجوا بين حالات الطبيعة وحالاتهم النفسية وتسلق الرجال الجبال، والتمس الرجال منهم الوحدة ودلل "أنا".

واستسلم الأدب بجملته تقريباً لروسو والموجة الرومانتيكية، فغمر جوته بطله "فوتر" فيفيض من الحب، والطبيعة، والعبرات (1774)، وجعل بطله فاوست يختزل نصف روسو في كلمات ثلاث "الوجدان هو الكل". قال قي 1787 مسترجعاً ذكرياته "كان لكتاب أميل وما حوى من عواطف تأثير شامل على العقل المثقف"(80) وأكد شيلر التمرد على القانون في "اللصوص" (1781)، وحيا روسو محرراً وشهيداً، وقارن بينه وبين سقراط(81) "تعالى يا روسو وكن لي مرشداً"(82). وأعانت بلاغة روسو على تحرير الشعر والمسرحية الفرنسيين من قواعد بوالو، وتقليد كورنيي وراسين، وقيود الأسلوب الكلاسيكي الصارمة. وقد أبدع برناردان دسان- بيير، وهو تلميذ متحمس لروسو، رائعة رومانسية في "بول وفرجيني" (1784). وانتصر تأثير جان- جاك الأدبي بعد الفاصل النابليوني في أشخاص شاتوبريان، ولامارتين، وموسيه، وفيني، وهوجر، وجوتييه، وميشليه، وجورج صاند. وقد أنجب هذا التأثير جيلاً من الاعترافات، وأحلام اليقظة، وقصص العاطفة أو الغرام، وحبذا تصور العبقرية على أنها فطرية لا تعرف قانوناً، وأنها القاهرة لتقليد والتقييد، فحرك في إيطاليا ليوباردي، وفي روسيا بوشكن وتولستوي، وفي إنجلترا وردزورث، وصذي، وكولردج، وبايرن، وشلي، وكيتس، وفي أمريكا هوثورن وثورو.

ونصف فلسفة القرن المحصورين "إلواز الجديدة]]" (1761) وكتاب داروين "أصل الأنواع" (1859) يلونه تمرد روسو على عقلانية حركة التنوير. والواقع أن روسو كان قد أعرب من قبل في رسالة وجهها عام 1751 إلى بورد عن احتقاره للفلسفة(83)، وأقام احتقاره هذا على عجز العقل في زعمه عن تعليم الفضيلة للناس. فالعقل يبدو أنه بغير حس أخلاقي، وهو يناضل للدفاع عن أي رغبة مهما كانت فاسدة إذن فالحاجة إلى شيء آخر- إلى وعي فطري بالصواب والخطأ، حتى هذا الوعي لا بد من أن يدفئه الوجدان إن أريد منه أن يولد الفضيلة، وأن ينجب رجلاً فاضلاً لا آلة حسابية ماهرة.

وهذا بالطبع كلام قاله بسكال من قبل، ولكن بسكال كان قد رفضه فولتير، وفي ألمانيا كانت "عقلانية" فولف في صعود في الجامعات. وحين أصبح إيمانويل كانت أستاذاً في كونجزبرج كان قد اقتنع بما قاله هيوم وجماعة الفلاسفة الفرنسيين من أن العقل وحده لا يمكنه أن يقدم الدفاع الكافي حتى عن أساسيات اللاهوت المسيحي. ولكنه وجد في روسو سبيلاً لإنقاذ تلك الأساسيات: وهي أن تنكر مفعول العقل في العالم فوق الحسي، وتؤكد استقلال الفكر، وأولية الإرادة، والقوة المطلقة للضمير الفطري؛ وتستنبط حرية الإرادة، وخلود النفس، ووجود الله، من شعور الإنسان بالتزام غير مشروط بالقانون الأخلاقي. وقد أقر كانت بيدنه لروسو، وعلق صورته على جدار مكتبه، ونادى به "نيوتنا" للعالم الأخلاقي(84). وشعر ألمان آخرون بروح روسو تتقمصهم: ياكوبي في فلسفة الوجدان، وشلايئر ماخر في تصوفه الدقيق النسيج، وشوبنهاور في تمجيده للإرادة. وتاريخ الفلسفة منذ كانت صراع بين روسو وفولتير.

أما الدين فقد بدأ بتحريم روسو، ثم انتقل إلى استخدامه منقذاً له. وأجمع القادة البروتستانت والكاثوليك على تكفيره، ووضع على صعيد واحد مع فولتير وبيل بوصفهم رجالاً "يبثون سموم الضلالة والفسوق"(85). ومع ذلك فحتى في حياة روسو وجد نفر من رجال الدين والعلمانيين راحة وعزاء حين سمعوا أن قسيس سافوا قد قبل بتحمس العقائد الجوهرية للمسيحية، وأنه نصح الشكاك بأن يثوبوا إلى إيمانهم الأصيل. وحين فر روسو من سويسرا عام 1765 رحب به أسقف ستراسبورج، وبعد أن عاد من إنجلترا وجد بعض الكاثوليك الفرنسيين يستشهدون بأقواله شاكرين في ردهم على غير المؤمنين، وتراودهم الآمال في هدايته الظافرة. وقد حاول منظرو الثورة الفرنسية إقامة أخلاقية مستقلة عن العقائد الدينية؛ على أن روبسبيير في إقتدائه بروسو أقلع عن هذه المحاولة لفشلها، والتمس قوة تأييد المعتقدات الدينية في صيانة النظام الأخلاقي والمضمون الاجتماعي. وأدان جماعة الفلاسفة لأنهم رفضوا الله وأبقوا على الملوك؛ أما روسو (في رأي روبسبيير) فقد ارتفع فوق هامات هؤلاء الجبناء، وهاجم جميع الملوك بشجاعة وجاهر بالدفاع عن الله والخلود(86).

وفي 1793 بلغ تراثا فوليتر وروسو المتنافسان مرحلة الحسم في الصراع بين جان-رينيه إيبير ومكمسليان روبسبيير. فأما إيبير، أحد قادة كومون باريس، فقد اتبع العقلانية الفولتيرية، وشجع انتهاك حرمات الكنائس، وأقام العبادة العلنية لآلاهة العقل (1793). وأما روبسبيير فكان قد رأى روسو أثناء مقام هذا الفيلسوف آخر مرة في باريس. وقال مناجياً جان- جاك "إيه أيها القديس!.. لقد تطلعت إلى محياك المهيب... وفهمت كل أحزان حياة نبيلة كرست نفسها لعبادة الحق"(87). وحين تقلد روبسبيير زمام السلطة أقنع المؤتمر الوطني بتبني "إعلان الإيمان" الذي دان به قسيس سافوا ديناً رسمياً للأمة الفرنسية، وفي مايو 1794 افتتح مهرجان الكائن الأعظم إحياء لذكرى روسو. وحين أرسل إيبير وغيره إلى الجيلوتين بتهمة الإلحاد، شعر بأنه يتبع نصائح روسو بحذافيرها. ووافق نابليون اللاأدري روبسبيير على الحاجة إلى الدين، وأعاد وضع الحكومة الفرنسية في جانب الله (1802). ثم أعيدت الكنيسة الكاثوليكية إعادة كاملة بعودة الملكية البوربونية الفرنسية (1814) وكسبت أقلام شاتوبريان، ودميتر، ولامارتين، ولامنية القوية، ولكن الإيمان القديم اتكأ الآن أكثر فأكثر على حقوق الوجدان لا على جح اللاهوت، فحارب فولتير وديدرو ببسكال وروسو. وازدهرت من جديد تلك المسيحية التي بدت محتضرة في 1760- في إنجلترا الفكتورية وفرنسا في عهد عودة الملكية.

ونحن الآن فقط- من الناحية السياسية- نخرج من عصر روسو، وأول علامة على تأثيره السياسي كانت في موجة التعاطف العام الذي أيد المعونة الفرنسية الفعالة للثورة الفرنسية. وقد اقتبس جفرسن إعلان الاستقلال من روسو كما اقتبسه من لوك ومونتسكيو، واستوعب الكثير من كل من فولتير وروسو حين كان سفيراً لدى فرنسا (1785- 89)، وردد صدى جان- جاك في افتراضه أن هنود أمريكا الشمالية "يتمتعون في جملتهم بقدر من السعادة يفوق بمراحل أولئك الذين يعيشون في ظل الحكومات الأوربية"(88). وقد رفع نجاح الثورة الأمريكية مكانة فلسفة روسو السياسية.

وتزعم مدام دستال أن نابليون عزا الثورة الفرنسية إلى روسو أكثر من أي كاتب آخر(89). وقد ذهب إدمند بيرك إلى أن في الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية (1789- 91) خلافاً كبيراً بين زعمائهم على أيهم أقرب شبهاً بروسو. والحق أنهم جميعاً يشبهونه... فإياه يدرسون، وإياه يتأملون، وإليه يرجعون في كل الوقت الذي يستطيعون اقتناصه من شرورهم المجهدة نهاراً أو فجورهم وعربدتهم ليلاً. فروسو هو كاهن كتابهم المقدس... وله يقيمون أول تماثيلهم(90).

وفي 1799 استعاد ماليه دويان إلى الأذهان أن "روسو كان له قراء من الطبقتين الوسطى والدنيا أكثر مائة مرة مما لفولتير. فهو وحده الذي لقح الفرنسيين بعقيدة سيادة الشعب... ومن الصعب ذكر ثوري واحد لم ينتشي بهذه النظريات الفوضوية ولم يشتعل بغيرة تحقيقها... وقد سمعت مارا في 1788 يقرأ "العقد الاجتماعي" ويعلق عليه في الشوارع العامة، فيقابله السامعون المتحمسون بالتصفيق"...(91). واستشهد الخطباء في طول فرنسا وعرضها بأقوال روسو في التبشير بسيادة الشعب؛ وبعض الفضل في استطاعة الثورة أن تعيش عقداً من الزمان رغم خصومها وشططها راجع إلى الترحيب العارم الذي لقيته هذه العقيدة.

وقد اتصل تأثير روسو في السياسة طوال تقلبات الثورات والرجعية. وبسبب تناقضاته، وبسبب القوة والحماسة اللتين بشر بهذه التناقضات بهما، وجد فيه الفوضويون والاشتراكيون على السواء نبياً وقديساً؛ ذلك لأن كلتا الدعوتين المتعارضتين وجدتا غذاء في إدانته الأغنياء وعطفه على الفقراء. وقد ألهمت النزعة الفردية التي اتسمت بها أول "الأحاديث" ورفضته "المدينة" الثوار من بين، وجودوين، وشلي، إلى تولستوي وكرويوتكين وإدوارد كاربنتر. قال تولستوي "كنا أنا في الخامسة عشرة أحيط عنقي بميدالية عليها صورة روسو بدلاً من الصليب المعتاد"(92). وقد وفرت عقيدة المساواة، التي بشر بها ثاني "الأحاديث" موضوعاً أساسياً لضروب متنوعة من النظرية الاشتراكية، من "جراكوس" بابوف وشارل فورييه وكارل ماركس إلى نيقولاي لينين. ويقول جوستاف لانسون "كان كل تقدم أحرز طوال قرن من الزمان في الديمقراطية، والمساواة، وحق التصويت للجميع، وكل دعاوى الأحزاب المتطرفة التي قد نكون موجة المستقبل، والحرب على الثراء والملكية، وكل الحركات المحرضة للجماهير الكادحة المعانية، كل أولئك كان، من بعض النواحي، من عمل روسو"(93) أنه لم يخاطب المثقفين والكبار بالمنطق والحجة، بل تكلم إلى الشعب كله بشعور وحماسة في لغة يستطيعون فهمها، وكانت حرارة بيانه، في السياسة كما في الأدب، أقوى من سلطان قلم فولتير.

الإرادة العامة

الثورة الفرنسية

التأثير على الولايات المتحدة الأمريكية

نقد روسو

پورتريه لروسو في سنواته الأخيرة.


التقدير والتأثير

أعماله الرئيسية

إصدارات بالإنگليزية

  • Basic Political Writings, trans. Donald A. Cress. Indianapolis: Hackett Publishing, 1987.
  • Collected Writings, ed. Roger Masters and Christopher Kelly, Dartmouth: University Press of New England, 1990–2010, 13 vols.
  • The Confessions, trans. Angela Scholar. Oxford: Oxford University Press, 2000.
  • Emile, or On Education, trans. with an introd. by Allan Bloom, New York: Basic Books, 1979.
  • "On the Origin of Language", trans. John H. Moran. In On the Origin of Language: Two Essays. Chicago: University of Chicago Press, 1986.
  • Reveries of a Solitary Walker, trans. Peter France. London: Penguin Books, 1980.
  • 'The Discourses' and Other Early Political Writings, trans. Victor Gourevitch. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
  • 'The Social Contract' and Other Later Political Writings, trans. Victor Gourevitch. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
  • 'The Social Contract, trans. Maurice Cranston. Penguin: Penguin Classics Various Editions, 1968–2007.
  • The Political writings of Jean-Jacques Rousseau, edited from the original MCS and authentic editions with introduction and notes by C.E.Vaughan, Blackwell, Oxford, 1962. (In French but the introduction and notes are in English).

نصوص أونلاين

انظر أيضاً

المصادر

  • Abizadeh, Arash (2001). "Banishing the Particular: Rousseau on Rhetoric, Patrie, and the Passions" Political Theory 29.4: 556-82.
  • Bertram, Christopher (2003). Rousseau and The Social Contract. London: Routledge.
  • Cooper, Laurence (1999).Rousseau, Nature and the Problem of the Good Life. Pennsylvania: Pennsylvania State University Press.
  • Cottret, Monique, Cottret, Bernard, Jean-Jacques Rousseau en son temps, Paris, Perrin, 2005.
  • Cranston, Maurice (1982). Jean-Jacques: The Early Life and Work. New York: Norton.
  • Cranston, Maurice (1991). The Noble Savage. Chicago: University of Chicago Press.
  • Cranston, Maurice (1997). The Solitary Self. Chicago: University of Chicago Press.
  • Damrosch, Leo (2005). Jean-Jacques Rousseau: Restless Genius. New York: Houghton Mifflin.
  • Dent, N.J.H. (1988). Rousseau : An Introduction to his Psychological, Social, and Political Theory. Oxford: Blackwell.
  • Dent, N.J.H. (1992). A Rousseau Dictionary. Oxford: Blackwell.
  • Dent, N.J.H. (2005). Rousseau. London: Routledge.
  • Derrida, Jacques (1976). Of Grammatology, trans. Gayatri Chakravorty Spivak. Baltimore: Johns Hopkins Press.
  • Farrell, John (2006). Paranoia and Modernity: Cervantes to Rousseau. New York: Cornell University Press.
  • Garrard, Graeme (2003). Rousseau's Counter-Enlightenment: A Republican Critique of the Philosophes. Albany: State University of New York Press.
  • Gauthier, David (2006). Rousseau: The Sentiment of Existence. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Lange, Lynda (2002). Feminist Interpretations of Jean-Jacques Rousseau. University Park: Penn State University Press.
  • Melzer, Arthur (1990). The Natural Goodness of Man: On the System of Rousseau's Thought. Chicago: University of Chicago Press.
  • Pateman, Carole (1979). The Problem of Political Obligation: A Critical Analysis of Liberal Theory. Chichester: John Wiley & Sons.
  • Riley, Patrick (ed.) (2001). The Cambridge Companion to Rousseau. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Robinson, Dave & Groves, Judy (2003). Introducing Political Philosophy. Icon Books. ISBN 1-84046-450-X.
  • Starobinski, Jean (1988). Jean-Jacques Rousseau: Transparency and Obstruction. Chicago: University of Chicago Press.
  • Strauss, Leo (1953). Natural Right and History. Chicago: University of Chicago Press, chap. 6A.
  • Strauss, Leo (1947). "On the Intention of Rousseau," Social Research 14: 455-87.
  • Strong, Tracy B. (2002). Jean Jacques Rousseau and the Politics of the Ordinary. Lanham, MD: Rowman and Littlefield.
  • Wokler, Robert (1995). Rousseau. Oxford: Oxford University Press.

أعماله الرئيسية

نسخ بالإنجليزية

  • Basic Political Writings, trans. Donald A. Cress. Indianapolis: Hackett Publishing, 1987.
  • Collected Writings, ed. Roger D. Masters and Christopher Kelly, Dartmouth: University Press of New England, 1990-2005, 11 vols. (Does not as yet include Émile.)
  • The Confessions, trans. Angela Scholar. Oxford: Oxford University Press, 2000.
  • Emile, or On Education, trans. with an introd. by Allan Bloom, New York: Basic Books, 1979.
  • "On the Origin of Language," trans. John H. Moran. In On the Origin of Language: Two Essays. Chicago: University of Chicago Press, 1986.
  • Reveries of a Solitary Walker, trans. Peter France. London: Penguin Books, 1980.
  • 'The Discourses' and Other Early Political Writings, trans. Victor Gourevitch. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
  • 'The Social Contract' and Other Later Political Writings, trans. Victor Gourevitch. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
  • 'The Social Contract, trans. Maurice Cranston. Penguin: Penguin Classics Various Editions, 1968-2007.

نصوص على الإنترنت

Wikisource
Wikisource has original works written by or about:

وصلات خارجية


  1. ^ ول ديورانت; أرييل ديورانت. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود.