جعفر النميري

تعليق

جعفر محمد النميري ( ولد في 1930 )

المنصب رئيس جمهورية السودان فترة الحكم 25 مايو 1969 - 6 أبريل 1985 م الانتماء السياسي حزب الاتحاد الاشتراكي

جعفر محمد النميري ولد في أم درمان عام 1930. حصل على الماجستير في العلوم العسكرية من الولايات المتحدة الأميركية. عمل ضابطا في الجيش السوداني قبل أن يصبح رئيس مجلس ثورة مايو 1969.استمر في الحكم إلى أبريل/ نيسان 1985. رأس حزب الاتحاد الاشتراكي الحاكم. ولجأ سياسياً إلى مصر من 1985 إلى 2000 حيث عاد إلى السودان.

قام النميري عام 1983 بتقسيم الجنوب الذي كان ولاية واحدة إلى ثلاث ولايات (أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية) تلبية لرغبة بعض الجنوبيين خاصة جوزيف لاغو الذي كان يخشى من سيطرة قبيلة الدينكا على مقاليد الأمور في الجنوب، وكان أبيل ألير نائب الرئيس النميري من قبيلة الدينكا ، وكان مسيطرا على جميع أمور الجنوب. ويذكر أن اتفاقية أديس أبابا تنص على جعل الجنوب ولاية واحدة، ولهذا اعتبر البعض تصرف النميري بمثابة إلغاء لاتفاقية أديس أبابا.

ومع أن عهد النميري الذي دام 16 سنة كان قد عرف أطول هدنة بين المتمردين والحكومة المركزية بالخرطوم دامت 11 عاما، فإنه عرف أيضا ظهور الحركة الشعبية وجناحها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما عرف بروز جون جارانج أبرز زعماء المتمردين وشهدت الحرب الأهلية في عهده فصولا دامية.

قام النميري عام 1983 بتقسيم الجنوب الذي كان ولاية واحدة إلى ثلاث ولايات (أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية) تلبية لرغبة بعض الجنوبيين خاصة جوزيف لاغو الذي كان يخشى من سيطرة قبيلة الدينكا على مقاليد الأمور في الجنوب، وكان أبيل ألير نائب الرئيس النميري من قبيلة الدينكا، وكان مسيطرا على جميع أمور الجنوب. ويذكر أن اتفاقية أديس أبابا تنص على جعل الجنوب ولاية واحدة، ولهذا اعتبر البعض تصرف النميري بمثابة إلغاء لاتفاقية أديس أبابا.

ومع أن عهد النميري الذي دام 16 سنة كان قد عرف أطول هدنة بين المتمردين والحكومة المركزية بالخرطوم دامت 11 عاما، فإنه عرف أيضا ظهور الحركة الشعبية وجناحها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما عرف بروز جون قرنق أبرز زعماء المتمردين وشهدت الحرب الأهلية في عهده فصولا دامية

كانت هذه البداية لقصة ثورة مايو (لمجيدة!!!) التي اندلعت عام 1969 بقلب نظام الرئيس الأسبق "الفريق إبراهيم عبود"... كالعادة استبشر الناس خيرا بذلك الفتى القادم من الشمال لانقاذ الشعب السوداني الذي تردت أحواله وأصبح يتخبط ما بين الحكم العسكري ارة وحكم الأحزاب تارة أخرى... فانت ثورة مايو استمرارا لحلقات (يموقراطية-عسكرية) وهكذا أصبحنا نستمتع بمشاهدة الساسة يلعبون امامنا لعبة الكراسي ونحن نصفق لهم ونهتف بحياتهم ثم ما نلبث ان نلعن اليوم الذي جاء بهم إلى كراسي الحكم....

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

جعفر نميري: السطوع والأفول

يراه البعض قائدا والبعض الأخر ديكتاتورا.. تحالف مع الشيوعيين ثم انقلب عليهم وانقلبوا عليه

يبدأ يومه بصلاة الصبح حاضرا في منزله الشعبي العتيق في حي «ودنوباوي» الشهير في مدينة ام درمان، ثم يقرأ في ذات الصلاة جزءا او جزءين من القرآن الكريم، قبل ان يحضر نفسه للخروج الى مكتبه في دار حزبه، الوليد المتعثر: «تحالف قوى الشعب العاملة» في شارع الجامعة، اشهر شوارع قلب الخرطوم. وهناك، يقول احد المقربين، من الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، الذي يصفه خصومه بالدكتاتور، وأنصاره بـ«القائد»، يلتقي نميري بأنصارالحزب اولاً، ثم اصحاب الحاجات ثانيا، ليفسح من بعد وقتا متسعا لرجال من حوله وهم: معاونوه في الدار؛ (اصدقاء، اوفياء، أصيلون)، كما يحلو ان يسميهم، حيث ظل نميري يردد طوال عهد حكمه الذي استمر 16 عاما ان المسؤولين في حكمه نوعان: «الأجير والاصيل».

وفي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، يلملم «الرئيس المخلوع»، كما نعته بتلك الصفة قطاع واسع من الشعب السوداني اشياءه وحصيلة اليوم من الحكايات، وهي في الغالب اشواق ممتدة، وضروب من فعل الماضي، وكان واخواتها، ويقفل عائدا عبر شارع النيل في الخرطوم، ثم شارع الموردة في ام درمان، ليحط رحاله في منزله بـ«ودنوباوي»،

وهو منزل والده الذي تربي فيه والذي يشرف على منزل ووالد زوجته بثينة خليل. نميري لا يعرف النوم في العصر، كما اعتاد اغلب السودانيين الذين يشغلون مناصب حكومية، او وظائف في الدولة. أحد المقربين منه قال لـ«الشرق الاوسط»: عندما كان قائدا للبلاد يعمل لاكثر من عشرين ساعة متصلة في اليوم الواحد،

وعليه تراه في العصر. وبعد تناول وجبة الغداء، يعيد ترتيب هندامه، ويحضر نفسه لاستقبال الاهل والاصدقاء والاوفياء، وكل هذه القائمة.. واحيانا يخرج في مشاوير لقضاء واجبات اجتماعية من تعازٍ في سرادق العزاء، او مشاركة في مراسم زواج، او زيارة مريض.

نميري، 76 عاما، لا يأكل كثيرا، ولكنه حريص على تناول الوجبات الثلاث، ويفضل «الصنف الواحد» من الطعام وبكميات قليلة. ويقول مقربون ان سبب قلة اكله يعود على الأرجح الى آلام شديدة يعانيها في احدي ركبتيه بسبب ضربة قديمة، وآلام اخرى في الحوض بسبب تعرضه لانزلاق اثناء تحركه من موقع الى آخر داخل منزله.

وينفي مقربون منه ان نميري مصابٌ بمرض عضال، ويعزون حالة الارهاق التي تبدو على محياه الى تقدمه في السن، ولكن السودانيين كلما توجه نميري الى واشنطن، من عام الى عام، لإجراء فحوص طبية امتلأت مجالسهم بانه سافر للتداوي من مرض عضال، ويرددون بانه يواظب على الذهاب الى الولايات المتحدة لمراجعة عملية جراحية اجريت له في وقت سابق تتعلق بنظام ضخ الدم في جسمه، خاصة رأسه. منذ عودته من منفاه في القاهرة في 22 مايو (ايار) عام 1999،

لم يغادر نميري نطاق العاصمة السودانية في حركته إلا مرات محدودة حيث طار بعد عودته بأسابيع ضمن وفد حكومي وسياسي كبير الى منطقة «هجليج» غرب البلاد ليشهد احتفالا اقيم هناك بمناسبة بداية الضخ التجاري للنفط السوداني نهاية عام 1999. كما زار مسقط رأسه (قرية ود نميري) شمال السودان في الاقل ثلاث مرات،

لأداء واجبات اجتماعية. ومنذ عودته «الشجاعة» حسب انصاره او «المنكسرة» حسب خصومه، غادر نميري السودان الى اربع دول وهي: الى الولايات المتحدة لإجراء فحوص دورية درج على اجرائها من عام الى آخر هناك لأكثر من 30 عاما، والى القاهرة نحو ثلاث مرات للملمة باقي اشيائه في المنفى، ولوداع المصريين، ولاسباب صحية. كما زار كلا من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات،. ويلاحظ الناس في الخرطوم ان الرجل رغم سجل حكمه الملطخ بالتعذيب والقتل والإقصاء،

يتجول طليقا في شوارع الخرطوم وحتى في رحلاته الداخلية والخارجية، إلا من حارس واحد، ويقول في هذا الشأن: «لست خائفا من أي شيء ولي حراسة من الدولة، مش حراسة لكن متابعة.. ولقد رفضت ذلك عدة مرات ولكنهم أصروا عليها». ويشبه المراقبون راهن الدكتاتور السوداني السابق نميري، الذي اقتلعته من سلطة قابضة

استمرت 16 عاما، عاصفة شعبية في السادس من ابريل (نيسان) عام 1985، يصادف هذا اليوم، بدكتاتور الكاريبي «اورليانو بوينديا»، وهو حاكم متسلط فَقَدَ سلطته. ورسم صورته تلك الروائي العالمي الكولمبي غابريال غارسيا ماركيز في روايته «ليس لدى الكولونيل من يراسله». ومن بين حالته الهستيرية ان دخل الكولونيل مطبخا بائسا في منزله البائس، في طرف المدينة، وملأ ابريق القهوة بالماء ووضعه على النار، ثم رفع علبة البن، ولكنه وجدها فارغة،

إلا من بقايا ملتصقة على اطرافها، مما اضطر الى «كردها» بملعقة بعصبية واستياء بالغ، ووضعها بذات العصبية والاستياء على الماء المغلي. كما لم يجد من السكر في علبته غير قليل على الاطراف وضعه على الابريق، كمن يقذف بشيء في السلة، لتنتهيَّ العملية بفنجان قهوة مصنوعة من «البقايا».. وضعها على الطاولة وجلس يرتشفها ويبحر ويهيم في ذكريات الايام الخوالي، حين كان هو الاول والأخير في البلاد.

وعلى نسق الكولونيل او الجنرال الذي ليس له من يراسله، يمارس نميري هذا الضرب من الحنين في منزله ومكتبه بدار «تحالف قوى الشعب العاملة»، وسرادق العزاء، مع من حوله ممن يطلق عليهم الاصيلين،

و«انصاره من جماهير الشعب السوداني الموجودين في كل مكان». كما يعتقد في حديث لـ«الشرق الاوسط» إلياس الأمين احد «الاصيلين» المقربين من نميري، حتى الآن، وهو عضو سابق بالبرلمان في عهد نميري، ومدير مراسمه لسبعة اعوام. ويحرص الأمين على ان يسبق حديثه عن نميري بصفة «الزعيم القائد».

ليست لدى نميري املاك خاصة او استثمارات يديرها داخل السودان او خارجه، كما يقول اعوانه. ففقط، لديه قطعة ارض غير مستثمرة في قرية «ودبلال» على بعد بضعة كيلومترات جنوب الخرطوم، ومنزل في مدينة «ود مدني» جنوب الخرطوم، وهي ثاني اكبر مدينة في السودان.

وقال نميري في احد الحوارات الصحافية معه حين سألوه عن وضعه المادي، وماذا يمتلكا: «لي معاشي الشهري». وأضاف: «معاش رئيس الجمهورية معاش كويس ما بطال بيأكلني أنا وزوجتي». وكانما يشير نميري في هذا الخصوص الى تعديلات اجراها البرلمان السوداني العام الماضي في لائحة استحقاقات الرؤساء السابقين وجملة من المناصب الدستورية في البلاد،

وصفها المعارضون بأنها جاءت «باهظة التكلفة على الميزانية العامة». وشملت اللائحة الى جانب نميري، كلا من الزعيم الراحل اسماعيل الازهري، والصادق المهدي، واحمد الميرغني، وأعضاء مجلس السيادة السابقين، ورؤساء البرلمان السابقين، وغيرهم. ويشير اعوان نميري ان الاخير يجد كل الدعم والعون من الرئيس عمر البشير، حيث يتفقد احواله من وقت لآخر عبر رسول ويقدم له كل التسهيلات. وتشيع المدينة ان نميري هبط إلى منفاه في القاهرة بأموال طائلة، ولكنه فقدها في اعوام وجيزة عبر استثمارات فاشلة تولاها بدلا عنه سودانيون ومصريون. ولم تبق له سوى شقتين في عمارة واحدة استولى عليهما احد اعوانه المقربين منه، ولكن «قبل ان يهنأ بهما انهارت العمارة على من فيها»، كما يقول إلياس الامين. واضاف «كِدت اصدق ان نميري في بحبوحة من العيش في القاهرة ولكن عندما زرته وجدت انه بلا مال ولا ولا شيء سوى الاصدقاء والاوفياء».

يرتب نميري الآن، حسب مقربين، لانشاء كلية للدراسات الجامعية والدراسات العليا الاخرى، وهي ممنوحة له من الولايات المتحدة.

ويقولون ان العمل يمضي على قدم وساق لاكمال انشاء الكلية في الاشهر المقبلة. وربما فتحت ابوابها خلال الاشهر المقبلة، وفقا لمقربين.

ما سبق يعتبر آخر محطات نميري في«خطوطها» العامة والخاصة. لكن رحلته عموما كانت طويلة محفوفة بالمغامرات والقفز في الظلام، ولعب على كل الحبال، وطرق على اليمين ثم على اليسار، والسير احيانا بكوابح، واحيانا كثيرة من دونها، سلكها نميري خلال عمره الطويل الى ان صار وحيدا. ولد نميري في مدينة أم درمان في السادس والعشرين من ابريل (نيسان) عام 1930 من والدين هما: محمد نميري، وآمنة نميري اللذان قدما قبل زواجهما الى ام درمان من بلدة ود نميري في الشمال بالقرب من مدينة دنقلا من اجل لقمة العيش، وقبل ان يتزوج والده عمل جندياً في «قوة دفاع السودان» لكنه بعد الزواج ترك العمل في الجيش واختار العمل ساعياً في شركة سيارات. وعندما افتتحت الشركة فرعاً لها في واد مدني انتقل والده الى الفرع واستقر به المقام هناك مع اسرته التي باتت تتكون من الاب والأم وثلاثة ابناء هم: مصطفى، ونميري، وعبد المجيد الذي توفيَّ وهو في الرابعة والعشرين من عمره.


قالت والدته يوما عندما سألها نميري عن سر اختيارها هي ووالده اسم جعفر لمولودهما الثاني، فقالت انها رأت في حلم اثناء حملها به بأنه اذا جاء المولود ذكر تسميه جعفر تيمناً بـ«جعفر الطيار» الذي هو جعفر بن ابي طالب شقيق الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه.

ويضيف نميري «تذكرت ما قالته الوالدة هنا بعدما اصبحت رئيساً للسودان حيث انني في الاشهر الثلاثة الاولى من بداية الترؤس كنت احلم يومياً بأنني اطير واسمع الناس من حولي يقولون: «شوفوا الزول ده (اي انظروا الى هذا الانسان) الذي يطير.

ويتذكر نميري كيف انه عندما انتقل والده ووالدته من ام درمان الى ودمدني انه في بعض الاحيان كان يقود بعض حمير اهل الحي وينظفها في مياه النيل، وان هذا العمل جعله محبوباً بين الناس وعمق في نفسه اهمية التعاون. كما يقول «كنت البارز في الالعاب، وغالباً ما كنت أرأس فريق كرة القدم عندما نمارس اللعبة في حي ودنوباوي».

وفي هذا الخصوص، يقول نميري في حواراته الصحافية: «اتذكر قساوة الحياة التي عشناها. وأتذكر في الوقت نفسه كيف ان مرتب والدي عندما احيل إلى المعاش لم يتجاوز تسعة جنيهات. وبسبب ضآلة هذا المرتب حرص والدي على ان يعلمنا. عشنا قساوة الحياة، ولكي يؤمن لي والدي فرصة الدراسة الكاملة فانه طلب من اخي الاكبر ان تتوقف دراسته عند المرحلة المتوسطة ويبدأ العمل».

تدافع الاخوان لتحسين حال الاسرة الفقيرة، فعمل مصطفى، الاخ الاكبر براتب قدره اربعة جنيهات شهرياً، وأكمل نميري دراسته وتمكن من الالتحاق بالثانوية العليا مدرسة «حنتوب الثانوية»، ولكن نسبة للظروف المادية الصعبة التي تواجه الاسرة بصورة لا تسمح بتوفير مطالب دراسته، قرر نميري بعد اكمال المرحلة الثانوية الالتحاق بالقوات المسلحة بدلا من دخول الجامعة.

ويقول في حديث مع فؤاد مطر في هذا الخصوص: «الذي شجعني على ذلك شعوري بأن التحاقي بالكلية الحربية سيؤمن لي دخلاً أساعد به عائلتي، وكان الدخل عبارة عن اربعة جنيهات ونصف الجنيه شهرياً للضابط حديث التخرج، أرسل نصفه الى والدي ووالدتي مع مبلغ آخر يرسله اخي الى الوالدين».

التحق ابن الاسرة الفقيرة بالكلية الحربية عام 1949، وانتابه شعور مزدوج بالفرح في موقعه الجديد لسببين؛ الاول: عندما «قبض» اول راتب وقدره جنيهان ونصف الجنيه لطالب الكلية الحربية، وخروجه من دائرة الاتكال والاعتماد على الاخرين، فضلاً عن انه اصبح في امكانه تقديم المساعدة لاسرته الفقيرة، وذلك بالاضافة الى إشباع حبه للعمل الشاق والحيوية والرجولة الموجودة في الحياة العسكرية.

ويروي نميري بأنه عندما تسلم المرتب للمرة الاولى اقتطع منه سبعين قرشاً ثم اشترى بجزء من المبلغ المتبقي حلوى ولُعُباً ومشى مسافة عشرة كيلومترات ليوفر ما كان يجب ان يدفعه مقابل الانتقال بالسيارة. ويضيف: «قدمت من هذا المرتب الحلوى واللعب الى اطفال العائلة الذين شعروا بأنهم ذاقوا حلاوة النقود التي حصل عليها ابن عمهم من الكلية الحربية».

تخرج نميري في الكلية الحربية عام برتبة ملازم ثان، والتحق بالعمل في القيادة الغربية مركزها مدينة الفاشر. ويروي هنا: «عندما التحقت بالغربية شعرت بشيء من الهيبة بسبب ان العسكريين الذين يعملون في هذه المنطقة هم الاشد بأساً في السودان»، ثم تنقل نميري في عدة مواقع عمل في الجيش السوداني شمالا وجنوبا. واتهم عام 1955 بتدبير انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي القائم في البلاد في ذلك الوقت، غير انه «تبين للقيادة بعد التحقيق معه ان الامر ليس اكثر من وشاية وبعدما تبين لها ذلك حُفظ التحقيق».

ولكن ظلت الجهات الامنية آنذاك ترصد لنميري تحركات ضد السلطة الحاكمة خاصة حكومة ما بعد ثورة اكتوبر التي اطاحت نظام الرئيس ابراهيم عبود، مما اضطرت السلطات اثر تواتر التقارير ضده الى نقله من الخرطوم الى كسلا بصورة اقرب الى النفي، ولكن رغم ذلك امرت حكومة الصادق المهدي المنتخبة بعد ثورة اكتوبر اقتياده من كسلا ووضعه في المحبس في احد معسكرات الجيش في الخرطوم. وجرى التحقيق معه حول محاولة انقلابية فاشلة قادها ضابط اسمه خالد الكد، وهو الراحل الدكتور خالد الكد،

غير أن التحقيق لم يتوصل الى ما يجرِّم نميري في المحاولة الفاشلة. ولكن كل ذلك لا يعني ان نميري لم يكن يفكر بصورة سرية وجادة في الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري لوضع حد لكل المخاطر وللتردي المتواصل للاوضاع في البلاد، وعليه عقد هو ومجموعته اجتماعات في الخرطوم وفي مدن اخرى. وبين معارض ومؤيد من الضباط للانقلاب انقض نميري على الحكومة المنتخبة وكان وقتها يعمل في المنطقة العسكرية بـ«جبيت» شرق السودان. ويَحكي نميري في ذكرياته ان محمد ابراهيم نقد،

زميل دراسته في حنتوب والسكرتير العام للحزب الشيوعي جاء اليه في موقع ما في الخرطوم وأخذه الى منزل ليلتقي هناك بالقيادي الشيوعي والنقابي آنذاك الشفيع احمد الشيخ، وقال له الاخير: «انه يرى ان الظروف ليست مواتية على الاطلاق للقيام بحركة عسكرية». وبعد خروجه من المنزل، ساور نميري شعور بان خطة الانقلاب قد انكشفت، وعليه بدأ يسابق الريح والظروف لتنفيذ الانقلاب قبل إحباطه من جهة ما، وكان اللقاء قبل 48 ساعة على ساعة الصفر المحددة في الخطة.

ويقول نميري في حوار صحافي سابق «كان لابد ان نمنع الحزب الشيوعي السوداني من الوشاية بالحركة فقدمنا ساعة الصفر «24» ساعة، وقمت بحركة تكتيكية حيث انني سألت عن منزل عبد الخالق محجوب وتوجهت اليه مساء اليوم الذي تم في فجره التحرك.. طرقت الباب ففتح احد الاشخاص سألته عن عبد الخالق، فنادي عليه، جاء عبد الخالق وصافحني وكان يرتدي ملابس منزلية، وقادني الى احدى الغرف في الداخل لم أتركه يتكلم، وبدأت الحديث على الفور فقلت له: «انني جئت لأبلغه بان تنظيم الضباط الاحرار نفذ الخطة واستولى على السلطة في الخرطوم.. ان منزلك محاصر وسيتم اذاعة البيان الاول خلال ساعات،

كما انه تم الاستيلاء من جانب عناصرنا التي ترتدي الثياب المدنية على جميع المرافق الاساسية في العاصمة، وان اي تحرك او اتصال من جانبك او حتى الخروج من المنزل قبل السابعة صباح غد، سيُعرِّض حياتك الشخصية للخطر.. وحاول عبد الخالق ان يعلق، ولكني لم اعطه فرصة، وغادرت المنزل مرتاحاً الى النتائج حيث انني لاحظت على وجه عبد الخالق وأنا احدثه ملامح الخوف والفزع الشديد. وما دام رد فعله على هذا النحو، فمعنى ذلك انه لن يتحرك».

توالت الأحداث سِراعا من بعد الى ان استولى نميري على السلطة بسهولة في صباح 25 مايو عام 1969. قبل نميري التعامل مع الحزب الشيوعي رغم انه يرى خلافات تسري في ساحة الحزب حول عملية الانقلاب نفسه، فيما تحمس فريق من الشيوعيين لنميري واطلقوا على انقلابه ونظامه «ثورية ماي». وغنى مغنيهم لنميري «يا حارسنا،

ويا فارسنا، ويا نحنا.. ومدارسنا، كنا نفتيش ليك، جيت الليلة كايسنا». ثم غنى: «ابوعاج يا اخوي دراج المحن». و«بأدبيات الحزب الشيوعي والناصرية، نقض نميري كل برامج السنتين الاوليين من نظامه»، كما قال لـ«الشرق الاوسط» الصادق المهدي، زعيم حزب الامة المعارض، وأحد ألدِّ اعداء نميري المعروف بكراهيته للاحزاب التقليدية المعروفة بالطائفية، وان ثورة كهذه تعني اجهاضاً مبكراً للحركة الشعبية التي يقودها الحزب الشيوعي السوداني.

ولكن شقة الخلافات بين نميري والشيوعيين توسعت بعد اقل من عام، حيث يري فريق منهم؛ وعلى رأسهم سكرتير الحزب آنذاك عبد الخالق محجوب، وفاروق حمد الله، وهشم العطا، وبابكر النور، وبينهم من هو ضد الانقلاب مثل الشفيع احمد الشيخ؛ ان نميري قد ضل الطريق وتحول بين ليلة وضحاها الى حاكم متسلط، فخطط فريق من هؤلاء بقيادة الضابطين هشم العطا وفاروق حمد الله لتنفيذ انقلاب على الانقلاب باسم «الثورة التصحيحة».

ويروي نميري في هذا الشأن: «في هذه الاثناء طلب السماح له بالسفر الى لندن للعلاج فسمحنا له، وطلب السفر الى نيروبي فسمحنا له، لكنه سافر من نيروبي الى لندن، وأقام فيها. وفي الوقت نفسه بدأ هاشم العطا يقوم بتحركات مشبوهة، وهو في الخرطوم ويتصل بالضباط، فقررنا وضعه تحت مراقبة اجهزة الامن».

وبعد ايام من الاحداث المتوالية ولعبة القط والفأر، وقع الانقلاب ضد نميري في حوالي الثالثة بعد ظهر يوم الاثنين 19 يوليو(تموز) 1971، وهو الانقلاب المعروف بـ«انقلاب هاشم العطا»، ولكن نميري وأعوانه احبطوا الانقلاب بعد اربعة ايام، «بسبب الخلافات التي سادت اضابير الحزب الشيوعي»،

كما قال لـ«الشرق الاوسط» أحد الشيوعيين المشاركين في نظام نميري، طلب عدم ذكر اسمه. وفي رواية لنميري حول تفاصيل الانقلاب، قال «أمضيت في الغرفة بالقصر الجمهوري ايام «19 ـ 20 ـ 21 ـ 22» يوليو أتأمل وأفكر في كل ما اقدمت عليه في حياتي ولم اجد نفسي نادماً على شيء فعلته حتى انني لم اندم على رفعي المراقبة عن هاشم العطا». ونصب نميري لمدبري الانقلاب المجازر في منطقة الشجرة العسكرية جنوب الخرطوم، طالت بالاعدام كلا من: سكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، هشم العطا، وفاروق حمد الله، والشفيع احمد الشيخ، وقائمة من المدنيين والعسكريين، وزُجَّ بالباقي في السجون، لتبدأ مرحلة العداء السافر الممتد بين الشيوعيين ونظام نميري.

ثم دخل نميري في مواجهة مع زعيم الانصار في ذلك الوقت الامام الهادي من معتقله في «الجزيرة ابا» جنوب الخرطوم، وانتهت هي الاخرى بمجزرة ضد الانصار، طالت المئات بمن فيهم الامام الهادي الذي لاحقه جنود نميري وقتلوه على الحدود مع اثيوبيا شرقا. وبذلك وضعت احداث الجزيرة حجر أساس متينا لخصومة طويلة بين الانصار ونميري.

وقضى نميري بسهولة على الانقلاب الثاني بقيادة الضابط حسن حسين في سبتمبر (أيلول) عام 1975، ويقول حوله «انها محاولة محدودة ومعزولة والدليل على ذلك ان الذين اشتركوا فيها كانوا عبارة عن اعداد قليلة من الجنود وصغار الجنود يجمعهم انتماؤهم العنصري الى منطقة واحدة». وفي عام 1976 خططت المعارضة السودانية من الخارج وتضم: الحزب الشيوعي وحزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي بالتعاون مع السلطات الليبية لانقلاب عسكري ضد نميري بقيادة العقيد محمد نور سعد وكاد يستولي على السلطة، ولكنه احبط، وقتل نميري المشاركين في الانقلاب بمن فيهم قائده، وأطلق على المحاولة «انقلاب المرتزقة».


وفي خضم معاركه المباشرة مع خصومه في الاحزاب السودانية، لم ينس نميري اللعب بكل القوى التي تتيح له الفرصة للامساك بها. ويلخص الصادق المهدي في حديثه لـجريدة الشرق الاوسط مسيرة نميري في انه «حاول ان يلعب كل الاوراق لأنه أصلا فارغ من اي مضمون آيديلوجي فأصابته موجة الانقلابات العسكرية التي اتسمت بها الدول العربية وقادها من يسمون انفسهم بالضباط الاحرار، فجاء على راس الشيوعيين واختلف معهم وعاملهم بوحشية واستهدى بمصر الناصرية ثم مصر الساداتية ولجأ الى الغرب وحاول ان يصالح الاحزاب وفشل، وهذا ما دفعه الى ولوج خط الاسلام بصورة لا تراعي ظروف السودان، فوقع الاستغلال المتبادل؛ هو يحتاج الى فكرة وهم يحتاجون الى واجهة، ولكن في خاتمة المطاف فشل التحالف مع الاسلاميين فدخل في صدام مع النقابات والأحزاب،

فأسقطه الشعب عبر الانتفاضة في السادس من ابريل». ويضاف الى هذا ان نميري طوال الاعوام ما بعد انتهاء العلاقة بينه وبين الشيوعيين، رمى نفسه خارجيا في حضن الولايات المتحدة الى ان ذهب بغير رجعة.

ويقول نميري في هذا الصدد «منذ 15 عاماً كنا قد وضعنا خطة لأن يصبح السودان أميركا افريقيا لأننا نملك الأرض والناس والإمكانات ولنا علاقات دولية واسعة». ويرصد الموالون لنميري ايجابيات الرجل في انه جلب السلام للسودان لمدة عشرة اعوام عندما وقع مع المتمردين في جنوب السودان اتفاقا في اديس ابابا عام 1972، ولكن نسفه بنفسه عام 1983 لتندلع الحرب من جديد بين الشمال والجنوب.

ورى مؤيدوه انه هو الذي أنهى موجة لعطش التي كانت تسود الريف السوداني لعهود بعيدة عندما نفذ برامج محاربة العطش في السبعينات من القرن الماضي، وانه اخرج شباب السودان من بيت الطاعة العمياء للطائفية. ويحكي الياس الأمين في هذا الخصوص، ان نميري قال لهم انه سعيد بمظاهرات اندلعت ضده اواخر عهده عرفت بأحداث شعبان، ومنبع سعادته ان من بين المتظاهرين تلاميذ مدرسة في «الجزيرة ابا» المعقل الرئيسي لطائفة الانصار التي يرفضها نميري بقسوة، وان تلك الخطوة من التلاميذ تعني ان مايو حررت سكان الريف من الطاعة العمياء للطائفية.

ويحسب له أنصاره انه أقام جملة مصانع للسكر ساهمت في دعم الاقتصاد السوداني. ويرد نميري على اسئلة الصحافيين في هذا الجانب بأنه «قد بنى وطناً عزيزاً سيداً». ويقول كنا «أكثر حكومة ديمقراطية أتت للسودان.. كان يمكن أن تزيد الديمقراطية فيها». أما خصومه، فيرون ان نميري هو الذي دمر السودان سياسيا واقتصاديا.

وفي عهده بدأت رحلة تدهور النظام الاداري في السودان، وهو النظام الذي ساهم في بناء انظمة الكثير من الدول المجاورة قبل ان تطاله أيدي المخربين من نظام مايو. ويقولون انه ساق البلاد بدون فكرة محددة فوصل بها الى حدود الانهيار في كل شيء، ويتهمونه بممارسة العنف والارهاب ليس ضد المعارضين وانما ضد الذين يعملون معه من السياسيين. وتحكي مجالس الخرطوم ان نميري يعزل وزراءه فجأة عبر نشرة اخبار الثالثة ظهرا في الاذاعة السودانية بصورة درامية.

ويُشاع بأنه يحتد في الحديث مع المسؤولين في حكومته يصل الى حد الضرب، ولكن نميري ينفي ما يشاع تماما، ويقول «انها فِرية.. انا اتخذ كل القرارات حسب الدستور والقانون». ويرى المعارضون ان من اهم الممارسات التي ساهمت في إسقاط حكم نميري محاولة ضرب النقابات، ثم ترحيل اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل، واعدام زعيم الجمهوريين محمود محمد طه بصورة بشعة، والتطبيق التعسفي للقوانين الاسلامية، عندما تحالف مع الاسلاميين بزعامة الدكتور حسن عبد الله الترابي وأطلق على نفسه «إمام المسلمين».

على كل، سافر نميري في رحلة علاج الى واشنطن في الاسبوع الاخير من مارس (آذار) عام1985 ، فبلغت مسببات الغضب على نظامه درجاتها العليا. وخرج الناس الى الشارع تقودهم النقابات والاتحادات والاحزاب بصورة أعيت حيل أعتى نظام أمني بناه نميري في سنوات حكمه، فأعلن وزير دفاع النظام آنذاك، الفريق عبدالرحمن سوارالذهب ،

انحياز القوات المسلحة للشعب، حين كان نميري في الجو عائدا الى الخرطوم ليحبط الانتفاضة الشعبية، ولكن معاونيه نصحوه بتغيير وجهته الى القاهرة، لان «اللعبة قد انتهت». ومن آخر أقوال نميري في أمل إحباط النظام؛ تصريحات شهيرة أطلقها في القاهرة، جاءت فيها: «ما في زول يقدر يشيلني»، ولكن المنفى امتد اربعة عشر عاما، رقدت خلالها على طاولته اسئلة بلا اجابات، والدليل رده على سؤال ملح بعد عودته الى الخرطوم حول مَنْ الذي أسقط مايو هو: «لا.. أعرف!».


التعليــقــــات

م. الحسن فؤاد أمين، «المملكة العربية السعودية»، 06/04/2007 إن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها العرب بصورة عامة هي عملية تجاهلهم وإهمالهم للتاريخ الحديث، والذي سيكون يوما ما تاريخا قديما للأجيال اللاحقة، والحديث عن أي زعيم هو حديث عن تاريخ أمة يجب أن يُكتب بشفافية وتجرد حتى يجد الباحث عن الحقيقة ما يطفيء ظمأه. الرئيس نميري رجل ذو كاريزما خاصة، إختلف معه الكثيرون، واختلف هو مع الكثيرين، لكن هناك الكثير من أهل السودان الذين يرون أن الرجل حقق نقلة نوعية في حياة السودانيين، قد يكونون محقين في نظرتهم لتلك النقلة، أو ربما تكون نظرتهم تلك ناتجة عن الإحباط الذي أصاب الشعب السوداني من الحكومة الديموقراطية التي أعقبت الإنتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس نميري.


جمال محمود، «المملكة العربية السعودية»، 06/04/2007 جعفر نميري شخصية وطنية غيورة، في بداية عهده التف حوله الشعب بجميع فئاته حقق التنمية واقام المشاريع ورصف الطرق واعلن مجانية العلاج والتعليم واهل الضباط في القوات المسلحة والشرطة ولاول مرة في تاريخ السودان يحمل العسكريون الدرجات العلمية الرفيعة في كل المجالات وحقق السلام في الجنوب واسس نظاما بديلا للادارة الاهلية وعمل الكثير والكثير الذي لايمكن حصره في هذه العجالة، ولكن حورب من داخل نظامه من الخونة الذين حاولوا اسقاطه مرات ومرات واخيرا اسقط بعملية جبانة ظل منفذوها يرتجفون من الخوف طيلة فترة وجودهم في الحكم وبعدها وربما الى الان والتاريخ سيحكي للاجيال القادمة عن هذا النظام، ولو ظل نميري في الحكم حتى الان لتبدل الحال، والحمد لله على كل حال.

عوض ازرق، «المملكة العربية السعودية»، 06/04/2007 الرئيس نميري هو جزء غالي من ثاريخ بلادنا الحبيبة وهو كما قال الشاعر جعفر ابننا الاسمر له الاجلال والسلام والدعاء المخلص.

الخرطوم: إسماعيل آدم جريدة الشرق الاوسط السعودية

مرئيات

السادات يستقبل النميري، ح. 1971

المصادر

http://www.islamonline.net/arabic/Karadawy/part3/2003/12/article05.shtml

http://www.sudanradio.info/php/vb.353/showthread.php?p=16241 http://taeralshmal.jeeran.com/archive/2007/9/315126.html

http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=45&article=413895&issue=10356