الكون

الكون في العصور الوسطى القديمة كما تم تصويره في كوزموگرافيا پيتر أپيان (أنتوِرپ، 1539).

الكون Cosmos، قد يُعرف على أنه نظام معقد ومنظم، مثل كوننا؛ المعاكس للفوضى. وهو الفضاء الكوني الذي ينظر إليه كمنظومة منظمة.[1] الفيلسوف فيثاغورس يعتبر أول شخص يستخدم مصطلح الكون cosmos (باليونانية κόσμος) لتنظيم الفضاء الكوني.[2]

والكون هو مجموع كل المادة والطاقة. والمدى الحقيقي للكون غير معروف حتى اليوم إلا بصورة مبهمة على الرغم من التقدم الهائل في كل من تقنيات الرصد وتجهيزاته.

يبدو كوكب الأرض كبيراً بالنسبة لبني البشر مع أنه صغير جداً إذا ماقورن بالشمس التي ليست سوى واحد من مئة مليار (1110) نجم في مجرة درب التبانة. ومهما كانت هذه الجزيرة الكونية كبيرة فهي صغيرة جداً إذا ما قورنت بعناقيد ألوف من مثل هذه المجرّات الموجودة في الكون الذي تمتد الرؤية الفلكية إليها، وإلى ما بعدها. [3]

المسافة والزمن

يفرض حجم الكون الهائل، كما تفرض المسافات الكبيرة بين الأجسام بعض القيود على رصد المجرات البعيدة، فسرعة انتشار الضوء في الفضاء تبلغ 300.000 كم/ث؛ ولذلك يحتاج الضوء نحواً من 8.3 دقيقة ليصل من الشمس إلى الأرض. وعلى هذا يمكن استخدام الزمن اللازم ليقطع الضوء مسافة معينة مقياسا لهذه المسافة (فيقال إن الشمس تبعد عن الأرض مسافة 3.8 دقيقة ضوئية). وهذا يعني أن الشمس تُرى الآن كما كانت حين غادر الضوء سطحها قبل 8.3 دقيقة مضت. ولذلك لايُرى سوى الماضي وليس الحاضر على الدوام. ويصبح هذا «النظر إلى الماضي» ذا شأن أكبر حين تزداد المسافات، فأقرب مجرة كبيرة مشابهة لدرب التبانة تقع على بعد مليوني سنة ضوئية تقريباً (أي 1.89×1910 كم). والصورة الفوتوغرافية المأخوذة اليوم لهذه المجرة تسجل الضوء الذي بدأ رحلته عبر الفضاء منذ مليوني سنة، أي حين بدأ أول ظهور للإنسان العاقل على الأرض.

معظم النجوم لا تتغير إلا قليلاً في مئة أو مليون أو حتى مليار سنة؛ ولذلك فإن «التأخر الزمني» الذي يسببه بُعدها لا يسبب مشكلة. حتى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد مليوني سنة ضوئية لم تتغير تغيراً ذا شأن في مدة رحيل الضوء منها. فبعض النجوم ماتت وتشكلت بعض النجوم الجديدة، والمجرة كلها دارت ما يقارب 1/100 من الدورة. لكن بنية المجرة الإجمالية ومحتواها لم يتغيرا لأن الزمن الذي أمضاه الضوء في رحلته لا يشكل سوى جزء صغير من زمن تطور هذه المجرة. لكن هذا لا ينطبق على المجرات البعيدة جداً، التي أمضى الضوء في رحلته إلينا عبر الفضاء جزءاً كبيراً من عمر الكون. فمجرة تبعد 1010 سنة ضوئية (9.46 × 2210 كم) تُرى كما كانت حين كان الكون في منتصف عمره الحالي؛ وربما تكون هذه المجرة قد تغيرت تغيراً كبيراً في أثناء هذه المدة. ولذلك يمكن أن يُدرس الكون ومجرّاته في أزمنة أقدم فأقدم بمجرد إجراء أرصاد على مسافات أكبر فأكبر.

من الواضح أن حساب المسافات إلى المجرات البعيدة يشكل جزءا مهماً من علم الفلك الحديث؛ لأن حساب المسافة يحدد كذلك العمر النسبي للأجسام المدروسة. ويبين رصد الخطوط الطيفية من المجرات البعيدة أنها منزاحة عن أطوالها الموجية العادية التي تقاس في المخبر نحو الطرف الأحمر من الطيف. ويعود هذا الانزياح الذي يدعى انزياح دوبلر إلى حركة هذه المجرات مبتعدة عن مجرة درب التبانة؛ ويتناسب الانزياح مع سرعة المجرة. ومعظم المجرات تتحرك مبتعدة عن درب التبانة، والمجرات الباهتة الضوء تبتعد بسرعة أكبر. وقد بين الفلكي الأمريكي هَبل إ. پ هبل أن هذا عائد إلى توسع عام للكون، وبرهن على أنه توجد العلاقة الآتية بين سرعة مجرة ما v بالنسبة لجسم ما وبعدها عنه d: v = H0d، حيث يدعى ثابت التناسب H0 ثابت هَبل، وهو يدل على معدل التوسع. وبالإمكان استخدام هذه العلاقة لتعيين المسافة إلى مجرة ما بوساطة رصد سرعتها التي تحسب من انزياح خطوطها الطيفية.

علم الكون

المقالة الرئيسية: علم الكون
Flammarion engraving، باريس 1888

المبدأ الكوني

لابد لفهم ما يُرى على مسافات كبيرة جداً من كوكب الأرض من الفرضية الآتية، التي تدعى المبدأ الكوني: أي إن قوانين الفيزياء هي نفسها أينما كانت في الكون كله. ويمكن أن يصاغ هذا المبدأ بطريقة أخرى: يفترض أن قطاع الكون الذي كوكب الأرض جزء منه يماثل كل قطاعات الكون الأخرى (في مقياس المجرات وعناقيد المجرات). ولا توجد حتى اليوم أي أسس تجريبية لهذا الافتراض.

بنية الكون

صورة لانتشار إشعاع الخلفية الكونية الميكروي 700.000 سنة بعد الانفجار العظيم، والذي يعتبر أنه وقع منذ حوالي 13.700.000.000 سنة مضت.

يتألف الكون - على المستوى الذري - من الهدروجين بأكثر من 90% منه. ومعظم ذرات الهدروجين هذه تكوّن نجوماً غازية، مثل الشمس، يتحوّل الهدروجين بداخلها حيث درجة الحرارة مرتفعة ارتفاعاً بالغاً إلى هليوم بوساطة تفاعلات الاندماج النووي. ولذلك فإن حرق الهدروجين هذا يغيِّر ببطء تركيب الكون. والنجوم تتجمع في مجرات واسعة؛ ومجرة درب التبانة تضم أكثر من 1110 نجم. وتتجمع المجرات بدورها في عناقيد من المجرات يمكن أن يضم كل منها ألوف المجرات التي في كل منها مليارات النجوم. يمكن عدّ المجرات أو ربما عناقيد المجرات، لبنات بنية الكون، لكن النجوم هي الوحدات الأساسية المكونة لهذه اللبنات.

النجوم والكواكب

الشمس نجم نموذجي متوسط العمر، تبلغ كتلتها 2×3310 كج (أي نحو 33000 مرة كتلة الأرض). وتعرف نجوم أكبر منها وأخرى أصغر. وكتلة أصغر النجوم القادرة على حرق الهدروجين عُشر كتلة الشمس تقريباً. وأكبر النجوم العادية نحو عشرة أضعاف الشمس، مع أنه توجد نجوم عملاقة حمراء يمكن أن تصبح كبيرة لدرجة أن تبتلع معظم منظومة كواكبها. وتعرف كذلك نجوم صغيرة قزمة بيضاء حجمها بحجم الأرض؛ وهذه الجمرات المطفأة بدأت تبرد ببطء بعد أن خمدت نارها النووية وهي تمثل حالة الشمس النهائية بعد نحو 6 إلى 7 مليارات سنة من اليوم. ويعتمد عمر النجم على كتلته. فالشمس سوف تستمر في حرق الهدروجين من دون تغير ذي شأن في بنيتها نحو خمسة مليارات سنة أي مدة تعادل عمرها الحالي. وتحترق النجوم الأثقل بسرعة أكبر وبشدة أعنف في حين تعيش النجوم الأصغر، الأخف مدة أطول من الشمس مئة مرة.

لاتكون النجوم بصفة عامة معزولة في المجرة، فلمعظمها رفاق من نوع ما، ومعظم الرفاق نجوم أخرى، بعضها صغير جداً لا يمكن أن تجري فيه تفاعلات نووية؛ وهذه تدعى كواكب. وهناك - إضافة إلى الكواكب التسعة التي تدور حول الشمس (أو الثمانية بعد تجريد بلوتو من صفة الكوكب) - 33 تابعاً معروفاً للكواكب، وأكثر من 2000 كويكب مرصودة رصداً جيداً من أصل 50000 كويكب يُعتقد أنها موجودة، وعدد غير معروف من المذنبات والنيازك.

المجرات

لا يُعرف عدد منظومات الكواكب في مجرتنا، لكن التقديرات تبلغ مئات الملايين. إلا أن كلاً من هذه المنظومات صغير مقارنة بقطر المجرة البالغ 100000 سنة ضوئية (9.46×1710 كم). تنتشر نجوم مجرتنا البالغ عددها 1110 نجم على شكل قرص رقيق ذي انتفاخ مركزي، ولا تقع سوى نسبة مئوية ضئيلة من النجوم فوق هذا المستوي أو تحته. وبالنسبة إلى المجرة كلها يبلغ البعد الوسطي بين النجوم سنين ضوئية عدة. وتقع الشمس على نحو 30000 سنة ضوئية من مركز المجرة الكثيف على الحافة الداخلية لأحد الأذرع الحلزونية (التي تحتوي على نجوم شابة حارة وغاز وغبار) التي تميز هذا النوع من المجرات. ولكبر هذا البعد عن المركز (أكبر من نصف قطر المنظومة الشمسية بأكثر من 36000 مرة) تحتاج الشمس نحو 2.5×710 سنة لكي تدور دورة كاملة حول المجرة؛ بمعنى أن المنظومة الشمسية قد دارت 18 مرة فقط منذ أن ولدت الشمس مقارنة بنحو 4.5×910 دورة قامت بها الأرض حول الشمس.

وفي حين أن المجرات الحلزونية - مثل مجرة درب التبانة - مؤلفة أساساً من النجوم ربما كان نحو 15% من الكتلة الكلية يمكن أن يكون على شكل غبار وغازات. وهذه هي المادة التي تتكون منها نجوم جديدة وهي عملية تستمر حالياً في المجرات الحلزونية. لكن لا يرصد مثل تكوّن النجوم هذا في المجرات الإهليلجية التي هي منظومات كروية أو بيضوية ذات نجوم باهتة محمرّة مع عدم وجود غاز أو غبار تقريباً. وتفوق المجرات الإهليلجية تلك الحلزونية عدداً؛ والمجرات الإهليلجية الشائعة على نحو خاص هي القزمية المؤلفة من ملايين قليلة من النجوم منتشرة على مسافة تفوق 6000 سنة ضوئية أو نحو ذلك. وتُرى هذه المجرات الصغيرة عادة توابع لمنظومات أكبر مثل مجرة المرأة المسلسلة. والمجرات الإهليلجية العملاقة ذات 1310 نجم هي أندر بكثير. وتوجد هذه النجوم العملاقة عادة في مركز عناقيد المجرات الكبيرة، ويمكن أن تكون أكبر بثلاث أو أربع مرات من المجرات الحلزونية الكبيرة.

إحدى الطرق البسيطة لتوصيف هذه المجرات هي بوساطة قسمة كتلة كل من هذه المجرات على سطوعها (M/L). وقد اصطلح أن تكون النسبة M/L للشمس تساوي 1. تعتمد كل من كتلة مجرة ما M وسطوعها L على النجوم الموجودة في هذه المجرة؛ فإذا كانت معظم النجوم باهتة - من النوع الأحمر - كانت قيمة النسبة M/L كبيرة. والمجرات الإهليلجية هي من هذا النوع وقيمة M/L نحو 4 إلى 10. ويمكن أن تكون النسبة M/L مساوية 30 بالنسبة إلى المجرات الإهليلجية العملاقة ذات الكتل الأكبر. ومجرة حلزونية مثل درب التبانة فيها عدد كبير من النجوم الحارة والساطعة الزرقاء، قيمة M/L لها أصغرمن الواحد؛ ولذلك فهي أكثر سطوعاً من مجرة إهليلجية ذات حجم مشابه. فالنسبة M/L تقيس محتوى المجرة من النجوم.

عناقيد المجرات

جميع النجوم في الكون تقريباً موجودة في مجرات ولايوجد عملياً أي منها بين المجرات. ومعظم المجرات ليست منفردة وإنما منتظمة في عناقيد يمكن أن تكون مؤلفة من عدد من التجمعات أو العناقيد الفرعية. ومجرة درب التبانة هي جزء من مجموعة صغيرة نسبياً مؤلفة من نحو 24 مجرة تدعى المجموعة المحلية Local Group. ويبلغ امتداد هذا العنقود نحو ثلاثة ملايين سنة ضوئية وتهيمن عليه مجرتان حلزونيتان كبيرتان هما مجرة درب التبانة Milky Way ومجرة المرأة المسلسلة. وأما أعضاء المجموعة المحلية الرئيسية الأخرى فهي مجرة حلزونية ثالثة أصغر قليلاً وأربع مجرات إهليلجية نظامية إنما صغيرة. وهناك أيضاً عدد من المجرات الإهليلجية القزمة.

من المحتمل أن تكون المجموعات الصغيرة، مثل المجموعة المحلية موجودة بكثرة لكن العناقيد الكبيرة موجودة أيضاً. ويضم أقربها - وهو عنقود العذراء Virgo cluster - آلافاً عدة من المجرات من كل الأنواع ضمن قطر يبلغ نحو 6 إلى 7 ملايين سنة ضوئية. وهذا العنقود الذي يقع على مسافة 50 مليون سنة ضوئية هو نموذجي للعناقيد المخلخلة أوغير المنتظمة التي تكون فيها المجرات الحلزونية والمجرات الإهليلجية العادية متساوية العدد. أما في العناقيد الأغنى والأكبر كثافة فلا توجد مجرات حلزونية ويمكن أن يبلغ عدد المجرات الإهليلجية فيها 10000 مجرة. وفي مثل هذه العناقيد تكون كثافة المجرات بالقرب من المركز أكبر بألف مرة أو أكثر من كثافة المجرات في المجموعة المحلية وهذا يجعل مثل هذا التركيز أكثر التجمعات تراصاً في الكون.

رُصدت آلاف عناقيد المجرات، ويرى بعض الفلكيين أنها تنتظم في عناقيد من العناقيد (عناقيد فائقة superclusters). وفي هذه الحالة يضم العنقود الفائق المحلي Local Supercluster نحواً من 100 عنقود أعضاء فيه بما فيها عنقود العذراء والمجموعة المحلية ويمتد على مسافة 1.5×810 سنة ضوئية.

توسع الكون

الكون ديناميكي؛ فقد قادت الأرصاد السابقة حول تقهقر المجرات كلها إلى النتيجة التي أصبحت مقبولة قبولاً جيداً والتي مفادها أن الكون يتوسع. ويقتضي هذا التوسع أن الكون يتطور. ويدعم رصد الكازارات quasars هذا الرأي. إذ يبدو أن مصادر الإشعاع شديدة القوة هذه تقع كلها على مسافات كبيرة جداً من الأرض. ويشير عدم وجود كازارات قريبة إلى أنها كانت جزءاً من عصر قديم من عصور الكون. إضافة إلى أن عناقيد المجرات البعيدة جداً تبدو أشد كثافة من العناقيد القريبة، مثلما يمكن أن يتوقع المرء إذا كان الكون أصغر في الماضي، وهذا ما يقتضيه التوسع.

عمر الكون

هناك طرق عدة لتحديد قيمة تقريبية لعمر الكون. فالكون ينبغي أن يكون أقدم من مجرة درب التبانة التي يقدر عمرها بنحو 1.4×1010 سنة استناداً إلى دراسات أجريت على أقدم النجوم المعروفة في هذه المجرة. ويمثل هذا حداً أدنى لعمر كل من المجرة والكون. (يمكن أن تكون المجرة في الحقيقة أقدم قليلاً من أقدم النجوم المرصودة.) كما أن التوسع نفسه يوفر حداً أعلى للعمر. فلو افترض أن معدل التوسع المرصود حالياً بقي ثابتاً منذ أن بدأ التوسع لوجب أن تكون كل المجرات قد بدأت من النقطة نفسها منذ نحو 2×1010 سنة خلت. ومن المحتمل أن معدل التوسع كان أكبر في تاريخ الكون المبكر؛ ولذلك فإن عمر الكون هو أقل بقليل من 2×1010 سنة حسب زمن التوسع المحسوب وفقَ هَبل. والكون على أقل تقدير ممتد بقدر أبعد المجرات أو عناقيد المجرات المرصودة حتى اليوم. ولكن بما أنه ما زالت تكتشف مجرات أبعد فأبعد فلا يمكن سوى القول إن الكون أكبر من نحو 8×910 سنة ضوئية (7.56×2210 كم).

تطور الكون

وأحد تفسيرات توسع الكون المشاهَد هو نظرية «الانفجار العظيم» big bang التي تقول إن كل مادة الكون وطاقة الإشعاع فيه كانت مضغوطة في البداية ضمن جسم واحد. وفي درجات الحرارة المفترض أنها تبلغ تريليونات عدة (1210) درجة لم تكن المادة موجودة في شكلها الحالي، وإنما كانت مؤلفة من جسيمات دون نووية. ولأسباب مجهولة انفجرت هذه «البيضة الأولية» (التي ربما كانت صغيرة بحجم منظومة كواكب) فقذفت المادة والإشعاع خارجها وتوسعت توسعاً يتناقص ببطء أدى إلى انخفاض سريع في درجات الحرارة. فبعد عشر ثوان من الانفجار وُجدت البروتونات والنترونات والإلكترونات العادية في وسط درجة حرارته مليار درجة. وبعد 100 ثانية من الانفجار بدأت البروتونات والنترونات تتحد عند درجة حرارة تبلغ 100 مليون درجة لتشكل نوى الديتريوم، وهو نظير الهدروجين الثقيل . وأنتج التفاعل مع بروتونات إضافية في هذه الظروف الكثيفة نوى الهليوم. وتشير التقديرات إلى أن نحو 20% من البروتونات الأصلية تحولت إلى هليوم بهذه الطريقة في الدقائق السبع الأولى من وجود الكون. وبردت المادة الآخذة بالتوسع بعد ذلك إلى ما دون 10 مليون درجة مما جعل تشكل عناصر جديدة مستحيلاً. أما العناصر الطبيعية التسعون الأخرى التي هي جزء من الكون فيعود الفضل في وجودها إلى تفاعلات الاندماج النووي التي ينبغي أن تكون قد حدثت بعد ذلك بكثير داخل النجوم. وقد رافق التوسع المستمر انخفاضٌ متزايد في درجات الحرارة في عدة ملايين سنة تالية. وبقيت كثافة الكون عالية لدرجة تكفي لأسر طاقة الإشعاع العائدة إلى زمن ما قبل الانفجار إلى أن تدنت درجة الحرارة إلى نحو 5000 درجة. عند هذه الدرجة اتحدت الإلكترونات مع البروتونات لتنتج ذرات الهدروجين الطبيعي؛ ونتيجة لذلك انفصل الإشعاع عن المادة وانطلق ليغمر الكون.

ولايزال يُرى أثر صغير باقٍ من إشعاع كرة النار هذه يملأ الكون بصورة متجانسة. وهذا الإشعاع - شأنه شأن أي إشعاع آتٍ من مصدر بعيد جداً- ينزاح طوله الموجي فيصبح أطول كثيراً. وتشكل الأرصاد الراديوية لهذا الإشعاع الذي هو إشعاع جسم أسود درجة حرارته 3 درجات كلفن (أي كما لو أن درجة حرارة الكون كانت 3 درجات كلفن) البرهان الأكثر حسماً على أن نوعاً ما من «انفجار عظيم» قد حدث فعلاً. ولايمكن تفسير الخلفية المتبقية من كرة النار الأصلية بوساطة نظريات كون أخرى تفترض حالة ثابتة أو تاريخاً لا تطور فيه.

ولم يبدأ تشكل المجرات من تكثف الغازات المتوسعة تكثفاً تثاقلياً إلا بعد أن توسع الكون إلى حيث بلغت درجة حرارته نحو 300 كلفن. وضمن هذه التكثفات الكبيرة تحولت مراكز تكثف أصغر إلى النجوم التي تشكل اليوم الجزء الأكبر من كتلة مجرة ما.

مستقبل الكون

توسُّع الكون الحالي هو نتيجة «الانفجار العظيم» ومعدل التوسع الحالي ينبغي أن يكون أقل من المعدل البدائي بسبب التباطؤ التثاقلي الذي تولده مادة الكون حين كان ما يزال صغيراً وكثيفاً. ويعتمد استمرار الكون بالتوسع على ما إذا كان الانفجار أقوى من قوة الثقالة العائدة إلى كل مادة الكون أم لا. فلو أن الانفجار كان أقوى من ثقالة الكون لكانت للكون «سرعة انفلات» ولاستمر بالتوسع إلى الأبد. مثل هذا الكون «المفتوح» لانهائي في كل من الزمان والمكان. وسوف تستمر المجرات بالتباعد، كما سوف تستمر كثافة الكون الوسطية بالانخفاض. والنقيض الآخر هو الحالة المعاكسة: كثافة المادة الكلية في الكون كبيرة لدرجة أن الثقالة أكبر من التوسع الناجم عن الانفجار. في هذه الحالة سيصل الكون أخيراً إلى السكون، ثم تنعكس الأمور ويتهاوى على نفسه. وسوف تتقارب المجرات إحداها من الأخرى فتجمع بعضها إلى بعضها الآخر فاقدة هوياتها المنفصلة. وستعود المادة إلى جسيمات ذرية أساسية ثم إلى جسيمات أولية. وسوف يُؤسَر الإشعاع داخل الكون المنكمش على نفسه، ودرجات الحرارة سترتفع وسوف تقترب الظروف من ظروف «الانفجار العظيم» السابق. ويبدو معقولاً عندئذٍ القول إن الكون سوف يتعرض مرة أخرى لانفجار عظيم آخر ويبدأ كل شيء من جديد. ومثل هذا الكون «المتذبذب» منته في الامتداد لكنه لانهائي في الزمن؛ وما من طريقة لمعرفة أي دور يجري في الوقت الحاضر لأن أي سجلات للأدوار السابقة تتلف في كل «انفجار» جديد (الشكل-1). والإمكان الثالث - ولكن غير المحتمل - هو أن التوسع يعادل بالضبط قوة الثقالة، عندئذٍ يتوسع الكون ثم يتوقف ويبقى بعد ذلك ساكناً إلى ما لا نهاية.


مقارنة بين الكون المفتوح والكون المتذبذب:
أ- في الكون المفتوح تتباعد المجرات عن بعضها باستمرار وتتناقص كثافة المادة.
ب- في كون متذبذب يتلو التوسع انكماش يستمر إلى أن يسبب «انفحار» آخر توسعاً جديداً.


ولاختيار أي من هذه الإمكانات المستقبلية الأكثر احتمالاً لابد من تعيين كثافة المادة في الكون. وتعطي التقديرات المباشرة المستندة إلى المجرات المرصودة نقصاً في الكتلة اللازمة لإغلاق الكون (أي لإيقاف التوسع) بعامل يساوي 1000. وتشير المحاولات التي تأخذ بالحسبان الكتلة «غير المرئية» على شكل نجوم غير مضيئة وغاز وثقوب سوداء (التي يمكن تقديرها من حركات المجرات في العنقود)؛ إلى أن بعض عناقيد المجرات تحوي 30 ضعفاً أو أكثر من المادة مما يمكن أن يرى في المجرات من نجوم. لكن هذا يبقي نقصاً في مادة الكون بعامل يفوق العشرة. وهناك مؤشرات غير مباشرة من كمية ديتريوم «الانفجار العظيم» المرصودة، والتي تعتمد على كثافة المادة وقت التشكل. ومرة أخرى يبقى هناك نقص في مادة الكون لإيقاف التوسع، مقداره عشر مرات على الأقل. وأخيراً هناك تغير في توسع الكون نفسه: فكلما كانت الثقالة أكبر كان تباطؤ معدل التوسع مع مرور الزمن أكبر. وتبين أرصاد عناقيد المجرات البعيدة جداً أن التوسع في الماضي كان أسرع بقليل فقط، وهذا يقتضي أن التثاقل الكلي للكون أصغر من أن يوقف تقهقر المجرات. وعلى هذا يبدو أن الكون مفتوح، وأفضل البراهين تدل على أن التوسع سيستمر. ويلزم لنقض هذا اكتشاف كميات كبيرة من كتلة لم تكن معروفة سابقاً في الكون.

علم اللاهوت

انظر أيضاً: علم الكون الديني

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ Definition in Merriam-Webster dictionary
  2. ^ von Humboldt, Alexander; translated from German by E. O. Otté (1860). Cosmos: a sketch of a physical description of the universe 1. New York: Harper & Brothers. p. 69. 
  3. ^ بسام المعصراني. "الكون". الموسوعة العربية. Retrieved 2014-04-23. 

وصلات خارجية

‏‎ ‎