معرض المتعلقات الشخصية للرسول، ص  *  الاسكتلنديون يصوتون في استفتاء تاريخي للاستقلال عن المملكة المتحدة أو البقاء معها  *   اليمن يسلم أندرگاچو تسيگه، ثاني أكبر زعماء المعارضة الإثيوپية والمحكوم عليه بالاعدام إلى الحكومة الإثيوپية. رئيس إثيوپيا (الشرفي) يعلن أنه لم يستطع الحصول على معلومات عنه من حكومة التگراي الطائفية  *   إثيوپيا توقع اتفاق لبناء سد على نهر بارو بقدرة 381 م.و  *   زعيم المعارضة الألبانية، إدي راما، بمجرد توليه رئاسة وزراء ألبانيا يلغي معاهدة ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع اليونان، لتفريطها في بضعة كيلومترات على مضيق اوترانتو، ويقدم المسئولين عنها بوزارة الخارجية للتحقيق الجنائي بعقوبة من 5-10 سنوات  *   روسيا والصين يشيدان أكبر ميناء في العالم، ميناء زاروبينو على حدودهما على بحر اليابان. سينافس لو هافر وإمنگهام  *   إدانة العداء الجنوب أفريقي اوسكار پستوريوس بتهمة القتل الخطأ لصديقته ريڤا ستين‌كامپ  *   ثلاث أحفورات صينية تضع أصل الثدييات عند 170 مليون سنة مضت  *  إم آي تي أفضل جامعة في العالم في الترتيب السنوي لجامعات العالم (كيو إس)  *   هل انهارت مبادرة حوض النيل؟  *   ثروات مصر الضائعة في البحر المتوسط  *   شاهد أحدث التسجيلات  *  تابع المعرفة على فيسبوك  *  تابع مقال نائل الشافعي على جريدة الحياة: تطورات غاز المتوسط في أربع مشاهد  *      

صولون

صولون (460 - 560)

صولون Solon Σόλων الشاعر والمشرع اليوناني الذي عاش بين القرنين السادس والسابع قبل الميلاد (640 - 560) ، وهو إلى جانب كونه شاعرا وحكيما من حكماء اليونان السبعة ، وكان أيضا من السياسيين اللامعين ، فقد انتخبه أهالي أثينا حاكما ، فقام بإصلاحات تشريعية وإدارية ، وسميت هذه التشريعات بإسم تشريعات صولون.

ولم يكون صولون حكيما وشاعرا وحاكما فحسب ، ولكنه كان من رواد الديموقراطية في أثينا ، وكان له الفضل في إلغاء نظام الرق الذي كان يسمح بإسترقاء الفلاحين إذا عجزوا عن سداد ديونهم ، وبذلك كسر شوكة النبلاء وتعامل معهم كما يتعامل مع الفقراء سواء بسواءز

وإلغاء نظام الرق يعد أول إصلاح دستوري في تاريخ اليونان ، فقد قام صولون بتحرير الأرقءا وحمى الحرية الشخصية للأجراء والبسطاء وضمهم بالإنتخاب ، ولمن تجاوز سن الصلاصين إلى مجلس الأعيان الذي يقوم بتصريف شئون الدولة التي يعرضها مجلس الولاة لدراستها دون أن يكون لهم سلطان عليهم.

وبذلك وضع صولوا في أثينا أحد الاسس الديموقراطية التي تتيج للمواطن العادي أن يشارك في السياسة والحكم.


فهرست

النشأة

كان والد صولون من الأشراف الكرام المحتد ، ومن أرفعهم بيتاً ، وأنقاهم دماً ، ينتهي نسبه إلى الملك كدروس ، بل إنه كان يتبع نسبه إلى بوسيدن نفسه. وكانت أمه ابنة عم بيسستراتس الطاغية الذي خرق دستور صولون في أول الأمر ثم عاد بعدئذ فثبت دعائمه.

صولون شاعرا

لقد انغمس صولون في شبابه فيما كان ينغمس فيه أهل زمانه: فكان يقرض الشعر ويتغنى بملاذ "الصداقة اليونانية" ، وفعل ما فعله ترتاروس Tyrtaetus فأثار حماسة الناس بشعره ودفعهم إلى فتح سلاميس. ثم صلحت أخلاقه في سن الكهولة صلاحاً يتناسب تناسباً عكسياً مع شعره ، فأصبحت أشعاره فاترة ونصائحه جيدة.

انظر مثلاً إلى قوله في أشعاره: "إن الكثيرين من الناس أغنياء ، ولكنهم لا يستحقون هذا الغنى ، على حين أن من هم خير منهم يقاسون آلام الفاقة. ولكنا لن نستبدل حال هؤلاء الأغنياء بحالنا ، لأن ميزتنا باقية دائمة ، أما ميزتهم فإنها تنتقل من إنسان إلى إنسان" ، وثروة الغني "ليست أعظم من ثروة من لا يملك إلا معدته ورئتيه وقدميه ، وهي الأعضاء التي تأتيه بالسرور ولا تأتيه بالألم ؛ وليست خيراً من محاسن الفتى أو الفتاة أو نضرة شبابه أو شبابها ، أو من وجود ينسجم مع صروف الأيام".

ولما حدث في أثينا شقاق وانقسام بقي هو على الحياد ، وكان ذلك لحسن الحظ قبل أن تقرر الشرائع المعزوة له أن هذهِ الحيطة جريمة ، ولكنه لم يتردد قط في التشهير بالوسائل التي سلكها الأغنياء لإذلال الفقراء ، ودفعِهم إلى أحضان الفاقة. وإذا كان لنا أن نأخذ بأقوال أفلوطرخس فإن والد صولون قد "بدد ثروته في التصدق على الناس والإحسان إليهم".


صولون حاكما

واشتغل صولون بالتجارة وأصبح من التجار الناجحين ذا مصالح كثيرة في أقطار بعيدة ، أكسبته خبرة واسعة وأمكنته من الأسفار والتنقل في بلاد بعيدة ، وكان يسير في عمله على المبادئ التي يدعو إليها في قوله ، واشتهر بين جميع طبقات الناس بالاستقامة. وكان لا يزال صغير السن نسبياً- في الرابعة والأربعين أو الخامسة والأربعين- حين أقبل عليه في عام 594 ممثلو الطبقات الوسطى يدعونه إلى قبول ترشيحهم إياه ليكون أركوناً بالاسم Teponymos ، على أن يُمنح سلطة مطلقة لإخماد نار حرب الطبقات ، ووضع دستور جديد للبلاد ، وإعادة الاستقرار إلى الدولة.

ووافقت الطبقات العليا على هذا الاختيار وهي كارهة ، وكان الباعث لها على الموافقة ثقتها بأن رجلاً مثله من أصحاب المال لا بد أن يكون رجلاً محافظاً. وكانت أعماله الأولى أعمالاً بسيطة ولكنها كانت من قبيل الإصلاحات الاقتصادية الشاملة ؛ وقد خيب آمال المتطرفين بإحجامه عن إعادة تقسيم الأراضي. ولو أنه فعل هذا لأدى ذلك إلى الحرب الأهلية وإلى الفوضى التي تدوم جيلاً كاملاً ، وإلى عودة الفوارق مسرعة.

قانون السيسكثيا

استطاع صولون بفضل قانونه الشهير قانون السيسكثيا Seisachtheia أو "رفع الأعباء" أن يلغي كما يقول أرسطاطاليس "جميع الديون القائمة سواء أكانت للأفراد أم للدولة" ، وهكذا حرر أراضي أتكا من جميع الرهون بجرة قلم ؛ هذا إلى أنه أطلق سراح جميع مَن استرقوا أو التصقوا بالأرض ، وكل مَن بيعوا رقيقاً في خارج البلاد وطلب إليهم أن يعودوا إلى مواطنهم ، وحرم مثل هذا الاسترقاق في المستقبل.

وخليق بنا أن نذكر من خصائص الخلق في هذا المقام أن بعض أصدقاء صولون قد عرفوا ما يعتزمه من إلغاء الديون فاشتروا أراضي واسعة مرتهنة ثم احتفظوا بها فيما بعد من غير أن يؤدوا ما عليها من رهون ويحدثنا أرسطاطاليس بأسلوب تهكمي بأن هذا كان منشأ ثروات طائلة كثيرة العدد "ظن الناس" فيما بعد "أنها ترجع إلى أزمنة لا يذكرها الناس لقدم عهدها". وقال بعض الناس إن صولون قد تغاضى عن هذا العمل وإنه استفاد منه حتى تبين بعدئذ أنه وهو الدائن الكبير قد خسر بقانونه الشيء الكثير. واحتج الأغنياء بأن هذا التشريع كان في حقيقة الأمر مصادرة لأموالهم ، ولكنه أصم أذنيه عن سماع احتجاجهم ؛ ولم تمضِِ عشرة أعوام على صدوره حتى أجمع الناس ؛ أو كادوا يجمعون ، على أنه أنجى أتكا من الثورة.


إصلاحات إقتصادية

ثمة إصلاح آخر من إصلاحات صولون لا نستطيع أن نتحدث عنه حديثاً يقينياً واضحاً. وفيه يقول أرسطاطاليس إن صولون قد "استبدل بالنقود الفيدونية "Phedonian"- أي النقود الأجنبية التي كانت مستعملة في أتكا حتى ذلك الوقت- "نظام عوبية النقدي على نطاق واسع وجعل قيمة المينا Mina مائة درخمة بعد أن كانت من قبل سبعين". ويقول أفلوطرخس في بيانه عن هذا الإصلاح ، وهو أوفى من بيان أرسطاطاليس ، "إن صولون جعل المينا تصرف بمائة درخمة بعد أن كانت ثلاثاً وسبعين ، وبهذا أصبحت قيمة القطع التي تدفع أقل مما كانت قبل وإن كان عددها واحداً ، وكان في هذا نفع كبير للذين يريدون أن يوفوا بديونهم ، ولم يكن فيه خسارة على الدائنين".

إن أفلوطرخس الظريف الكريم وحده هو الذي استطاع أن يجد طريقة لتضخم العملة ينقذ بها المدينين دون أن يلحق الضرر بالدائنين- إلا هذا الضرر الوحيد وهو أن نصف العمى في بعض الحالات خير بلا ريب من العمى كله.

دستور صولون

وبكل تأكيد فإن أبقى أعمال صولون هي تلك القرارات التاريخية التي أنشئ بمقتضاها دستور صولون. وقد قدم لها صولون بعفو عام أطلق به سراح كل من سجن ، وأعاد إلى البلاد كل من نفي منها لجرائم سياسية إذا لم تكن هذهِ الجرائم هي محاولة اغتصاب مقاليد الحكم في البلاد. ثم واصل عمله بأن ألغى إلغاءً صريحاً أو ضمنياً معظم شرائع دراكون ؛ إلا أنه أبقى منها على القانون الخاص بعقاب القتلة وقد طبقت قوانين صولون على جميع السكان الأحرار بلا تمييز بينهم ؛ فأصبح الأغنياء والفقراء على السواء مقيدين بقيود واحدة تفرض عليهم عقوبات واحدة.

وإذ كان صولون قد عرف أنه لم يستطع تنفيذ إصلاحاته إلا بمعونة طبقتي التجار والصناع ، ورغبة منه في أن يجعل لهم حظاً في حكومة البلاد ، فقد قسم سكان أتكا أربع مجموعات على أساس ثروتهم: الأولى أصحاب الخمسمائة بشل Bushel وهو الذين يصل دخلهم السنوي إلى خمسمائة مكيال من الحاصلات أو ما يعادلها Pentacosiomedemni ، والثانية هم الهبي الذين يتراوح دخلهم بين ثلاثمائة وخمسمائة بشل. والثالثة جماعة الزوجتاي Zeugitai الذين يتراوح دخلهم بين مائتين وثلاثمائة ، والرابعة جماعة الثيتي Thetes وتشمل غير هؤلاء كلهم من الأحرار.

وكانت مظاهر الشرف والتكريم تتناسب مع ما يؤدى من الضرائب فلا يستمتع إنسان بالأولى دون أن يتحمل عبء الثانية ؛ يضاف إلى هذا أن الضرائب التي تؤديها الطبقة الأولى كانت تُفرض على ما يعادل دخلها السنوي اثني عشر مرة؛ والطبقة الثانية على ما يعادل دخلها عشر مرات، والثالثة على ما يعادل دخلها خمس مرات فقط؛ أي أن ضريبة الأملاك كانت في واقع الأمر ضريبة دخل تصاعدية. أما الطبقة الرابعة فكانت معفاة من الضرائب المقررة.

وكانت الطبقة الأولى وحدها هي التي يمكن اختيار رجالها إلى الأركونية وإلى قيادة الجيش ؛ أما الطبقة الثانية فكان من حقها أن يُختار أفرادها إلى المناصب وإلى فرق الفرسان في الجيش ، وكانت الطبقة الثالثة تختص بالعمل في فرق المشاة الثقيلة ؛ وأما الرابعة فكان يُطلب إليها أن تمد الدولة بالجنود العاديين. وقد أضعف هذا التقسيم الفذ نظام القرابة الذي كانت تعتمد عليهِ قوة الألجركية ؛ وأحل محله مبدأ جديداً هو مبدأ "التمقراسيه Timocracy" ، أي حكم ذوي الشرف أو المنزلة ، ويحدد صراحة ما لهم من ثروة تُفرض عليها الضرائب. وكان حكم "بلوتوقراطي (يتولاه المثرون)" شبيه بهذا الحكم منتشراً خلال القرن السادس كله وبعض القرن الخامس في معظم المستعمرات اليونانية.

وقد أبقى دستور صولون على رأس الدولة مجلس الشيوخ القديم مجلس الأريوبجوس ، بعد أن جرده من بعض ما كان له من سلطان وما كان يمتاز به من عزلة ، وبعد أن أصبح مفتوح الأبواب لجميع أفراد الطبقة الأولى ، ولكنه ظل مع ذلك صاحب السلطة العليا المهيمن على سلوك الناس وعلى موظفي الدولة. ثم أنشأ بولا Boule أو مجلساً جديداً مؤلفاً من أربعمائة عضو يلي مجلس الشيوخ في السلطة تختار له كل طبقة من الطبقات الأربع مائة عضو. وكان هذا المجلس يختار جميع الأعمال التي تُعرض على الجمعية ويبحثها ويعدها. ووضع صولون في منزلة أدنى من هذا النظام الألجركي الأعلى الذي استرضى به الأقوياء ، أنظمة ديمقراطية في أساسها ، ولعله كان مدفوعاً إلى ذلك بحسن النية ورغبة العمل على خير الطبقات الدنيا. فقد أعاد إلى الحياة الإكليزيا Iklesia ) الجمعية( القديمة التي كانت قائمة في أيام هومر ودعا كل المواطنين إلى الاشتراك في مناقشاتها. وكانت هذه الجمعية تختار كل عام من بين ذوي الخمسمائة بشل الأركونين الذين كانوا حتى ذلك الوقت يعينون من قبل مجلس الأريوبجوس ؛ وكان من حقها أن تستجوب هؤلاء الموظفين في أي وقت ، وتتهمهم ، وتعاقبهم ؛ وإذا ما انقضت مدة توليهم مناصبهم، كانت تبحث في مسلكهم في السنة التي تولوا العمل فيها، وكان لها إذا شاءت أن تحرمهم حقهم في أن يكونوا أعضاء في مجلس الشيوخ.

وأهم من هذا الحق ، وإن لم يبدُ وقتئذ كذلك ، مساواة الطبقات الدنيا للطبقات العليا في حق الاختيار بالقرعة إلى الهيليائيا Heliaea ، وهي هيئة من خمسة آلاف من المحلفين تتألف منهم أنواع المحاكم التي تنظر في جميع القضايا عدا قضايا القتل والخيانة ، والتي يصح أن ترفع إليها الشكاوى من أعمال الحكام على اختلاف أنواعها. ويقول أرسطوطاليس في هذا: "يظن البعض أن صولون قد تعمد إدخال الغموض على قوانينهِ ليمكن العامة من استخدام سلطتهم القضائية لتقوية نفوذهم السياسي" ؛ ذلك أنه "لما كان الخلاف بينهم وبين الحكام لا يمكن تسويته بتطبيق حرفية القانون ، فقد كان عليهم أن يعرضوا جميع منازعاتهم على القضاة ، وكان هؤلاء إلى حد ما سادة القوانين" كما يقول أفلوطرخس نفسه. وقد كان حق الاستئناف إلى المحاكم الشعبية الإسفين الذي وسع نطاق الدمقراطية الأثينية ، كما كان حصنها الحصين في مستقبل الأيام.


وأضاف صولون إلى هذا التشريع الأساسي ، وهو أهم ما في تاريخ أثينة من تشريعات ، طائفة أخرى من الشرائع المختلفة يقصد بها معالجة مشاكل الوقت التي لم تكن لها مثل ما للمسائل الأساسية السابقة من خطر. وكان أول ما فعله أن جعل الثروة الفردية التي قررتها العادات قبل معترفاً بها قانونياً. وإذ كان للرجل أولاد كان عليه أن يقسم ثروته بينهم قبل وفاته ، فإذا لم يكن له أولاد كان له أن يوصي لأي إنسان بأملاكه التي كانت تؤول حتى ذلك الوقت ومن تلقاء نفسها لقبيلته. فبقوانين صولون بدأ حق الوصية وقانونها.

وإذ كان هو من رجال الأعمال فقد أراد أن يشجع التجارة والصناعة بمنح حق المواطنية لجميع الأجانب الذين يحذقون حرفة ما والذين يأتون مع أسرهم ليقيموا بصفة دائمة في أثينة. وحرم تصدير الغلات الزراعية عدا زيت الزيتون ، وكان يرجو بهذا أن يحول الناس من إنتاج المحصولات الزراعية الزائدة على الحاجة إلى الاشتغال بالصناعة. وسن قانوناً يقضي بأن الولد غير ملزم بمساعدة أبيه إذا كان هذا الأب لم يعلمه حرفة خاصة. ويرجع الفضل فيما نالته الصناعات من تشريف عظيم ومكانة سامية إلى صولون- لا إلى من جاء بعده من الأثينيين.

ولم يحجم صولون عن التشريع في ذلك الميدان الخطر. ميدان الأخلاق والآداب العامة. فقد كان يعد الإصرار على البطالة جريمة ، ولم يكن يسمح للرجل الذي يعيش عيشة الدعارة والفجور أن يتقدم إلى الجمعية بطلب ، وجعل البغاء قانونياً وفرض على البغاة ضريبة ، وأنشأ مواخير عامة ، مرخصة من قبل الدولة وخاضعة لرقابتها. وشاد هيكلاً لأفرديتي بندموس من إيراد هذه المواخير.

وقد تغنى بمدحه رجل من معاصريه يدين بما يدين به لكي Lecky المؤرخ الأيرلندي المعروف فقال: "مرحباً بك يا صولون! لقد ابتعت المومسات لخير المدنية ، ولوقاية أخلاق المدينة الغاصة بالشبان الأشداء ، ولولا تشريعكَ الحكيم ، لضايق هؤلاء الشبان فضليات النساء ونشروا في المدينة الفساد والاضطراب". وفرض غرامة قدرها مائة درخمة على من يعتدي على عرض امرأة حرة ، وهي عقوبة أقل كثيراً مما في قوانين داركون ، ولكنه أباح لمن يمسك برجل زانٍ متلبس بجريمته أن يقتله لساعتهِ. وحدد بائنات العرائس ومهورهن لرغبته في أن يكون الباعث على الزواج هو الحب المتبادل بين الزوجين والرغبة في النسل وتربية الأولاد ، ونهى النساء عن أن يكون لهن من الملابس أكثر من ثلاث حلل ، وكان في ثقته بقدرته على تنفيذ قانونه شبيهاً بالأطفال في ثقتهم بقدرتهم على تنفيذ أوامرهم ونواهيهم.ولقد طُلب إليه أن يسن قانوناً يضيق بهِ على العزاب ، ولكنه لم يجب هذا الطلب وقال في تبرير عدم إجابته إن "الزوجة عبء ثقيل الحمل".

وقد جعل اغتياب الموتى جريمة ، وكذلك كان اغتياب الأحياء في الهياكل والمحاكم ، ومكاتب الموظفين العموميين ، وفي ساحات الألعاب ؛ ولكنه حتى هو نفسه لم يستطع أن يمسك ألسنة الناس في أثينا حيث كانت الغيبة والنميمة تبدوان كما تبدوان عندنا الآن من مستلزمات الديموقراطية وقد قرر أن الذين يبقون على الحياد في أوقات الفتن يفقدون حقهم بوصف كونهم مواطنين، وذلك لأنه كان يرى أن عدم اهتمام الجمهور بالشؤون العامة يؤدي إلى خراب الدولة.

وحرم الاحتفالات الفخمة، والقرابين الكثيرة النفقة ، والندب الطويل في الجنائز ؛ وحدد مقدار ما يدفن مع الأموات من متاع ، وسن ذلك القانون العادل الذي ظل مصدراً لبسالة الأثينيين أجيالاً طويلة وهو القانون الذي فرض على الحكومة تربية أبناء مَن يُقتلون في الحرب وتعليمهم على نفقتها.

وأضاف صولون إلى كل شريعة من شرائعه عقوبات كانت أخف من عقوبات دراكون ولكنها مع ذلك صارمة ، وجعل من حق كل مواطن أن يقاضي أي شخص يرى أنه ارتكب جريمة ما. وأراد أن يعرف الناس قوانينهم حق المعرفة وأن يطيعوها ويلتزموا العمل بها فكتبها في ساحة الأركون الديني (أركون باسليوس) على ملفات أو منشورات خشبية تدار وتُقرأ. ولم يدَّعِ كما ادعى ليقورج و مينوس ، و حمورابي ، و نحوما ، أن إلهاً ما قد أنزل عليه هذه الشرائع ؛ وهذا العمل في حد ذاته مما يكشف عن مزاج ذلك العصر ومزاج المدينة ومزاج صولون نفسه.

ولما طُلبَ إليه أن يجعل نفسه حاكماً بأمره مدى الحياة أبى وقال إن الدكتاتورية "مُقام جميل حقاً ولكن ليس ثمةَ طريق للنزول منه". وكان المتطرفون ينتقدونه لأنه لم يسوِ بين الناس في الملك وفي السلطان ، والمحافظون ينددون بهِ لأنه منح العامة الحقوق السياسية وأجلسهم فوق منصة القضاء ؛ بل إن صديقه أنكرسيس Anachrsis، الحكيم السكوذي صاحب الأطوار الشاذة ، قد سخر من دستوره الجديد وقال في ذلك إن الحكماء قد أصبحوا يترافعون ، والحمقى يحكمون ، وأضاف إلى ذلك قوله إنه لا يمكن أن تقوم بين الناس عدالة دائمة لأن في وسع الأقوياء والمهرة أن يحوروا أي قانون يسن لكي يتفق مع مصلحتهم الخاصة ؛ ولأن القانون أشبه ببيت العنكبوت يقتنص الذباب الصغير ويفلت منه البق الكبير.

وكان صولون يتقبل كل هذا النقد بقبول حسن ، ويعترف بما في شرائعه من نقص ولما سئل هل سن للأثينيين أحسن الشرائع أجاب "لا ، بل" سننت لهم "خير ما يستطيعون أن يُعطَوه"- أي خير ما يمكن إقناع الجماعات والمصالح المتضاربة في أثينة بأن تقبله كلها في ذلك الوقت بالذات.


صولون الحكيم

وقد اتبع صولون الطريق الأوسط في حكمه وأبقى بذلك على الدولة ؛ وكان تلميذاً ناجحاً من تلاميذ أرسطاطاليس قبل أن يولد هذا الفيلسوف الاستجيري Stagirite وتعزو إليه الرواية الشعار الذي نقش على هيكل أبلو في دلفي وهو Medenagen أي لا إفراط في شيء ، وقد أجمع اليونان على وضعه بين السبعة الحكماء. وخير شاهد على حكمته هو ما كان لتشريعه من أثر خالد ، فقد استطاع شيشرون ، على الرغم مما حدث في أثينا من آلاف التغيرات والتطورات ، وبالرغم مما قام فيها من دكتاتوريات وانقلابات سطحية، استطاع على الرغم من هذا أن يقول بعد خمسة قرون من عهد صولون إن شرائعه كانت لا تزال نافذة في أثينا.

ولقد كان عمله من الوجهة القضائية الحد الفاصل بين حكم المراسيم المتغيرة التي لا عداد لها وبين بداية حكم الشرائع المدونة الدائمة. ولما سأله سائل متى تكون الدولة حسنة النظام ثابتة البنيان أجاب بقوله: "حين يطيع المحكومون الحكام ، ويطيع الحكام القوانين". وبفضل قوانينه تحرر زراع أتكا من الاسترقاق الإقطاعي ، وقامت فيها طبقة من الزراع الملاك ، كان إمتلاكهم الأرض هو الذي جعل الجيوش الأثينية الصغيرة قادرة على الإحتفاظ بحرية المدينة أجيالاً طويلة ، ولما اقترح في نهاية حرب البلوبونيز قصر الحقوق السياسية على الملاك الأحرار لم يوجد من الأحرار الراشدين في أتكا كلها مَن لا ينطبق على هذا الشرط إلا خمسة آلاف لا أكثر.

هذا إلى أن التجارة والصناعة فد تحررتا في الوقت نفسه من القيودالسياسية كانت مفروضة عليهما ، ومن العوائق المالية ، وبذلك بدأ فيهما ذلك التطور القوي النشيط الذي أصبحت أثينا بفضله الزعيمة التجارية في بلاد البحر المتوسط. وكانت أرستقراطية الثراء الجديدة ترفع من شأن الذكاء لا من شأن المولد، وتشجع العلم والتعليم، وتمهيد السبيل مادياً وعقلياً للأعمال الثقافية العظيمة التي تمت في العصر الذهبي.


إعتزال الحكم

في سنة 572 ق. م اعتزل صولون منصب الحاكم بعد تقلده لمدة ( 22 عاما ) , وكان قد بلغ سن السادسة والستين فآثر الحياة الخاصة ، واعتزل منصبه ، وبعد أن أخذ العهد على أثينا ، بأيمان أقسمها موظفوها ، أن تطيع قوانينه بلا تغيير فيها ولا تبديل مدة عشر سنين ، وسافر بعدئذ ليطلع على حضارة مصر والشرق ، ويلوح أن ذلك الوقت هو الذي قال فيه قالته الذائعة الصيت- "إني لتكبر سني وما فتئت أتعلم". ويقول أفلوطرخس إنه درس التاريخ في عين شمس (هليوبوليس) على الكهنة ، ويقال إنه سمع منهم عن أطلنطيس القارة الغارقة ، التي قص قصتها في ملحمة لم يتمها ، افتتن بها أفلاطون الواسع الخيال بعد مائتي عام من عصره.

وسافر من مصر إلى قبرص ووضع القوانين لتلك المدينة التي غيرت اسمها من قبرص إلى Soli تكريماً له. ويصف هيرودوت أفلوطرخس حديثه مع كروسس ملك ليديا في سرديس- وما أقوى ذاكرتهما التي أمكنتهما من أن يقصا هذا الحديث- فيرويا كيف خرج هذا الرجل صاحب الثروة المنقطعة النظير مزداناً بكل ما عنده ، وسأل صولون ألا يرى أنه ، كروسس ، رجل سعيد ، وكيف أجابه صولون بفلسفته اليونانية قائلاً: "إن الآلهة أيها الملك قد وهبت اليونان كل ما وهبتهم من النعم بقسط معتدل ؛ وكذلك حكمتنا فهي حكمة معتدلة ، لا حكمة نبيلة ملكية ؛ وإذا ما قلبنا النظر في البلايا الكثيرة التي تكتنف الناس في جميع الظروف فإن هذا الاعتدال ينأى بنا عن أن نصطنع الصغار فيما نتمتع بهِ في وقتنا الحاضر ، أو أن نعجب بما يتقلب فيه أي إنسان من سعادة ، قد نتبدل إلى نقيضها على مرالأيام.


المصادر