رفائيل

"رفائيل" تحوّل إلى هنا. لمطالعة استخدامات أخرى، انظر رفائيل (توضيح).
رفائيلو سانزيو
Raffaello Sanzio
Raphael missing.jpg
پورتريه ذاتي لرفائيل, اختفى منذ الحرب العالمية الثانية

<tr><td style="text-align:left;">اسم الميلاد</td><td class="اسم التدليل">Raffaello Sanzio</td></tr>

ولد 6 أبريل 1483(1483-04-06)
اوربينو, إيطاليا
توفي 6 أبريل، 1520 (عن عمر 37)
روما, إيطاليا
الجنسية إيطالي
المجال رسم بالزيت, عمارة
التدريب پروجينو
الحركة النهضة
الأعمال المشهورة مدرسة أثينا

رفائيل واسمه الكامل رفائيلو سانزيو (Raffaello Sanzio) عاش (اوربينو 1483- روما 1520 م) هو رسّام إيطالي من عصر النهضة. تتلمذ على يد پييترو پروجينو، وأقام عدة ورشات في پروجيا، فلورنسا وروما، ثم تولى منصب رئيس المهندسين والمشرف على المباني لدى بلاط الباباوات، يوليوس الثاني ثم ليو العاشر من بعده. يعد من بين أساتذة الحركة الكلاسيكية الأولى، يجمع فنه بين الدقة في التنفيذ وتناسق الخطوط، وله اعتناء خاص بانتقاء الألوان. كان له تأثير كبير على فن التصوير حتى أواخر القرن التاسع عشر.

النشأة

لما مات برامنتي عين ليو العاشر خلفاً له في منصب المشرف على العمل في كنيسة القديس بطرس الجديدة مصوراً شاباً في الحادية والثلاثين من عمره، ينوء لصغر سنه بعبء ذلك العمل الضخم، وهو إقامة قبة برامنتي ، ولكنه أصبح أسعد الفنانين في التاريخ كله، وأعظمهم نجاحاً، وأقربهم إلى القلوب. وبدأ الحظ يبسم له من يوم أن ولد لجيوفني ده سانتي Giovanni de' Santi حامل لواء المصورين في أربينو في ذلك الوقت. وقد بقيت لدينا صور من عمل جيوفني ، وهي توحي بأنه ذو ذكاء عادي؛ ولكنها تدل على أن رفائيل- وهو اسم أجمل الملائكة جميعاً- نشأ محباً أعظم الحب للتصوير؛ وكثيراً ما كان بعض الفنانين يزورون جيوفني ويقيمون في منزله.

وكان جيوفني ملماً بفن زمانه إلماماً يمكنه أن يكتب في تاريخ أربينو المقفى كتابة تنم عن العقل والذكاء في أكثر من عشرة من المصورين والمثالين الإيطاليين وأمثالهم من الفلمنكيين. وتوفى جيوفني ولما يتجاوز رفائيل السابعة من عمره، ولكن يلوح أن الأب كان قد بدأ يغرس حب الفن في نفس ولده. وأكبر الظن أن تيموتيو فيتي Timoteo Viti، وكان قد عاد من بولونيا إلى أربينو في عام 1405 بعد أن درس مع فرانتشيا Francia، واصل تعليم رفائيل ، وجاء إليه بما كان قد أخذه عن فرانتشيا، وتورا، وكستا. ونشأ الغلام في تلك الأثناء في محيط من يستطيعون الاتصال بالبلاط؛ وكان المجتمع الرقيق الظريف الذي وصفه كستجليوني بعدئذ في كتابه المسمى رجل الحاشية قد أخذ ينشر بين الطبقات المتعلمة في أربينو دماثة الخلق، ورقة الأدب، والحديث، وهي الصفات التي أظهرها رفائيل بفنه وحياته.

وفي المتحف الأشمولي Ashmolean Museum بأكسفورد صورة عجيبة تعزى إلى رفائيل في الفترة الواقعة بين عامي 1497 و 1500 ، وتظن الرواية المتواترة أنها تمثله هو. ووجهه في هذه الصورة يكاد يكون وجه أنثى ، أما عيناه فرقيقتان كعيون الشعراء. وهذه هي المعارف التي سنلتقي بها مرة أخرى فيما بعد، وسنلتقي بها أكثر قتاماً وفيها القليل من القلق والبلبال ، في الصورة الجذابة التي رسمها لنفسه (في عام 1506 في الغالب) والمحفوظة في معرض بتي Pitti.

فليتصور القارئ ذلك الشاب كما تظهره الصورة الأولى وهو ينتقل في السادسة من عمره من أربينو التي يسودها الهدوء والنظام إلى بروجيا كان فيها بروجينو الذي طبقت شهرته جميع أنحاء إيطاليا؛ وأحس أعمام رفائيل الذين كانوا يتولون أمره أن مواهب الشاب البادية للعيان خليقة بأن تتلقى التعليم من أعظم المصورين في إيطاليا. وكان يسعهم أن يرسلوه إلى ليوناردو في فلورنس حيث يستطيع أن يتشرب ما في فن ذلك الأستاذ من نزعة للغموض والخفاء؛ ولكن الفنان الفلورنسي العظيم كان يتصف بشيء خاص به، شيء غير مألوف أو، بعبارة أخرى، شيء يساري، شيء مشئوم- في عشقه- لا يروق في أعين كل الأعمام الصالحين. يضاف إلى هذا أن بروجيا كانت أقرب إلى أربينو من فلورنس، وأن بروجينو كان عائداً من بروجيا (1499) ومعه جميع الحيل التطبيقية التي يعرفها المصورون الفلورنسيون ويطبقونها في يسر ودون كلفة. وهكذا ظل الغلام الوسيم ثلاث سنين يعمل عند پييترو ڤانوتشي Pietro Vannucci ، ويساعده في زخرفة الكمبيو Cambio، حتى ألم بجميع أسراره، وعرف كيف يصور العذارى زرقاء خاشعة كعذارى بروجيو نفسه. وكانت تلال أمبريا Umbria، وخاصة ما كان منها فوق أسيسي وحولها، زالتي كان في وسع كما أرجو أن يبصرها من هضبة بروجيا، وكانت هذه التلال تمد المعلم والطالب وفيض كامل من الأمهات الساذجات الوفيات ذوات الشباب الجميل، ولكن الجو الفرنسيسي الذي يستنشقنه كان يصوغهن فيجعل منهن أمهات تقيات موثوق بتقواهن.

اوربينو

Giovanni Santi, Raphael's father; Christ supported by two angels, c.1490

مطلع حياته وعمله

پورتريه شخصي


المرحلة الرومانية

"ستانزه" الڤاتيكان

مشاريع أخرى

پورتريهات

العمارة

الرسم

Lucretia, engraved by Raimondi after a drawing by Raphael.[2]

الطباعة

حياته الخاصة ووفاته

La Fornarina, Raphael's mistress.


استقبال منتقد


أعماله

قام بإنجاز أجزاء العديدة من اللوحات الجِصيّة -الجِدارية- في غرف الفاتيكان (مدرسة آثينا؛ هيليودوري -كاتب إغريقي قديم- يطرد من المعبد؛ الاحتفاء بالقربان المقدس؛ بارناس -في الميتولوجيا الإغريقية هو جبل الحوريات الخاص بالإله أبولو-؛ وغيرها ... ) وتعود أكثرها إلى الفترة 1509-1514 م، كما أشرف شخصيا على تنفيذ بقية أعمال التزيين، والتي قام بها مجموعة من تلامذته. بالإضافة إلى تنفيذ مجموعة من الصور على الورق المقوى، تم عن طريقها انجاز المنسوجات الخاصة بالكنيسة السِكستية (نسبة إلى البابا سكست الرابع، 1471-1484 م): "شهادة الحواريين". من بين أعماله المشهورة:

  • زواج السيدة العذراء (1504 م، متحف برينا، ميلانو
  • غالاتي -من شخصيات الميتولوجيا الإغريقية- تبتهج بالنصر(1511 م، فيلا فارنيسيني، روما
  • تجلي السيد المسيح (1518-1520 م، متحف الفاتيكان للرسم

لما عاد بروجينو إلى فلورنس (1502) بقي رفائيل في بروجيا ووقع عليه عبء المطالب التي نماها أستاذه في تلك البلدة للصور الدينية. ففي عام 1503 رسم لكنيسة القديس فرانسس صورة تمثل تتويج العذراء توجد الآن في الفاتيكان: وفيها يقف الرسل ومعهم مجدلين حول تابوت خال، ويتطلعون إلى أعلى حيث يقف المسيح فوق السحب ويضع تاجاً على رأس مريم ، بينما يحييها الملائكة بالعود والرق. وتبدو في هذه الصور شواهد كثيرة على عدم النضوج: فالرؤوس ليس فيها ما يكفي من الانفرادية، والوجوه قليلة التعبير، والأيدي ليست حسنة التشكيل، والأصابع جامدة غير لينة، والمسيح نفسه أكبر بلا شك من أمه الجميلة ، وهو يتحرك حركات سمجة كأنه ناشئ حديث التخرج. ولكن رفائيل أظهر في صورة الملائكة الموسيقيين - في رشاقة حركاتهم، وهفهفة أثوابهم، وفي الخطوط الخارجية لمعارفهم- ما سوف يكونه في المستقبل.

ويبدو أن الصورة لاقت نجاحاً؛ وشاهد ذلك أن كنيسة أخرى تدعى كنيسة سان فرانتشيسكو في تشتا دي كاستلو Citta di Castello تبعد نحو ثلاثين ميلاً من بروجيا طلبت إليه أن يرسم لها صورة مثل الصورة السابقة هي صورة الأسبوسالدسيو Sposalizio أو زواج العذراء (المحفوظة في بريرا brera). وتكرر في هذه الصور بعض أشكال الصورة الأولى، وتحذو في شكلها حذو صورة مماثلة لها من عمل بروجينو. ولكن العذراء نفسها تبدو عليها سمات نساء رفائيل ورشاقتهن - في الرأس المائل في تواضع، والوجه الحنون الحيي، والانحناء الخفيف في الكتف والذراع والثياب. ومن خلف العذراء امرأة أكثر منها مرحاً وحيوية، شقراء جميلة. وإلى اليمين شاب في ملابس ضيقة تدل على أن رفائيل قد عكف على دراسة الجسم البشري؛ والأيدي كلها الآن حسنة الرسم وبعضها جميل.

وكان بنتورتشيو قد تعرف حوالي ذلك الوقت برفائيل في بروجيا فدعاه إلى سينا ليكون مساعداً له؛ وفيها رسم رفائيل صوراً تخطيطية، وأخرى تمهيدية، لبعض المظلمات الرائعة التي يقص بها بنتورتشيو في مكتبة الكنيسة أجزاء من قصة إينياس سلفيوس قصصاً خليقة بالبابوات. واسترعت أنظار رفائيل في تلك المكتبة طائفة من التماثيل القديمة الطراز. هي تماثيل ربات الجمال التي جاء بها الكردنال بكولوميني من روما إلى سينا. ورسم الفنان الشاب صورة سريعة لهذه التماثيل، ليساعد بها ذاكرته على ما نظن. ويبدو أنه وجد في هذه الصور الثلاث العارية عالماً مختلفاً، وأخلاقاً مختلفة، عما انطبع في ذهنه في أربينو وبروجيا - عالماً كانت فيه المرأة إلهة مبتهجة من ربات الجمال، بدل أن تكون أم الإله الحزينة، وتعد فيه عبادة الجمال عملاً مشروعاً لا يقل في ذلك عن تعظيم العفة والطهارة. ونما في ذلك الوقت الجانب الوثني من رفائيل، وهو الذي أمكنه في مستقبل الأيام من رسم نساء عاريات في حمام أحد الكرادلة، ووضع فلاسفة اليونان إلى جانب القديسين المسيحيين في حجرات الفاتيكان ، وتطور هذا الجانب تطوراً هادئاً ملازماً لتلك الناحية من طبعه وفنه الذين أنتجا فيما بعد صورتي قداس بلسينا Bolsena و عذراء سستيني. وسنجد في صور رفائيل أكثر مما نجده في أي بطل آخر من أبطال النهضة، الإيمان المسيحي والبعث الوثني يعيشان جنباً إلى جنب في سلام وانسجام.

وعاد رفائيل بعد زيارته إلى سينا أو قبل هذه الزيارة بزمن قصير إلى أربينو حيث قضى قليلاً من الوقت؛ وهناك رسم لجويدو بلدو صورتين ترمزان في أغلب الظن لانتصار الدوق على سيزاري بورجيا: وهما صورتا القديس ميخائيل والقديس جورج، وكلتاهما في متحف اللوفر. ومبلغ علمنا أن الفنان لم يفلح قبل ذلك الوقت في تمثيل العمل والحركة مثل ما أفلح رفائيل في هاتين الصورتين؛ فصورة القديس جورج وهو يستل سيفه ليهوي به على الهولة، بينما يقفز جواده على خلفيتيه من شدة الرعب، وتنشب الهولة مخالبها في ساق الفارس، ذلك كله يدهش الناظر بقوته ولكنه مع ذلك يسر العين برشاقته؛ وهكذا بدأ رفائيل الرسام يعرف قدر نفسه.

وتدعوه وقتئذ فلورنس كما دعت من قبله بروجينو ومائة غيره من المصورين الشبان. ويبدو أنه شعر بأنه إن لم يعش فترة من الزمان في تلك الخلية الحافزة التي ديدنها التنافس والنقد، فيتعلم فيها مباشرة وعن كثب آخر تطورات الخطوط والتأليف واللون، في المظلمات والتصوير الزلالي والزيتي، إن لم يفعل هذا وذاك فلن يكون أكثر من رسام إقليمي، موهوب ولكنه محدود المجال، قدر عليه آخر الأمر أن يظل مغموراً في بيته وفي المدينة التي ولد بها. ومن أجل هذا رحل إلى فلورنس في أواخر عام 1504.

وفيها سلك كعادته مسلك الرجل المتواضع ، فدرس أعمال النحت القديمة وقطعاً من فن العمارة جمعت في المدينة، وذهب إلى الكارميني Carmine ونقل صور ماساتشيو Masaccio، وبحث عن الصور التمهيدية التي أعدها ليوناردو و مايكل أنجيلو لتكون صوراً في قاعة المجلس في قصر فيتشيو. ولعله التقى هنا بليوناردو، وما من شك في أنه خضع وقتاً ما إلى تأثير هذا الأستاذ الذي يحير كل من يخضع له؛ وبدا له وقتئذ أن جميع الصور التي أخرجتها مدارس الفن في فيرارا، وبولونيا، وسينا، وأربينو إذا قيست إلى صورتي عبادة المجوس، وموناليزا، وصورة العذراء والطفل، والقديسة آن بدت وكأنها ميتة لا حياة فيها؛ بل إن عذارى بروجينو لم تكن إذا قيست إليها إلا دمى جميلة، أو فتيات غير ناضجات من بنات الريف وهبن على حين غفلة قداسة غير موائمة لهن. تُرى كيف كانت لليوناردو هذه الرشاقة في رسم الخطوط، وهذه المهارة في تصوير الوجوه، وهذا الإتقان في تمثيل ظلال الألوان؟ وما من شك في أن رفائيل قلد صورة موناليزا في صورة مدالينا دوني Maddalena Doni (المحفوظة في بتي Pitti)، وإن كان قد حذف منها ابتسامتها لأن سيدة دوني لم تكن فيما يبدو تبتسم؛ ولكنه أجاد تصوير جسم السيدة الفلورنسية القوي المتين البناء، ويديها الناعمتين، المكتنزتين، المتخمتين، اللتين تمتاز بهما صاحبات المال المنعمات، ونسيج الثياب الغالي ذي اللون الجميل الذي يكسب هذا الشكل إجلالاً ومهابة. وصور رفائيل في الوقت عينه زوجها أنجيلو دوني Angelo Doni أسمر اللون، يقظاً، صارماً.

وانتقل من عند ليوناردو إلى الراهب بارتولميو ، فزاره في صومعته في سان ماركو ، ودهش مما شاهده في فن الراهب الحزين من حنان التعبير ، وحرارة الشعور، ورقة الخطوط الخارجية، وانسجام التأليف، وعمق الألوان وكمالها. وزار الراهب بارتولميو رفائيل بعدئذ في روما عام 1514 ودهش هو أيضاً كما دهش رفائيل قبله من السرعة التي علا بها شأن الفنان المتواضع حتى بلغ ذروة المجد في عاصمة العالم المسيحي. والحق أن رفائيل قد بلغ هذه الدرجة من العظمة لأنه كان في مقدوره أن يسرق بنفس الطهارة التي كان يسرق بها شكسبير، ولأنه كان بمقدوره أن يجرب وسيلة بعد وسيلة وطرازاً بعد طراز، ويأخذ من كل طراز ما فيه من عناصر ثمينة، ثم يخرج ما أخذه منها مدفوعاً بتحمسه للخلق وللإبداع فيجعل منه أسلوباً لا شك في أنه أسلوبه الخاص دون سواه.

ولقد استحوذ على تقاليد التصوير الإيطالي الفنية جزءاً جزءاً وما لبث أن بلغ بها حد الكمال. وكان في هذه الفترة الفلورنسية (1504- 1505 ، 1506-1507) قد شرع يرسم صوراً تطبق الآن شهرتها العالم المسيحي وغير العالم المسيحي. ففي متحف بودابست Budapest مثلاً صورة شاب -لعلها صورة له هو- له نفس البيرية ونظرة العينين الجانبية التي نشاهدها في صورة معرض بتي. ورسم رفائيل وهو لا يزال في الثالثة والعشرين من عمره صورة مادنا دل جراندوقا Madonna del Granduca أي سيدة الدوق الأكبر (معرض بتي) التي صور وجهها ذا الشكل البيضي الكامل، وشعرها الحريري، وفمها الصغير، وجفونها الشبيهة بجفون نساء ليوناردو وقد خفضتها في حب حزين، نقول إنه صور هذه المعارف ليعارض بها معارضة قوية قناعها الأخضر ورداءها الأحمر. وكان فرديناند الثاني دوق تسكانيا الأكبر يجد من السرور في مشاهدة هذه الصورة ما يحمله على أن يأخذها معه في أسفاره- ومن هنا اشتق اسمها. ولا تقل عن هذه جمالاً صورة مادنا دل كارديلينو Madonna del Cardellino أي سيدة الحسُّون (في متحف أفيزي)، فالطفل المسيح في هذه الصورة آية رائعة من آيات التفكير، ولكن القديس يوحنا، الذي يصل ظافراً بالطائر مقبوضاً عليه يلعب به، بهجة للعقل والعين، ووجه العذراء يمثل تمثيلاً لا يمكن أن ينمحي من الذاكرة حنان الأم الشابة المتسامحة. وقد أهدى رفائيل لورندسو ناسي Lorenzo Nasi هذه الصورة بمناسبة زفافه؛ ولكن زلزالاً حدث في عام 1547 هدم بيت ناسي وحطم الصورة؛ ثم جمعت قطعها بحذق وعناية لا يستطيع أحد معها أن يحدس ما أصابها إلا بيرينسون Berenson بعد أن شاهدها في متحف أفيزي. لكنه كان في صورة السيدة في المرج (المحفوظة في متحف فينا) أقل توفيقاً منه في الصورة السابقة، وإن كان رفائيل يرسم لنا فيها منظراً طبيعياً فذا، مغموراً في ضوء المساء الأزرق الخفيف المتساقط على الحقول الخضراء، والمجرى الأملس المستوي السطح، والمدينة ذات الأبراج، والتلال النائية. وصورة البستاني الجميل (متحف اللوفر) لا تكاد تستحق أن توصف بأنها صورة أجمل السيدات الفلورنسيات. فهي تكاد تكون صورة طبق الأصل من صورة سيدة المرج، وهي تمثل يوحنا المعمدان من أنفه إلى قدمه تمثيلاً مضحكاً سخيفاً، ولا يرفع من شأنها إلا صورة الطفل المثالية وهو واقف بقدميه المكتنزتين على قدم العذراء العارية، رافعاً عينيه نحوها في حب وثقة. وأحسن صور ذلك العهد وأعظمها طموحاً نحو الكمال صورة مادنا دل بلداتشينو (سيدة المظلة) Madonna del Baldacchino (المحفوظة في معرض بتي)- وفيها ترى الأم العذراء جالسة فوق مظلة، يفتح طياتها ملكان، ويقف إلى جانبيها قديسان، ويغني عند قدميها ملكان آخران. والصورة كلها عمل تقليدي عرفي سبب شهرتها الوحيد أنها من صنع رفائيل.

وقطع مقامه في فلورنس عام 1505 ليزور بروجيا ويقوم فيها بعملين، أحدهما هو ستار المذبح الذي رسم عليه صورة لراهبات دير القديس أنطونيوس، وهو الآن من أنفس الصور في معرض نيويورك الفني. وفيه نجد العذراء في داخل إطار منحوت نحتاً جميلاً، جالسة على عرش، تشبه "راهبة" وردسورث Wordsworth التي "تتقطع أنفاسها من العبادة"؛ والطفل في حجرها يرفع إحدى يديه ليبارك الرضيع القديس يوحنا؛ وفيها صورتان لسيدتين- هما القديسة تشيتشيليا والقديسة كاترين الإسكندرية- تحيطان بالعذراء. ويرى في مقدمه الصورة القديس بطرس عابساً، والقديس بولس يقرأ، وفي مشكاة في أعلاها يرى الله الأب يحيط به الملائكة، ويبارك أم ابنه ويمسك العالم بإحدى يديه. وفي إحدى اللوحات يصلي المسيح على جبل الزيتون والرسل نائمون، وفي لوحة أخرى ترفع مريم جسم المسيح الميت ومجدلين تقبل قدميه الجريحتين. وإن ما في الصورة من تأليف كامل لأشتاتها، وصورة القديسات التي تأخذ بمجامع القلوب، وهن يفكرن في قلق. والفكرة القوية التي أوحت بصورة بطرس المنفعل، والمنظر الفذ للمسيح وهو على الجبل، كل هذا يجعل هذه الصورة التي رسمت لآل كولنا الروائع التي أخرجها رفائيل لا ينازعها في ذلك منازع. ورسم الفنان في تلك السنة نفسها سنة 1506 صورة أقل من هذه روعة: صورة سيدة (محفوظة الآن في المعرض القومي بلندن) لأسرة أنسيدي Ansidie. فيها ترى العذراء على عرشها الضيق، تعلم الطفل القراءة، وإلى يسارها نقولاس قديس باري Bari في ثيابه الأسقفية الفخمة منهمك أيضاً في الدرس؛ وإلى يمينها يوحنا المعمدان وقد بلغ فجاءة سن الثلاثين بينا رفيقه في اللعب لا يزال طفلاً، وهو يشير بإصبعه التقليدية إلى ابن الله.

ويبدو أن رفائيل سافر من بروجيا إلى أربينو مرة أخرى (1506)، وفيها رسم لجويلدوبلدو صورة أخرى للقديس جورج (توجد الآن في ليينجراد) يمسك هذه المرة برمح، وهو في هذه الصورة فارس شاب وسيم مغطى بالزرد تكشف زرقته البراقة عن ناحية أخرى من براعة رفائيل. وأكبر الظن أنه في هذه الزيارة نفسها قد رسم لأصدقائه أكثر صوره الذاتية شهرة (معرض بتي)، وفيها يلبس بيرية سوداء فوق عذائر من الشعر الطويل الأسود؛ ووجه لا يزال في نضرة الشباب، لم يظهر فيه بعد أثر لشعر اللحية؛ وأنف طويل، وفم صغير، وعينين رقيقتين - وقصارى القول أن الوجه كله من الوجوه التي تطالعنا في كل حين وهو أشبه ما يكون بوجه كيتس Keats - ويكشف عن روح طاهرة ناضرة مرهفة الحس بكل ما في العالم من جمال.

وعاد إلى فلورتس في أواخر عام 1506، وفيها رسم بعض صوره الأقل من الصور السابقة شهرة ومنها الصورة المعروفة باسم صورة نقوليني كوبر "Niccolini Cowper"، وهي صورة العذراء والطفل (واشنجتن). وسبب تسميتها بالاسم الأول أن إيرل كوبر الثالث فر بها من فلورنس خلسة مخبأة في بطانة فرش عربته. وليست هي من أحسن صور رفائيل، ولكن أنردو ملون Andrew Mellon ابتاعها بمبلغ 850.000 دولار ليضمها إلى مجموعته (1928). وبدأ رفائيل وهو في فلورنس عام 1507 صورة أعظم من هذه كثيراً هي صورة دفن المسيح الموجودة في معرض آل بورجيا. وقد كلفته برسمها لكنيسة سان فرانتشيسكو في بروجيا السيدة أطلنطا بجليوني Atlanta Baglioni التي خرت راكعة فوق ابنها المحتضر في شارع المدينة قبل سبع سنين من ذلك الوقت، ولعلها أرادت أن تعبّر عن حزنها بحزن مريم على ولدها. وقد اتخذ رفائيل صورة بروجيا التي تمثل الوديعة نموذجاً له، فألف بين أجزاء صورته تأليفاً بارعاً لا يكاد يقل في قوته عن تأليف منتينيا Montegna: ففيها يرى المسيح الميت الضامر الجسم يحمله في غطاء شاب متين البنية قوي العضلات ورجل ملتح مجهد؛ وفيها أيضاً صورة رائعة لرأس يوسف الأرمتيائي of Arimathea، وصورة جميلة لمجدلين وهي تنحني فوق الجثة، ومريم أم المسيح فاقدة وعيها في أحضان المحيطات بها من النساء. وقصارى القول أن كل من في الصورة يختلف في موقفه عن غيره، ولكنهم جميعاً قد صوروا تصويراً دقيقاً من حيث تشريح الجسم، ورشيقاً لا يقل عن رشاقة كريجيو، Corregio، وقد امتزجت فيها الألوان الحمراء، والزرقاء، والبنية، والخضراء امتزاجاً ألف منها وحدة متناسقة مشرقة، بين منظر طبيعي جميل شبيه بمناظر جورجيوني تظهر فيه صلبان جلجوثا Golgotha الثلاثة تحت سماء المساء. وتلقّى رفائيل وهو في فلورنس عام 1508 دعوة غيرت مجرى حياته. ذلك أن فرانتشيسكو ماريا دلا روفيري دوق أربينو الجديد كان ابن أخي يوليوس الثاني، وكان برامنتي الذي يمت بصلة القرابة البعيدة لرفائيل من المقربين وقتئذ للبابا؛ ويلوح أن الدوق والمهندس أوصيا يوليوس برفائيل، وسرعان ما تلقى المصور الشاب دعوة بالمجيء إلى رومة. وقد سره أن يسافر إليها لأن روما لا فلورنس، كانت وقتئذ المركز المثير الحافز لعالم النهضة. وكان يوليوس قد مل رؤية جويليا فرنيزي تمثل كذباً صورة العذراء على جدران جناح آل بورجيا بعد أن أقام في هذا الجناح أربع سنين، ورغب لذلك أن ينتقل إلى الحجرات الأربع التي كان يسكنها في وقت ما نقولاس الخامس العظيم. وأراد أن تزين هذه الحجرات بصور توائم ما فطر عليه من بطولة وما يبتغيه من أغراض. وسافر رفائيل إلى روما في صيف عام 1508.

رفائيل ويوليوس الثاني 1508-1513

قّلما اجتمع في مدينة عدد من الفنانين العظام منذ أيام فيدياس مثل العدد الذي اجتمع منهم في روما في تلك الأيام. لقد كان فيها ميكل أنجيلو يحفر صوراً للقبر الضخم المنشأ ليوليوس، كما كان ينقش سقف معبد سستيني، وكان برامنتي، يخطّط كنيسة القديس بطرس الجديدة؛ والراهب جيوفني فنان فيرونا البارع في الحفر على الخشب يحفر أبواباً وكراسي، ومقاعد للحجرات؛ وكان بيروجينو، وسنيوريلي، وبرودسي، وسودومان ولتو، وبنتورتشيو، كان هؤلاء قد نقشوا بعض الجدران؛ وكان أمبروجيو فبا Ambrogio Foppa المسمى كردسا Caradossa تشيليني زمانه بصنع الذهب على اختلاف أشكاله.

وعهد يوليوس الثاني إلى رفائيل بنقش حجرة التوقيعات Stanza della Sewnatora التي سميت بهذا الاسم لأن البابا كان يستمع فيها لاستئناف الأحكام ويوقع العفو عمن صدرت عليهم أحكام نهائية. وقد سرته النقوش الأولى التي قام بها هذا الشاب في هذه الحجرة، ورأى فيه عاملاً له ممتازاً طيعاً، في مقدوره أن ينفذ الأفكار العظيمة التي يمتلئ بها ذهن البابا؛ وبلغ من هذا السرور أن فصل من خدمته بروجينو، وسنيوريلي، وسودوما؛ وأمر أن تغطى رسومهم بالجير، وعرض على رفائيل أن ينقض هو جميع جدران الحجرات الأربع. غير أن رفائيل أقنع البابا بأن يحتفظ ببعض الأعمال التي قام بها الفنانون الأولون؛ لكن معظم هذه النقوش غطيت حتى تكون للنقوش الكبرى وحدة التفكير والتنفيذ. ونال رفائيل على نقش كل حجرة 1200 دوقة (15.000 دولار) ، وقضى في الحجرتين اللتين نقشهما ليوليوس أربعة أعوام ونصف عام؛ وبلغ وقتئذ السادسة والعشرين من العمر.

وكان تصميم حجرة التوقيعات فخماً سامياً؛ فقد كان المراد من النقوش أن تمثل اتحاد الدين والفلسفة، والثقافة القديمة والدين المسيحي؛ والكنيسة والدولة، والأدب والقانون، اتحاد هذه كلها في حضارة النهضة. ولعل البابا هو الذي تصور الفكرة العامة، واختار الموضوعات بعد استشارة رفائيل وعلماء بلاطه - إنغيرامي Inghirami وسادوليتو Sadoleto ثم بمبو وبينا Bibiena فيما بعد. وقد رسم رفائيل، في نصف الدارة الكبرى التي يكونها أحد الجدران الجانبية، الدين ممثلاً في أشخاص الثالوث والقديسين، اللاهوت في صورة أباء الكنيسة وعلمائها وهم يبحثون طبيعة الدين المسيحي مركزاً في عقيدة العشاء الرباني. وفي وسعنا أن ندرك هذا من الدراسات الثلاثين المبدئية التي قام بها لكي يستعد لرسم صورة النقّاش في موضوع العشاء الرباني. فقد درس لهذا الغرض صورة يوم الحساب التي رسمها الراهب بارتولميو في كنيسة سانتا ماريا نوفا في فلورنس، والصورة التي رسمها هو لعبادة الثالوث في كنيسة سان سفيرو في بروجيا، وعلى أساس هاتين الصورتين وضع خطته.

وكانت النتيجة التي تمخض عنها هذا العمل منظراً كاملاً فخماً رائعاً، يكاد يحيل أكثر المتشككين عناداً إلى رجل مؤمن بأسرار الدين. وقد رسم في قمة العقد خطوطاً متشععة تتقارب حتى تجتمع إلى أعلى، ويخيل معها إلى الناظر أن الصور العليا تنحني إلى الأمام؛ أما في أسفل العقد فإن الخطوط المجتمعة في الطور الرخامي تكسب الصورة عمقاً. وفي القمة يرى الله الأب - في صورة إبراهيم الوقور الرحيم - يمسك الكرة الأرضية بإحدى يديه، ويبارك المنظر باليد الأخرى. ويجلس الابن أسفل منه، عرياناً إلى وسطه، كأنه في قوقعه؛ وإلى يمينه مريم خاشعة متعبدة، وإلى يساره المعمدان وهو لا يزال ممسكاً بعصا الراعي يتوجهها الصليب، وأسفل منه يمامة تمثل الروح القدس وهو الشخص الثالث من الثالوث المقدس؛ فكأنك ترى في هذه الصورة كل شيء. وجلس على سحابة زغبية حول المسيح المنقذ أثنا عشر شخصاً عظيماً ممن ورد ذكرهم في العهد القديم أو التاريخ المسيحي: آدم في صورة رجل رياضي كأشخاص ميكل أنجيلو ، يكاد يكون عارياً من الثياب؛ و إبراهيم ؛ وصورة فخمة [موسى (مايكل أنجلو)|[لموسى]] ، وفي يده ألواح الشريعة؛ و داود و يهوذا مكابيوس ، و بطرس ، و بولس ، و القديس يوحنا يكتب إنجيله؛ ويوحنا الأكبر، والقديس اسطفانوس، والقديس لورنس، وشخصان آخران لا تعرف هويتهما على وجه التحقيق، وبين هؤلاء جميعاً وفي السحب يقفز ملائكة من مختلفي الطبقات والأصناف يدخلون في هذه السحب ويخرجون، ومنهم من يدورون الهواء على أجنحة الأغاني. ويفرق هذا الجمع السماوي ويضمه ملكان في الحشد الأرضي الأسفل منه يمسكان بالإنجيل، ومسهدة تحتو يعلى القربان المقدس. وتجتمع حول هذا المشهد طائفة مختلفة من رجال الدين لتبحث المشاكل اللاهوتية: وتضم هذه الطائفة القديس جيروم، ومعه ترجمته اللاتينية للإنجيل وأسده؛ والقديس أوغسطين يملي كتابه مدينة الله؛ والقديس أمبروز في ثيابه الأسقفية، والبابا أنكليتس Anacletus والبابا إنوسنت الثالث؛ والفلاسفة أكويناس وبنا فنتورا، ودنزاسكوتس؛ ودانتي العنيد، متوجاً بما يشبه الشوك؛ والراهب أنجيلكو الظريف وسفنرولا المغضب (وتمثل صورته انتقاماً آخر ليوليان من الإسكندر السادس)؛ وأخيراً نجد في ركن من الصورة برامنتي صديق رفائيل وحاميه أصلع الرأس دميم الخلقة. وقد وصل الفنان الشاب في جميع هذه الصور البشرية إلى درجة مدهشة من الانفرادية، جعلت كل وجه من وجوههم ترجمة لصاحبه لا يرى العقل ما يمنعه من قبولها؛ وخلع على كثيرين منهم كرامة فوق الكرامة الآدمية تسمو بالصورة كلها وبالموضوع كله وتكسبه جلالاً ونبلاً. وأكبر الظن أننا لا نجد في كل ما رسم قبل ذلك الوقت صورة نجحت في تمثيل ملحمة عظيمة العقيدة المسيحية كما نجحت في تمثيلها هذه الصورة.

ولكن هل يستطيع هذا الشاب نفسه، وهو الآن في الثامنة والعشرين من عمره، أن يمثل - بهذه العظمة ذاتها - الدور الذي يضطلع به العلم والفلسفة بين الآدميين؟ إنّا لا نجد دليلاً على أن رفائيل كان واسع القراءة والاطلاع على الكتب؛ لقد كان يتحدث بفرشاته، ويستمع بعينيه، ويعيش في عالم من الأشكال والألوان ليس للألفاظ فيه إلاّ شأن حقير، إلاّ إذا عبرت عنها الأعمال ذات الخطر التي يقوم بها الرجال والنساء.

وما من شك في أنه قد أعد بنفسه لهذا العمل بالقراءة السريعة ، وبالانغماس في كتابات أفلاطون وديوجين ليرتيوس، ومارسيلو فنتشينو Marsilio Ficino، وبالحديث القليل ذي الخطر مع العلماء، وذلك لكي يسمو في ذلك الوقت إلى فكرته العليا فيصور مدرسة أثينة - المشتملة على نحو خمسين صورة لخص فيها قروناً غنية بالتفكير اليوناني، جمعها كلها في لحظة خالدة تحت عقد ذي لوحات غابرة في رواق معمد وثني ضخم. وهناك على الجدار وفي مواجهة صورة تأليه الفلسفة مباشرة التي تحتويها صورة الجدل نرى تمجيد الفلسفة: نجد أفلاطون ذا الجبهة الشبيهة بجهد الإله جوبتر، والعينين الغائرتين، وشعر الرأس واللحية الأبيض الطويل المرسل، يرفع إصبعه إلى أعلى مشيراً بها إلى مكانته الكاملة؛ ونرى أرسطو يسير هادئاً ساكناً بجواره وهو أصغر منه بثلاثين عاماً، وسيماً مبتهجاً، يمد يده وراحتها إلى أسفل، كأنه يريد أن ينزل بمثالية أستاذه العليا فيرجعها إلى الأرض وإلى حدود الممكنات؛ وترى سقراط يعد نقط نقاشه على أصابعه، وألقبيادس المسلح يصغي إليه وهو بادي الحب؛ وفيثاغورس يحاول أن يحصر في جداول مؤتلفة متوافقة موسيقى الأكوان، وسيدة حسناء قد تكون أسبازيا؛ وهرقليطس يكتب ألغازاً إفيزيه Ephesian وديوجين وقد رقد عارياً في غير مبالاة على الدرج الرخامية؛ وأرخميدس يرسم أشكالاً هندسية على لوح من الاردواز ليعلم أربعة غلمان مكبين على الدرس؛ وبطليموس الفلكي وزرداشت يتبادلان كرات سماوية؛ وغلاماً إلى اليسار يهرول في اهتمام شديد متأبطاً كتباً، وهو بلا شك يبحث عمن يكتب له ذكرياته، وصبياً مجداً جالساً في أحد الأركان يدون مذكرات، وترى إلى اليسار فيدريجو مانتو ابن إزبلا، ومدلل يوليوس، يطل بنصف عين؛ وترى كذلك برامنتي مرة أخرى؛ ثم نرى رفائيل نفسه متواضعاً مختفياً لا يكاد يرى، وقد طر الآن شاربه. وهناك غير هؤلاء كثيرون نترك للعلماء ممن يتسع وقتهم للنقاش والجدل أن يتناقشوا في حقيقة أشخاصهم، وكل ما نقوله هنا أن مجتمعاً من الحكماء مثل هذا المجتمع لم تضمه من قبل صورة من الصورة، بل لعل أحداً لم يفكر قط في أن تضعه. وأكثر من هذا أن هذه الصورة ليس فيها كلمة واحدة عن الإلحاد، ولا فيلسوف واحد ممن حرق بسبب آرائه؛ بل إن هذا المسيحي الشاب الذي كان يتمتع بحماية بابا أكبر من أن يشغل نفسه بالفروق بين خطأ وآخر، قد جمع فجاءة بين كل أولئك الوثنيين، وصورهم بأخلاقهم وبإدراك عجيب وعطف كبير، ووضعهم حيث يستطيع علماء الدين أن يروهم ويتبادلوا الأخطاء معهم، وحيث يستطيع البابا، خلال الفترات التي بين كل وثيقة وأخرى أن يتدبر سير التعاون بين أفكار البشر ونشأتها. وتمثل هذه الصورة عي وصورة الجدل المثل الأعلى لتفكير النهضة - تمثل عهد الوثنية القديم والدين المسيحي يعيشان معاً مؤتلفين منسجمين في حجرة واحدة. وإذا نظر الإنسان إلى هذه اللوحات المتنافسة في تفكيرها وتأليفها، وفنها رأى فيها ذروة من فن التصوير الأوربي التي لم يرق إليها أحد حتى يومنا هذا.

بقيت بعد ذلك حجرة ثالثة، أصغر من الحجرتين السابقتين تتخللها نافذة يبدو معها أن وحدة الموضوع في الصورة التي ترسم عليها مستحيلة. ولهذا كان من الاختيار الرائع الموفق أن يمثل على سطح هذا الجدار الشعر والموسيقى. وهكذا خفف من ثقل الحجرة المثقلة باللاهوت والفلسفة وأضفى عليها كثيراً من البهجة والآلاء المستمد من عالم الخيال المطرب المنسق، بحيث تستطيع الألحان اللطيفة أن ترسل نغماتها الصامتة خلال القرون في أرجاء تلك الحجرة التي تصدر منها أحكام بالحياة أو الموت لا تقبل نقضاً. وفي مظلم فرناسوس Parnassus هذا نرى أبلو جالساً تحت أشجار الغار على قمة الجبل المقدس يستمد من كمانه الكبير "ترانيم خالية من النغم"؛ وإلى جانبه إحدى ربات الشعر متكئة في رشاقة وراحة، تكشف عن صدرها الجميل إلى القديسين والحكماء المصورين على الجدران المجاورة؛ ونرى هومر ينشد أشعاره السداسية الأوتاد في نشوة المكفوفين ؛ وترى دانتي ينظر في صرامة لا تقبل مسالمة أو مهادنة إلى هذه الزمرة الطيبة من الشعراء والظرفاء؛ وترى سابفو، وهي أجمل من أن تكون لزبية Lesbian، تضرب على قيثارتها؛ وفرجيل وهوراس، وأوفد، وتيبلوس، وغيرهم من المغنين الذين اختيروا ليمثلوا عصوراً متعاقبة، تراهم يختلطون مع بترارك، وبوكاتشيو، وأريستو، وسنادسارو وغيرهم من شعراء إيطاليا الأحداث منهم عهداً والأقل منهم شأناً. وهكذا يوحي الفنان الشاب بأن "الحياة إذا خلت من الموسيقى كانت خطأ من الأخطاء" ، وأن نغمات الشعر، وخيالاته قد ترفع الآدميين إلى درجات لا تقل سمواً عن درجات الحكمة القصيرة النظر، واللاهوت وما فيه من وقاحة. وعلى الجدار الرابع الذي تخترقه أيضاً نافذة كرَّم رفائيل مكانة القانون في الحضارة. فقد صور في مشكاة صورة تمثل الفطنة، والقوة، والاعتدال؛ وصور على أحد جانبي النافذة القانون المدني في صورة الإمبراطور جستنيان ينشر مجموعات القوانين، وعلى جانبها الآخر القانون الكنسي في صورة البابا جريجوري العاشر ينشر المراسيم البابوية. وأراد هنا أن يتملق سيده المحنق الغاضب فصور جريجوري في صورة يوليوس، وكانت هذه أيضاً صورة قوية ذات روعة. ورسم الفنان في دوائر السقف المزخرف، وأشكاله السداسية ومستطيلاته، آيات صغيرة من آياته الفنية مثل حكم سليمان وأشكالاً رمزية تمثل اللاهوت والفلسفة، وفقه القانون، وعلم الهيئة، والشعر. وبهذه الصور وأمثالها من النقوش على الأصداف وبعض المدليات التي تركها سووما تمت زخرفة حجرة التوقيعات.

وأفرغ رفائيل في هذا العمل كل ما كان له من جهد، ولم يبلغ بعد قط ما بلغه فيه من مستوى رفيع ممتاز، ولهذا فإنه حين بدأ في عام 1511 يزخرف الحجرة الثامنة التي تسمى الآن حجرة إليودورو باسم أهم صورة فيها، بدا أن الإلهام التصوري للبابا والفنان قد فقد قوته وناره. ولم يكن من السهل أن ينتظر من يوليوس أن يخصص جناحه كله لتمجيد الاتحاد بين الثقافة الرومانية واليونانية القديمة وقتئذ أن يخصص عدداً قليلاً من الحجرات لتخليد ذكريات من الكتب المقدسة وقصة المسيحية. ولعله أراد أن يركز إلى ما يتوقعه من طرد الفرنسيين من إيطاليا، فاختار لإحدى نواحي الحجرة الوصف الحي الواضح الموجود في كتاب المكابيين الثاني والذي يقول إن هليودورس وجماعته الوثنيين حاولوا اختلاس كنوز معبد أورشليم (186 ق.م) فهجم عليهم ثلاثة من الملائكة المحاربين. ونرى في هذه الصورة الكاهن الأكبر أنياس Onias راكعاً عند المذبح أمام خلفية معمارية من العمد العظيمة، واللوحات الغائرة، يطلِب العون من الله. وإلى اليمين ملاك راكب شديد الغضب يدوس القائد السارق، ويتقدم منقذان سماويان غيره ليهاجما الكافر الساقط، الذي تتناثر على الأرض نقوده المسروقة. وإلى اليسار يجلس يوليوس الثاني جلال هادئ يرقب طرد الغزاة، ويحتقر الفنان بوضعه هذا الدقة التاريخية احتقاراً لا يسعنا إلاّ أن نشهد له بالسمو في التفكير. ويختلط عند قدميه جماعة من النساء اليهوديات برفائيل (وهو الآن رجل ملتح وقور) وبصديقيه مركنتونيو رايمندي Morcantonia Raymondi الحفار، وجيوفني دي فلياري Giovanni di Foliari أحد أمناء البابا. ولا يرتفع هذا المظلم إلى الدرجة التي يرتفع إليها مظلم الجدل أو مدرسة أثينة؛ فقد خصص كله تخصيصاً واضحاً لا خفاء فيه لتمجيد حبر واحد من الأحبار وموضوع واحد سريع الزوال، مضحياً في ذلك بالوحدة في التأليف؛ ولكنه مع ذلك آية فنية بلا ريب، تنبض بالعمال، ذات فخامة معمارية، ويكاد ينافس ميكل أنجيلو في إظهار التشريح العضلي وقت الغضب.

وصور رفائيل على جدار آخر قداس بلسينا Bolsena. فقد حدث حوالي عام 1263 أن ارتاع قسيس بوهيمي من بلسينا (القريبة من أرفيتو)، كان يرتاب في أن الخبز المقدس يتحول حقاً إلى جسد المسيح ودمه، إذ رأى نقطاً من الدم تنضح من الخبز الذي كرسه تواً في القداس. وأراد البابا إربان الرابع أن يخلد هذه المعجزة فأمر ببناء كتدرائية في أرفيتو، كما أمر بأن يحتفل في كل عام بعيد الجسد الطاهر. ورسم رفائيل هذا المنظر الرائع رسماً رائعاً عظيماً، ترى فيه نظرات القس المرتابة في الخبز المقدس ينضح منه الدم، والقندلفت الذي خلفه يدهش من هذا المنظر؛ وفي أحد الجوانب نساء وأطفال وفي الجانب الآخر الحرس السويسري، وهؤلاء يعجزون عن رؤية المعجزة، فلا يتحركون. ويبدو عجزهم عن هذا التحرك واضحاً لا خفاء فيه. ويحدق الكردنالات رباريو واسكنر Schinner وغيرهما من رجال الكنيسة في هذا المنظر إحداقاً تمتزج فيه الدهشة بالرعب. وفي الجهة المقابلة للمذبح يرى يوليوس الثاني راكعاً على مركع نحت عليه صور مضحكة عجيبة يتطلع في مهابة وهدوء، كأنه قد عرف طوال الوقت أن الخبز المقدس سيسيل منه الدم. وإذا نظرنا إلى هذه الصورة من الناحية الفنية حكمنا أنها من أحسن مظلمات الحجر: فقد وزع رفائيل أشخاصه بمهارة حول النافذة التي في الجدار وفوقها؛ وصورهم بثبات في الخطوط وعناية في التنفيذ، وخلع على أجسادهم وثيابهم حدة في العمق وقوة في التلوين. وتمثل صورة يوليوس الراكع البابا نفسه في آخر سنة من حياته. ومع أنه لا يزال هو المحارب القوي الصارم، وملك الملوك الفاجر، فإنك تراه رجلاً أنهكه الكدح والجهد والكفاح تلوح عليه سمات الموت واضحة.

وأخرج رفائيل وهو يقوم بهذه الأعمال الكبرى عدة صور للسيدات ذات روح خليقة بالخلود، منها صورة العذراء ذات التاج التي يعود فيها إلى طرازه التقي المتواضع، ومنها مادنا دلا كاسا ألبا Madonna della Casa Alba أي "سيدة البيت الأبيض" - وهي مدرسة طريفة في ألوان قرنفلية، وخضراء، وذهبية، خطوطها كبيرة منسابة كخطوط عرافات ميكل أنجيلو. وقد ابتاع أندرو ملن Andrew Mellon هذه الصورة من حكومة السفيت بمبلغ 1.166.400 دولار. وصورة مادنا دي فولينو Madonna di Foligno المحفوظة في الفاتيكان هي صورة عذراء جميلة وطفلها فوق السحاب، يشير إليها المعمدان المصفر الوجه، ويقدم لها القديس جيروم البدين واهب هذه الصورة: سجسمندو ده كنتي سيد فولينو وروما. ويرقى رفائيل في هذه الصورة إلى مجد جديد في الألوان الزاهية متأثراً في ذلك بنفوذ سبستيانو دل بيمبو Sebastiano del Piombo الفنان البندقي. ومادنا دلا بيستشي Madonna della Pesce أي "سيدة السمك" (المحفوظة في برادو) جميلة في جميع أجزائها: في وجه العذراء ومزاجها؛ وفي الطفل - الذي لم تسم على صورته صورة غيرها من رسم رفائيل، وفي صورة طوبيت الشاب يقدم لمريم السمك الذي ردت صورته قوة البصر لأبيه، وفي ثوب الملاك الذي يقوده، وفي صورة رأس الأب القديس جيروم. وتضارع هذه الصورة من حيث التأليف، واللون، والضوء صورة مادنا سستيني نفسها.

رفائيل والتصوير الملون

وآخر ما نقوله في هذا المجال أن رفائيل قد ارتقى بالتصوير الملون في هذه الفترة إلى مستوى لم يرق إليه أحد يغره فيما بعد إلاّ تيشيان. لقد كانت الصورة الملونة من نتاج عصر النهضة المميزة له، وهي صورة أخرى من تحرر الفرد تحرراً نبيلاً عزيزاً على النفس في هذا العصر عثر المباهاة والتفاخر. وليست الصور التي رسمها رفائيل كثيرة العدد ولكنها كلها ترقى إلى أعلى مستوى في الفن، ومن أجملها كلها صورة بندو ألتوفيتي. ومنذا الذي تستطيع نفسه أن تحدثه بأن هذا الشاب الظريف، اليقظ رغم ظرفه، الصحيح الجسم النافذ البصر، الجميل جمال الفتيات، لم يكن شاعراً بل كان مصرفياً، وأنه كان من أنصار الفنانين من رفائيل إلى تشيليني؟ وكان هذا الشاب حين صوره رفائيل في الثانية والعشرين من عمره؛ ثم وافته المنية في روما عام 1556 بعد أن بذل جهداً نبيلاً مضنياً جر عليه الوبال ليحفظ به استقلال سينا من اعتداء فلورنس. وكانت هذه هي الفترة التي أخرج فيها رفائيل أعظم صوره على الإطلاق وهي صورة يوليوس المحفوظة في معرض أفيزي (حوالي 1512)؛ ولسنا نستطيع أن نقول إن هذه هي الصورة الأصلية التي خرجت من يد رفائيل، فقد تكون نسخة أخرى منها الصورة احتفظ بها في المرسم، وقد رسم النسخة العجيبة الفذة من هذه الصورة في قصر بتي منافسه الكبير المصور تيشيان. أما الصورة الأصلية فلم يعرف مصيرها بعد.

وتوفي يوليوس نفسه قبل أن تتم صور حجرة إليودورا ولم يكن يدري هل يستطيع إتمام المشروع العظيم مشروع نقش الحجرات الأربع. ولكن كيف يستطيع بابا مثل ليو العاشر المفتن بالشعر وبالفن افتتاناً لا يقل في عمقه عن افتتانه بالدين، أن يتردد في إتمام المشروع؟ وقد قدر للشاب الآتي من أربينو أن يجد في ليو أوفى صديق له، وهكذا عرف صاحب عبقرية السعادة الحية تحت رعاية بابا سعيد أسعد سني حياته.


طالع أيضاً

هامش

Raphael and Maria Bibbiena's tomb in the Pantheon. The Madonna is by Lorenzetto.

المراجع الرئيسية

ول ديورانت; أرييل ديورانت. قصة الحضارة, ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. 

  • Blunt, Anthony, Artistic Theory in Italy, 1450-1660, 1940 (refs to 1985 edn), OUP, ISBN0198810504
  • Gould, Cecil, The Sixteenth Century Italian Schools, National Gallery Catalogues, London 1975, ISBN 0947645225
  • Roger Jones and Nicholas Penny, Raphael, Yale, 1983, ISBN 0300030614
  • Landau, David in:David Landau & Peter Parshall, The Renaissance Print, Yale, 1996, ISBN 0300068832
  • Pon, Lisa, Raphael, Dürer, and Marcantonio Raimondi, Copying and the Italian Renaissance Print, 2004, Yale UP, ISBN 9780300096804
  • Vasari, selected & ed Malcolm Bull, Artists of the Renaissance, Penguin 1965 (page nos from BCA edn, 1979)
  • Wölfflin, Heinrich; Classic Art; An Introduction to the Renaissance, 1952 in English (1968 edition), Phaidon, New York.

قراءات اضافية

The standard source of biographical information is now: V. Golzio, Raffaello nei documenti nelle testimonianze dei contemporanei e nella letturatura del suo secolo, Vatican City and Westmead, 1971

وصلات خارجية

كومونز
هنالك المزيد من الملفات في ويكيميديا كومنز حول :
[[Commons: Category:Raffaello Sanzio |رفائيل]]
Sanzio 01.jpg فنانون من عصر النهضة
تيتيان | رفائيلو سانزيو | بوتيتشيلي | ليوناردو دا فنتشي | مايكل آنجلو | يان فان آيك | ألبرخت دورر | جيوفاني أنطونيو كانال | كارافاجيو