حرية

الحرية Liberty، هي الحالة التي يستطيع فيها الأفراد أن يختاروا ويقرروا ويفعلوا بوحي من إرادتهم، ودونما أية ضغوط من أي نوع عليهم. وفي آسيا و[أفريقيا] وأمريكا اللاتينية، حيث بقيت هذه البلدان ولحقبة طويلة من الزمن ترزح تحت الحكم الاستعماري، ارتبط مفهوم الحرية بالاستقلال وحق تقرير المصير. وفي العالم الغربي ارتبط هذا المفهوم بالديمقراطية وقيام دولة مؤسسات يتم الفصل فيها بين السلطة التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان) والقضائية (المحاكم). [1]

ويرتبط المفهوم الغربي للحرية بالتعددية الحزبية، وحرية الصحافة، والحق في تشكيل النقابات والاتحادات. ويغيب في هذا المفهوم حق التكافل الاجتماعي. أما في النظم الشيوعية فقد جرى التركيز على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين كالسكن والتعليم والعلاج المجاني، في حين غيبت الحرية السياسية بكل تشعباتها، وجرى التركيز على هيمنة الدولة على وسائل الإنتاج وقيادة الحزب الشيوعي للسلطة. أما الدين الإسلامي الحنيف فقد ركز على أهمية الموازنة بين حقوق المواطن السياسية والاقتصادية، وجعل الأمر وسطًا. فأكد على حق الإنسان في الحياة، واعتبر المجتمع مسؤولاً عن توفير الحاجات الضرورية لأفراده. كما ركز على حرية الإنسان وكرامته، واعتبره مسؤولاً عن أفعاله أمام الله وأمام الشرع، مستهدفًا بذلك حماية النفس والمال والعرض والكرامة الإنسانية بشكل متوازن.

التاريخ

اوجين دلاكروا - الحرية تقود الشعب (1830)

في ظل اليونان وروما القديمتين. نالت الطبقات العليا، دون سواها، حرية واسعة. وفي حوالي عام 500 ق.م.، نشأت حكومات ديمقراطية في أثينا وعدد من دول المدن الإغريقية. وكان يجوز للمواطنين اختيار المسؤولين عن السلطة وتولي مناصب فيها. غير أنهم كانوا يشكلون أقلية بين السكان، إذ لم تكن للنساء والعبيد والأجانب هذه الحقوق.

وفي روما، بعد أن تحولت إلى جمهورية من سنة 509 ق.م. إلى سنة 27 ق.م.، نالت الطبقات العليا العديد من الحريات. إلا أنه لم يكن باستطاعة الطبقات الدنيا تولي وظيفة عامة أو الزواج من أسر الطبقات العليا. وكان العبيد هم أدنى الطبقات وكانوا يُعْتَبَرون نوعًا من الملكية وليست لهم حقوق قانونية.

العصور الوسطى

جون من إنگلترة يوقع الماگنا كارتا—رسم توضيحي من كتاب Cassell's History of England (1902)

أفرزت هذه العصور في أوروبا نظامًا سياسيًا واقتصادًيا أُطلق عليه النظام الإقطاعي. في ظل الإقطاعية، أعطي الفلاحون المعروفون باسم رقيق الأرض حرية محدودة، بينما حظي النبلاء بالكثير منها. وكان نبلاء المرتبة الدنيا يزوّدون نبلاء المرتبة العليا (الأسياد أو اللوردات) بالجنود، ويدفعون لهم الضرائب. ويُعْرف هؤلاء النبلاء الأقل مرتبة بأتباع السيد. حصل الأتباع على كثيرٍ من الحقوق المهمة، منها مثلاً، أن على السيد أن يستدعي أتباعه لأخذ موافقتهم قبل أن يجمع ضرائب إضافية. وكان هناك تقليد آخر يقضي بتسوية الخلافات بين تابع وسيده في محكمة تتكون من نظراء التابع؛ أي رجال من نفس المرتبة.

في سنة 1215م، صادق جون ملك إنجلترا على وثيقة سميت الماجنا كرتا ـ وثيقة حقوق الإنسان ـ بموجب هذه الوثيقة، اكتسب كثير من الحريات الإقطاعية التقليدية الصفة القانونية. وقد مهدت تلك الوثيقة السبيل لتطور البرلمان في فرنسا. فضلا عن ذلك، أقرت الوثيقة بعدم جواز سجن رجل حر أو نفيه أو نزع ملكيته إلا بموجب القانون. من هذا المفهوم، نمت الأفكار عن الإجراءات القانونية، والمحاكمة أمام هيئة محلفين.

وفي القرون الوسطى، حظرت الكنيسة حرية الفكر في أوروبا. وشددت الخناق على المسلمين وعلى كل ما خالف معتقداتها. وفرضت قيودًا على الكتابة فيما اعتبرته مناقضا لتعاليم الكنيسة.

عصر العقل

الفيلسوف الإنجليزي جون لوك.

خلال عصر العقل، أخذ كثير من الناس في النظر إلى الحرية بوصفها حقًا طبيعيًا. وأجاز البرلمان الإنجليزي وثيقة بيان الحقوق الإنجليزية سنة 1689م. وقد أثبتت هذه الوثيقة الحقوق والحريات الأساسية للشعب الإنجليزي.

وفي الوقت نفسه، أعلن الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن كل فرد ولد وله حقوق طبيعية لا تسلب منه، مثل: حق الحياة، وحق الامتلاك، وحرية الرأي، والدين، والتعبير. وقد ورد تفصيل ذلك في كتابه رسالتان في الحكم (1690م).

بعد انتشار الثورة الصناعية خلال سني القرن الثامن عشر، توطدت دعائم نظام النشاط التجاري الحر. ودافع الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث عن حرية حركة رأس المال والأسواق، وهو ما عُرف بعبارة حرية التعامل الاقتصادية، في كتابه ثروة الأمم 1776م.

خلال القرن الثامن عشر الميلادي، تحدث مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين البارزين في مقدمتهم مونتسكيو، وجان جاك روسو، وفولتير مدافعين عن حقوق الفرد وحرياته. دعا كتاب مونتسكيو روح القوانين (1748م) إلى الفصل بين السلطات، وتقسيمها إلى فروع تنفيذية وتشريعية وقضائية. وأعلن رُوسُو في كتابه العقد الاجتماعي (1762م) أن الحكومة تستمد سلطتها من عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

مهدت هذه الكتابات لقيام الثورة الفرنسية التي بدأت سنة 1789. واشتعلت الثورة بفكرة الحرية والمساواة، ولم تنجح في تحويل فرنسا إلى ديمُقْرَاطِية، إلا أنها أحدثت تغييرات رئيسية في المجتمع الفرنسي.

القرن التاسع عشر

في الحرية الفرنسية. العبودية البريطانية (1792)، جيمس گيلراي يسخر من "الحرية" الفرنسية بأن يعرفها بأنها الفرصة للجوع، و "العبودية" البريطانية بأنها شكاوى متخمة عن الضرائب.

حفلت أعوام هذا القرن بممارسة كثير من المفاهيم عن الحرية التي كانت قد تطورت في أثناء عصر العقل. ففي عام 1830م، ثم عام 1848م، اكتسحت الثورات أغلب أنحاء أوروبا. وفقد الحكام الكثير من سلطاتهم. وبحلول عام 1848م، نال المواطنون في كثير من البلاد حقوقا مدنية أساسية، من بين هذه البلاد بِلْجِيكَا والدنماركْ وهُولَنْدَا. وخلال القرن التاسع عشر، أنهت البلاد الأوروبية الرقّ. لكن الاستعمار الأوروبي انتشر في إفريقيا وآسيا.

وخلال القرن التاسع عشر، نال العمال كثيرًا من الحقوق المهمة. ووضعت كثيرٌ من البلدان قوانين تنظم ظروف العمل في المصانع وحصل العمال على حق تشكيل النقابات.

القرن العشرون

تمثال الحرية، أهدته فرنسا للولايات المتحدة، تجسيداً فنياً لمفهوم الحرية.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، أقام كثير من البلاد الأوروبية أنظمة ديمقراطية تمثيلية. وتوسع مفهوم الحرية ليشمل حق العمل، والرعاية الصحية، والغذاء المناسب، والسكن.

وفي عام 1948م، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة [الإعلان العالمي لحقوق الإنسان]. وقد عدد هذا الإعلان الحقوق والحريات التي رأت الأمم المتحدة أنها يجب أن تكون أهدافاً لكل الدول.

أنواع الحريات

الإشارة إلى أنواع الحريات تعني بالتحديد هنا التصنيف الغربي لها الذي يجري تطبيقه في الدول الرأسمالية الغربية. وتصنف هذه الحريات في ثلاث مجموعات هي:

1- الحرية السياسية.

2 – الحرية الاجتماعية.

3 – الحرية الاقتصادية.

الحرية السياسية

وهي تتيح للإنسان فرصة المشاركة في اتخاذ القرارات الحكومية. وتشمل حق التصويت في اختيار أحد المرشحين المتنافسين على وظيفة عامة، وحق الفرد في ترشيح نفسه لوظيفة، والحق في نقد سياسات الحكومة.

ويرى بعض علماء الاجتماع أن الحرية السياسية غير ذات معنى إذا لم تؤازرها حقوق اقتصادية واجتماعية، إذ لا قيمة للتصويت إذا لم تتوافر حاجاتهم الأساسية.

الحرية الاجتماعية

حسب المفهوم الغربي للديمقراطية تشمل الحرية الاجتماعية حرية التعبير والصحافة، والحرية الدينية، وحرية الاجتماع، والحرية التعليمية، وحرية التقاضي وفقا لقواعد الإجراءات القانونية.

حرية التعبير

هي حق الناس في التعبير عن آرائهم وأفكارهم. فالناس بحاجة للمناقشات لتبادل الآراء حتى يتمكنوا من التوصل إلى قرارات مبنية على المعرفة في شؤون حياتهم السياسية. وحرية التعبير تعزز الحرية السياسية بلفت انتباه المسؤولين إلى الرأي العام. انظر : حرية التعبير.

حرية الصحافة

هي حق نشر الحقائق والأفكار والآراء، ويشمل ذلك الإذاعة والتلفاز والأفلام وكذلك المواد المطبوعة.

الحرية الدينية

تعني حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية التي يختارها الفرد لنفسه. انظر: الحرية الدينية.

حرية الاجتماع

هي حق الناس في الاجتماع بعضهم ببعض لمصالح متشابهة. وهي تعني أيضًا أنه يجوز للناس أن ينضموا إلى من يشاءون. من ناحية أخرى، لا يجوز قسر أحد على الانضواء إلى أية مجموعة دون إرادته.

الحرية التعليمية

هي مجموعة من الحريات يتطلبها المعلمون والدارسون، وتشمل حق التعليم، والبحث، والكتابة، والنشر بما ينمي تطوير الفكر ونشر المعرفة.

حرية التقاضي

وهي تعني مجموعة من الشروط القانونية التي يجب استيفاؤها قبل معاقبة المتهم على جريمته. وتشمل حق الفرد في معرفة التهم الموجهة إليه. ويهدف من هذه الحرية حماية الناس من إيداعهم السجن بدون وجه حق.

الحرية الاقتصادية

وهي تعني تمكن الناس من أن يتخذوا قراراتهم الاقتصادية بأنفسهم. وهذه الحرية تشمل حق الملكية، واستعمالها وجني الربح منها. فالعمال أحرار في اختيار وظائفهم، وللناس حرية ادخار المال واستثماره بمحض إرادتهم.

صيانة الحرية

توجد في معظم البلدان مؤسسات لحماية الأفراد وصيانة الحقوق. وتتكفل دساتير الدولة وقوانينها بتحديد حقوق الفرد وواجباته، ويقرر العديد من علماء الاجتماع الغربيين أمثال جان جاك روسو وجان لوك ومونتسكيو أن العلاقة بين أبناء الشعب والدول هي علاقة تعاقدية. وهذا ما يسود الآن في المجتمعات الغربية. ومع الإقرار بأهمية العلاقة التعاقدية بين الفرد والدولة، فإن هناك أشكالاً أخرى لضمان وجود علاقة متوازنة ومتكافئة بين الحاكم والمحكوم غير تلك التي نصت عليها الدساتير الغربية. فقد ضمنت الأديان والكتب السماوية حقوق الفرد، وأشارت إلى مبدأ الثواب والعقاب.

الحقوق

تشير الدساتير الغربية إلى تعهد حكومات تلك الدول بحقوق معينة لمواطنيها، وتسمى تلك بالحقوق المدنية. وتختلف تلك الحقوق من بلد إلى آخر. ومن تلك الحقوق حق المُتهم في أن ينال محاكمة عادلة دون تعطيل لا مبرر له. وحق الفرد في التنقل داخل حدود وطنه.

قيود الحرية

تشكل قوانين أي مجتمع منظم مجموعة معقدة من الحريات والقيود المتوازنة. وينظر بعض الناس إلى القوانين على أنها عدو طبيعي للحرية. ويعتقد فوضويون أن كل النظم الحكومية تلغي الحرية. على أن أغلب الناس يعتقدون أن القانون يقيد ويحمي حرية الفرد في آن واحد. فمثلاً، يمنع القانون من التعدي على الآخرين، لكنه يضمن أيضًا للناس بأنهم لن يُتعدّى عليهم.

أسباب القيود على الحرية

السبب الرئيسي لتقييد الحرية كف الضرر عن الآخرين. ومن أجل تحقيق حرية متساوية لكل واحد، قد تضطر الحكومة لتقييد حرية أفراد أو مجموعات محددة من التصرف بطرق معينة. ومن أمثلة ذلك القوانين المانعة من التفرقة العنصرية في التوظيف. وقد يقيد المجتمع الحرية الفردية من أجل الحفاظ على النظام، وسير الأمور بيسر. فعندما يتعذر على سيارتين عبور ملتقى طريق في الوقت نفسه، دون اصطدام، فإن النظم تحدد أيتهما يجب أن تمر أولاً.

كذلك ينبغي على كل فرد القيام بواجبات ومسؤوليات معينة للحفاظ على المجتمع وحمايته. ومن أمثلة ذلك أن من واجب المواطن أن يدفع ضرائب، وأن يلبي النداء إذا استُدعي لمهمة. وهكذا فكرة الحرية الشخصية دائمًا مصحوبة بقدر من الواجب نحو المجتمع.

القيود على الحرية الاجتماعية

تمنع القيود على الحرية الاجتماعية الناس من استخدام حرياتهم بطرق قد تكون ضارة بصحة الآخرين، أو سلامتهم أو رفاهيتهم. فمثلاً، لا يشمل حق الكلام حق الصياح كأن يصيح شخص مثلاً قائلاً: حريق في مسرح مزدحم إذا لم يشب حريق بالفعل. وحرية التعبير، وحرية الصحافة لا تتيحان لشخص إطلاق الأكاذيب الضارة بسمعة طرف آخر. وتسمى مثل هذه التصريحات قذفًا إذا صدرت لفظًا، وتشهيرًا إذا صدرت كتابة.

كما تمنع القوانين في الدول المتحضرة، عادة، الخطب والمطبوعات التي تُعَرِّض سلام وأمن البلاد للخطر. ويحرم القانون الكتابة التي تدعو الناس إلى الشغب والفتنة. بالإضافة إلى ذلك، فإن كثيرًا من الحكومات تضع قيوداً خاصة من أجل حماية الآداب العامة، ولدى كثير من البلاد قوانين مناهضة للإباحية ـ الصور والكتابة الفاحشة.

القيود على الحريات الاقتصادية

كانت أغلبية الحكومات في الماضي تضع قليلا من القيود على الحرية الاقتصادية، وتتبع سياسة عدم التدخل في الشؤون الاقتصادية. على أنه منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي، أدى نمو الرأسمالية الضخم إلى تركيز الثروة في أيدي عدد قليل نسبيًا من الناس. وقد أدخل هذا التطور في اعتقاد الكثير من الناس أن من واجب الحكومة التدخل لحماية المجموعات الفقيرة، ولمراعاة المساواة في الأغراض الاقتصادية المتاحة. وأسفرت هذه الاعتقادات عن مزيد من القيود على الأعمال التجارية الكبرى والدوائر الاقتصادية القوية. وفي الوقت الحاضر، تنظم القوانين، في كثير من البلاد، الأجور وساعات العمل، وتحرم تشغيل الأطفال وتتكفل بضمانات ضد البطالة. ويرى كثير من الناس أن هذه القوانين إنما تحمي الحرية الاقتصادية ولا تنتهكها.

والحرية الاقتصادية مقيدة، أيضًا، عندما تتعارض مع حقوق الآخرين، فمثلاً، لاحرية لأحد في أن يغش الآخرين. وحق أصحاب الفنادق في أن يفعلوا ما يشاءون بملكيتهم لا يبيح لهم رفض إعطاء غرفة لشخص ينتمي لعِرق أو دين معين. وحرية أصحاب المصانع في إدارة مصانعهم لا تبيح لهم إلقاء النفايات الصناعية في مياه يشربها الناس.


انظر أيضا

المصادر