وليام هوگارث

وليام هوگارت
William Hogarth
William Hogarth 006.jpg
وليام هوگارث، پورتريه ذاتي، 1745
وُلـِد (1697-11-10)10 نوفمبر 1697
لندن، إنگلترة
توفي 26 أكتوبر 1764(1764-10-26) (عن عمر 66 عاماً)
لندن، إنگلترة
المثوى St. Nicholas's Churchyard, Chiswick Mall, تشيزويك، لندن
المهنة مصور، engraver, satirist
الزوج Jane Thornhill

وليام هوگارث William Hogarth (و.1697-1764 كان رساماً وطباعاً إنجليزياً. تميزت رسومه بالنقد الاجتماعي الساخر ، كما كان يرسم كرتون في الصحف. وهو رائد الفن المسلسل الغربي.

تنوع عمله من الپورتريهات الواقعية إلى مسلسلات من الصور تشبه الكوميك ستريپ comic strip سماها "مواضيع أخلاقية حديثة". المعرفة بأعماله منتشرة جداً حتى أن الرسوم السياسية الساخرة في هذا الأسلوب كثيراً ما يشار إليها بالـ "هوگارثية".[1]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته

كان أبوه مدرساً وكاتباً أجيراً، ألحقه في صباه بنقاش للأسلحة. وانتقل من ذلك إلى الحفر على النحاس، ثم إلى رسم الرسوم الإيضاحية للكتب. وفي 1726 أعد اثنتي عشرة محفورة (كلشيهات) كبيرة لكتاب بطلر "هوديبراس". ثم التحق بفصل التصوير الذي كان يعلم فيه ثورنهل، وتعلم التصوير بالزيت، ثم هرب مع ابنة أستاذه، وصفح عنه ثورنهل وعينه مساعداً له.

كانت الرسوم الإيضاحية التي رسمها هوجارث لمسرحية العاصفة، ولمسرحيتي هنري الرابع، ولأوبرا الشحاذ، صوراً نابضة بالحياة. فميراندا رقيقة حنون، وكالبان فظ غليظ، وبرسبرو عطوف كريم، وايريل يداعب مزهراً في الهواء، والسير جون فلستاف يتكلم من كرشه بخيلاء، والكابتن ماكهيث في أغلاله وألحانه، بطل في العيون زوجاته رغم كل شيء. ووقع هجاء المستقبل على ذلك العرق الذي تميز به، وذلك في لوحة "المصلين النيام"، فقد كره هوجارث كل المواعظ إلا مواعظه؛ أما في "حفلة الأطفال" فقد تلذذ بأجمل جوانب الحياة الإنجليزية. وهذه الصور تلذنا الآن، ولكنها لم تأته بثناء وقتها.

وجرّب تصوير الأشخاص ولكنه لم يحقق نتائج تذكر، وكانت المنافسة قاسية، فأكثر من عشرة مصورين يجمعون ثروات صغيرة بتملق زبائنهم وتوزيع العمل على مساعديهم؛فهم يرسمون الرأس ولكنهم يحيلون رسم الخلفيات والستائر لمساعدين يخبسونهم أجورهم. يقول هوجارث "وكل هذا يتم بسرعة مريحة تتيح الرئيس الحصول في أسبوع واحد على مال أكثر مما يستطيع أن يحصل عليه رجل ذو مواهب فنية من أعلى المراتب في ثلاثة أشهر(7)". وندد بتجار الوجوه هؤلاء الذين جملوا وجوه زبائنهم إشباعاً لغرورهم واستدراراً لمالهم. أما هو فمذهبه أن يصور زبائنه بكل ما فيهم من دمامل وإلا فلا. فلما جلس إليه نبيل تغلب عليه سيماء القردة صوره هوجارث بإهانة مؤذية. ورفض اللورد أن يأخذ صورته إذ لم يكن قد رأى نفسه قط كما يراه الآخرون. فأرسل إليه المصور رسالة جاء فيها:

بورتريه ماري إدوارد 1742

"المستر هوجارث يقدم إحتراماته الواجبة للورد-وإذا وجد أنه لا يريد أن يأخذ الصورة التي رسمت له، فهو يذكره مرة أخرى بحاجة المستر هوجارث إلى المال. فإذا لم يرسل سيادته في طلب الصورة خلال ثلاثة أيام، فسيبيعها، بعد إضافة ذيل وغيره من الملحقات الصغيرة، إلى المستر هير مقتني الوحوش الشهير؛ لأن المستر هوجارث قطع لذلك السيد عهداً بإعطائه الصورة لعرضها في معرض للصور(8)". ودفع اللورد المال.

الجمع في بيت وانستد. إرل تيلني والعائلة في صدر الصورة

وكان هوجارث واثقاً من أن في استطاعته أن يرسم صور الأشخاص كأي فنان قدير. وبينما كان يصور هنري فوكس (البارون هولاند فيما بعد) أخبر هوراس ولبول أنه وعد فوكس أنه إذا جلس متبعاً تعليماته فإنه سيرسم له صورة لا تقل روعة عن صور روبنز أو فانديك(9)، وهو ما صدم هوراس في الصميم من تقاليده. وربما برر كثير من لوحات هوجارث التي رسمها للذكور استنكاراً ولبول لها، فالوجوه "مقلوبة" جداً، وبعضها يستحق وصف هوجارث الهازئ لبعض الصور الإنجليزية بالـ "ساكنة" ولكن يجب أن نستثني منها لوحة "السر توماس كورام" التي أسلفنا ذكرها في معرض الحديث عن الاحتفال بمستشفى اللقطاء الذي أسسه كورام، والذي ترى فيه صورته، فقد التقط هوجارث الطبيعة البارة بالناس في الوجه المبتسم، والخلق الحازم في اليدين المقبوضتين. ولقد كانت فرشاته، بوجه عام، أرفق بالنساء منها بالرجال. مثال ذلك أن "صورة سيدة" تنافس صور جانزبورو، وصورة "سيدة في ثياب بنية(11)" لها الملامح القوية لامرأة أفلحت في تربية أطفال كثيرين؛ وإذا كانت صورة "الآنسة ماري إدواردز" ميتة نوعاً ما، فإن الكلب-وهو حاضر دائماً في لوحات هوجارث-يبعث فيها الحياة، وأروع من هذه الصور اللوحات الجماعية مثل "أسرة برايس(13)" و "أبناء جراهام(14)" وأفضل حتى من ذه "خدم هوجارث(15)"، حيث ترى كل وجه مرسوماً في حب بكل طابعه المتفرد. وأبدع صوره كلها بالطبع هي "بائعة الجمبري(16)"-وهي ليست لوحة شخصية بل ذكرى رجل سليم قوي الصبية التي رآها تبيع الجمبري من سلسلة متزنة على رأسها؛ فتاة عطلت من كل زينة أو زخرف، لا تستحي من الأسمال التي تكسوها، تطل على الدنيا وقد توردت وجنتاها وتألقت عيناها صحة وعافية بفضل الحركة والنشاط.


الفن الأخلاقي

وقد ترك هوجارث على الأقل أربع لوحات صور نفسه فيها. ففي 1745 صور نفسه مع كلبه السمين "ترمب(17)". وفي 1752 أرانا نفسه جالساً إلى حامله، جسم قصير متين، ووجه مستدير قصير سمين، وأنف أفطس عريض، وعينان زرقاوان أتعبهما طوال النضال وشفتان مزمومتان تحفزا لاستئناف النضال. كان في رأي ثكرى "مواطناً لندنياً أميناً مرحاً، ورجلاً مخلصاً صريحاً، يحب نكتته، وأصحابه، وكأسه، وروزبيفه-روزبيف إنجلترا العجوز(18)". ولم يكن يصل طوله غلى خمسة أقدام، ولكنه كان يحمل سيفاً ولا يطيق اللغو من أي إنسان. ووراء حبه للقتال دفاعاً عن النفس قلب محب، مسرف في العاطفة أحياناً، قطع على نفسه العهد أبداً بشن الحرب على النفاق والقسوة. وكان يحتقر النبلاء الذين يصورهم، ويحب اللندني البسيط البريء من الخيلاء. وقد أدخل الجماهير الإنجليزية إلى دنيا الفن، فصورهم في آثامهم وآلامهم، في مستشفى المجاذيب، والسجن، والدين، والكد المضني. وكره الفرنسيين لأنهم أفسدوا الإنجليز بغلوهم في الزينة وبخيلائهم الأرستقراطية. ولم ينس قط أنه قبض عليه لأنه رسم رسوماً تخطيطية لبوابة كاليه، فثأر لنفسه بتصويره الفرنسيين كما رآهم هناك: عمالاً أجلافاً، وجمهوراً يؤمن بالخرافة، وراهباً بديناً يحدق بنشوة في كتف من لحم البقر(20).

زواج على الموضة

وقد أنبأنا هوجارث في كتابه "نوادر" كيف حولته ضآلة ربحه من صوره إلى التجارة الذي أكسبه الشهرة، قال: "كرهت أن أنحدر إلى درك "صانع" الصور الشخصية، وإذ كنت لا أزال أصبو إلى الاستقلال في عملي، فقد طلقت كل أمل في الانتفاع من ذلك المورد.. وبما أني لم أستطع إقناع نفسي بالعمل كما يعمل بعض إخواني، وجعل تصوير الأشخاص ضرباً من الصناعة يدار بالاستعانة بمصوري الخلفيات والستائر، لذلك لم تحقق لي هذه الطريقة من الربح ما يكفي لسد نفقات أسرتي. ومن ثم وجهت أفكاري إلى رسم وحفر الموضوعات الخلفية العصرية، وهذا ميدان لم يطرق في أي بلد أو عصر(21)".

رحلتا البغي والجاروف

A Rake's Progress، اللوح 8، 1735، وأضاف لها هوگارت رتوش في 1763 بإضافة درع بريطانيا[2][3]

وعلى ذلك رسم في 1731 ست صور سماها "رحلة بغي"، وحفرها على النحاس، ومن هذه المحفورات صنع سلسلة من النسخ المطبوعة عرضت للبيع بعد عام، ترى فيها الفتاة القادمة من الريف تقدمها قوادة قاهرة على الإقناع إلى سيد ملهوف؛ والصبية سريعة التعلم، ولا تلبث أن تحرز ثراءً قبيحاً. ثم يقبض عليها لا للبغاء بل للسرقة، وتؤدي عملها المفروض عليها في السجن وهو نفض القنب، ثم تسير حثيثاً غلى المرض والموت، ولكن يعزيها أن يشجع جثمانه رهط من المومسات، وكان في استطاعة هوجارث أن ينقل شخوصه من الواقع دون مشقة أو عناء، فقد رأينا المسز نيدهام ينكل بها في المشهرة عقاباً لها على احترافها بالبغاء، ويحصبها الجمهور، وتموت من إصابتها. (ومع ذلك فإن الكولونيل تشارتريز، الذي اتهم مرتين بهتك العرض وحكم عليه مرتين بالإعدام، عفا عنه الملك مرتين، ومات في أبهة النبلاء بمقره بالريف(22)). وقد أخطأ هوجارث حين خيل إليه أنه طرق ميداناً جديداً في هذه الرسوم التي تمثل الحياة اليومية، فقد سبقها الكثير في إيطالية النهضة، وفي فرنسا، وفي الأراضي المنخفضة، وفي ألمانيا. ولكن هوجارث جعل الآن من "الموضوعات الخلقية" فناً وفلسفة. على أنه، ككل الأخلاقيين، لم يكن مبرأ من الإثم، فقد أطاق في غير اشمئزاز صحبة السكارى والبغايا(23)، واكن الهدف من صوره المطبوعة أولاً التكسب، ثم التبشير بالفضيلة إن أمكن.

وراجت صور "البغي" المطبوعة، فاستهوت ألفاً ومائتي مكتتب، ونيف ربحها الصافي على ألف جنيه. ومع أن طبقات مسروقة كانت تنتقص من ربح المصور، فإنها أبعدت شبح الجوع عن بابه. وأقبل الجمهور البريطاني في غير تردد على مناظر الخطيئة هذه، وهو الذي لم يكن به ولع باللوحات، فهنا فاكهة محرمة، طهرتها الفضيلة ولكنها لم تنتقص من بهجتها، وهنا يستطيع المرء لقاء ثمن زهيد أن يتعرف إلى الرذيلة وهو في مأمن، وأن يرقب عقابها الذي تستحقه وهو راض. واستطاع هوجارث الآن أن يطعم أسرته من مكاسبه، لا بل اتخذ مسكناً له في حي لستر فيلدز العصري، وعلق على بابه رأساً مذهباً يشير إلى مهنته فناناً. وقد اشترى بعد ذلك بيتاً ريفياً في كزيك.

ثم رسم صوراً كبيرة في السنوات القليلة التالية، لا سيما "مهرجان سذريك"-وهي لوحة "بروجلية" إنجليزية-ولوحة جماعية لطيفة تدعى "أسرة إدواردز" ولكنه عاد إلى رسومه المطبوعة في 1733، وعارض سلسلة "البغي" بسلسلة سماها "رحلة فاجر" ترى فيها شاباً طائشاً مفتوناً يرث فجأة تركة كبيرة، فيهجر أكسفورد غلى لندن، ويستمتع بالحانات والمومسات، ويبدد ماله، ويجر إلى السجن لعجزه عن الوفاء بديونه، ثم تنقذه خليلته التي نبذها، ويستعيد قدرته على الوفاء بديونه الزواج من كهله عوراء غنية، ولكنه يقامر بثروته الجديدة في نادي هوايت، فيودع السجن مرة أخرى، ويختتم سيرته مجنوناً في مستشفى "بدلام". لقد كانت تمثيلية أخلاقية في صور سهلة الفهم تصور قطاعاً من الحياة تصويراً دقيقاً. ولكن يحمي هوجارث سلسلة صور "الفاجر" المطبوعة من السرقة شن حملة تستهدف الحماية القانونية لحقوقه. وفي 1735 أقر البرلمان "قانوناً لتشجيع فنون الرسم، والحفر، والنقش الخ"، وهذا القانون، الذي تعارف الناس على تسميته "قانون هوجارث" أعطاه حقاً يعادل حق التأليف على صوره المطبوعة. وفي 1745 باع بالمزاد اللوحات التي حفر عنها سلسلتي "البغي" و "الفاجر"، فربح منها 427 جنيهاً.

وتوافرت له الآن الكفاية المالية والثقة بالنفس، فغزا غزوة أخرى في التصوير. "لقد راودتني بعض الآمال في أن ينجح فيما يسميه المغالون في إطراء الكتب "الأسلوب العظيم في تصوير التاريخ(24)". وفي العقد الممتد من 1735 إلى 1745 أنتج صوراً رائعة كان عليها أن تنتظر قرناً لتحظى بالتقدير. فلوحة "الشاعر المحزون(25)" هي القصة القديمة، قصة المؤلف الذي افتقر يطالب في إلحاح بإيجار مسكنه بينما تحيك زوجته في عصبية وينام قطه في رضي خلي من الهم. وحاولت لوحته "بركة بيت حسداً" رسم مشهد من الإنجيل، ولكن هوجارث تبله بحسناء نصف عارية تقف أمام المسيح وجهاً لوجه. ولم يكن الفنان معصوماً من إغراء جسد الأنثى، ففي محفورته "الممثلات المتجولات يرتدين ثيابهن في جرن" خلع على هذا الجسد الفتنة والإغراء بالثياب نصف المجردة. وتقرب لوحة "السامري الصالح(26)" من مستوى "أئمة التصوير القدامى". وألطف منها لوحة كبيرة سماها "ديفد جاريك في دور رتشارد الثالث(27)" وقد كلفه بها رجل يدعى دنكوم دفع فيها مائتي جنيه، وهذا أغلى ثمن دفع لمصور إنجليزي إلى ذلك الحين.

ومع ذلك لم تظفر هذه الأعمال باستحسان النقاد. فعاد هوجارث (175) إلى هجو الحياة اللندنية في محفورات أكد فيها المنقاش درساً أخلاقياً بقصة. ففي المشهد الأول من "الزواج العصري" يتعاقد إيرل مفلس مصاب بالنقرس ليزوج لقبه وابنه الكاره فتاة كارهة هي ابنة حاكم إقليمي غني. ويعرض الإيرل نسب الأسرة في شكل شجرة على درج، ويرش المحامي المسحوق المجفف على التوقيعات، ثم يدير العريس ظهره للعروس التي تلقى أذناً مصغية لعشيقها، ويختص كلبان نفسيهما بالسلام العائلي. وفي المنظر التالي يبدو الزوجان وقد تخاصما. فقد عاد اللورد الشاب منهوكاً من مغامرة أنفق فيها ليلة ودلت على طبيعتها قلنسوة فتاة من الدنتللا تطل من جيبه؛ أما الزوجة الشابة فتتثاءب بعد أن قضت الليل ترفه عن أصحابها بالموسيقى والقمار و "الدردشة"، وهنا أيضاً ليس هناك مخلوق سعيد إلا الكلب. أما المشهد الثالث فهو هوجارث في أجرأ حالاته، ترى فيه اللورد الوغد يأتي بخليلته إلى طبيب دجال ليجهضها. والنظر الرابع يرينا الزوجة أثناء ترجيل شعرها في استقبال الصباح، ونرى عشيقها معها وهي تتجاهل الموسيقى التي يعزفها أو يغنيها ضيوفها، وفيهم مخنث في شعره أوراق ملفوفة. وفي المنظر الخامس أمسكها زوجها متلبسة مع عشيقها، ويستل الرجلان سيفيهما، ويجرح الزوج جرحاً مميتاً، ويفر العشيق من النافذة، ويغلب الندم الزوجة ويظهر رجل الشرطة بالباب. وفي المنظر الأخير نرى الأرملة الشابة تحتضر، وينزع أبوها خاتماً ثميناً من إصبعها ليستنقذ البقية الباقية من الثروة التي دفعها ثمناً للقبها.

وفي 1751 أعلن هوجارث أنه سيبيع بالمزاد في ساعة محددة في مرسمه اللوحات الزيتية التي رسمها لسلسلة "الزواج العصري"، ولكنه أنذر تجار الصور أن يبتعدوا عن المزاد. فلم يظهر غير شخص واحد، عرض 126 جنيهاً ثمناً للوحات وأطرها. ونزل عنها هوجارث لقاء هذا الثمن، ولكن سخط في سره على ما رآه إخفاقاً معيباً. وفي 1797 بيعت هذه اللوحات بمبلغ 1.381 جنيه. وهي اليوم من أغلى ما تملكه قاعة الصور القومية بلندن.وكان أثناء ذلك قد أسخط الملك بلوحته "زحف فرقة الحرس إلى إسكتلندة" (1745) وكانت السنة التي حاول فيها "الأمير تشارلي الجميل" الإطاحة بالهانوفريين. وصور هوجارث رجال الحرس الملكي يتجمعون عند إحدى ضواحي لندن المسماة فنشلي. يدعوهم زمار وطبال، ويستعين الجند على تقبل قدرهم بالسكر، وهم جماعة مظهرهم زري، وأصلح للقصف في حانة منهم للقاء مع الموت في ساحة الأبطال، وأطلع جورج الثاني على اللوحة كطلب الفنان الذي استأذن في إهدائه إليه. ولكن الملك رفض وهو يصيح "ماذا؟ مصور يهزأ بجندي؟ أنه يستحق أن يحبس عقاباً على وقاحته. اغربوا باللوحة الحقيرة عن وجهي" وتقول رواية غير مؤكدة أن هوجارث أهدى الصورة إلى فردريك الأكبر بوصفه "مشجعاً للفنون والعلوم(28)".

شارع الجعة وزقاق الجن

وعاد إلى صوره المطبوعة الهجائية. فتتبع سيرة صبيين من صبيان الصناع في اثنتي عشرة لوحة سماها "الجد والكسل" (1747). فأما فرانك جودتشايلد فيكد ويكدح ويقرأ الكتب الجيدة ويختلف إلى الكنيسة كل أحد، ويتزوج ابنة معلمه ويحسن إلى الفقراء، ويصبح عمدة البلدة وحاكماً إقليمياً ثم عمدة على لندن، وأما توم أيدل فينام ويشخر فوق نوله، ويقرأ الكتب الخبيثة مثل "مول فلاندرز"، ويسكر ويقامر وينشل، ثم يؤتى به أمام الحاكم جودتشايلد الذي يحكم عليه بالشنق وهو يبكي شفقة عليه. وقابلت محفورتان، هما "زقاق الجن" و "شارع الجعة" (1751) بين "النتائج الرهيبة لشرب الجن" والآثار الصحية للجعة. أما "المراحل الأربع للقسوة" (1751) فقد قال الفنان إنها استهدفت "تهذيب تلك المعاملة الهمجية للحيوان، التي تجعل منظر شوارع عاصمتنا محزناً جداً لكل نفس حساسة. وإنني لأشد فخراً برسمي لهذه الصور مما لو كنت صاحب رسوم رفائيل الهزلية(29)". وفي سلسلة "صور أربع لأحد الانتخابات" (1755-58) استهدف شروطاً أبهض ثمناً، فقد هاجمت فساد السياسة الإنجليزية.

المراحل الأربعة للعنف

ولو أخذنا صور هوجارث المطبوعة على أنها مجرد رسوم لكانت فجو في فكرتها وتنفيذها متعجلة غير دقيقة في تفاصيلها. ولكنه كان ينظر إلى نفسه على أنه مؤلف أو كاتب مسرحي أكثر منه مصوراً، وقد أشبه صديقه فيلدنج أكثر من ألد خصومه وليم كنت، ولم يكن يعرض تقنيات التصوير بل يقدم صورة للعصر، "لقد حاولت تناول موضوعي كما يتناوله كاتب للدراما، فصورتي هي خشبة مسرحي، والرجال والنساء هم ممثلي الذين يراد منهم ببعض الحركات والإيماءات أن يقدموا عرضاً صامتاً(30)". ونحن إلى نظرنا إلى صوره المطبوعة على أنها هجائيات وجدناها مبالغات متعمدة، فهي تشدد على جانب وترهف نقطة وهي أكثر ازدحاماً بالتفاصيل مما ينبغي أن يكون عليه العمل الفني، ولكن كل تفصيل فيما عدا الكلب الذي لا مناص منه يسهم في الموضوع. وصوره المطبوعة في مجموعها تتيح لنا نظرة إلى طبقة لندن الوسطى-الدنيا في القرن الثامن عشر؛ البيوت، والحانات وحي المل، وكوفنت جاردن، وكوبري لندن، وتشيبسايد، وبرايدويل، وبدلام، وشارع فليت، وهذه ليست كل لندن، ولكن ما صوره منها ينبض بالحياة نبضاً رائعاً.

الپورتريهات

پورتريه فتاة الجمبري بريشة هوگارث، 1740-1745


أما ناقدو الفن وجماعوه وتجاره في ذلك العهد فلم يعترفوا لا بكفاءة هوجارث فناناً ولا بصدقه هجاء. فاتهموه بأنه لا يصور غير حثالة الحياة الإنجليزية، وسخروا منه لأنه اتجه إلى صور مطبوعة شعبية لعجزه عن تصوير اللوحات الشخصية الناجحة أو المناظر التاريخية. ونددوا برسمه لأنه مهمل وغير دقيق. وقد رد عليهم بأن اتهم التجار بأنهم يتآمرون على الإشادة بما يحتفظون به من مخلفات كبار المصورين القدامى، بينما يتركون الأحياء يتضورون جوعاً. قال:

"إن أفضل الصور صيانة وأكملها صقلاً، بغير تكريس لها من سلطتهم وتأييد من التقاليد... لا تباع في مزاد علني بخمسة شلنات، في حين أن لوحة قماشية عتيقة، حقيرة، معطوبة، مرممة، إذا كرسها ثناؤهم عليها، لا بد أن تباع بأي ثمن مهما غلا، وتحتل مكاناً بين أرقى المجموعات. كل هذا يفهمه التجار فهماً تاماً(31)".

أعمال لاحقة أخرى

مسيرة الحرس إلى فينشلي (1750)، تصوير ساخر للقوات التي تمكنت من الدفاع عن لندن في وجه التمرد اليعقوبي سنة 1745.

وقد رفض أن يخضع رأيه لأمثال هؤلاء التجار أو الخبراء. وندد باسترقاق المصورين الإنجليز لمحاكاة فانديك أو للي أو نللر؛ لا بل إنه أطلق على عمالقة التصوير الإيطالي لقباً هزلياً هو "الأساتذة السود"، لأنهم ألقوا على التصوير الإنجليزي حجاباً كثيفاً بالسحر الأسود (الشيطاني) الكامن في ألوانهم القاتمة الشبيهة بالصلصة البنية. فلما بيعت لوحة منسوبة إلى كوريدجو بأربعمائة جنيه في مزاد بلندن، تشكك في صحة نسبتها وفي قيمتها، وقال إن في وسعه أن يرسم صورة لا تقل عنها جودة في أي وقت شاء. فلما تحداه بعضهم، رسم لوحة "سجسموندا" (1759)-وهي محاكاة جيدة لكوريدجو، فيها الدانتيللا والملابس الزاهية والأيدي الرقيقة والوجه الجميل، ولكن العينين كان يشوبهما من الاكتئاب ما لم يسر المشتري المنتظر، الذي أبى أن يدفع الجنيهات الأربعمائة التي طلبها هوجارث ثمناً لها. وقد بيعت بعد موته بستة وخمسين جنيهاً.

ثم أعطى خصومه سلاحاً جديداً بتأليفه كتاباً. فعلى لوحة الألوان الظاهرة في الصورة التي رسمها لنفسه ولكلبه (1745) كان قد تتبع خطاً ملتفاً لاح أنه العنصر الأساسي في الشكل الجميل. وقد عرف هذا الخط في رسالة تربوية سماها "تحليل الجمال" (1753) بأنه ذلك الخط الذي يتكون بلف سلك في توال مطرد حول مخروط، وذهب إلى أن خطاً كهذا ليس سر الجمال فحسب، بل حركة الحياة. وكان هذا كله في رأي نقاد هوجارث هراءً سخيفاً.

مقبرة وليام وجين هوگارت

على أنه أثري برغم أنوفهم، فاقتنى كل بيت مثقف تقريباً صوره المطبوعة، وتاح له بيعها المتصل دخلاً ثابتاً. وفي 1757، وبعد أن نسيت لوحته "زحف فرقة الحرس"، عين "رئيس المصورين لكل أعمال جلالته"، وهي وظيفة أتته بمائتي جنيه أخرى في السنة. وكان في وسعه الآن أن يختصم أعداءً جدداً. ففي 1762 أصدر صورة مطبوعة سماها "العصر الحاضر" هاجم فيها بت وولكس وغيرهما لأنهما تجار حرب. ورد ولكس في مجلته "البريطاني الشمالي" يصف هوجارث بأنه عجوز مغرور جشع لا يستطيع تصور "فكرة واحدة عن الجمال" ورد هوجارث بنشره لوحة صور فيها ولكس وحشاً أحول. ورد تشرشل، صديق ولكس، بخطاب شرس سماه "رسالة إلى وليم هوجارث"، فأصدر هوجارث صورة مطبوعة بدا فيها تشرشل على هيئة دب، وكتب يقول "إن اللذة والفائدة المالية اللتين حصلت عليهما من هاتين المحفورتين، بالإضافة إلى ركوبي الخيل بين الحين والحين، أعادا إليَّ من الصحة الموفورة أكثر ما يرجى في مثل عمري". ولكن في 26 أكتوبر 1764 انفجر أحد شرايينه فمات.

أثره

أوقات اليوم الأربعة، رسمها وليام هوگارت عام 1736، وتصور بتهكم الحياة في لندن آنئذ.

ولم يترك بصمة منظورة على فن زمانه. وفي 134 افتتح "مدرسة حياة" ليدرب الفنانين، وقد أدمجت في 1768 في الأكاديمية الملكية للفنون. ولكن حتى الفنانون الذين تعلموا في مدرسته هجروا واقعيته مؤثرين عليها المثالية الفاشلة يومها. مثالية رينولدز وجينزبورو. على أن تأثيره أحس به الناس في مجال الكاريكاتور؛ هناك انتقلت فكاهته وقوته من توماس رولاندسن إلى إسحاق وجورج كرونشاك، وأصبح الكاريكاتور فناً. أما شهرة هوجارث الحالية مصوراً فقد بدأت بملاحظة لهويسلر قال فيها إن هوجارث "هو المصور الإنجليزي العظيم الوحيد(34)". وقد استثنى هويسلر نفسه في حرص من هذه المقارنة. وقال قاض أقل تحوطاً في تقديره لهوجارث "إننا لو نظرنا إليه في أفضل صورة لوجدناه أعظم شخصية في تصوير القرن الثامن عشر(35)". وهذا التقدير يمثل ما يشيع اليوم من بخس لقدر رينولدز بدعوى أنه كان مجملاً للأرستقراطيين همه جمع المال، وتلك نزوة عارضة ستختفي. ومن العسير تقييم هوجارث كفنان، لأنه لم يكن فناناً فحسب، فلقد كان صوت إنجلترا الغاضبة لما فيها من فساد وانحطاط، ولقد عد نفسه بحق قوة اجتماعية. كذلك فهمه فيلدنج فقال فيه "أكاد أجرؤ على التأكيد بأن عمليه هذين اللذين يسميهما "رحلة فاجر"" و "رحلة بغي"، قصد بهما خدمة قضية الفضيلة.. أكثر مما خدمتها كل المجلدات الضخمة التي كتبت إطلاقاً في الأخلاق(36)". على أن شيئاً واحداً لا شك فيه، هو أنه كان الإنجليزي الصميم بين جميع من عاش من الفنانين الإنجليز.

معرض الصور

الهامش

  1. ^ According to Elizabeth Einberg, "by the time he died in October 1764 he had left so indelible a mark on the history of British painting that the term 'Hogarthian' remains instantly comprehensible even today as a valid description of a wry, satirical perception of the human condition." See the exhibition catalog, Hogarth the Painter, London: Tate Gallery, 1997, p. 17.
  2. ^ J. B. Nichols, 1833 p.192 "PLATE VIII. ... Britannia 1763"
  3. ^ J. B. Nichols, 1833 p.193 "Retouched by the Author, 1763"

وصلات خارجية