صفوت محي الدين

إهداء للدكتور محمود صفوت محمود محي الدين - من محمد جرامون

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

صفوت محمود محي الدين 1924 - 1982

عدد قليل جدا من الشخصيات التي ترى فيها صفات الزعامة الحقة، و شخصية مثل شخصية الدكتور صفوت محي الدين تجعلنا نقف أمام عدد من الإشارات الهامة التي كان لها عظيم الأثر في تكوينه الفكري و السياسي و الثقافي و الإجتماعي و التي أورثها لأبنائه ليكونوا خير خلف لخير سلف..

لكل شيئ زينة في الورى * وزينة المرء تمام الأدب


صفوت محي الدين الإنسان:

ولد الدكتور/ صفوت محيي الدين في كفر شكر في عام 1924 لأسرة مثقفة في زمن ندر فيه عدد المتعلمين في مصر و كان والده المهندس محمود محيي الدين قد درس الهندسة في المملكة المتحدة في بدايات القرن الماضي، و لهذا كان الدكتور/ صفوت محظوظا هو و أخوته لولادتهم و تربيتهم في بيت محب للعلم و الثقافة و متفتح على الحضارة الغربية و متمسك بالتقاليد و العادات الشرقية الأصيلة فجمع بين هذا و ذاك بيت المهندس محمود محي الدين و الذي أحتض كل من الدكتورة ألفت الشقيقة الكبرى و الدكتور صفوت و شقيقه الأصغر الدكتور فؤاد، بالإضافة لكونه بيت من طراز سياسي فريد فقد كان الجد إسماعيل محي الدين أحد نواب أول برلمان مصري.

أخي لن تنال العلم إلا بستة * سأنبئك عن تفصيلها ببيان.

ذكاء و حرص و إجتهاد وبلاغة* و صحبة إستاذ و طول زمان.

ولهذا البيت الكريم أثر مباشر في شخصية الدكتور صفوت محي الدين فقد ورث صفات كثيرة عن والده منها حبه للعلم و محاولة الوقوف على أحدث التقنيات في المجالات المعرفية بالدول الاوربية وكذلك الحرية والديموقراطية من جانب و على الجانب الآخر و لتربيته الدينية كان قد ورث حبه للثقافة العربية الأصيلة و تمسكه بالأخلاق الرفيعة و العادات الريفية الجميلة و الراقية، و كذلك حرص الوالد ان يعلم ابناءه أهم ميزات الحياة في الغرب و هي إحترام الوقت و إحترام المواعيد و القدرة على الحوار المثمر و الإتفاق و الإختلاف دون تسويف.

كان الدكتور صفوت محيي الدين محبا للعلم و التعلم كوالده, و في صباه كانت هناك احلام تراود الدكتور صفوت محي الدين منها أمنيته أن يدرس الزراعة لتعلقه بالريف منذ نشأته، و أمنية اخرى أن يدرس الآداب واللغة لتفوقه في الشعر والإلقاء في مراحل التعلم المدرسية, ولكن والدته كان لها رأي آخر و لأنها سليلة بيت جمع بين الأصالة و العلم ايضا فكان أخواله من الرعيل الأول من أطباء مصرمن آل رشوان وآل بدران الذين تخصصوا في الطب وكانوا رواد مصر الأوائل في الطب منذ بدايات القرن الماضى و لهذا أصرت والدته أن يدرس الطب ليقتفي آثار عائلة والدته و هو ما تكرر لكل من شقيقته الكبرى ألفت و كذلك شقيقه الأصغر فؤاد. فألتحقوا جميعا بكلية الطب، لكن ظل صفوت محي الدين متعلقا بجذوره الريفية و بحبه للأدب والشعر.

و في كلية الطب ألتحق الدكتور/ صفوت محيي الدين بقسم البكتريولوجى (التحاليل الطبية), و اثناء دراسته في القاهرة لم يغفل كفر شكر بل كان على تواصل مستمر مع أصدقاءه من البلدة و مداوم على قضاء فترات الإجازة الصيفية أو المناسبات الآخرى في أحضان كفر شكر وسط اهله و اصدقاءه، و أثناء تواجده في كفر شكر لم يبخل عليهم بالدعم المادي و المعنوي.

و كان المهندس محمود محي الدين والد الدكتور صفوت قد توفي وهو مازال طالباً، فتحمل المسئولية مبكراً فتعهد بمتابعة ما ورثه هو واشقائه عن والدهم من اطيان زراعية فتحقق أحد احلام صباه و أقبل على الزراعة مراعياً ومجدداً ومتقناً وكان مشهوداً له من أبناء الاختصاص من المزارعين والفلاحين والمهندسين الزراعيين بدرايته العالية بزراعة الموالح بأنواعها واستحداث أفضل السلالات من الشتلات وجلب وسائل المقاومة للآفات التي تصيبها. و كذلك تعهد الدكتور صفوت نيابة عن عائلة محي الدين بمتابعة إرث محي الدين العائلي و الإجتماعي المشترك مثل كشك العائلة علي النيل و تجديد مقابر العائلة و صيانة دوار محي الدين التي يستقبل فيها أفراد العائلة الضيوف.


و دفعه حبه لبلدته و مسقط رأسه بشراً وأرضاً وموطناً لعائلته ليساهم بقدر إستطاعته لتخفيف الألم وتيسير العلاج لأبناء كفر شكر الذين كان يعتبر كل واحد منها من أسرته، وما زال كبار السن وأبنائهم من أبناء كفر شكر يتذكرون خدمات الدكتور صفوت كإنقاذ لمريض أو عونا لمحتاج, او حتى إحتفاظه بصداقاته فكان مشهوراً بالتواضع مع الاعتزاز بنفسه وكرامته و شهد الجميع بكبرياء سريرته دون تكبر أو استعلاء على ابناء بلدته.

صفوت محي الدين الطبيب و النائب:

وبعد تخرجه من جامعة القاهرة ارتقى في المناصب العلمية والبحثية في معهد أبحاث طب البلاد الحارة, وشارك ببحوثه العلمية في عدد من المؤتمرات العلمية الهامة، و شرف بتمثيل مصر في عشرات المحافل الطبية الدولية، كما تولى مسئولية المعامل المركزية في فترة تطلبت وقاية البلاد من مخاطر الأوبئة والأمراض المعدية وكان ذلك في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات.

حظي الدكتور/ صفوت محيي الدين بمحبة البسطاء والشباب والعائلات من أهالي كفر شكر فكان نائباً عن دائرة كفر شكر في مجلس الشعب ثم في مجلس الشورى, وحظيت الدائرة أثناء نيابته عنها بخدمات عامة ما زالت آثارها ظاهرة ويذكرها أبناء كفر شكر عرفاناً له بما أسهم وترحماً عليه بما اجتهد.

وفي مجلسي الشعب و الشورى استغل الدكتور/ صفوت محيي الدين موهبته في الخطابة والإلقاء, ومعرفته الدقيقة بأحوال الناس وأوضاعهم في عرض قضاياهم تحت قبة البرلمان، وكان مناقشاً دقيقاً لما يعرض من مشروعات قوانين واقتراحات يدرسها بعناية, ويسأل أهل الاختصاص بشأنها ويتشاور في شئونها مع أهله وأبنائه من كفر شكر، فكانت آراؤه في البرلمان تعكس أولويات الناس واحتياجاتهم خاصة في مجالات التعليم والصحة وتوفير السلع الأساسية للمواطنين. كما كان مدافعاً جسوراً عن قضايا كفر شكر وأهلها ويسعى لحل مشكلاتهم ومطالبهم مع المسئولين، حتى في أحلك العقود السياسية في تاريخ مصر لم يشغل الخلاف السياسي بين الدكتور صفوت و إبن عمه الأستاذ خالد أن يبادر بالصلح الإجتماعي و إصلاح ما افسدته الإنتخابات بين أبناء الأسرة الواحدة و بين أهالي كفر شكر حتى إزدادت قامته هيبة و إحتراما بين معارضيه قبل مؤيديه و إستطاع بحكمته و برؤيته و معرفته بأحوال كفر شكر القضاء على الفتنة في مهدها و هو ما أمتد اثره لينعكس على تنازل نجله الدكتور محمود صفوت محي الدين عن الترشح امام عمه الأستاذ خالد في انتخابات مجلس الشعب الماضية.

ظل الدكتور/ صفوت محيي الدين مداوماً للعمل بإخلاص في مجال الطب، ومتابعاً لشئونه الخاصة من متابعة أطيانه ولكن بقيت كفر شكر وأهلها هما شغله الشاغل و حبه الكبير. و لهذا الحب كان له تضحيات شخصية و مادية فعلى سبيل المثال عرضت عليه بعض الدول العربية السفر إليها لخبرته و كفائته لكنه رفض لعدم تصوره بإمكانية البعد عن كفر شكر.. كذلك رفض عرض شقيقته الكبرى للمشاركة معها في معمل التحاليل الطبية في الفترة المسائية، كما يفعل الأطباء من زملائه، فأبى لأن ذلك سيهدر بعضا من وقته المخصص للقاء ابناء بلدته كفر شكر. ففي اوقات الوفرة لم يبادر بتوسيع ممتلكاته و في اوقات الندرة أضطر لبيع جزءا من ممتلكاته ثمنا لعملية جراحية و الجميع يعلم مدى إرتباط الريفي بأرضه لكنه رفض الإستدانه من الغير و كانت إحدى وصاياه لنجله الأكبر الدكتور محمود أن يسترد ما باعه حتى تظل ارضهم كيانا واحدا لا يتجزأ مثلما أوصاه ايضا أن يظل على نفس العهد المتوارث من الجد للأب أن تبقى كفر شكر إحدى أولويات هذا البيت الكريم... لقد رفض صفوت محي الدين الإغراءات المادية لأنه رفض البعد عن كفر شكر, و كان يوما الخميس والجمعة اللذان يقضيهما أسبوعيا في كفر شكر تعادل ثروات وأموال أغناه الله عنها بالبركة فيما قسم الله من ثمار مزارع البرتقال وأيضا من إيراد مزارع الدواجن التي بدأ في تأسيسها في كفر شكر، لتكون بذرة في مجال الإستثمار الداجني والتي فتحت الباب لكثيرا من اهالي كفر شكر ليكونوا ثروات بفضل فكره و بعد نظره في مجال الإستثمار و ساهم من خلال تلك الأفكار ايضا في توفير فرص عمل للعديد أبناء كفر شكر.


بصماته على كفر شكر:

-إقتراحه ببناء مدرسة ثانوية بكفر شكر و السعي وراء إستصدار قرار المحافظ بتخصيص أرض لبناء المدرسة و مساهمته المادية وإلتفافه حول ابناء كفر شكر من أجل تشجيعهم للتبرع بتكاليف إنشاء المدرسة التي خرجت معظم قيادات الدولة من ابناء كفر شكر. - المساهمة في فكرة إنشاء مركز شباب كفر شكر للنهوض الثقافي و الإجتماعي بأبناء البلدة. و الذي شرف بقيادته له فترة وجيزة. - إستصدار قرار من وزير التموين لإنشاء جمعية إستهلاكية متطورة لخدمة ابناء كفر شكر. - وقوفه خلف ابناء كفر شكر و الراغبين في استكمال تعليمهم الجامعي بإسكانهم في المدن الجامعية و دعمهم ماليا. - المساهمة في إنشاء مستشفى كفر شكر و تطويرها. - تحويل قرية كفر شكر إلى مركز ثم مدينة, فقد قدم اقتراحاً بهذا الشأن إلى مجلس محافظة القليوبية في مارس 1962 وتابع تنفيذه على المستوى المركزي في القاهرة. - ساهم في توفير الاعتمادات المالية لإنشاء المدارس ومراكز الشباب وإنشاء الوحدات الصحية و دخول الخدمات الأساسية للمركز من مياه الشرب والكهرباء وخدمات المواصلات.. - رعى الدكتور/ صفوت محيي الدين مراكز الشباب وقصور الثقافة وكان يقيم دورات ومسابقات رمضانية وصيفية في مجالات الرياضة والثقافة على مستوى مركزي كفر شكر وبنها منذ الستينات. - المساهمة في تطوير البنية الأساسية لمركز كفر شكر ومركز بنها وقام بالسعي لإنشاء سنترال عمومي بها وربط مركزي كفر شكر وبنها بخطوط المواصلات العامة. - تدبير الأموال اللازمة لإقامة عدد كبير من المساجد وترميم المساجد القديمة بالقرى والعزب وإنشاء الجبانات.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وفاته

توفي في شهر فبراير 1982, حيث نال الإجهاد منه أثناء تواجده على رأس العمل بالمعامل المركزية في وزارة الصحة, فداهمته أزمة صحية مفاجئة تم نقله بصعوبة إلى منزله في القاهرةو قام طبيبه الخاص بتشخيص حالته التي أقتضت الإنتقال الفوري إلى معهد القلب, و هناك أمضى يومان في العناية الفائقة، و هناك انتقلت روحه لبارئها فوافته المنية وهو في الثامنة والخمسين من عمره قضى جلها في خدمة أهالي كفر شكر.

وكانت جنازته مهيبة في كفر شكر شاهدة على محبة الناس له خاصة من أهله وخلصائه من أبناء كفر شكر، وكان من شهودها رجال علم وسياسة زاحمتهم الجماهير الغفيرة من البسطاء الذين قضى حياته في سبيل خدمتهم و رعايتهم. وكان من شهود جنازته الشيخ الإمام/ محمد متولي الشعراوي رحمه الله الذي جاء معزياً ومواسياً أسرته بدعائه اللهم اجعل في دعاء من جاء اليوم من كل هؤلاء الناس ما فيه مغفرة ورحمة له. إنها قصة حياة لإنسان أخلص لله في كل ما سعى إليه , وكانت في حياته كثير من العظات, وهو اليوم بعد مماته بأكثر من ربع قرن, وما يتردد بذكره على ألسنة الناس فيما فعل واجتهد فيه من عمل, عظات أكثر وأعمق في أصول التصدي للعمل العام وخدمة الناس والولاء للوطن.

كـفـى حـزنـاً بموتـك ثـم إنـي* نفضت تراب قبرك عن يديا. وكانت في حياتك لي عظات* وأنت اليــوم أوعظ منك حيـاً.

صفوت محي الدين الأب:

لم يختلف الدكتور صفوت في رعايته لبيته و ابناءه عن والده المهندس محمود محي الدين، فقد ربى الدكتور صفوت أبناءه على حب العلم و الثقافة و على المبادرة التطوعية لخدمة أبناء كفر شكر، و لهذا فقد نقل ثقافته و ثروته المعرفية لأبناءه و حرص على الإستثمار في تعليمهم ليكون العائد اعظم و لتحقيق احلامه التي تعددت و لم يمهله القدر لتحقيقها و لعل من القصص التي تؤكد هذه التربية أن يقوم نجله الأكبر الدكتور محمود محي الدين – وهو طفل- بإلقاء خطبة إحتفاءا بزيارة وزير الصحة الدكتور محمود محفوظ لمنزل الدكتور صفوت محي الدين، وأن يسارع بتحقيق وصية الوالد بإسترجاع أرضه التي باعها عند حاجته، و كما توفي المهندس محمود محي الدين و كان صفوت طالبا و تحمل مسئولية أسرته و عائلته و أملاكهم، فقد أعتني الدكتور صفوت بتربية أنجاله ليتحملوا المسئولية و قد حدث و تكرر السيناريو القدري بأن فاضت روح الدكتور صفوت و نجله الاكبر الدكتور محمود محي الدين طالبا في الثانوية العامة قبل شهرين من موعد الإمتحانات و لكن وفاة الدكتور صفوت منحت الدكتور محمود حافزا اكبر لتحمل المسئولية الأسرية و دافعا للتفوق ليسيرعلى نفس النهج الذي بدأه جده المهندس محمود و خطا على إثره كل من والده و عمته و عمه على طريق التفوق و النجاح حتى أصبح أصغر وزير مصري في العصر الحالي و ليشهد آدائه على خليط نادر من العلم و الخبرة و الثقافة و التربية و ليكرر الأبن والحفيد مسيرة الأب و الجد في النهوض بكفر شكر.

رحمه الله و غفر له فقد عمل من أجل كفر شكر حيا و أنجب من يعمل من أجل كفر شكر و هو مغيبا بالموت.

[[المصادر:

  • مجموعة من حوارات صحفية و إعلامية للدكتور محمود محي الدين
  • الاستاذ خالد جرامون
  • جمعية الدكتور صفوت محي الدين
  • منتدى كفر شكر]]

(mgramoun@gmail.com 15:03، 6 فبراير 2010 (ت‌ع‌م))