القانون الأخلاقي في مصر القديمة

إذا ما حاولنا التعرف على شعب فليس من الكافي التعرف فقط على القيم السياسية والإقتصادية والدينية التي تحيط بيه فأحيانا كثيرا ما تبعد القوانين الأخلاقية عن الدين أو كثيرا ما تتأثر بالظروف السياسية مثلا. فدعونا نتعرف على تلك العادات في مصر القديمة من خلال الحديث عن المحاور التالية: مضاجعة الملك لأقاربه - الحريم - الزواج - مركز المرأة - سلطان الأم في مصر - القوانين الأخلاقية الخاصة بعلاقة الرجال والنساء. لنا هنا وقفة لابد منها فالمرأة في عصر مصر القديمة قد لعبت الكثير من الأدوار وأثرت في العديد من الواقف ونالت ما لم تنله إمرأة أخرى في أي حضارة سابقة.

لقد كانت حكومة مصر شبيهة بحكومة نابليون حتى في مضاجعة الملك لأقاربه ، وكثيراً ما كان الملك يتزوج أخته، بل كان يحدث أحيانا أن يتزوج إبنته ، ليحتفظ بالدم الملكي نقيا خالصا من الشوائب. وليس من اليسير أن نحكم هل أضعفت هذه العادة قوة نسل الملوك أو لم تضعفه؟ لكننا لا نشك في أن مصر لم تكن تعتقد هذا بعد أن ظلت تسير عليه عدة آلاف من السنين ، وإنتقلت عادة الزواج بالأخوات من الملوك إلى عامة الشعب حتى وجد في القرن الثاني بعد الميلاد أن ثلثي سكان أرسينوئي يسيرون على هذه السُنّة. وكان معنى لفظي أخ وأخت في الشعر المصري القديم كمعنى حبيب وحبيبة في أيامنا هذه. وكان للملك فضلا عن أخواته عدد كبير من النساء من أسيرات الحروب وبعضهن من بنات الأعيان أو ممن أهداهن إليه الأقيال الأجانب. من ذلك أن أحد أمراء بلاد "نهرينا" أهدى إلى أمنحوتب الثالث إبنته الكبرى وثلاثمائة من صفوة الفتيات. وقد حذا بعض النبلاء حذو الملوك في هذا الإسراف وإن لم يبلغوا فيه مبلغهم ، فقد كان عليهم أن يوفقوا في هذه الناحية بين مبادئهم الخلقية ومواردهم المالية. أما عامة الشعب فكان شأنهم شأن ذوي الدخل المتوسط في سائر الأمم ، يقنعون بزوجة واحدة. ويلوح أن الحياة العائلية كانت منظمة، ذات مستوى رفيع من الوجهة الأخلاقية ومن حيث سلطان الأبوين ، ولا تقلّ في هذا عنها في أرقى الحضارات في هذه الأيام. وكان الطلاق نادراً إلا في عهد الإضمحلال. وكان في مقدور الزوج أن يخرج زوجته من داره دون أن يعوضها بشيء إذا زَنَت ؛ أما إذا طلقها لغير هذا السبب فكان عليه أن يخصص لها جزءاً كبيرا من أملاك الأسرة.

كانت الزوجة في مصر القديمة، تلقب بإسم "سيدة البيت ، أو ست الدار" ، كما كان يطلق عليها لقب "محبوبة زوجها". وكان الزوج ينادي زوجته بلقب "أختي ، أو شقيقتي"؛ على نحو يفيض بالرقة والمودة وعاطفة محبة. ولم يكن ذلك لكونها بالفعل شقيقته ، أو شقيقة دم له؛ وإنما بإعتبارها في مقام وقدر شقيقته من المودة والإحترام. وكانت مثل هذه الأحاسيس والمشاعر تظهر واضحة من خلال الصور والتماثيل التي تجمع الزوج والزوجة. وتضم النصوص تعاليم في الحكمة من بتاح حتب ، ترجع إلى حوالي عام 2400 ق.م، تقدم النصيحة التالية إلى الرجال: "إذا كنت رجلا ذي شأن فأسس لنفسك أسرة وأحب زوجتك في المنزل كما يجب ، وأشبعها وإكسها وإستر عليها وكن بلسما يداوي ويريح أطرافها، وأدخل السعادة إلى قلبها بطول حياتها؛ فهي حقل طيب لسيدها".

ونصح حكيم آخر يدعى آني ، الرجال بما يأتي: "لا تكن رئيسا متحكما لزوجتك في منزلها ، إذا كنت تعرف أنها ممتازة؛ فهي سعيدة وأنت تشد أزرها، ويدك مع يدها. ويصف آني في موقع آخر ، كيف يجب أن يتعامل الرجل مع أمه، فيقول: "ضاعف الخبز الذي تقدمه لأمك ، وإحملها مثلما حملتك".

كذلك كان الأزواج يبذلون قصارى جهدهم في الإخلاص لزوجاتهم- على قدر ما يستطيع الإنسان أن يحكم في هذه الأمور الخفية. ولم يكن مستواهم في هذا أقل منه في المدنيات اللاحقة ، وكان مركز المرأة عندهم أرقى من مركزها عند كثير من الأمم في هذه الأيام. وفي ذلك يقول ماكس ملر: "ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل". فالنقوش تصور النساء يأكلن ويشربن بين الناس ، ويقضين ما يحتجنه من المهام في الشوارع من غير رقيب عليهن ولا سلاح بأيديهن ، ويمارسن الأعمال الصناعية والتجارية بكامل حريتهن. ولشد ما دهش الرحالة اليوناني- وقد إعتادوا أن يضيقوا على نسائهم السليطات- من هذه الحرية ، وأخذوا يسخرون من الأزواج المصريين الذين تتحكم فيهم زوجاتهم. ويقول ديودور الصقلي- ولعله يهدف بقوله هذا إلى السخرية من المصريين- إن طاعة الزوج لزوجته في وادي النيل كانت من الشروط التي تنص عليها عقود الزواج ، وهو شرط لا ضرورة للنص عليه في أمريكا! وكان النساء يمتلكن ويورثن ، كما تشهد بذلك وثيقة من أقدم الوثائق في التاريخ ، وهي وصية من عهد الأسرة الثالثة توصي فيها السيدة نب سنت بأرضها لأبنائها. وقد إرتقت حتشبسوت و كليوباترا عرش مصر ، وحكمتا وخربتا كما يحكم الملوك ويخربون. على أننا نجد أحيانا نغمة ساخرة في الآداب المصرية. من ذلك ما كتبه رجل من رجال الأخلاق الأقدمين يحذر قراءه منهن:

"إحذر المرأة التي تأتيك من الخارج ، والتي لا يعرفها أهل مدينتها. فلا ترفع بصرك إليها إذا أتت ، ولا تعرفها، فهي كالدُّردور في الماء العميق، لا تستطيع أن تسبر غورها. وأن المرأة التي غاب زوجها لتكتب إليك في كل يوم ، وإذا لم يكن معها شاهد عليها قامت ونشرت حولك شباكها. وما أشنعها من جريمة إذا أصغي إليها الإنسان"!. أما النغمة المصرية الخالصة فهي التي نسمعها في نصيحة بتاح حوريب لإبنه والتي يقول فيها:

"إذا كنت ناجحا، وأَثثت بيتك ، وكنت تحب زوجة قلبك ، فاملأ بطنها وإكس ظهرها... وأدخل السرور على قلبها طوال الوقت الذي تكون فيه لك ، ذلك أنها حرث نافع لمن يملكه... وإذا عارضتها كان في ذلك خرابك".

وتحذر بردية بولاق الطفل تحذيرا يشهد بالحكمة البالغة فتقول: "ينبغي لك ألا تنسى أمك فقد حملتك طويلا في حنايا صدرها وكنت فيها حملا ثقيلاً ؛ وبعد أن أتممتَ شهورك ولدتك. ثم حملتك على كتفها ثلاث سنين طوالا وأرضعتك ثديها في فمك ، وغذتك ، ولم تشمئز من قذارتك. ولما دخلت المدرسة وتعلمت الكتابة كانت تقف في كل يوم إلى جانب معلمك ومعها الخبز والجعة جاءت بهما من البيت". ويرجح أن هذه المكانة السامية التي كانت للمرأة إنما نشأت من أن المجتمع المصري كان أميل إلى تغليب سلطان الزوجة على سلطان الزوج بعض الشيء. وشاهد ذلك أن المرأة لم تكن لها السيادة الكاملة في بيتها وكفى ، بل إن الأملاك الزراعية كلها كانت تنتقل إلى الإناث ؛ وفي ذلك يقول بيترى: "لقد كان الزوج حتى في العهود المتأخرة ينزل لزوجته في عقد زواجه عن جميع أملاكه ومكاسبه المستقبلة" ، ولم يكن سبب زواج الأخ بأخته أن وجودها معه قد ملأ بحبها قلبه ، بل كان سببه أن الرجال كانوا يبغون أن يستمتعوا بميراث الأسرة الذي كان ينحدر من الأم إلى البيت ، ولا يريدون أن ينعم الغرباء بهذه الثروة. على أن سلطان المرأة قد نقص قليلا على مر الزمن ، ولعل سبب هذا النقص هو أثر التقاليد الأبوية التي أدخلها الهكسوس ، وأثر إنتقال البلاد من عزلتها الزراعية ومن حال السلم إلى طور الإستعمار والحرب. وزاد نفوذ اليونان في أيام البطالمة زيادة أصبحت معها حرية الطلاق ، وهي التي كانت تطالب بها المرأة في الأزمنة السابقة ، حقا خالصا للزوج لا ينازعه فيه منازع. بيد أنه حتى في ذلك الوقت لم يقبل هذا التطور إلا الطبقات العليا من أهل البلاد ، أما عامة الشعب فقد ظلت مستمسكة بالتقاليد القديمة. ولعل سيطرة المرأة على شئونها الخاصة هي التي جعلت قتل الأطفال أمرا نادر الحدوث. ويرى ديودور الصقلي أن من خواص المصريين أن كل طفل يولد لهم يلقى حظه الكامل من التربية والرعاية ، ويقول أن القانون كان يقضي على الأب الذي يرتكب جريمة قتل طفله بأن يحتضن الطفل القتيل ثلاثة أيام وثلاث ليال كاملة. وكانت الأسرة الكبيرة، والأطفال تغص بهم الأكواخ والقصور على السواء ، وكان الأثرياء منهم يلقون صعابا جمة في إحصاء نسلهم.

أما بالنسبة للقانون الذي ينظم تلك الأمور ، فقد كان الزواج والطلاق من الأمور المدنية التى كان يحكمها العرف والتقاليد في مصر القديمة. ولم تتحكم الديانة أو القانون في الزواج أو الطلاق سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وفى العصور المبكرة كان الزواج يتم بدون عقد ، ولكن بشهود. ومنذ القرن التاسع قبل الميلاد كانت عقود الزواج تكتب ، إلا أنه لم يكن لها صيغة محددة. وكان هناك قواعد وشروط وشهود لا بد أن يكونوا حاضرين. وكان على الرجال أن يقدموا لزوجاتهم الهدايا والأثاث والمنزل. وبعد الزواج كان الزوج يعطى زوجته ثلثى ممتلكاته، وكان هى من حقها الإحتفاظ بنصيبها التى جلبته معها من بيت أسرتها. وكان الطلاق مسموح لعدة أسباب مثل الكراهية أو إذا وقع أحد الزوجين في الزنا أولم يكن قادراً على الإنجاب. وفى هذه الظروف كان من حق الزوجة الحصول على تعويض. وحتى في مسائل الخطبة كانت المرأة هي البادئة. وشاهد ذلك أن ما وصل إلينا من قصائد الغزل ورسائل الحب أغلبه موجه من المرأة إلى الرجل ، فهي التي تطلب تحديد مواعيد اللقاء ، وهي التي تتقدم بالخطبة إلى الرجل مباشرة ، وهي التي تعرض عليه الزواج صراحة. وقد جاء في إحدى هذه الرسائل: " أي صديقي الجميل ؛ إني أرغب في أن أكون ، بوصفي زوجتك ، صاحبة كل أملاكك". ومن ثم نرى أن الحياء- وهو أمر يختلف عن الوفاء- لم يكن من صفات المصريين البارزة ، فقد كانوا يتحدثون عن الشئون الجنسية بصراحة لم نعهدها في التقاليد الأخلاقية المتأخرة عن عهدهم ، وكانوا يزينون هياكلهم بصور ونقوش غائرة تظهر فيها أجزاء الجسم كلها واضحة أتم الوضوح ، وكانوا يقدمون لموتاهم من الأدب الفاحش ما يسليهم في قبورهم. لقد كان الدم الذي يجري في عروق سكان وادي النيل دما حارا ، ومن أجل ذلك كانت البنات يصلحن للزواج في سن العاشرة ، وكان إتصال الفتيان والفتيات قبل الزواج حراً ميسراً؛ ويقال أن أحد السراري في أيام البطالمة إستطاعت أن تدخر من الأموال ما بنت به هرما. وحتى اللواط لم يكن معدوما في مصر. وكانت الفتيات الراقصات الشبيهات بأمثالهن في اليابان يُقبَلن في أرقى مجتمعات الرجال ليقدمن للمجتمعين ضروب التسلية والمتعة الجسمية. وكن يرتدين ملابس شفافة أو يكتفين أحيانا بالتزين بالخلاخل والأساور والأقراط. ولدينا شواهد على الفسوق الديني في نطاق ضيق. وكان من العادات المتبعة التي ظلت باقية إلى عهد الفتح الروماني أن تختار أجمل بنات الأسر الشريفة في طيبة وتنذر لآمون. فإذا أضحت لكبر سنها عاجزة عن إرضاء الإله أخرجت من خدمته بمظاهر التشريف والتعظيم ، وتزوجت ولقيت الترحيب والإجلال في أرقى الأوساط. لقد كانت لهذه الحضارة آراؤها ونزواتها التي تختلف عن آرائنا نحن ونزواتنا.

ولكن ليس لدينا في أخر الأمر إلا أن نلحظ ونشهد بكل ما لدينا من حديث على أن المرأة في عهد مصر الدقمة لم تكن فقط تأخذ حقوقها الإجتماعية والسيةاسية والإقتصادية لكنها كانت تأخذها بكل رضى فلم يكن هناك قانون يلزم الزوج مثلا بعدم الخيانة ولم يكن هناك أيضا ما يهيب على أن تعامل المرأة تلك المعاملة الكريمة وكذلك بالنسبة لحرية الزواج والحب لا أعتقد أنا هناك أمه بلغت ما قد بلغته تلك الأمة من تحرر وتقدم في هذا الشأن.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المصادر

ول ديورانت. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. Unknown parameter |coauthors= ignored (|author= suggested) (help)

http://www.eternalegypt.org