أخبار:رحيل المناضل الياباني كوزو أوكاموتو المقاتل في صفوف المقاومة الفلسطينية بالسبعينيات (78)



- رحيل المناضل الياباني كوزو أوكاموتو، الذي قاتل في صفوف المقاومة الفلسطينية في السبعينيات، عن عمر يُناهز 78 عاماً.
في 23 يوليو 2026 توفي المناضل الياباني كوزو أوكاموتو أحد منفّذي الهجوم الانتحاري على مطار اللد في إسرائيل الذي أودى بحياة 26 شخصاً عام 1972، حسب ما أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي خططت لتلك العملية.
علي كوزو
بحسب كوزو أوكاموتو، طوال أكثر من ثلاثين عاماً، يناديني كثيرون باسم "علي كوزو". حتى أنّ أشخاصاً لا يعرفون اسمي الكامل يعرفونني بهذا اللقب. كلما سألني أحد عن قصته، أعود بذاكرتي إلى منتصف التسعينيات، إلى مرحلة لم تغيّر اسمي فحسب، بل غيّرت علاقتي بالسياسة والحياة. في منتصف التسعينيات، كنت شابّاً أعيش مرحلة الحماسة السياسية والأفكار الكبرى. كانت تلك سنوات مختلفة؛ سنوات كان فيها اليسار لا يزال يحمل حضوراً فكرياً وشبابياً، وكانت القضية الفلسطينية بالنسبة لجيلنا أكثر من مجرد قضية سياسية. كانت مرتبطةً بالعدالة والتحرّر ومواجهة الظلم. كنت قريباً من هذه الأجواء، من النقاشات السياسية، من الحركات الشبابية، ومن الأشخاص الذين كانوا يعيشون السياسة كجزء من حياتهم اليومية. كنا نؤمن بالحرية والعدالة، ونرى أنّ الأفكار لا معنى لها إذا لم تتحول إلى مواقف وتجارب. كنا نرى أنّ هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى مرحلة سياسية معيّنة، وأنّ التعامل معهم لا يمكن أن يكون فقط من زاوية أمنية، بل يجب فهمه ضمن سياقه السياسي والتاريخي.[1]
في تلك الفترة، جرى اعتقال كوزو أوكاموتو ورفاقه. بالنسبة لنا، لم تكن القضية مجرد ملف أمني أو قانوني، بل كانت مرتبطةً بسياق سياسي أوسع، وبمرحلة كانت فيها العلاقات بين الحركات الثورية والمقاومة الفلسطينية واللبنانية جزءاً من المشهد العام.
من هو كوزو أوكاموتو؟
كان كوزو أوكاموتو أحد أعضاء الجيش الأحمر الياباني، وهي منظمة يسارية مسلحة نشطت خلال السبعينيات، وأقامت علاقات مع فصائل فلسطينية، ولا سيما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. اشتهر عالمياً بعد مشاركته في الهجوم على مطار اللد عام 1972، والذي أدى إلى مقتل وإصابة عشرات الأشخاص، قبل أن يُعتقل في إسرائيل ويقضي سنوات طويلةً في السجن. بعد الإفراج عنه في إطار صفقة تبادل أسرى عام 1985، انتقل إلى لبنان، حيث عاش لسنوات. ثم عاد اسمه إلى الواجهة في منتصف التسعينيات بعد اعتقاله مع عدد من اليابانيين، لتتحول قضيته إلى ملف سياسي وقانوني أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحقوقية في لبنان.
في تلك المرحلة، رأى عدد من الناشطين والطلاب واليساريين أنّ قضية كوزو أوكاموتو لا ينبغي أن تبقى محصورةً في إطار أمني أو قضائي، بل تستحق نقاشاً سياسياً أوسع. من هذا الاقتناع وُلدت "لجنة أصدقاء كوزو أوكاموتو". لم تكن حزباً سياسياً أو تنظيماً قائماً بحد ذاته، بل مبادرة تطوعية جمعت أشخاصاً من خلفيات مختلفة حول هدف واحد: إبقاء القضية حاضرةً في النقاش العام والدفاع عن مقاربة سياسية لها. كنت واحداً من هؤلاء. ضمّت اللجنة عدداً من الرفاق والأصدقاء، بينهم جمال واكيم، عمر واكيم، جمال كردي، هادي بكداش، رامي، عزة، هدى، وآخرون ممن آمنوا بأنّ التحرك المدني والسياسي يمكن أن يترك أثراً، حتى إن كانت موازين القوى لا تصبّ في صالحنا.
وبالتوازي مع نشاطي داخل اللجنة، كنت نشطاً مع مجموعات سياسية أخرى، الأمر الذي دفع كثيرين إلى مناداتي بـ"علي كوزو"، لأنّ اسمي ارتبط بهذه القضية أكثر من أي شيء آخر. أُطلق اللقب كوسيلة للتمييز بيني وبين عشرات ممن يحملون اسم "علي"، لكنه سرعان ما التصق بي، وبقي يرافقني حتى اليوم. أدركت أنّ اللقب لم يعد مجرد مزحة بين الأصدقاء يوم بدأت والدتي تناديني به. كانت أحياناً تقول "علي كوزو"، وأحياناً تكتفي بـ"كوزو". عندها فقط شعرت أنّ الأمر حُسم؛ لم يعد لقباً عابراً، بل هو اسم يلازمني، وظلّ يرافقني حتى اليوم.
أيام الاعتصامات والمطاردات
خرجت لجنة أصدقاء كوزو أوكاموتو إلى العلن من خلال سلسلة من التحركات والاعتصامات التي هدفت إلى إبقاء القضية حاضرة في الرأي العام. من أكثر ما أذكره التحرك أمام مقر سي إن إن، ثم الاعتصام أمام حديقة الصنائع. لم نكن نملك سلطةً لتغيير القرار، لكننا كنا نؤمن بأن من واجبنا أن نُسمع صوتاً مختلفاً، وأن نقول إنّ القضية ليست مجرد ملف أمني، بل قضية سياسية وإنسانية أيضاً. لكن أكثر الأيام التي بقيت عالقةً في ذاكرتي، يوم ترحيل المجموعة. بعد انتهاء الاعتصام، تحوّلت الشوارع إلى ساحة كرّ وفرّ مع القوى الأمنية. ركضنا في أكثر من اتجاه؛ من نزلة الحص وصولاً إلى شارع الحمرا، نحاول تجنّب الاعتقال فيما كانت الملاحقات مستمرة. كان معي يومها وسام، وربيع سلمان، ويارا، ونادين، وهدى، ورامي، وزياد أمهز، وآخرون من الرفاق الذين عاشوا تلك اللحظات بكل ما حملته من توتر وخوف.
انتهى ذلك اليوم باختبائنا في منزل النائب نجاح واكيم، بعد أن أصرّت الأجهزة الأمنية على توقيفنا. بالنسبة لنا، لم تكن تلك مجرد مواجهة عابرة مع القوى الأمنية، بل كانت تختصر مرحلةً كاملةً من حياتنا؛ مرحلة امتزجت فيها الحماسة بالخوف، والإيمان بالقضية بإدراك حدود ما يمكن أن يحققه العمل السياسي، والشعور بأننا جزء من لحظة أكبر من كل واحد منا.
لكن قصة كوزو أوكاموتو في لبنان لم تنتهِ عند حدود الاعتصامات والتحركات. فقبل اعتقاله، كان يعيش في لبنان ضمن سياق سياسي مختلف، مستفيداً من شبكة من العلاقات التي ربطته بالحركات الفلسطينية والمقاومة اللبنانية في تلك المرحلة. كما حضر إلى لبنان عدد من رفاقه من اليابان لمتابعة أوضاعه ومساعدته، في ظلّ استحالة عودته إلى بلده حيث كان مطلوباً للسلطات اليابانية. لاحقاً، اعتُقل كوزو مع أربعة آخرين: ثلاثة يابانيين وامرأة لبنانية، لتدخل قضيته مرحلةً قانونيةً وسياسيةً جديدة. وبعد ترحيل رفاقه إلى اليابان وتسليمهم للسلطات هناك، بقي هو في لبنان، حيث أُفرج عنه ومُنح حق اللجوء السياسي، لتبدأ بالنسبة له مرحلة مختلفة تماماً عن كل ما سبقها.
كانت ابنة رفيقه ماساو أداتشي (ساي)، قد جاءت إلى لبنان وأقامت معه، وتولّت العناية اليومية به ومتابعة تفاصيل حياته واحتياجاته. أتذكر أنني وعزة ورامي كنا من الأشخاص القريبين جداً منه، وبقينا على تواصل دائم معه. كنا نقوم بزيارات شبه يومية له؛ لم تكن مجرد زيارات عابرة، بل كنا نمضي معه وقتاً طويلاً؛ نسهر معه، وأحياناً نبقى في منزله لأيام طويلة، نتابع وضعه، نعرف احتياجاته، ونساعد في تأمين ما يحتاج إليه.
هنا، حصل التحول الحقيقي في طبيعة العلاقة. في البداية كان كوزو بالنسبة لنا شخصيةً نضاليةً مرتبطةً بقضية سياسية كبرى، وشخصاً نعرفه من خلال موقعه في تلك القضية. أما بعد خروجه من السجن، فقد أصبح إنساناً نعرفه من قرب، نرى ظروفه اليومية، ونشارك في تفاصيل حياته.
مع مرور الوقت، لم تعد لقاءاتنا تدور حول السياسة فقط، بل حول تفاصيل الحياة اليومية. تعلّمنا منه كيف يستخدم عيدان الطعام اليابانية، وتعلّمنا معه إعداد بعض الأطباق اليابانية البسيطة. والأهم من ذلك، أننا كنا نحاول أن نخلق حوله حياةً يوميةً طبيعيةً؛ أن نجتمع عنده، ونسهر معه، وأن يشعر دائماً بأنه ليس وحيداً. كان يقضي معظم وقته داخل شقته. نادراً ما كان يغادرها. فحالته الصحية، ووضعه السياسي، والاعتبارات الأمنية، كلها كانت تفرض عليه عزلةً شبه دائمة. حاولنا أكثر من مرة أن نخرجه معنا أو أن يشارك في مناسبات عامة، حتى إننا دعوناه يوماً إلى افتتاح معرض للكتاب في كلية العلوم، لكنه لم يستطع. بقي في شقته، كما اعتاد في معظم تلك السنوات.
انتقلت العلاقة من علاقة سياسية مع شخصية نضالية إلى علاقة إنسانية مع شخص يحمل تجربةً استثنائيةً؛ خرج من سنوات طويلة من الاعتقال والعزلة، ويحاول أن يعيش حياةً جديدةً في ظروف لم تكن سهلة. لاحقاً تغيرت الظروف، وتغيرت العلاقات، وصولاً إلى مرحلة توقّف فيها التواصل كما كان سابقاً. هذه القضية كانت الباب الذي أدخلني فعلياً إلى عالم السياسة. قبلها كنت شابّاً يحمل أفكاراً ومواقف. بعدها، أصبحت أعيش السياسة بكل تعقيداتها؛ التنظيم، والصراع، والعلاقة بين المبادئ والواقع، وكيف يمكن لقضية عامة أن تتحول إلى تجربة إنسانية وشخصية. وبمرور السنوات، لم يعد كوزو بالنسبة لي مجرد اسم ارتبط بقضية سياسية أو مرحلة نضالية. عرفته من قرب، ورأيت الإنسان خلف العناوين الكبرى، وعشت معه تفاصيل يوميةً صنعت علاقةً مختلفةً تماماً عن تلك التي بدأت في الشارع والاعتصامات. ربما لهذا السبب بقي لقب "علي كوزو" يرافقني حتى اليوم؛ لا لأنه يختصر موقفاً سياسياً، بل لأنه يختصر مرحلةً كاملةً شكّلت علاقتي بالسياسة، وبالناس، وبفهمي للعالم.
انظر أيضاً
- كوزو أوكاموتو
- عملية مطار اللد (1972)
المصادر
- ^ "حين بدأت أمّي بمناداتي "علي كوزو"". رصيف 22. 2026-07-25. Retrieved 2026-07-25.