أخبار:تداول سلمي للسلطة في بنين

- بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، روموالد واداني يتولى رئاسة بنين خلفاً لپاتريس تالون.
انتقال سلمي للسلطة أم أزمة سياسية مرتقبة؟
يستعد رئيس بنين پاتريس تالون لمغادرة منصبه وسط مخاوف تخيم على البلاد من حدوث أزمة سياسية خاصة في ظل الحملة التي تواجهها رموز المعارضة وأيضاً محاولة الجيش قبل أشهر لتنفيذ انقلاب عسكري حيث تشهد العاصمة كوتونو نمواً اقتصادياً كبيراً لكنه يترافق مع جمود سياسي. ولم يترشح تالون إلى ولاية ثالثة حيث يمنعه الدستور من ذلك بعد ولايتين رئاسيتين، ومن المرتقب أن يتسلم وزير الاقتصاد والمالية، روموالد واداني، السلطة في كوتونو بعد فوزه بأكثر من 94% من الأصوات في الانتخابات التي أجريت في 12 أبريل 2026. واقتصر السباق على مرشحين بعد أن تعذَّر على حزب الديمقراطيين أكبر أحزاب المعارضة حشد العدد المطلوب من التزكيات لمرشحه.
ورغم أن كثر يعتبرون أن بنين من البلدان التي حافظت على نظام ديمقراطي في منطقة غرب أفريقيا، التي تشهد اضطرابات أمنية غير مسبوقة، فإنّ حملة استهدفت شخصيات من المعارضة أثارت جدلاً وانتقادات حادة تجاه حكومة الرئيس تالون. وعلق المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد الحاج عثمان، على الأمر بالقول إنّ: "بنين تشهد مأزقاً سياسياً غير مسبوق في ظل القطيعة بين السلطات والمعارضة، ولا أعتقد أن روموالد واداني سيغير السياسة المنتهجة حالياً تجاه المعارضة خاصة أنه كان وزيراً في حكومة تالون ويتبنى سياساته لسنوات". وأضاف الحاج عثمان: "أنّه مع سيطرة أحزاب الموالاة على البرلمان الذي لم تحصد فيه المعارضة أي مقعد فإن من المحتمل أن يعمق ذلك الانقسام السياسي في البلاد، وهو انقسام تغذيه العديد من الملفّات على غرار المعتقلين السياسيين الذين يواجهون تهماً خطيرة، مثل: التواطؤ مع الجماعات الارهابية، والتآمر على أمن الدولة". ولفت إلى أن: "مغادرة تالون الذي يملك رصيداً اقتصادياً هاماً لا ينهي الأزمة السياسية في بنين بل من المحتمل أن يفتحها على سيناريوهات جديدة، مثل: تصاعد الاحتجاجات والتململ داخل المؤسسة العسكرية؛ ما يجعل مستقبل البلاد السياسي غامضاً".[1]
الأزمة الاقتصادية والأمنية

وتجدر الإشارة إلى أن بنين شهدت عام 2024 احتجاجات شعبية عارمة بسبب غلاء المعيشة في البلاد رغم كشف صندوق النقد الدولي عن تحقيقها نمواً اقتصادياً بنسبة 7%. ويرى المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد إدريس، أن "بنين تشهد بالفعل أزمة مزدوجة سياسية وأمنية حيث شهدت البلاد مؤخراً هجمات دموية نفذتها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة لذلك أعتقد أنّ حكومة الرئيس الجديد، روموالد واداني، ستكون أمام تحديات أمنية كبيرة قبل أن تكون سياسية". وأضاف إدريس "أن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها بنين تسببت في موجة من الاعتقالات الجديدة؛ ما زاد حجم الانقسامات السياسية. بالتالي أعتقد أنّ الأزمة مزدوجة وتشكل أكبر تحدٍّ أمام واداغني الذي سيكون حذرًا ولا سيما بعد تحرك الجيش في ديسمبر 2025".
رئاسة تالون

وفي نوفمبر 2025، أقر البرلمان بأغلبية 90 صوتاً مقابل 19، تعديلاً دستورياً مدد الولايتين الرئاسية والتشريعية من خمس إلى سبع سنوات وأنشأ مجلس شيوخ. وأتاح هذا الإصلاح للرئيس أسساً لترشيح أعضاء في مجلس الشيوخ، مما "وضع حواجز جديدة" أمام دخول أحزاب المعارضة إلى البرلمان.
تتركز انتقادات الحقوقيين على ملف المعتقلين. فقد حُكم على المعارضة ريكيا مادوگو بالسجن 20 عاماً في ديسمبر 2021 بتهمة "التواطؤ في أعمال إرهابية"، فيما حُكم على الأكاديمي جويل أيڤو بالسجن 10 سنوات أمام المحكمة نفسها. كما حُكم في يناير 2025 على رجل الأعمال أوليڤييه بوكو، الحليف المقرب السابق لتالون، بالسجن 20 عاماً بتهمتي "التآمر على أمن الدولة" و"إفساد موظف عمومي". ورداً على سؤال عن عفو رئاسي محتمل قبل الأحد يشمل مادوگو وأيڤو وبوكو، قال الناطق باسم الحكومة ولفرد هونگبيدجي إن "أموراً كثيرة قد تحدث"، مضيفاً أن هؤلاء "فاعلون سياسيون في السجن بتهم مختلفة، وهذا لا يجعلهم سجناء سياسيين".[3]
واتهم مراقبون تالون بإعادة البلاد إلى "الحقبة الاستبدادية"، خصوصاً بعد قمع احتجاجات على غلاء المعيشة في أبريل 2024، فيما تتهم منظمتا هيومان رايتس واتش والعفو الدولية حكومته بـتنفيذ "اعتقالات تعسفية" وتقييد التظاهر والضغط على الإعلام المستقل. كما سرحت شركة الإذاعة والتلفزيون، قبل أيام من رحيل تالون، 169 موظفاً.
في المقابل، يعد النمو الاقتصادي من أبرز ملامح فترة حكم تالون. فقد نما اقتصاد بنين 7% عام 2025 وفق صندوق النقد الدولي، وارتفع معدل النمو من 3.3% عام 2016 إلى 7.5% عام 2024، وولدت منطقة گلو-دجيگبي" الصناعية أكثر من 14.000 وظيفة، وفق موقع أفريكانيوز.
واداني مهندس إصلاحات تالون
انتخبت بينين وزير الاقتصاد والمالية روموالد واداني، رئيساً للبلاد في انتخابات لم تحمل مفاجأة تذكر، في ظل تكميم أصوات المعارضة وتأييد رئيس الدولة المنتهية ولايته ودعم الحزبين في الائتلاف الحاكم للحاكم الجديد الذي يعرف باسم "رو". وحصل روموالد واداني على 94.05% من أصوات الناخبين، مقابل هزيمة منافسه الوحيد، مرشح المعارضة المعتدل پول هونكبي، والذي هنأ الفائز، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.75%، بحسب اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات. ويخلف واداني پاتريس تالون الذي يتنحى عن منصبه بعد فترتين رئاسيتين مدة كل منهما خمس سنوات، وفقاً للدستور.
بنى روموالد واداني شرعيته بالأرقام قبل أن يحصل عليها في صناديق الاقتراع، فبعد 10 سنوات في وزارة الاقتصاد والمالية حيث كان مهندس الإصلاحات الاقتصادية العميقة لبلاده، سيصبح روموالد واداني الرئيس الجديد لبينين. من صالة المطار إلى كوتونو، أكبر مدن البلاد، كان من المستحيل في الأسابيع الأخيرة تجاهل وجه روموالد واداني خلف نظارته المستديرة، خلال الحملة الانتخابية. خلال الحملة، جال أنحاء بنين، مُقيماً العديد من التجمعات الجماهيرية المكثفة "ما يصل إلى ستة تجمعات يومياً" ومؤكداً على علاقاته الوثيقة بالشعب، هذا التكنوقراطي المتواضع الذي نادراً ما يظهر في وسائل الإعلام ويكره الظهور أمام الكاميرات. بأسلوبٍ عفوي أشبه بأسلوب المحاضرين، ودون ربطة عنق أو بدلة، ألقى سلسلة من الخطابات، متناولاً شتى المواضيع وكأنه يحاول التخلص من صورة الخبير الاقتصادي البحت التي تلتصق به.
وُلد "رو"، كما يُطلق عليه مؤيدوه، في عائلة من المثقفين فوالده نيستور كان خبيرً اقتصادياً بنينياً بارزاً، ووالدته سيدة أعمال، في 20 يونيو 1976 بمدينة لوكوسا، جنوب غرب البلاد، بالقرب من توگو المجاورة. ويؤكد أنه ظلّ مُرتبطاً بجذوره، ويُحبّ أن يُشير إلى امتلاكه مزرعة لم يغفل عنها قط. لكن بداياته المهنية كانت بعيدة عن بينين، فبعد دراسة المالية في كلية گرينوبل للإدارة في إدارة الأعمال، تابع تدريبه في جامعة هارڤرد، ثم انضم إلى شركة ديلويت المرموقة، حيث أصبح شريكاً وركز على العمليات في أفريقيا. وفي أبريل 2016، قبل أشهر قليلة من بلوغه الأربعين، عهد إليه الرئيس المنتخب حديثاً پاتريس تالون بقيادة وزارة الاقتصاد والمالية لتنفيذ برنامج طموح للإصلاحات الاقتصادية.
في ظل قيادته، استقرت مالية بنين، حيث انخفض العجز بمقدار الثلثين ليصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وشرعت في مشاريع بنية تحتية ضخمة، وحدثت اقتصادها. وفي عام 2021، عندما أُعيد انتخاب تالون، حافظ على ثقته به، بل ورُقّي إلى منصب وزير دولة. ويسير النمو على المسار الصحيح، بمتوسط يزيد على 6% خلال عقد 2020، ويشيد المستثمرون الدوليون بهذا الأداء المتميز في غرب أفريقيا. [4]
سيواجه روموالد واداني أيضاً عنف الجماعات المسلحة الذي يُلحق أضراراً بالغة بالجيش في شمال البلاد. ويؤكد المقربون منه على موقفه، فقد أشركه الرئيس تالون في جميع القرارات الأمنية التي اتُخذت في السنوات الأخيرة، كما رشّحه لخلافته. خلال حملته الانتخابية، حظي بدعم الحزبين الرئيسيين في الائتلاف الحاكم، بل وحتى بتأييد بعض أعضاء المعارضة. [5]
على الصعيد الدبلوماسي، من المتوقع أيضاً أن يستغل ورقة الاستمرارية. فبينما لا يخفي علاقاته الوثيقة مع فرنسا، في غرب أفريقيا حيث تتزايد شعبية القوة الاستعمارية السابقة، يعتقد أنه يستطيع استئناف الحوار مع النيجر المجاورة، حيث يُظهر المجلس العسكري الحاكم عداءً صريحاً لبنين.
ويثير تقلّده أعلى منصب في بنين، تساؤلات حول مصير تشديد القيود على الحريات المدنية بعد عشر سنوات من الإغلاق الوطني الذي حُكم خلالها على معارضين بالسجن لمدد طويلة لارتكابهم جرائم مختلفة، وبصفته رئيساً منتخباً لولاية مدتها سبع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، يُمكن نظرياً أن يبقى روموالد واداني في السلطة حتى عام 2040.
انظر أيضاً
المصادر
- ^ "وسط مخاوف من أزمة سياسية.. تالون يتأهب لمغادرة الرئاسة في بنين". إرم نيوز. 2026-05-25. Retrieved 2026-05-25.
- ^ "The outgoing head of state, Patrice Talon, officially received his elected successor, Romuald Wadagni, at Marina Palace". إدريس جبرين. 2026-05-24. Retrieved 2026-05-25.
- ^ "عشية مغادرته السلطة في بنين.. ما حصيلة 10 سنوات من حكم تالون؟". الجزيرة نت. 2026-05-25. Retrieved 2026-05-25.
- ^ "روموالد واداني يؤدي اليمين الدستورية كرئيس جديد لبنين بعد انتخابات شابتها شكوك المعارضة". جريدة الشروق. 2026-05-25. Retrieved 2026-05-25.
- ^ "مهندس إصلاحات تالون.. من هو روموالد واداني رئيس بنين الجديد؟". إرم نيوز. 2026-05-25. Retrieved 2026-05-25.