العلمــــانيــــــة

من معرفة المصادر

.*.*.*. العلمــــانيــــــة .*.*.*.

.*.*.*. نشأتها وتطورها و الآثارها في الحيـــاة الإسلامية المعاصرة .*.*.*.

.*.*. تأليف : د/ سفر بن عبدالرحمن الحوالي .. .*.*.

(( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فأرهبوني وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصباً أفغير الله تتقون )) (النحل :51،52)

(( قل إن صلاتي ونسكي ومحيياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )) (الأنعام :162،163) (( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون )) (المائدة :50)

.*.*. المقــــدمـــة .*.*. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضل فلا هادى له ، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد : فقد أعظم الله تعالى المنة على هذه الأمة بأن بعث فيها أفضل رسول وأنزل إليها أكمل دين وأقوم شريعة ،فكانت الأمة التي استحقت أن تسمى " المسلمـين " : لتحقق معاني الإسلام فيها : إسلام القلب والجوارح ، إسلام الفرد والمجتمع ،إسلام الحياة كلها لله تعالى وحده لا شريك له .

وهو الإسلام الذي تضمنه تلك الكلمة العظيمة التي تعدل الكون كله ، بل ترجح به (لا إله إلا الله ) .وظلت الأمة الإسلامية قروناً تقود الجماعة البشرية وتسيطر على العالم المتحضر إلا قليلاً وتتبوأ مركز الأمة الوسط بين العالمين ؛ كل ذلك بفضل إدراكها لتلك الكلمة العظيمة والعمل بمقتضاها وحقيقة مدلولها في واقع الحياة . ثم أخذ شأن الأمة الإسلامية في الانحطاط وحضارتها في الذبول ؛ وفقدت شيئاً فشيئاً ،مركزها المرموق ومنزلتها السامية ، ولم يكن لذلك من سبب إلا أن نور (لا إله إلا الله ) قد خفت ،ومقتضياتها قد أهملت ، ومدلولاتها قد انحسرت .

ولما كانت كلمة (لا إله إلا الله ) هي روح هذه الأمة وسر وجودها ومنبع حياتها ،فإنها ظلت تفقد من ذاتيتها وأصالتها بمقدار ما تفقد من نور هذه الكلمة العظيمة حتى آل الأمر في العصور الأخيرة إلى الفقدان الكامل أو شبه الكامل . وعندما تصاب أمة من الأمم بهذا المرض المدمر :"فقدان الذات" فإن أبرز أعراضه يتمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من مناهجها ونظمها وقيمها .

وقد وقع ذلك في حياة الأمة الإسلامية تأويلاً لقوله صلى الله عليه وسلم (لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتم ،وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه )

ولم يكن أخطر من هذا المرض إلا الجهل بحقيقته وعدم إدراك أسبابه فكان التشخيص الخاطئ سبباً في العلاج الخاطئ ،الذي جاء بمضاعفات جديدة .

ولقد خيل للأمة أن هذا الداء العضال يمكن مداواته باستعارات ساذجة ومظاهرجوفاء وترقيعات صفيقة تتلقاها جميعها من الكفار الذين أصبحت تخجل من أن تسميهم بهذا الاسم ، بل أسمتهم "العالم المتحضر " و "الأمم الراقية " !! وكان استعدادنا الذاتي وقابليتنا للذوبان هما المبرر الأكبر للحرب النفسية الشرسة التي نسميها "الغزو الفكري" تلك التي استهدفت مقومات وجودنا وأسس أصالتنا .

وجاءت طلائع الغزو الفكري – كما هو الحال في سبل الشيطان – متعددة الشعارات ،متباينة الاتجاهات ،عليها من البهرجة والبريق ما يكفي لتضليل وإغراء أمة منبهرة مهزوزة .

جاءت الاشتراكية والقومية والوطنية والديمقراطية والحرية وفلسفة التطور واللادينية ..وغيرها من المسميات والشعارات وسرت عدوى هذه الأوبئة سريان النار في الهشيم وتغلغلت في العقول والقلوب التي فقدت رصيدها من (لا إله إلا الله ) أو كادت ،وتربت على ذلك أجيال ممسوخة هزيلة أخذت على عاتقها مهمة تعبيد أمتها للغرب والإجهاز على منابع الحياة الكامنة فيها . ومرت في مطلع هذا القرن حقبة مظلمة راجت فيها سوق الأفكار الموبوءة المنحرفة ، حتى أظهر أعداء الإسلام تفاؤلهم بأن هذه الأمة ستلفظ أنفاسها عما قليل .

ولكن الله تعال رد كيدهم في نحورهم وأنبت في وسط الركام والظلام رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه ؛ فانفجرت في كل بلد إسلامي حركة جهادية ،وانبثق من تلك الحركات فكر أصيل يستمد من الكتاب والسنة مباشرة ،مهتدياً بالوثبات التجديدية التي لم يخل منها عصر من عصور الإسلام .وتكمن قوة هذا الفكر ،بل حياته ،في سر واحد فقط ، هو إدراكه ـ أن سبب انحطاط هذه الأمة هو انحرافها عن حقيقة "لا إله إلا الله " وان الطريق إلى بعثها يبتدئ من تصحيح مفهوم هذه الكلمة وما تفرع منها وإزالة ما علق في ذهن الأمة حولها من غبش واضطراب ؟

وكان مقتضى هذا الإدراك – من الوجهة المنهجية العلمية – أن ما يسمى "علم الكلام " الذي شغل علماء العقائد الماضون به أنفسهم أصبح مسألة تاريخية ،وأن العودة إلى صفاء العقيدة الإسلامية ووضوح تصوراتها ومفهوماتها تستدعي منهجية أصلية نقية كل النقاء من التأثيرات الإغريقية القديمة ومن إيحاءات وسموم الغزو الفكري الحديث .

ولم يكن الإيمان بهذه الحقيقة سهل المنال ، بل أن الرجال الذين اكتشفوها عانوا بأنفسهم مرارة التجربة وهم يحاولون دراسة الإسلام وفق منهجية غربية عنه ،ورأوا أن من حق دينهم ومن حقنا نحن الأجيال التالية أن لا تتكرر المأساة وأن ينيروا الطريق باختطاط منهج علمي أصيل وتأسيس دراسات إسلامية تخصصية تدرس العقيدة الإسلامية ، بل تدرس الأفكار والمذاهب غير الإسلامية على ضوء ذلك المنهج الأصيل .

وكان من هؤلاء الرجال : الشيخ الفاضل محمد أمين المصري ، رحمه الله، (الرئيس السابق لقسم الدراسات العليا بكيلة الشريعة بمكة المكرمة ) ، الذي بذل جهده لإدخال مادة "المذاهب الفكرية " ضمن برنامج الدراسات العليا لفرع العقيدة .

وكان من توفيق الله تعالى أن عهد بتدريس هذه المادة إلى علم من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر ،هو الأستاذ " محمد قطب "حفظه الله .

وكان من توفيقه سبحانه لكاتب هذا البحث أن يلتحق بفرع العقيدة وأن يختار رسالته لنيل درجة التخصص الأولى " الماجستير " في هذه المادة وعلى يد ذلك الأستاذ .

وإذ كان على أن أختار مذهباً فكرياً ليكون موضوعاً لرسالتي فقد هداني الله لاختيار مذهب " العلمانية " وآثرته على غيره لأسباب ، منها :

1- غموض المدلول الحقيقي لهذا الاصطلاح الخادع بالنسبة لكثير من المثقفين فضلاً عن العامة ؛فبالرغم من الكساد الذي بدأت المذاهب الأخرى ،كالشيوعية والاشتراكية ،تمنى به بعد اكتشاف الجماهير لحقيقتها ؛ ما تزال أسهم العلمانية مرتفعة ،سواء باسمها الصريح ، أو تحت شعار الديمقراطية ،أو شعار " الدين لله والوطن للجميع " ، أو شعار "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين " .

2- التوافق بين ذات العلمانية بوصفها فكرة غريبة واعية وبين موضوعها المتمثل في عزل الدين عن توجيه الحياة ، وهو ما يعاني منه الواقع الإسلامي المعاصر ، فالعلمانية –موضوعياً – موجودة في كل نواحي الحياة الإسلامية المعاصرة وإن لم يكن لها وجود ذاتي متكامل ، كما هو الحال في أوربا ..هذا التوافق يجعل تقبلها – ذاتياً – أمراً سهلاً ، ومن ثم يحتم على ذوي الاختصاص دراستها وكشف زيفها وإيضاح تعارضها مع المفهوم الصحيح للإسلام ومقتضيات "لا إله إلا الله ".

وقد عرفت منذ اللحظة الأولى أن مهمتي ليست بيسيرة ،وأن على أن أخوض في ميادين بعيدة عن مجال دراستي الشرعية البحتة جاعلاً كل قراءاتي السابقة في الفكر الغربي بمثابة التمهيد فقط لما يجب علي أن أنهض به . وفعلاً خصصت نصف المدة المحددة للرسالة –تقريباً –في اطلاع دائب وقراءة متواصلة مسترشداً بالتوجيهات القيمة والآراء السديدة التي كان أستاذي الفاضل يزودني بها باستمرار ،فاطلعت على أمهات النظريات والاتجاهات في السياسة والاقتصاد والعلم والاجتماع والأدب والفن وكنت كلما ازددت إيغالاً في الاطلاع ازدادت ثقتي وقوي عزمي على إكمال الطريق ..مع أن المراجع المذكورة آخر الرسالة لا تساوي إلا جزءاً مما قرأت ،فإنني لا أشعر بشيء من الخسارة ، بل أحمد الله تعالى الذي أراني الفكر الجاهلي الأوربي على حقيقته ..والحق أنني علمت علم اليقين أن هذا الفكر ليس باطلاً فحسب ، بل هو أيضاً تافه هزيل ،وتمنيت من أعماقي أن يهب الله كل شباب أمتي ما وهب لي من معرفة تفاهته وهزاله .

ثم ابتدأت الكتابة مقسماً الموضوع خمسة أبواب :

v الباب الأول : موضوعه دين أوربا الذي انحرفت عنه إلى اللادينية ،أثبت فيه تحريف الدين النصراني وأنه لا يمثل دين الله الحق لا في العقيدة ولا في الشريعة .وتعرضت بالنقد للتحريفات والبدع والخرافات النصرانية ورغم اتفاقي مع دعاة اللادينية في نقد النصرانية ،فقد كنت مخالفاً لهم في منهجهم ، وفي بعض الأحيان أعرض وجهة نظرهم وأنقدها .

وسيلحظ القارئ في هذا الباب الإفاضة وعدم التساهل ، وما ذاك إلا نتيجة اقتناعي بأن السبب الأكبر في انحراف أوروبا من صنع الكنيسة ،وأن الإسلام يحارب الخرافة كما يحارب الإلحاد .

v الباب الثاني :موضوعه أسباب العلمانية . مع أن تحريف النصرانية في الحقيقة هو السبب الممهد للعلمانية فقد خصصت هذا الباب للأسباب المباشرة لها ،وهي : 1- الطغيان الكنسي : دينياً وسياسياً ومالياً ،مؤيداً بالشواهد التاريخية . 2- الصراع بين الكنيسة والعلم ، عرضت فيه الصراع النكد عرضاً تاريخياً منذ نظرية كوبر نيك إلى نظرية نيوتن بمدرسة النقد التاريخي ،ومذهب الربوبيين والملحدين الأوائل . 3- الثورة الفرنسية :التي نجحت في إقامة دولة لادينية في أوربا النصرانية،وأضحت أسبابها وآثارها واستغلال القوى الهدامة لها . 4- نظرية التطور:التي كانت إيذاناً بانتهاء وصاية الكنيسة الفكرية على أوروبا وانسحابها من الميدان إلى الأبد ..وقد تحدثت عن الآثار المدمرة للنظرية في الفكر والحياة وتطبيقها المريب في حقول المعرفة وميادين السلوك .. والحق أن هناك أسباباً قد لا تقل عن هذه ،غير أنني آثرت أن لا أعرضها ، بصفتها أسباباً مستقلة ؛فالقوى الهدامة :"اليهود" ،يمكن اعتبارها سبباً مستقلاً ، لكنني لم أعرضها بهذا الاعتبار ، لأن اليهود –كما سيتضح من ثنايا البحث – يستغلون الأحداث ولا يصنعونها ،فاكتفيت بعرض نماذج من استغلالاتهم في مواطنها ،مثل : استغلال الثورة الفرنسية لتحطيم الرابطة الدينية والخروج من (الجيتو) ..واستغلال الدارونية لنشر الإلحاد والإباحية ..واستغلال الثورة الصناعية للسيطرة على اقتصاد العالم ..واستغلال الديمقراطية لتوجيه السياسة الدولية .. على أنني قد عرضت نظريات اليهود مستقلة في مواطنها ،مثل ريكاردو وماركس في الاقتصاد ،ودوركايم وفرويد في الاجتماع والأخلاق " ،وذلك لضمان وحدة الموضوعات وتماسكها . ومثل هذا يقال في حركة الإصلاح الديني التي هزت الكنيسة وحطمت الوحدة الشكلية للعالم المسيحي .

v الباب الثالث : العلمانية في الحياة الأوربية

وهو الباب الرئيسي في الموضوع ، وقد قسمته حسب التقسيم التقليدي 6 فصول :

× الأول : في الحكم والسياسة ، تعرضت فيه للفكر السياسي اللاديني وأشهر نظرياته ، مثل : " النظرية الخيالية ، نظرية العقد الاجتماعي ، نظرية الحق الإلهي " ، ثم النظريات الحديثة التي تقوم على " الميكافيللية ، فلسفة التطور ، الديمقراطية " بتفسيرها الليبرالي والشيوعي .

وقد انتهجت أسلوب النقد بطريق العرض ، فقد كنت أعرض أي نظرية كما يراها أصحابها ، عرضاً يوحي للقارئ بنقدها دون أن أتقول عليهم ، وهكذا في بقية الفصول .

وقد رأيت أفضل أسلوب لرد هذه النظريات هو عرض أثارها الواقعية ونتائجها التطبيقية ، مستشهدا بشهود من أهلها ، وذلك لسببين : 1- إن تطبيق أي نظرية هو المحك الرئيسي لنجاحها أو إخفاقها. 2- أن مناقشة تفصيلات النظريات اللادينية المختلفة فوق كونها تستهلك بعداً كبيراً لا تتفق مع حكم الإسلام فيها ، الذي يرفض تلك التصورات جملة رفضاً أساسيا ، كما سيتضح في الباب الخامس .

× الثاني : في الاقتصاد ، تحدثت فيه عن النظام الإقطاعي ثم عن المذاهب اللادينية الاقتصادية : " المذهب الطبيعي " الفيزيوقراطى " ، المذهب الكلاسيكي الرأسمالي ، المذهب الشيوعي " ، عارضاً نظريات كل مذهب . ثم عقبت على ذلك بعرض الواقع المعاصر والنتائج الفظيعة التي نجمت عن فصل الاقتصاد عن الدين ، مؤيداً كل ذلك بالشواهد الواقعية ، سواء في الغرب الرأسمالي أو الشرق الشيوعي .

× الثالث : - علمانية العلم ، تحدثت فيه عن الأسس والملابسات التي قامت عليها لادينية العلم ، مثل موقف الكنيسة والإرث الديني والوثني في النفسية الأوربية ، الذي يصور الإله عدواً للإنسان يتعمد تجهيله كما في سفر التكوين وأساطير الإغريق .. ومظاهر لادينية العلم مثل " استبعاد الغائية والاكتفاء بالعلل الصورية ، حذف اسم الله من أي بحث علمي والاستعاضة بتعبيرات ملتوية كما في مسألة أصل الحياة وتعميم التفسيرات الميكانيكية للكون والحياة ، ورفع شعار العلم للعلم في الغرب والعلم للمذهب في الدول الشيوعية " وعقبت – كالمعتاد – بالحديث عن أثر الفصل بين العلم والدين في المجتمع المعاصر ونتائجه السيئة ، مثل انتشار الإلحاد وظهور الفوضى العقائدية والقلق على الأجيال المثقفة واستحالة العلم نفسه إلى خطر يهدد البشرية جمعاً .

× الرابع : علمانية الاجتماع والاخلاق ، مهدت له بالحديث عن مجتمع وأخلاق القرون الوسطى في ظل الكنيسة ثم فصلت القول في النظريات والمدارس الاجتماعية اللادينية – مبتدأ بالحديث عن أصول وولادة علم الاجتماع – وهي " نظرية العقد الاجتماعي - المدرسة الطبيعية ، المدرسة الوضعية العقلية ( كونت ، دوركايم ) النظرية الاجتماعية الشيوعية ، النظرية العضوية والنفعيون ، الدراسات النفسية الحديثة (السلوكية – التحليل النفسي)"، ثم أردفت لذلك بالحديث عن الواقع الاجتماعي والأخلاقي المعاصر مكتفياً بنموذج واحد ، هو قضية المرأة وما نجم عنها من الشرور الاجتماعية المستطيرة .. وقدمت نماذج واقعية للهبوط الخلقي الشائن الذي تعانى منه المجتمعات اللادينية المعاصرة ، شرقاً وغرباً .

× الخامس : في الأدب والفن ، تحدثت فيها عن الاتجاهات الأدبية الأوربية : 1- عصر النهضة " الكلاسيكية الجديدة " وما هدفت إليه من بعث التراث الوثني الإغريقي وإنماء النزعة الإنسانية .

2- العصر الحديث : أ- الرومانسية : تصويرها للهروب ، ومثاليتها ، تأليه الطبيعة . ب- الواقعية : نشأتها ، أهدافها ، ميزاتها الفنية . 3 - الأدب المعاصر " من الواقعية إلى اللامعقول " المؤثرات الفكرية والاجتماعية فيه ، اتجاهاته الكبرى : أ- الإباحية ، مع سر نماذج لها . ب- الضياع " اللاإنتهاء " مع أمثلة أدبية له .

وفي مقابل الواقع المعاصر في كل مجال عرضت هنا نماذج موجزة لمدارس الضياع المعاصر " الوجودية ، الرمزية ، السوريالية ، العلمية ... الخ" وكان من أبرز العقبات التي واجهتني في هذا الباب محاولة عرض النظريات المعقدة بأسلوب موجز سهل الإدراك .. وأحمد الله إذ أعانني على ذلك . × السادس: ماذا بقى للدين ، وهو تكملة عامة للباب مع التركيز على يوم الدين أو " ساعته ! " وبيان الإفلاس الذي منيت به الكنائس وكيف أصبحت مباءات للمفاسد العصرية .


v الباب الرابع : العلمانية في الحياة الإسلامية :

لقد رأيت ، منذ وضع خطة الموضوع ، أنه لا ينبغي بحث العلمانية بصفتها مذهباً فكرياً غربياً دون التعرض لأثارها في الحياة الإسلامية . والحق أن العلمانية في العالم الإسلامي جديرة برسالة مستقلة ، لكنني أرجو أن أكون قد وفقت لعرض أسبابها ومظاهرها عرضاً شافياً .. مع مراعاة حجم الرسالة ومدتها هذا مع أن الحديث عن العلمانية ونتائجها في أوروبا هو في الحقيقة شامل لمظاهرها في كل مكان على سبيل الأجمال . وقد قسمت هذا الباب فصلين كبيرين :

ü الأول : أسباب العلمانية في العالم الإسلامي ، وقد أو جزتها في سببين بارزين :

1- انحراف المسلمين الذي يقابل تحريف النصرانية في أوروبا ، أوضحت فيه صور ذلك الانحراف ، لاسيما ما يتعلق منها بالتوحيد والعقيدة وانحسار مفهومات الإسلام في مجال الشعائر التعبدية بتأثير الأفكار الصوفية والركود الحضاري العام ، واختتمته بنماذج لتقبل المسلمين الذاتي للعلمانية .

2- التخطيط اليهودي الصليبي : تحدثت فيه عن جذور العداوة التاريخية للمسلمين من قبل اليهود والنصارى وأبديتها والخطة الجديدة للغزو وإفادتها من الواقع الإسلامي المنحرف ، وقسمت المؤامرة أربعة أجنحة كبرى ( قوى الاحتلال المباشر ، المستشرقون ، المبشرون ، الطوائف اليهودية والنصرانية ، والباطنية ) .. وفصلت القول في جهود وأعمال كل جناح في سبيل تحقيق الهدف المشترك : إخراج المسلمين من دينهم وصبغتهم بالصبغة الغربية اللادينية

ü الثاني : مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية : وهو فصل كبير قسمته إلى ثلاث أقسام :

1- في الحكم والتشريع ، تحدثت فيه عن بداية الانحراف المتمثلة في تخلف المسلمين الحضاري ، وجمود الاستنباط الفقهي ، وتوهم دعاة اليقظة بأن سبب تأخر المسلمين هو عجزهم التنظيمى والإدارى وما أدى ذلك إليه من تبلور فكرة ( الإصلاح ) .. واستيراد التنظيمات ثم التشريعات الكافرة وكيف انتهي الأمر بالحركة الإصلاحية إلى العلمانية الكاملة في تركيا ، وإلى إقصاء الشريعة في البلاد العربية ، ومصر خاصة ، بالتعاون بين الاستعمار ودعاة الإصلاح ، وأثر ذلك في ظهور الأفكار السياسية اللادينية والأحزاب المتعددة الانتماءات .

2- في التربية والثقافة : تحدثت فيه عن المستوى التربوي والثقافي للعالم الإسلامي قبل احتكاكه بالحضارة الغربية اللادينية وكيف تمت الازدواجية الخطرة في التعليم . وحركة التغريب الأولى ، ثم عن الدعوات الهادفة إلى لادينية التربية والثقافة ، مثل " الدعوة إلى اقتباس الحضارة الغربية خيرها وشرها ، واحتقار الماضي الإسلامي تربوياً وتاريخياً ، وتطوير الأزهر ، وتطبيق المناهج التعليمية الغربية ، واستيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب"

3- في الاجتماع والأخلاق ، ابتداءه بالحديث عن سوء تمثيل المجتمع الإسلامي لحقيقة الإسلام ، والتقبل الذاتي لتقليد الغرب : ثم فصلت القول فيما أسمى ( قضية تحرير المرأة ) ، ابتداء من جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوى ، وانتهاء بقاسم أمين وحركة النهضة النسائية ! . مع إيضاح دور العلماء والزعماء والأدباء الذين اسهموا في مؤامرة ، وسريان الفكرة إلى بلاد الشام والمغرب فضلاً عن تركياً ، والنتائج الواقعية لها .

v الباب الخامس : حكم العلمانية في الإسلام :

وقد رأيت أن يكون هو خاتمة أبواب الرسالة ، وقسمته فصلين :

الأول : فصل تمهيدي بعنوان : هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر ؟ أوضحت فيه الفروق الجوهرية بين الإسلام والنصرانية المحرفة عقيدة وشريعة وتاريخاً وواقعاً ، مما ينفي أي مبرر عقلى لاسترداد هذا المذهب المنحرف .

الثاني : حكم العلمانية في الإسلام : بينت فيه حكم العلمانية على ضوء أصول العقيدة الإسلامية والمدلول الحقيقي لكلمة " لا إله إلا الله " ومفهومي " الطاغوت والعبادة " وخرجت من ذلك بنتيجة هي أن العلمانية تتنافي مع الإسلام من جهتين :

1- كونها حكما بغير ما أنزل الله .

2- كونها شركاً في عبادة الله ، وفصلت القول في ذلك مورداً الأدلة من الآيات والأحاديث ومستشهداً بأقوال علماء السلف .

ومن خلال ذلك ناقشت شبهة التعلم بحرية أداء الشعائر التي تسمح بها بعض الأنظمة العلمانية ، وشبهة قصور الشريعة عن مجاراة التطور الإنساني والإحاطة بجوانب الحياة المعاصرة . والحق أن تضخم حجم الرسالة مع انتهاء المدة المقررة لها قد حالاً دون الإفاضة والتفصيل في بعض الموضوعات – لاسيما ما يتعلق بالواقع الإسلامي المعاصر – كما حالاً دون وضع الفهارس تفصيلاً للأعلام والموضوعات تعين القارئ على الإفادة من الرسالة بصورة أوفي ، أما التعريف بالإعلام فعله يتضح من خلال عرض نظرتاهم وآرائهم بالإضافة إلى الإشارة إلى سنة الوفاة وقد أعرف العلم في الحاشية إذا اقتضى الأمر ذلك .

وكل ما أرجوه هو أن يتقبل الله منى هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وأن ينفع بهذه المحاولة المتواضعة من يسلك هذا الطريق من بعد ، لنصل إلى فكر إسلامي أصيل متكامل .

وإنني إذ أشكر الله تعالى على توفيقه ومنه ، لأشكر من بعده فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وسعادة عميد كلية الشريعة بمكة المكرمة ، وفضيلة المشرف على هذه الرسالة .. وكل من أسهم بجهده المشكور في شئ منها ، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


المؤلف‘

















.*.*. العلمــــــــــــــ تعريف ـــــــــــــــــانية .*.*.

لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة ( Secularism ) في الإنجليزية ، أو (Secularite) بالفرنسية (1) ، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ " العلم " ومشتقاته على الإطلاق .

فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه ( Science ) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة( Scientism ) (2) والنسبة إلى العلم هي ( Scientific ) أو (Scientifique ) في الفرنسية .

ثم إن زيادة الألف والنون غير قياسية في اللغة العربية ، أي في الاسم المنسوب ، وإنما جاءت سماعاً ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم : (روحاني ، وجسماني ، ونوراني ........ ) .

والترجمة الصحيحة للكلمة في الإنجليزية هي ( اللادينية ) أو ( الدنيوية ) لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب ، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين ، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد .

وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف الذي تورده المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة :

تقول دائرة المعارف البريطانية مادة ( Secularim ) : ( هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيهم إلى الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها .)

ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الأخر ، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ ( Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية ، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة .

وظل الاتجاه إلى الـ ( Secularism ) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله ، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية (3) .

ü ويقول قاموس " العالم الجديد " لو بستر ، شرحاً للمادة نفسها :-

1- الروح الدنيوية ، أو الاتجاهات الدنيوية ، ونحو ذلك . وعلى الخصوص : نظام من المبادئ والتطبيقات ( Practices ) يرفض أي شكل من أشكال العبادة.

2- الاعتقاد بأن الدين والشؤون الكنسية لا دخل لها في شئون الدولة وخاصة التربية العامة " (4)

ü ويقول معجم أكسفورد شرحاً لكلمة ( Secular) :

"1- دنيوي ، أو مادي ، ليس دينيا ولا روحيا ً : مثل التربية اللادينية ، الفن أو الموسيقى اللادينية ، السلطة اللادينية ، الحكومة المناقضة للكنيسة .

2- الرأي الذي يقول أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية " (5)

ü ويقول " المعجم الدولي الثالث الجديد " مادة : ( Secularism)

" اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألا تتدخل في الحكومة ، أو استبعاد هذه الاعتبارات استبعادا مقصوداً ، فهي تعنى مثلاً " السياسة اللادينية البحتة في الحكومة "

" وهي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين " (6)

ü ويقول المستشرق " أر برى " في كتابة " الدين في الشرق الأوسط " عن الكلمة نفسها :

" إن المادية العلمية والإنسانية والمذهب الطبيعي والوضعية كلها أشكال اللادينية ، واللادينية صفة مميزة لأوربا وأمريكا ، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط فإنها لم تتخذ أي صيغة فلسفية أو أدبية محددة ، والنموذج الرئيسي لها هو فصل الدين على الدولة في الجمهورية التركية " (7)

ü والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو " فصل الدين عن الدولة " ، وهو في الحقيقة لا يعطى المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة ، ولو قيل أنها " فصل الدين عن الحياة " لكان أصوب ، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية " إقامة الحياة على غير الدين " سواء بالنسبة للأمة أو للفرد ، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود : فبعضها تسمح به ، كالجماعات الديمقراطية الليبرالية ، وتسمى منهجها ( العلمانية المعتدلة – Non Religious ) أي أنها مجتمعات لا دينية ولكنها غير معادية للدين وذلك مقابل ما يسمى ( العلمانية المتطرفة – Anti Religious ) ، أي المضادة للدين ، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها .

وبديهي أنه بالنسبة للإسلام لا فرق بين مسلمين ، فكل ما ليس دينيا من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين ، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما (8)
















>> البــــــــ الأول ــــــــاب <<

دين أوربا أو النصــــــــــــــــرانية بين التحريف والإبـــــــــــــــــــــــداع

>> .*.*. <<

محتويات

<< .. الفصل الأول .. >>

.*.*. التحــــــــــــــــــريـــــــــــــف .*.*.

أولا : تحـــــــــــــ العقيدة ـــــــــــريف

ثانيا : تحـــــــــــــ الشريعة ــــــــــــــــــريف

.*.*.*.*.*.

<< .. الفصل الأول .. >>

// == التحـــــــــــــــــريف == //

>><<












.*.*.*. مقـــــــــــــــــــــــــــدمـــــــــــــــــــ ــــــــــة .*.*.*.

عرفت أوربا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية ،كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري على أنها تعاليم مثالية صارمة ، ولم يأل أباطرة الرومان جهداً في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم ، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى ،ولكن أسباباً تاريخية –لا مجال لبحثها الآن –أدت إلى اعتناق الإمبراطور "قسطنطين" للدين الجديد ودعوته لعقد أول مجمع مسكوني مسيحي هو مجمع نيقية سنة 325 ، الذي أعلنت المسيحية على أثره عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية .

وقد حظي الدين الجديد بإقبال فائق وجاذبية شديدة من قبل شعوب الإمبراطورية ،مما حدا بالمؤرخين(1) إلى تعليل ذلك بأسباب شتى نختار منها ما ذهب إليه باحث أميركي معاصر :

1-العنصر التوفيقي:فإنك قد تجد في روايات الألغاز الإغريقية ، وفي قصة إيزيس ، وقصة مترا ، وفي اليهودية ، وفي العقائد الأخرى آنذاك: نماذج لكل ما اعتقد فيه المسيحيون كطقوس الطهارة ، والإله الذي يموت ثم يبعث ،والعذراء التي تحمل(2) ،ويوم الحساب وحفلات الربيع وحفلات الانقلاب الشتوي والشياطين والقديسين والملائكة .

2-إن المسيحية بما وعدت من خلاص في عالم آخر لتعويض ما في هذه الدنيا من فقر وظلم وآلام ، أثبتت أنها عقيدة شديدة الجاذبية للامة في الإمبراطورية المتداعية ، إذ يرون فيها طريقاً خلاباً للهروب من عالم لا يحبونه، وإذن فقولنا إن المسيحية ديانة الضعفاء والبسطاء والمظلومين قول صادق والأناجيل مصرحة بذلك .

3-إن القواعد الدينية للمسيحية بلغت درجة من التعقيد تكفي لان تجتذب رجالاً من ذوي الميول الفلسفية ،وإذن فإن عوامل النصر النهائي للمسيحية قواعدها الدينية التي اتحدت في نهاية القرن الثاني إتحاداً قوياً بالتقاليد الفكرية الإغريقية. 4- رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى والاضطهاد عندما يبلغ درجة معينة يقوي الفئة المضطهدة ، ويدفع المضطهدين إلى وحدة أشد تماسكاً وأكثر نظاماً(3).

5- يضاف إلى ذلك عامل سياسي مهم وهو حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة .

وعلى أية حال ،فقد دانت أوروبا بالمسيحية منذ سنة 325 وما زال العالم الغربي إلى اليوم يعتقد أنه عالم مسيحي ، أو على الأقل كان كذلك يوماً من الأيام … لكن السؤال المهم هنا هو : هل هذه الديانة المعتنقة هي الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على عبده المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ؟

وبتعبير آخر :هل دانت أوروبا بالدين الحق لله تعالى وعبدته حق عبادته وعرفته معرفة صحيحة في أي مرحلة من مراحل تاريخها ؟

إن أي مؤرخ أو باحث يلقي نظرة سريعة فاحصة على الحقبة التي شهدت ميلاد الدين النصراني ، سيرى أن منطقة حوض البحر الأبيض كانت تموج بعقائد وأفكار متباينة نذكر منها :

1-الديانة اليهودية :وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل ، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس ،وموطنها فلسطين ،حيث ولد المسيح وأرسل.

2-العقيدة المترائية :وهي عقيدة وثنية قديمة قوامها الكاهن والمذبح ،ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان (4) .

3-الأفلاطونية الحديثة :وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر : ü المنشئ الأزلي الأول . ü العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه . ü جميـع الأرواح والـذي يتصـل بالمنشـئ الأول عن طريق العقل (5).وكان موطنها الإسكندرية .

4-الوثنية المصرية :ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة : ü حورس،الذي كان ابنتاً لسيراييس . ü سيراييس ،الذي هو في الوقت نفسه حورس . ü إيزيس ،والدة حورس (6) .

5-الوثنية الرومانية:ديانة الإمبراطورية الرسمية ،ومن مبادئها : ü التثليث : (جوبيتر ،مارس ،كورنيوس ) . ü عبادة الإمبراطور ،إذ كان الأباطرة يدعون الربوبية ، و"كان تأليه الحاكم تقليداً هلنستياً " (7). ü تقديس الصور والتماثيل وعبادتها(8) .

6-أفكار فلسفية :من أهمها الفلسفة الرواقية ،التي تعني من الوجهة العملية :الانقطاع عن الدنيا وتعد إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة ،مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني (9) .



ولو أننا حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم : 1-الإيمان بالتوراة اليهودية . 2-اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس . 3-التثليث . 4-الحلول (تجسد الإله في شكل بشري ). 5-تقديس الصور والتماثيل . 6-الهروب من الحياة "الرهبانية" .

ومن أول نظرة نلقيها على هذه الدعائم الست نرى أنها هي بعينها دعائم الدين النصراني الكنسي ولب تعاليمه التي سيطرت على الفكر الأوروبي ردحاً طويلاً من الزمن ،وقد يدهش المرء لهذه النتيجة –رغم تسليمه بصحتها – ويتساءل :أيمكن أن يتحول دين سماوي خالص إلى مزيج مركب من خرافات ووثنيات متضاربة ؟وأعجب منه :كيف احتفظت المسيحية باسمها ونسبتها وهي على هذه الحال ؟

إن الكثير من مؤرخي الفكر الغربي قد تخلصوا من الإجابة على مثل هذه التساؤلات بتقسيمهم الدين النصراني قسمين متباينين لا رابط بينهما سوى النسبة للمسيح :

1-المسيحية الأصلية ،أو "مسيحية يسوع ".

2-المسيحية الرسمية ،أو "مسيحية بولي" . ويعنون بهذه العقيدة التي نشرتها الكنيسة ابتداء من سنة (325) وهي المزيج المشار إلى مركباته آنفاً. يقول برنتن : " إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية – العقيدة الرسمية – في أعظم إمبراطورية في العالم مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل ،ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب ،بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً " (10) .

أما المؤرخ الإنجليزي ويلز ، فيقول : "من الضروري أن نستلفت نظر القارئ إلى الفروق العميقة بين مسيحية نيقيا التامة التطور وبين تعاليم يسوع الناصري …فمن الواضح تماماً أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين ،وهي لم تكن كهنوتية ولم يكن لها معبد مقدس حسباً عليها ولا هيكل ،ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس ،وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً " ،وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ ،وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة .بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين ،وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل – كنواة لها – كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين ،وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة ،والعمل الجوهري في العبادة فيها هو القربان الذي يقر به قديس متكرس للقداس ، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة ، ولئن اتشحت المسيحية بأردية خارجية تشابه نحل سيراييس أو آمون أو بعل مردك مشابهة غير عادية فلا بد لنا أن نذكر أنه حتى كهانتها نفسها كانت مظاهر جديرة بأعيانها " .

"ولقد بلغ من جرأة الكتاب المتشككين أن أنكروا إمكان أن يسمى يسوع مسيحياً على الإطلاق " (11) .

وإذا كان هذا هو رأي العلماء الباحثين فإن من المفيد أن نعرف رأي رجال الكنيسة في هذا الأمر ، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الدكتور "وليام تامبل " أسقف كنيسة كنتربري وحبر ـحبار إنجلترا ، حيث يقول :

"إن من الخطأ الفاحش أن نظن أن الله وحده هو الذي يقدم الديانة أو القسط الأكبر منها " (12) . وليس هذا الكلام فلتة من الحبر الكبير ، أو سهواً غير مقصود ، وإنما هو تعبير صريح صادق عن عقيدة الكنيسة وواقع تاريخها .

وعلى ضوء هذه الآراء نستطيع أن نعرف ما إذا كانت أوربا قد اعتنقت النصرانية الحقة الموحاة من الله ، أو اعتنقت المركب الذي صنعه أجداد الدكتور تامبل من آباء الكنيسة الأولين ،واستخرجوه من العقائد السائدة في عصرهم آنذاك .

إن من الحقائق المقررة أن الكنيسة قد ارتكبت سلسلة من الأخطاء الشنيعة ،يكفي أحدها لنزع الثقة منها بصفة نهائية ، وإن أحداً من أعداء المسيح عليه السلام لم يسيء إليه وإلى تعاليمه النبوية كما أساءت الكنيسة التي تتبجح بالانتساب إليه ،وتزعم أنها الحارس الأمين على مبادئه والممثل الشرعي له ، ولقد كان "ليكونت دى نوى " صادقاً عندما قال : "إن ما أضافه الإنسان إلى الديانة المسيحية ،والتفسيرات التي قدمها ،والتي ابتدأت منذ القرن الثالث بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالحقائق العلمية ، كل ذلك قدم للماديين والملحدين أقوى الدلائل المعاضدة في كفاحهم ضد الدين " (13) .

هذا ،وليس من أهدافنا في هذا البحث التهجم على الكنيسة وفضح تصرفاتها ولا كذلك تبرير التمرد الذي أعلنته أوربا على خالقها في أثناء ثورتها على طغيان الكنيسة ،لكن هدفنا هو الحقيقة التي هي ضالة المؤمن ،لا سيما وان القضية قضية إنسانية عامة ، تعدت نطاق أوروبا إلى العالم كله ،وصلينا –نحن المسلمين خاصة – نيران آثارها السيئة منذ الحروب الصليبية ،بل منذ ظهور الإسلام إلى اليوم . وعلى هذا الأساس سنستعرض موضوع تحريف المسيحية عقيدة وشريعة معتمدين أساساً على الباحثين النصارى أنفسهم وعلى المصادر الكنسية .


>><<


.*.*. >> أولاً :تحـــــــــــــــريف العقيـــــــــــــــــــــــدة << .*.*. >><< أ. قضيــــــــــــــة الألوهيـــــــــــــــة :

إن قضية الألوهية لتأتي في طليعة المعضلات الفلسفية العريضة التي شغلت أذهان الفلاسفة والمفكرين قروناً طويلة ، لا سيما ما يتعلق بتصور الإله وصفاته ، حيث تفاوتت التصورات المنحرفة ،فأوغل بعضها في التجريد حتى وصل إلى درجة المعميات والألغاز المبهمة ، وسفل بعضها في التجسيم حتى هبط إلى مستوى الجمادات والمخلوقات التافهة ، وقد كانت البشرية في غنى عن هذا التخبط والضلال لولا أنها ضيقت على نفسها وحاولت بلوغ الحقيقة من غير طريقها ،ولم تكن بحاجة إلى الخوض في هذه القضية بتاتاً لو أنها استلهمت الفطرة الكامنة في أعماقها واستقت معرفتها بالله من طريق الوحي الإلهي نفسه ،واستبدلت بتخرصات الفلاسفة وتحريفات الكهان تعاليم الأنبياء ،عليهم الصلاة والسلام .

ولو جاز أن نتلمس عذراً لأحد من التائهين في هذه القضية ،لالتمسناه للأمم التي انقطع عنها الوحي فترات طويلة ، أو للذين لم تقع أعينهم على شيء من آثار الأنبياء ، أما إذا كان المتخبطون ممن يستطيعون أن ينعموا بنور الحقيقة لكنهم آثروا عليه الإدلاج في الظلمات ،فما عذرهم حينئذ ؟

لكم تكون الخسارة فادحة لو أن عالماً من جهابذة الطب كتب أروع بحث علمي في فنه وأوصى خادمه بحفظه ،لكن الخادم عبث به فقدم وأخر وشطب وأضاف حتى حوله إلى خزعبلات سخيفة ..فكيف إذا كان موضوع العبث هو الوحي الإلهي الذي لا تستقيم بغيره حياة ولا تصلح بسواه دنيا ولا آخره ؟ إن المسيح-عليه السلام- قد بعث في بيئة بركام هائل من الخرافات والوثنيات – ذكرنا بعضها قريباً – وجاء كأي نبي مرسل لينقذ قومه من هذا الركام ويهديهم إلى التوحيد الذي دعا إليه سلفه من الأنبياء ،ولا شك أنه قام بمهمته خير قيام ،وكان عليهم شهيداً ما دام فيهم فلما توفاه الله حدث من أتباعه ما لم يكن في الحسبان من تحريف ونكوص .

وعملية التحريف التي استغرقت زهاء عشرة قرون –بل نستطيع أن نقول أنها لم تتوقف حتى الآن – بدأت مبكرة حين كان الحواريون لا يزالون على قيد الحياة ، كما أنها ابتدأت بموضوع ليس بالهين ، وهو القول بأن للمسيح طبيعة إلهية ، مع أن سيدنا عيسى عليه السلام – كما تعترف دائرة المعارف البريطانية –"لم تصدر عنه أي دعوى تفيد أنه من عنصر إلهي أو من عنصر أعلى من العنصر الإنساني المشترك " (1) .

وتتفق المصادر التاريخية – فيما نعلم – على أن اليد الطولي في التحريف كانت لمبشر من أتباع الحواريين ،تسمية المسيحية المحرفة "بولس الرسول " ، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة ، مدعياً أنه "ابن الله " (2) - تعالى عن ذلك – وكانت هذه الدعوى البذرة الأولى للتثليث .

>> بـــولــس <<

الاسم الأصلي لبولس هو "شاؤل" وهو كما يبدو من سيرته شخصية تآمرية ذات عبقرية عقائدية ،ويظهر أنه كان ينفذ تعاليم المحكمة اليهودية العليا "سانهدرين " ،حيث كان أستاذه عمانوئيل أحد أعضائها(3)

وقد اشتهر أول حياته باضطهاد المسيحيين (4) .ثم تحول فجأة ليصبح الشخصية المسيحية الأولى والقطب الكنسي الأعظم ،ومنذ ظهوره إلى الآن لم يحظ أحد في تاريخ الكنيسة بمثل ما حظي به من التقديس والإجلال ، إلا أن "أحرار المفكرين " الأوربيين لم يخفوا عداوتهم له ، حتى أن الكاتب الإنجليزى "بنتام"ألف كتاباً أسماه "يسوع لا بولس " ..ومثله "غوستاف لو بون " في حياة الحقائق " . أما المؤرخ "ويلز " وهو من المعتدلين – فقد عقد فصلاً بعنوان "مبادئ أضيفت إلى تعاليم يسوع " ،قال فيه :

"وظهر للوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من النقاد العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية ،وهو شاؤل الطرسوسي ، أو بولس ، والراجح أنه كان يهودي المولد وإن كان بعض الكتاب ينكرون ذلك ! ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود ، بيد أنه كان متبحراً في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية …وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهيلنستية ، وبأساليب الرواقيين بيسوع الناصري بزمن طويل ..ومن الراجح جداً أنه تأثر بالمثرائية ، إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المترائية ،ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعاً بفكرة لا تبدو قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم ، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قرباناً لله كفارة عن الخطيئة .فما بشر به يسوع كان ميلاداً جديداً للروح الإنسانية أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة ،ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء طلباً لاسترضاء الإله " .

" ..ولم ير بولس يسوع قط ، ولا بد أنه استقى معرفته بيسوع وتعاليمه سماعاً من التلاميذ الأصليين ، ومن الجلي أنه أدرك الشيء الكثير من روح يسوع ومبدأه الخاص بالميلاد الجديد ، بيد أنه أدخل هذه الفكرة في صرح نظام لاهوتي ، ذلك بأنه وجد الناصريين ولهم روح ورجاء وتركهم مسيحيين لديهم بداية عقيدة ؟ (6)

ولندع الآن كل التأثيرات والثقافات التي عرفها بولس ، باستثناء واحدة منها هي "لا هوتيات الإسكندرية" التي كان متبحراً فيها ، ومعلوم أن هذه اللاهوتيات هي المدرسة الفلسفية المسماة "الأفلاطونية الحديثة " التي أشرنا سابقاً إلى عقيدتها الثالوثية ،وعنها نقل بولس فكرة التثليث "يضاهئون قول الذين كفروا من قبل " والتعديل الذي أدخله على الأفلاطونية شكلي فقط :فالمنشئ الأزلي الأول فيها يقابله عنده الله "الأب" والعقل المتولد عن المنشئ الأول يقابله عنده يسوع "الابن " ، والروح الكلي يقابله "روح القدس " . ثم أنه سار شوطاً أبعد من ذلك ،فاستعار من المثرائية فكرة الخلاص . وجعل القربان الضحية هو الأقنوم الثاني "الابن" . ثم إن الكنيسة أكملت المسيرة فأضافت إلى فكرة الخلاص فكرة تقديس الخشبة التي صلب عليه المخلص ، وهكذا "تتابعت البدع واحدة في أثر الأخرى ، وكان نتيجة ذلك أن دفنت التعاليم الأصلية بطريقة تكاد تكون غير محسوسة تحت تلك الإضافات المألوفة "(6) بهذه الطريقة ،وبغض النظر عن الأهداف والدوافع الخفية ، هدم بولس عقيدة التوحيد وأوقع أتباع المسيح فيما كان قد حذرهم منه أبلغ تحذير . واكتسبت تعاليم بولس الصفة الشرعية المطلقة بقيام أحد أتباعه بكتابة الإنجيل الرابع المنسوب إلى يوحنا الحواري ، والذي قال عنه جيبون أنه : "فسر نظرية الكون الأفلاطونية تفسيراً مسيحياً وأظهر أن يسوع المسيح هو الكيان الذي تجسد فيه "الكلمة " أو العقل الذي تحدث عنه أفلاطون والذي كان مع الله منذ البدء (7) .

على أنه من الإنصاف أن نذكر أن الثلاثة القرون الأول التي تسميها الكنيسة "عصر الهرطقة " شهدت صراعاً محتدماً بين أتباع بولس واثانسيوس ، وبين منكرة التثليث وعلى رأسهم "آريوس" ، ولم يكتب النصر النهائي للثالوثيين إلا في مجمع نيقية ، مع انهم كانوا أقلية فيه .

يقول برنتن : "وقد امتدت هذه الهرطقات فشملت الجانب الأكبر من السلوك والعقائد ، ونستطيع أن نأخذ الجدل النهائي الذي ثار حول العلاقة بين يسوع والإله الواحد – الإله الأب – مثلاً لعصر الهرطقة كله ، وأخيراً قبلت المسيحية الرسمية في عام 325 في مجلس نيقية بالقرب من القسطنطينية عقيدة التثليث أو ما نادى به أثانسيوس ، والثالوث "الله الأب ، ويسوع الابن ، والروح القدس ، طبقاً لهذه العقيدة : أشخاص حقيقيين ، عددهم ثلاثة لكنهم واحد أيضا ، وبقيت المسيحية وحدانية تثليثها يسمو في الرياضيات (8) . وهنا ، عند هذه النقطة خاصة تصطدم أراء بولس وكنيسته بالفطرة والعقل اصطدما مباشراً ، فمهما حاول أي عقل بشرى أن يتصور أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة فإنه لا يستطيع إطلاقاً ، مع أن الملايين من أتباع الكنيسة يقولون في كل صلاة " باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد " .

لقد ظل العقل البشرى يلح على الكنيسة أن تعطيه إجابة مقنعة يتخلص بها من سؤال داخلى قاتل وهو : كيف أصدق أن 1 + 1 + 1 = 1 ؟ فكان رد الكنيسة المتكرر دائما هو أن ذلك " سر " لا يستطيع العقل إدراكه .

هكذا كان رأى القديس أوغسطين (430) وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي ، وقال أن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه " لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشرى (9) . كذلك القديس توما الأكويني ( + 1274 ) ، فهو " يقرر أن الحقائق التي يقدمها الإيمان لا يقوى العقل على التدليل عليها ، ففي استطاعة العقل أن يتصور ماهية الله ( Essence ) ، ولكنه لا يستطيع أن يدرك تثليث الأقانيم ومن دلل على عقيدة التثليث في الأقانيم حقر من شأن الإيمان ) (10) وهكذا كان رأى الكنيسة وهي تواجه انتقادات " أبيلارد " في القرن الثاني عشر الميلادى الذي أدان رأى أبيلارد وقرر إحراق كتابه وأن يضعه بيده في النار (11) ولا يزال هذا هو رأى الكنيسة وإلا فماذا في إمكانها أن تقول غير ذلك ؟ حتى الكنائس الشرقية تذهب إلى هذا الرأي ، فالقس باسيلوس يقول : " أن هذا التعليم عن التلثيث فوق إدراكنا ، ولكن عدم إدراكه لا يبطله " .. وزميله توفيق جيد يقول : " إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس تعتبر أعماقا الهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها أو تحليلها أو أن نلصق بها أفكارنا من عندياتنا" (12) .

من هذه الإجابات يتضح أن الكنيسة لم تضع حلاً للمشكلة إلا المشكلة نفسها ، فالعقل يسأل الكنيسة عن سر التثليث فتجيب بأن هذا " سر " وياليت أنه كان السر الوحيد ، ولقائل أن يقول : أن الأديان بما فيها الإسلام لا تخلو من مغيبات أو حقائق لا يستطيع العقل إدراكها ولكن يدفع هذا القول أن هناك فرقا بين ما يحكم العقل باستحالته كالتثليث وبين ما لا يستطيع العقل إدراكه ، والإسلام ، وإن كان فيه الأخير ، فإنه يخلو تماماً من الأول ، فليس فيه ما يحكم العقل باستحالته أبداً (13)

إن الكنيسة ، بتبنها لعقيدة التثليث ، قد فتحت على نفسها ثغرة واسعة يستطيع أعداؤها أن ينفذوا من خلالها إلى هدم الدين البوليسي الكنسي بسهولة ، وكانت هذه العقيدة واضرابها المقومات الأساسية للفكر الديني الذي تستر بستار " النقد التاريخى للكتب المقدسة " ابتداء من القرن السابع عشر ، ولا بأس هنا أن نورد قول أحد أقطاب هذا الفكر وهو الفيلسوف " رينان " الذي حرمته الكنيسة وحظرت كتبه :

" أنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي ، كما كان يفهمه هو ، أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح ، بل حمله على محمل أخر ثم مزجه بكثير من تقاليد الفرنسيين وتعاليم العهد القديم ، وبولس ، كما لا يخفي ، كان رسولاً للأمم أو رسول الجدال والمنازعات الدينية ، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره ، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده ، ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس ، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية ، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها ابتداء العالم وآخرها في عصرنا الحالي والمستمسكة بها جميع الكنائس ، وأن أولئك الشراح والمفسرين يدعون يسوع الهاً دون أن يقيموا على ذلك الحجة ، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار : موسى ، الزبور ، وأعمال الرسل ورسائلهم وتآليف أباء الكنيسة ، مع أن تلك الأقوال لا تدل على أن المسيح هو الله) (14) .

وإذا كان التثليث يتصف بهذه الصور العقيمة المستغلقة ، وإذا كانت الكنيسة تعلم انها لم تستطع ، حلّ هذه المعضلة _ بل إنها غير مقنعة في نفسها بما تقدم من حلول – فلم هذا الإصرار على تلك العقيدة ؟ أهو التقليد الأعمى أم شهوة التسلط على العقول والقلوب ؟ إن أحد هذين أو كليهما ، لا مرية فيه ولكن الكنيسة تمارى . زاعمة أنها تتبع روايات العهد الجديد وشروحها .

وهنا نجد مرة ثانية ، أن الكنيسة تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها ، فإن منكرى التثليث إنما ينكرونه لاعتقادهم أن الكنيسة هي التي أضافته إلى نصوص الأناجيل أو فهمته خطأ من ثناياها ، وحينئذ تحتاج الكنيسة إلى إثبات صحة استدلالها منها ، وأنى لها ذلك .

أما احتجاج منكري التثليث على الكنيسة بأنها أقحمت العبارات الدالة على التثليث في صلب الأناجيل فإن له ما يسوغه وهذا أحد الأمثلة عليه : في الفصل الخامس من رسالة يوحنا الأولى نجد هذه العبارات : " إن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة : الأب ، والكلمة ، والروح القدس . وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة : الروح ، والماء ، والدم. والثلاثة هم في الواحد " فالمحققون من علماء النصارى أمثال كريسباخ وشولز وآدم كلارك ، وحتى المتعصبين مثل هورن ، يرجحون أن أصل العبارة هكذا : " وأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم الروح والماء والدم " وغير أن معتقدي التثليث أضافوا إليها عبارة " هم في السماء ثلاثة … الخ " حتى أصبحت العبارة بهذه الإضافة دليلاً من أدلة الكنيسة على التثليث ومما يؤيد قول هؤلاء أن المصلح الكنسي " مارتن لوثر " لم يترجم هذه العبارة إلى الألمانية عندما ترجم العهد الجديد إليها (15) . وأما اعتقادهم أن الكنيسة فهمت التثليث خطأ من نصوص الكتب المقدسة واستنبطته من تأويل بعض عبارات الأناجيل القائلة " أبي " : " ابن الله " وأشباهها ، فليس بأقل من سابقة ، وقد نبه إلى ذلك جرين برنتن ، فقال

" يستطيع المرء إذا أخذ بالتفسير الطبيعي لمصادر العهد الجديد أن يزعم أن يسوع لم يدع لنفسه الألوهية قط ، وأن مثل هذه العبارات ( أي أبي وابن الله ) إنما رويت محرفة أو استعملت مجازاً أو كانت هذا أو ذاك (16).

ومن اليسير علينا تأييد هذا الرأي بما ورد في الأناجيل والرسائل من إشراك سائر الناس مع المسيح في إطلاق هذه العبارات عليهم وعدم اختصاصه بهذه الصفات جاء ذلك في مواضع كثيرة ، منها :

1. " كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله ، وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا ، بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله" (17) . 2. في إنجيل متى يقول المسيح : " طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون " (18) . 3. وفيه أيضا يقول المسي للتلاميذ : " صلوا أنتم هكذا أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك .." 4. يقول في إنجيل لوقا : " ومن اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله "(19) 5. وفي متى عنه : " أن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته ".

هكذا نجد في العهد الجديد نصوصاً كثيرة تصف الناس جميعا – المسيح وغيره – بأنهم أبناء الله ، وهو معنى مجازى قطعاً ، وتصف المسيح بأنه " ابن الإنسان " ويمكن درء التعارض بينها بشأن المسيح برد نصوص المجاز إلى الحقيقة لأنها هي الأصل ، وبذلك لا يكون للمسيح عليه السلام أية ميزة ، عدا كونه رسولاً ، إلا أن القدرة الإلهية خلقته من أم ( بلا أب ) .

ولكن الكنيسة تماري في هذه الحقيقة الساطعة مستدلة بالأناجيل ، لاسيما إنجيل يوحنا مما يجعل الباحث ينقب عن حقيقة الأناجيل ذاتها ومدى حجيتها على هذه القصة وغيرها (20)

ب . تحريـــــــــــــــف الأناجيــــــــــل :

ليس ثمة شك في أن الله تبارك وتعالى إنما أنزل على المسيح عليه السلام إنجيلا واحداً مكملاً للتوراة المنزلة على موسى عليه السلام ، وما من شك أيضا في أن المسيح حين هتف ببنى إسرائيل : " قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتربوا وآمنوا بالإنجيل (21) ، وإنما كان يعنى ذلك الإنجيل المنزل ، لا شيئا آخر سواه .

والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه بنفسه ( إنا نحن نزلنا الذكر وآنا له لحافظون) " 15-9 " . أما الكتب السابقة فقد وكل حفظها إلى علماء دينها . (( إنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله )) " 65 – 44 " إذن فقد كان في عهدة الكنيسة أن تحفظ هذا الإنجيل بنصه السماوي وصبغته الإلهية، فلا يمسه عبث عابث ، ولا يجترئ عليه يد محرف ، لكن الكنيسة – كعادتها _ فرطت في واجبها ، بل إنها هي التي فتحت للمعرضين باب التحريف والقول على الله بغير علم .

إن محرري دائرة المعارف البريطانية ، وهو من ذوى الكفاءات العالية في معظم التخصصات – ومنها اللاهوت – لم يتطرفوا أو يبالغوا في القول بأنه " لم يبق من أعمال السيد المسيح شئ ولا كلمة واحدة مكتوبة " (22) ، بما إنما عبروا بذلك عما ينبغي أن يقرره الباحث العلمي المدقق .

ونحن المسلمين نؤمن بأن في خبايا الأناجيل شيئا من أقوال المسيح وتعاليمه التي يحتمل أنها وحى من الله ، لكن ذلك لم يثبت لدينا بسند تاريخى موثوق إلى المسيح ، وإنما آمنا به لأننا لو عرضناه على الوحى الإلهي المحفوظ " القرآن " والسنة ، لوجدنا الصلة بينهما واضحة أما من لا يؤمن بالقرآن ولا يعترف إلا بحقائق البحث المجرد فليس غريباً أن ينكر الأناجيل برمتها مثل قولة دائرة المعارف البريطانية هذه .

ولندع رأى المعاصرين ولنعد إلى القرن الأول الميلادي حيث احتمال وجود الإنجيل أقوى وأرجح ، فماذا نجد ؟ يقول آدم كلارك أحد شارحي الأناجيل :

" محقق أن الأناجيل الكثرة الكاذبة رائجة في أول القرون المسيحية وكثرة هذه الأحوال الغير صحيحة (كذا) هيجت لوقا على تحرير الإنجيل ، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية ، وكان " فابرى سيوس " جمع الأناجيل وطبعها في ثلاث مجلدات" (23) هكذا قفز العدد من واحد إلى سبعين ، و المسيحية لا تزال في مهدها ، مما دفع لوقا إلى كتابة إنجيله ، فأي هذه الأناجيل يا ترى الإنجيل الحقيقي الموحى إلى المسيح ما دمنا مسلمين بأن الله لم ينزل إليه إلا إنجيلاً واحداً ؟

إن لوقا نفسه ليفسح لنا الطريق إلى الحقيقة النيرة التي تهدم الأناجيل كلها – ومنها إنجيله – وها هي ذي مقدمة إنجيله تنطق بها .

يقول لوقا في المقدمة : " إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتبقية عندنا كلما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة ، رأيت أنا أيضا ، إذ قد تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق ، أن أكتب إليك على التوالى أيها العزيز تاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " (24) وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيله الصادق وحي من الله ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح ، بل الكل سير وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته كما سمعوها من أسلافهم الذي رأوا المسيح وخدموه ، ولو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسى غوستاف لوبون لقلنا عن الأناجيل :

" هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها (25) . إن أشبه الكتب الإسلامية بالأناجيل ، من جهة موضوعها لا من جهة ثبوتها ، هي كتب السيرة … فهل يمكن بأى حال من الأحوال القول بأن سيرة ابن هشام مثلاً وحي منزل من الله ؟ إن هذا لمحال شرعاً وعقلاً ، فكيف وسيرة ابن هشام مقطوع بنسبتها إلى مؤلفها ومتصلة السند بصاحب السيرة صلى الله عليه وسلم ومحفوظة بأصلها العربي ، لم تتناولها الترجمات ، كما هو الحال في الأناجيل ، كما أنها لم تفرض بسلطة قانونية أو كهنوتية وإنما أقرها البحث والتدقيق ، وكم من علماء مسلمين بلغوا ذروة العبادة والورع لا يعتد الباحثون المسلمون من رواياتهم بشيء لأن شروط التحقيق العلمي لم تتوفر فيهم ، أما الكنيسة فلا يكاد راهب ينقطع في صومعة أو عابد يتظاهر بحب المسيح حتى نقول " أنه مملوء بالروح القدس " وتمنحه لقب " رسول " أو "قديس" ، وتعد كلامه وحياً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

ولذلك فليس غريباً أن يكون لدى الكنيسة مائة وعشرون رسولاً (26) يؤخذ كلامهم – على علاته – قضايا مسلمة وتقديس رسائلهم ، كما تقدس الأناجيل .

تلك حصيلة المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى : سبعون إنجيلاً يكذب بعضهم بعضاً ، ومائة وعشرون رسولاً ، منهم من ألف أناجيل ، ومنهم من كتب رسائل ، ومنهم من كان يكرز ( يعظ ) من حفظ ومعلوماته … وطوائف وفرق تجل عن الحصر تختلف في قضايا أساسية بالغة الأهمية ، وكان عام 325 يمثل معلما من معالم التاريخ البارزة ، ففيه عقد مجمع نيقية الذي ابتدئت به صفحة جديدة في تاريخ الديانات العاملة . وأن هذا المجمع ليستحق أن يقف عنده المرء طويلاً . أن أي مجمع أو مؤتمر يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة – لاسيما إذا كان دينيا – ومن أوجب هذه الشروط . 1- حرية البحث والمناظرة ، سواء في جدول أعماله أو صيغة قراراته ، فلا تكون هنالك سلطة قاهرية تفرض على المجتمعين موضوعاً أو قراراً بعينه مما كانت . 2- نزاهة القصد وروح التفاهم ، بأن يكون الوصول للحق هدفاً مشتركاً بين المجتمعين بدون تعصب أو إصرار 3- اتخاذ قرارات سائغة ومنطقية مع اعتراف مقرريها بأنها عرضة للخطأ والصواب وقابلة للنقاش ، وإلا جاز اتهامهم بالاستبداد الفكرى .

وهذه الشروط – مع الأسف – مفقودة كلياً في هذا المجمع " المقدس " : فأولا :- لم يكن سبب انعقاده ذاتيا نابعاً مع الأساقفة أنفسهم ، بل إن الإمبراطور الرومانى " قسطنطين " هو الذي دعا إلى انعقاده وهو رجل وثنى ظل وثنيا إلى أن عمد وهو على فراش الموت (27) .

ثانيا :- حضر المجمع ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة والأساقفة يمثلون مذاهب وشيعاً متناحرة ، أبرزها فرقتان : 1- الموحدين ، كما يدعون ، أتباع آريوس ، وكان عددهم يقارب سبعمائة عضو . 2- الثالوثيون ، أتباع بولس ، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة وثمانية عشر عضواً . ومعلوم أو وثنية قسطنطين ثالوثية ، وهذه في حد ذاتها تمثل قوة معنوية للثالثوثيين ، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنه جمع الثلاثمئة وثمانية عشر أسقفاً في مجلس خاص وجلس في وسطهم وأخذ خاتمة وسيفه وسلمه إليهم ، وقال : " قد سلطتكم اليوم على مملكتى .. "

ثالثا :- لم تكتف قرارات الجمع بالتحيز لقسطنطين ودعاة التثليث ، بل لعنت وحرمت من يخالف هذه القرارات ، والحرمان عقوبة لها حجمها الكبير في المسيحية ((28) .

وأبرز قرارات المجمع القرار الذي اتخذه بشأن الأناجيل ، وهو أن الأناجيل المعتمدة الصحيحة هي الأناجيل الأربعة المنسوبة لـ ( متى ، لوقا ، مرقص ، يوحنا ) وأما ما عداها فمزيف مكذب تحرم قراءته ويجب حرقه وإبادته . وهذا بلا شك قرار جائر بحق الدين والتاريخ ، ويستطيع المرء أن يحمل المجمع ، أو هذا القرار خاصة ، مسؤولية ضياع النسخة الأصلية من الإنجيل المنزل ، لاسيما وأن الناظر إلى هذه الأناجيل يجد بينها من التضاد الشكلي والموضوعى ما يؤكد أنها ليست وحياً ، بل ليست سيرة صادقة للمسيح عليه السلام .

إن اختيار أربعة مؤلفات من بين سبعين مؤلفا مع عدم إبداء أسباب تبرر ذلك ، لهو إجراء قسرى ، يعبر عن روح الرعونة والصلف اللذين لم ينفكا عن الكنيسة في أية حقبة من تاريخها ، ولذلك فليس عجيباً أن يعاملها العاقون من أبنائها بمثل ذلك التطرف والغلو ، وليت الأمر اقتصر على هذا ، لكن الكنيسة لم تحفظ الأناجيل الأربعة نفسها من التحريف بعد أن فرضتها على أتباعها ، وكان للأباطرة دخل في هذا التحريف ، ولا لوم عليهم فإنما قلدوا الكنيسة في ذلك . يقول " لاندر " أحد مفسري الأناجيل : " حكم على الأناجيل المقدسة جهالة مصنفها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيوس في الأيام التي كان فيها " مسالة " حاكماً في القسطنطينية فصححت مرة أخرى " (29) . وهذا القول اعتراف بالغ الخطورة ، فهو يقرر ثلاث حقائق تاريخية : 1- أن مؤلفي الأناجيل مجهولون ، وظلوا كذلك حتى القرن الرابع الميلادي . 2- أن لأهواء الحكام وميولهم يداً فيما تعرضت له الأناجيل من تحريف باسم التصحيح . 3- أن التحوير والتعديل ظل يمارس في الأناجيل دون شعور بالحرج ، مما يدل على أنه عادى مألوف ، قد أورد الشيخ " رحمة الله الهندى " خمسة وأربعين شاهداً على التحريف بالزيادة في الأناجيل ، مدعمة بالوثائق والاعترافات ، نختار واحداً منها للتمثيل فقط .

" الآية الثالثة والخمسون من الباب السابع وإحدى عشر آية من الباب الثامن من إنجيل يوحنا إلحاقية ( مضافة) قال هورن في الحاقية هذه الآيات : أرازمس وكالون وبيزا وكروتيس و ……… والآخرون من المصنفين الذين ذكرهم ونفينس وكوجز لا يسلمون صدق هذه الآيات " ثم قال : " كرايز ستم وتهيو فلكت ونونسى كتبوا شروحا على هذا الإنجيل ، فما شرحوا هذه الآيات ، بل ما نقلوها في شروحهم ، وكتب ترتولين وساى برن في باب الزنا والعفة وما تمسكا بهذه الآيات ولو كانت هذه الآيات في نسخها لذكراً أو تمسكا بها يقينا " وقال وارد كتلك : " بعض القدماء اعترض على أول الباب الثامن من إنجيل يوحنا نورتن بأن هذه الآيات إلحاقية يقينا " (30) . فهذه أثنتا عشرة فقرة ، يكاد يكون هناك إجماع على إضافتها وغيرها كثير ، ولا غرابة في ذلك ، فليس لدينا حد فاصل بين كلام الله وكلام البشر ، بل ليس هناك ضابط يعرف به كلام المسيح من كلام غيره ، فالشك وارد على كل فقرة في الأناجيل إلى درجة أن أعظم المتعصبين لها لا يستطيع إقناع الباحث العلمي بسوى ذلك .


.*.*. >> ثانياً :تحـــــــــــــــريف الشريعــــــــــــــــــــة << .*.*. >><<

ü فصل الدين عن الدولة : يحسن بنا قبل الخوض في هذا الموضوع أن نوطئ له بمقدمتين : الأولى : عن الدين في نظر الروم طبيعته والتزاماته . الثانية : عن حالة الشريعة الإنجيلية ومدى تطبيقها في واع الحياة قبل أن يعتنقها الروم رسمياً .

أولاً – الدين في نظر الروم :

نستطيع أن نقول أمن المجتمع الروماني (أي الجنس الأبيض المستعمر ) لم يكن دين موحد يتعبد به ، ولا فلسفة واحدة يؤمن بها ، بل كان غارقاً في دياجير جاهلية كاحلة متعددة الألوان مختلفة الأنحاء ؛ فالطبقة الحاكمة تشارك الشعب في أعياده الوثنية وتخدم تماثيل الآلهة الكثيرة ، بيد أنها لا تدين في الواقع بغير الشهوة العارمة للتسلط والرغبة الجامحة في الاحتفاظ بكرسي المملكة ، لا سيما وأن الإمبراطور نفسه كان ((الهاً )) يعبده الشعب .

أما الطبقة المثقفة فأشتات متفرقة ، منها اتباع المدرسة الرواقية المغلة في التجريد والتصوف ، ومنها مريدو المدرسة الأبيقودية المفرطة في البهيمية والحسيات ، ومدارس أخرى متأثرة بالفلسفات الوثنية الأغريقية في تصوراتها وأفكارها .

وأما الطبقة العامة من الشعب فهي تميل بطبيعتها إلى التدين لكن التناحر بين الآلهة والصراع المرير بين الفلاسفة ، أفقها الثقة في المعتقدات الدينية والفلسفية بجملتها ، فآثرت الاستجابة لداعى الهوى والانصياع إلى الملذات الجسدية والإغراق في المتع الحسية .

خلاصة القول أن الروم لم يعتنقوا دينيا اعتناقاً جدياً يجعلهم يسمون تصوراتهم وعقائدهم ونظام حياتهم منه وحده نعم كان لهم آلهة ولم تكن آلهة تقليدية (( لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات الوثنية اليونانية لقد كانت أشباحاً سكت عن وجودها حفاظاً للعرف الأجنبي ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل في أمور الحياة الحقيقية ) .

وبذلك نستطيع أن نجزم بأن المجتمع الروماني كان مجتمعاً مادياً لا دينياً يعانى عزلة حادة عن معتقداته – أيا كانت – وبين واقع حياته العملى . وقد (( عبر سيسرو )) عن الانفصال العميق بين الدين ونظام الحياة عند الرومان بقوله : (( لما كان الممثلون ينشدون في دور التمثيل ما معناه أن الآلهة لا دخل لهم في أمور الدنيا يصغى إليها الناس ويسمها بكل رغبة )) (2) ويقول الراهب (( أوغسطين )) : (( إن الروم الوثنين كان يعبدون آلهتهم في المعابد ويهزأون بهم في دور التمثيل )) (3)…

ليس هذا فحسب ، بل أن أبيقور (ق4) قبل الميلاد – ليعلن على الملأ دعوة علمانية صريحة ، فهو يقول: (( إن الآلهة لا يشغلون أنفسهم بأمور بنى البشر ، إنهم موودن لأنهم يظهرون من آن لأخر للأشخاص (!) بيد أن مسائل العالم الأرضي لا تعنيهم ، وما من علامة تدل على أنهم يعنون بعقاب الآثم وإثابة الصالح ، أيمكن اعتقاد تدخلهم هذا ما نراه في هذا العالم ؟

(( إن جوبيتير يرسل الآن بالصواعق على معبده ، فهل سحق أبيقور الذي يجدف به )) ؟

(( إن الآلهة يعيشون بعيداً عن العوالم ولا يهتمون إلا بشئونهم فلا تعنيهم أمورنا . إنهم يعيشون حكماء سعداء ويعظوننا بهذا المثال الذي يجب أن نسير على منواله فلنعظهم كمثل عليا يقتدى بها ، غير انه لا يجب علينا ان نشغل أنفسنا بما يريدونه منا ، فإنهم لا يريدون منا شيئاً ، هم لا يعيروننا بألا فلنفعل نحوهم كما يفعلون نحونا )) (4)

هذا التصور للآلهة تشترك مع أبيقور فيه الغالبية العظمى من الرومان ، ومن الطبيعي جداً أن ينشأ عن هذا التصرف الخاطئ للإله تصور خاطئ لمهمة الدين في الحياة وواجب المخلوق تجاه خالقه . ولما كان الصراع هو التصور المشترك لطبيعة الحياة عند الرومان ، فقد كانوا يتصورون الآلهة وهي تتصارع في الفضاء كما يتصارع أبطالهم على الحلبة ، وليس من شأن البطل أن يشرع للجمهور بل كل همه أن يخرج من الحلبة ظافراً منصوراً

وبما ان آلهة الرومان بطبعها لم تكن لتشرع لهم شيئاً ، فقد كان من الضروري أن يقوم بشر متألهون بمهمة وضع نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة ، و نتيجة لجهود هؤلاء برز إلى الوجود ((القانون الروماني )) الذي لا تزال أوروبا تعيش عليه أو على امتداده إلى اليوم ، أما النظم الأخلاقية وقوانين الآداب العامة - إن وجدت – فقد كانت ابيقورية محضة .

وهكذا كان للرومان دين لكنه دين وجداني مجرد لا تأثير له في السلوك العملي ولا يفرض التزامات خلقية معينة ، ولا ينظم من شؤون الحياة شيئاً ، حتى إننا لنكاد نقول أن الامبراطورية الرومانية نسخة قديمة من الولايات المتحدة الأمريكية اليوم .

كان الفرد الروماني – كالأمريكي اليوم – يخرج من نحلة إلى أخرى ، ويتنقل من مبدأ إلى نقيضه دون أن يطرأ على حياته العملية وسلوكه الشخصي أي تغيير فالدين في نظره فكرة مجردة وعقيدة وجدانية فحسب .

ثانياً – حالة الشريعة الإنجيلية إلى سنة 325م :

ليس الإنجيل أول كتاب سماوي أنزله الله ولا هو حتماً آخر كتاب ، فهو واحد من مجموعة كتب ابتدأت قبل المسيح بقرون وانتهت بالكتاب الخاتم المنزل على الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم .

ومهمة الكتاب السماوي وغاية إنزاله بينها الله تعالى في القرآن الكريم أوضح بيان : (( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه )) (2 –123) ، فالحكم بالكتاب في كل اختلاف و تطبيقه في كل منحى من مناحي الحياة واستمداد كل القيم والقوانين والأنظمة والتشريعات منه هو الغرض المقصود من إنزاله ، والكتب السماوية هي – كما في الآية – كتاب واحد بالنظر إلى أن منزلها واحد وموضوعها واحد ، وهو تقرير حقيقة واحدة لا تختلف أبداً هي توحيد الله وعبادته وحده بالمعنى الواسع الشامل للعبادة ، هكذا كانت التوارة (( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء )) ( 7 : 154 ) فهي شريعة كاملة بالنسبة لعصرها قام عليها دول تملك خصائص الدولة من أمثال داود وسليمان عليهما السلام أنبياء يحكمون بما أنزل الله ويقيمون الحياة كلها على شرعه وأمره . وظلت التوراة ما شاء الله أن تظل منهاجاً وشريعة (( يحكم بها النبيون اللذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار )) ، ( 5 :43 ) فما كان يجوز لمؤمن بها أن يستمد تصوراته وافكاره ولا سلوكه وتشريعاته من سواها .

أما ما وقع في حياة بنى إسرائيل مما يخالف هذا فهو انحراف لا يقره الله ولا تقبله شريعته . ثم جاء عيسى عليه السلام (( رسولاً إلى بنى إسرائيل )) وهو أخر رسلهم ليصلح ما فسد ويقيم ما اعوج من عقائد وأخلاق اليهود ، وليردهم إلى الأصل الثابت : توحيد الله وعبادته وحده بتحكيم شرعه واتباع منهجه .

وبما أنه مبعوث إلى بنى إسرائيل خاصة ، فلم يكن ناسخاً لشريعة موسى وإنما كان متمماً لهما ، وكان الإنجيل مصدقاً لما بين يديه وإن لم يكن مهيمناً عليه (5)

وكان الجديد في شريعة الإنجيل التخفيف من بعض التشريعات التي لم تزل شرعاً دائماً وإنما جاءت عقوبة مؤقتة لليهود ، مع اشتماله على مواعظ بليغة اقتضاها ما جبل عليه اليهود من غلظة القلوب . وجفاف في الأرواح وإغراق تام في عبودية المادة وحرص مصر على التشبث بالحياة الدنيا . إذن فقد كانت التوراة ، مضموناً إليها تعديلات الإنجيل شريعة يجب أن تطبق ، وعقيدة يجب أن ينبثق منها كل منهج للحياة : (( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اله فيه ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون )) ( 5:45 : 46 ) ، لكن الذي حدث هو أن هذه الشريعة لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين :

الأول – أنه لم يكن لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض ، إذ من المعلوم أن عيسى ، عليه السلام ، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة .

الثاني – انه ، عليه السلام قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد ، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءاً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية ، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق . وكان أول من وضع العراقيل أمام المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء ، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنث الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية ، وقد جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه ، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه . ومن بعد وفاة المسيح ، عليه السلام ، اشتدت المحنة على أتباعه من اليهود والرومان سواء . أما اليهود فكانوا كما تحدثت رسالة (( أعمال الرسل )) يقتلون المسيحيين ويرجمونهم ويغرون بهم الولاة … وكان من أبرز المضطهدين لهم شاؤل اليهودى ، الذي تقول عنه الرسالة المذكورة : " أما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساءاً ويسلمهم إلى السجن" (6)، على أن أعظم محنة نزلت بالمسيحية عقيدة وشريعة – هي عملية (( الغزو من الداخل )) التي قام بها شاؤل : فقد تظاهر باعتناق المسيحية وجاء بتعاليم مناقضة سبق ذكر بعضها ، وأخذ يؤلب على المسيحيين الحقيقيين ، وبذلك أحدث فوضى عقائدية وبلبلة فكرية ، فتضاعفت البلاء على المسيحيين ، إذ أصيبوا في دينهم وأنفسهم دفعة واحدة .

وأما الرومان فقد أنزل أباطرتهم بأتباع المسيح أشد الأذى ، واشتهر باضطهادهم ( نيرون 64م) و (تراجان – 106 ) و ( ريسويس – 251 ) و( دفقلديانوس – 3280 ) وبلغ بهم الاضطهاد إلى درجة أن بعض الأباطرة كانوا يضعون المسيحيين في جلود الحيوانات ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم ، أو يلبسونهم ثياباً مطلية بالقار ويقودونها لتكون مشاعل بشرية يستضيئون بها في مراقصهم (7) وفي وسع المرء أن يدرك الحال الذي تكون عليها شريعة يضطهد أتبعاها ثلاثة قرون ويطاردون في معتقداتهم وأفكارهم وهذه المطاردة ، كيف يمكن أن تقوم عليها دولة تنافح عنها وتلزم بتعاليمها وتثبت للعالم أنها شريعة كاملة . وإذا اتضحت لنا هاتان الحقيقتان ، نعود إلى فصل الدين عن الدولة الذي مارسته الإمبراطورية الرومانية والكنيسة ابتداء من سنة (325) . إن الكنيسة لتهتز طرباً إذا ذكر لها عام (325) ، فهو يمثل في نظرها عام النصر الحاسم على أعداء المسيح وبداية العصر الجديد – عصر السيادة والحرية – بعد عصر الاضطهاد والهوان . لقد حصلت الكنيسة على ما لم يكن ليحلم به آباؤها الأولون … فبينما عاش المسيح والتلاميذ تحت تهديد الوالي الروماني ينظرون إلى الامبراطورية الفسيحة نظر من لا يطمع منها بشيء ، نرى الكنيسة في القرن الرابع تظفر بالامبراطور نفسه صيداً ثميناً وتعمده بالماء المقدس إيذنا بدخوله دين المسيح .

إن هذا النصر كبير ، بل كبير جداً في حس الكنيسة وأتباعها ، لكن الكنيسة نسيت – وما أكثر ما تنسى – قولة المسيح الصادقة : ((ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه )) (8) . فماذا ينفع الكنيسة إذا ربحت قسطنطين وإمبراطوريته وخسرت دينها وتعاليمها ؟

لو أن الكنيسة ربانية حقاً لكان أول عمل عملته بعد انقضاء عهد الاضطهاد المرير هو البحث عن ذاتها هي ، ببعث الإنجيل الأصلي ونشره وتحكيمه في شؤون الحياة ، وكان في إمكانها أن تقنع الامبراطور : فإما أن يقبل ذلك فيكون نصرانياً على الحقيقة ، وإلا فلتكف منه بصداقته ورعايته وتمارس تطبيق شريعتها على أتباعها الحقيقيين في ظل عطف الإمبراطورية . وذلك ما كان مفروضاً أن تضطلع به الكنيسة وأن يرضاه الإمبراطور ويتقبله . غير أن الذي حصل فعلاً هو أنه لا الكنيسة كانت مؤمنة جادة تطمع في هداية الناس ابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة ، ولا قسطنطين كان مؤمناً جاداً يريد أن يخلع عن عنقه ربقة الوثنية ليخلص دينه لله ويقف بين يديه وقوف العابد أمام المعبود . إن الرابط الذي جمع بين الكنيسة والامبراطور هو رابط المصلحة الدنيوية لكلا الطرفين لا غير ، وإن كانت مصلح الامبراطور أرجح وتنازله أرخص .

يقول دابر : " إن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا والذى لم تكن عقائده الدينية تساوى شيئاً رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين … النصرانى الوثنى ؛ أن يوحدهما ويؤلف بينهما ، حتى أن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة ، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة ، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها " (9) .

كما أدرك هذه الحقيقة المؤرخ الإنجليزي ( ويلز ) ، قد شرح بدقة حال الإمبراطور معللاً اعتناق قسطنطين للمسيحية إنها ديانة رسمية بأنه محاولة منه لإنقاذ امبراطوريته المتضعضعة من التفكك والإنحلال(10) ، وهو ما قال به جيبون من قبل(11).

هذا بالنسبة للإمبراطور ، أما الذين اعتنقوا المسيحية من المواطنين الرومان فلم يتغير تصورهم السابق عن الدين ومهمته في الحياة ، وكان التغيير الذي طرأ عليهم هو إحلال مسمى ( الأب والابن وروح القدس) محل ( جوبتير ومارس وكورنيوس) فما كانوا ينتظرون من آلهة بولس وكنيسته من تشريع وتوجيه إلا ما ينتظر من آلهتهم الجامدة الشاحبة ، ولم يكن مقام الأب الذي نادت به الكنيسة ليزيد عن مقام الأب الذي نادت به الكنيسة ليزيد عن مقام جوبتير الذي صوره أبيقور .

وهكذا لم تستطع الكنيسة بتصويرها الفاسد أن تقتلع جذور الوثنية المتغلغلة في أعماق النفس الرومانية ، ولا أن تسمو بتلك النفوس من عالم الملذات الجسدية إلى عالم الفضيلة والطهر – باستثناء القلة التي ترهبت – ولقد عبر أحد المؤرخين الغربيين عن ذلك بقوله : ( أن المسيحية لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق يخفي تحته نظرة وثنية خالصة إلى الحياة ) (12) .

وإذ قد عجزت عن ذلك ، فمن الطبيعي أن تعجز عن إقامة الحياة : بنظمها وقيمها وأخلاقها على أساس من الدين ، وبقى الدين كما كان هواية شخصية محدودة التأثير لم يتغير فيه ، إلا أن المراسم الشكلية كانت تؤدى في معابد فأصبحت تؤدى في كنائس . ولم يقتصر الأمر على هذا ، بل أن الكنيسة تزحزحت عن مركز التأثير إلى مركز التأثر ، فدخلت الخرافات والأساطير والتقاليد الوثنية في صلب تعاليمها وطقوسها ، وامتزجت بروايات الأناجيل وآراء المجامع المقدسة ، كما حدث امتزاج وتلاقح بين الشريعة والقانون الرومانى فاصبحت المسيحية ديانة تركيبية كما وصفها لوبون (13) . وهذا الضلال والخطل الذي وقعت فيه الكنيسة لا يبرره ما ذهب إليه ليكونت دى نوى ، حين قال قبل الدين الكاثوليكى الذي نشأ على شواطئ المتوسط ذات المخيلة الواسعة بعض العادات لأنه لا يجد إلى إزالتها سبيلاً . وانتهت – أي الكنيسة – مرغمة على قبول المساومة وقد طغت عليها أمواج الخرافات القديمة الجارفة )(14) ، فالمؤمن الحق لا يقبل المساومة على دينه مهما قست الظروف والأحوال .


كما لا يبرره من باب أولى ما ذهب إليه فشر في قوله : (( إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آباءها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا معه منعاً من قديم العادات والتقاليد والمعتقدات ، بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدد الآلهة الراسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها (15) .

قد يكون جرم الكنيسة أهون لو أنها عدت عملها هذا تصرفاً استثنائياً مؤقتاً تفرضه عليه الضرورة الطارئة ، ثم لا تلبث الشريعة أن تبرز إلى حيز التنفيذ على كل نشاطات الحياة . غير أن الذي تم فعلاً هو أنها اتخذت ذلك قاعدة ومنهجاً وسارت فيه إلى أبعد شوط .

وكان أول من سن سنة التنازل على الشريعة مقابل قبول العقيدة هو شاؤول ( بولس ) يقول برنتن . (( كانت العقبة الكبرى في وجه الأممين الذين وجدوا أسلوب الحياة المسيحية جذاباً قانون اليهود )) – أي شريعة التوراة – ثم يشرح برنتن كيف أن بولس زال هذه العقبة فلأفتى بأن (( الإغريق والمصريين والرومان الذين يقبلون المسيحية في حل الختان وفي حل التقيد بحرفية القانون )) (16) . وبمرور الزمن أصبح هذا الانحراف منهجاً مقرراً اعتمدته الكنيسة بعد مجمع نيقية ففصلت بين العقيدة وبين الشريعة ، بين الدين والدولة وقسمت الحياة البشرية دائرتين مغلقتين :

ü الأولى – ( دينية ) من اختصاص الله ويقتصر محتواها على نظام الاكليروس والرهبنة والمواعظ وتشريعات طفيفة لا تتعدى الأحوال الشخصية . ü والأخرى – (دنيوية ) من اختصاص قيصر وقانونه ، ويحوى محيطها التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية ونظم الحياة العامة .

هذه القسمة الضيزى لم تجد الكنيسة غضاضة فيها ، ولم تتحرج من جعل قيصر شريكاً لله في ملكه ، بل اعظم من شريك ، فقسمت الكون شطرين : شطر لله وشطر لقيصر ، فما كان لله فهو يصل إلى قيصر وما كان لقيصر فلا يصل إلى الله .

ويرى بعض المؤرخين أن السبب الذي أوقع الكنيسة في ذلك هو نظرتها القاصرة إلى الحياة الدنيا .. يقول صاحب ( تاريخ أوروبا في العصور الوسطى) : (( إن المسيحيين الأوليين على وجه الإطلاق لم يعمدوا إلى شيء من الإصلاح في المجتمع الرومانى الذي نبتوا فيه برغم ما هو معروف من تحريمهم لكثير من العادات والطقوس القديمة ، ولم تكن لهم فلسفة في الدولة وأصول الحكم ولا الايمان بتجديد المجتمع من طريق الانشاء والتنظيم ، ولم يخطر ببال أحد منهم أن في استطاعته جماعاتهم الصغيرة البعيدة عن السلطة والنفوذ أن تحدث بالسياسة الرومانية أو المجتمع الرومانى شيئاً من التعديل ، ذلك أنهم أيقنوا أن الدنيا متاع الغرور والشرور وتعلموا أن الانسان طريد جنة الخلد وحق عليه العذاب المقيم . (( وتعلموا كذلك أن هذه الدنيا الغرارة لن تلبث حتى تزول وإن رجعة المسيح إلى الأرض ، وهي ما أعتقدها الناس وشيكة الوقوع ، سوف تملأ الدنيا عدلاً بعد ما ملئت الدنيا ظلماً وجوراً وخبثاً ونقصاً يمحوه كله المسيح محواً ، وإذا كان كذلك فما الذي يحمل المسيحي على إلغاء الرق أو الحرب أو المتاجرة في المحرمات أو الربا أو استعمال القوة الغاشمة التي ساعدت الدولة الرومانية على النهوض ما دام ذلك كله مقضياً عليه بالزوال ، وما دامت المشكلة الكبرى تنحصر في الوسيلة الواقية من العذاب الذي كتبه الله على الناس جزاءً وفاقا لما ارتكبه آدم من الخطيئة في جنة الخلد ، ولذا رضى المسيحيون بجميع ما وجدوا من نظم لا قبل لهم بتغييرها (17)

وهذا التعليل مصيب ، لكنه لا يمثل الحقيقة كاملة ، فإن للكنيسة مستندات نقلية من نصوص الأناجيل لابد من عرض نموذج لها ومناقشته ، وأهمها نصان:

1- القول المنسوب إلى للمسيح (( أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله )) : هذا القول هو أقوى وأصرح حجج الكنيسة ، ولقد ظل شعاراً ترفعه أوروبا كلما أملى عليها الهوى أن تخالف شرع الله وتتمرد على شرعه ، وبفضل هذا الشعار أخذ الدين ينكمش وينحسر على مر القرون حتى لم يبق له في أحسن الأحوال إلا ساعة في الأسبوع خاوية من كل معنى .. فما قيمة ذا الدليل بالمناظرة العلمية المنصفة ؟

لقد سبق أن قلنا إن كل ما روى عن المسيح من أقوال ليست منسوبة إليه يقيناً ، بل لا ظناً راجحاً ، فالكنيسة بدلت وحرفت وأضافت وحذفت حتى طمست تعاليمه وأقواله ودفنتها إلى الأبد ، وهذا القول مما يجوز أن يقال فيه – مبدئيا – إن المسيح لم يقله وإنه من غضافات الكنيسة ، ومادام البحث العلمي يقرر أن الأناجيل كلها ظنية الثبوت ظنية الدلالة فكيف يسوغ للكنيسة أن تحتج بهذه الظنيات في مسألة بالغة الخطورة كهذه ؟ ولندع القيمة العلمية التاريخية للنص وننظر نظرة موضوعية فاحصة في منطوق العبارة ومدلولها فماذا نجد ؟

إن هذه العبارة ظاهرها الأمر الصريح بالشرك (( أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله )) فهي تجعل قيصر شريكاً لله في التوجه إليه بالعمل ومن ينفذها عن ظاهرها يقع حتماً في شرك الطاعة والاتباع وهو شرك أعظم ، لتنافيه مع توحيد الألوهية ، وهذه الدلالة تكفي لنفي صدور العبارة من المسيح عليه السلام ، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا لتحذير الجماعة البشرية من الشرك وتنفيرها منه جليلة ودقيقة ، فكيف يأمر نبي من أنبياء الله من أولى العزم بالشرك ويدعو إليه بهذه الصورة ؟

وهذا في الحقيقة كاف إسقاط حجية العبارة لكننا سنجامل الكنيسة ونجرى مع احتمالها الضعيف جداً مفترضين جدلاً أن المسيح عليه السلام تفوه بما نسب إليه ، فهل يعنى ذلك أن نفهم من العبارة ما فهمته الكنيسة من ظاهرها ونتخذ من فهمنا قاعدة هي أعظم القواعد الكنسية العملية على الإطلاق ؟ لنتتبع معها سياق العبارة فقد يعين على فهمها – إن قبلت – على حقيقتها :

يقول متى في إنجيله : (( ذهب الفريسيين وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة ، فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودوسيين قائلين : يا معلم إنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالى بأحد ، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس ، فقل لنا ماذا تظن : أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا ؟ فعلم يسوع خبثهم وقال : لماذا تجربونني يا مراؤون، أروني معاملة الجزية ، فقدموا له ديناراً فقال لهم : لمن هذه الصورة والكتابة : قالوا ا له : لقيصر : فقال لهم أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله . فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا (18)

كان المسيح عليه السلام واتباعه قلة مضطهدة تتبنى دعوة جديدة ناشئة ، فلم يكن في مقدورها أن تصطدم بالإمبراطورية الطاغية ، وتواجهها بعداوة سافرة ، ولم تكن هذه المواجهه مطلوبة منها وهي لا تزال في طور الدعوة – يقابل ذلك في الإسلام فترة ما قبل فرض الجهاد – وهذا الطور يقتضي الالتزام بمبدأ ( كفوا أيديكم ) كيلا يستثار عدو باطش فيفتك بالدعوة في مهدها .

هذا المنهج في الدعوة لاحظه الفريسيون – أعدي أعداء المسيح – فسولت لهم أنفسهم الحاقدة أن يدبروا مكيدة للمسيح ودعوته ، بحيث تخرج الدعوة عن منهجها ومسارها المقرر وتناوئ الأوضاع القائمة مباشرة وبذلك يجدون طريقة للإيقاع بالمسيح لدى الحاكم الرومانى فكان هذا السؤال الخبيث .

والواقع انه ليس في استطاعة المسيح – عليه السلام – والقلة المسلمة معه ولا من منهج دعوته أن يرفضوا دفع الجزية للجابي الروماني الذي يجمعها من كل رعايا الإمبراطورية ويدفعها للطاغوت قيصر ، ولكن هذا لا يعنى أبداً أن المسيح عليه السلام يقر ذلك الواقع الظالم ، ويعترف لقيصر بحق مساواة الله في خلقه ويجعله شريكاً له في ألوهيته كما فهمت الكنيسة . فالمسيح عليه السلام – لو صحت العبارة – وافق على إجراء مؤقت تقتضيه ضرورة الواقع وطبيعة الدعوة المرحلية .

إذا كانت دعوة الأنبياء في جوهرها واحدة ، فإن أول فرض للجهاد في الإسلام كان إذناً وليس أمراً ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ) (22 : 39 ) وذلك أن القلة المسلمة في مكة كانت تطمع في الثأر لنفسها من الاضطهاد المرير الذي تلقاه من جبابرة مشركي قريش : كأن تغتال بعض المضطهدين مثلاً ، او تسلبهم شيئاً من أموالهم وراحتهم ، واستأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك فكان الأمر من الله تعالى بكف اليد ولذلك أجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم ( إني لم أؤمر بهذا ) (19)وذلك كي تظل الدعوة سائرة في منهجها المرسوم لا تستفزها تحركات الأعداء للإيقاع بها وإبادتها في مهدها

ولو قدر للمسيح عليه السلام أن تبلغ دعوته من القوة ما بلغت الدعوة الإسلامية عند الأذن بالجهاد لأذن لقومه بأن يرفضوا دفع الجزية لقيصر ، بل لأمرهم بجهاد الرومان وإشهار عداوتهم .

وبذلك يتضح أنه حتى في حالة ثبوت العبارة فأنها ذات مدلول جزئي مؤقت في مسألة فرعية ، ولا يجوز أن يستنبط منه قاعدة أبدية عامة يفضي تطيقها إلى إهمال شريعة الله ، والتخلي عن إقامة دينه في واقع الحياة وإقرار أحكام الطاغوت .

2- (( مملكتي ليست من هذا العالم )) بقطع النظر عن صحة نسبة هذه العبارة إلى المسيح عليه السلام أو عدمها ، نجد أن الكنيسة فهمتها فهماً خاصاً ، وجعلت هذا الفهم منهجاً واصلاً من أصول عقيدتها تقاوم بها الفطرة البشرية والعقل السليم والتطور الإيمانى المستقيم . فهمت الكنيسة من قول المسيح (( مملكتي ليست من هذا العالم )) إن كان قالها – إن الدنيا الخرة ضرتان متناحرتان وضدان لا يجتمعان : الدنيا مملكة الشيطان ومحط الشرور والاثآم ، وعمل الإنسان فيه لتحسين أوضاعه المعاشية ومحاولة تحقيق القسط الملائم من السعادة والرفاهية والتمتع بطيبات وخيرات الكون : كلها أعمال دنسه يمليها الشيطان ليصرف الإنسان عن مملكة المسيح الخالدة ( الآخرة ) والفقر وشظف العيش – حسب المفهوم الكنسي– هما مفتاح الملكوت الضامن ، وتنسب الأناجيل إلى المسيح قوله (( إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله )) (20) . وبمقتضى ذلك لا يسأل الإنسان الله شيئاً من متاع الدنيا أو خيراتها العاجلة ، بل يقتصر على ما طلبه المسيح حسب رواية الأناجيل(خبزنا كفانا ) (21) . والإنسان – حسب هذا المفهوم – يولد موصماً بالخطيئة الموروثة ويدخل إلى الدنيا دخول المجرم إلى السجن ، وكما أن آباه أكل من الشجرة فعوقب بالطرد من الجنة وقضى عليه بالحرمان والنكد ، فكذلك إذا تمتع بطيبات الدنيا وملاذها فسيعاقب بحرمانه من نعيم الملكوت . إذا كان هذا هو حال الدنيا وحال الإنسان فيها ففيم العناء لإصلاح ما وجد بطبيعته فاسداً وما جدوى تقويم ما خلق أصله معوجاً ؟ ليتحكم الجبابرة في الناس وليستعبدوهم وليعبثوا في الكون كما يريدون فسوف يحاسبهم المسيح يوم الدينونة ! وليجمع الناس المال ويتمتعوا بالحياة الدنيا ويتزوجوا وينجبوا فسوف يحرمهم ذلك من الدخول في ملكوت الله والفوز في الملأ الأعلى . أما المسيحي الكامل لإيمان . فما له ولهذه الأمور . أليس كل همه الخلاص من هذا المأزق ، مأزق وجوده في هذه الأرض في مملكة الشيطان ؟ هكذا استخلصت الكنيسة من تلك العبارة وأشباهها مفهوماً سلبياً ضيقاً للحياة الدنيا ن وبالتالي لمهمة الدين فيها ، يائسة من إمكان إقامتها على الحق والعدل الإلهي ، فحرفت المسيحية من عقيدة شاملة ذات منهج رباني كامل نزلت لتغيير الواقع الجاهلي المنحرف الذي يعيشه الناس وإقامة واقع جديد تحكمه الشريعة المنزلة إلى نظرة بوذية قاصرة للدنيا ، مشفوعة بآمال وأحلام مرتقبة في الآخرة ، ورأت أ تنظيم شئون الدولة وتقويم النظم السياسية والاقتصادية وإصلاح الأوضاع الاجتماعية ليس من دينها في شيء لأن مملكة المسيح ليست من هذا العالم . ولا يعنى هذا أن الكنيسة لم ترأس سلطات سياسية أو نفوذاً اجتماعياً فقد كان مها ما لم يكن من اعتي القياصرة (22) … لكن هذه الممارسة تظل محدودة بنطاق المطامع الشخصية لرجال الدين ، وكانت الرغبة في إشباع هذه المطامع وليست الرغبة في إقامة دين الله وشرعه هما الدافعان ورائها ، فكان البابا يهمه بالدرجة الأولى أن يتولى تتويج الملوك ويحصل منهم على الضرائب والجنود ولا يسمح بأدنى تساهل في ذلك ، أما حكمهم بغير ما أنزل الله فلا شأن له به لأن ذلك من اختصاص قيصر ولأن مملكة المسيح ليست في هذا العالم . والواقع أن هذه العبارة كسابقتها لا تنهض دليلاً لما زعمته الكنيسة ، بل إن لها إن صحت معنى أخر يوضحه السياق ، وها هو سياقها كما ورد في إنجيل يوحنا : ( دخل بيلاطس أيضاً في دار الولاية و دعا يسوع وقال له : أنت ملك اليهود . أجابه يسوع : أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عنى ؟ أجابه بيلاطس : العلي أنا يهودي ؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك لي ماذا فعلت . أجاب يسوع مملكتي ليست في هذا العالم لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم لليهود ولكن الآن ليست مملكتي من هنا )) (23)

إن القضية لتبدو واضحة العيان : لقد دبر اليهود مكيدة أخرى ، حيث رأوا أنه يمكن إيغار صدر (( بيلاطيس )) على المسيح بتلفيق تهمة ضده مفادها انه يدعى أنه ملك على اليهود وزعيم سياسي يهدف إلى استقلال أمته عن الاستعمار الروماني والتبعية لقيصر ، وهي تهمة كفيلة بتعريض المسيح ودعوته لأقسى العقوبات .

تظاهر اليهود بالنصح للحاكم الروماني والحدب على دولته فحملوا المسيح إليه موجهين إليه هذه التهمة . حينئذ وقع بيلاطيس بين تيارين نفسيين : تيار النخوة والوطنية الرومانية ، وتيار التعقل والروية الذي يبعثه في نفسه علمه بخبث طوية اليهود من جهة ، وتيقنه من براءة المسيح من جهة أخرى لذلك تردد كثيراً في الأمر وهم أخيراً بأن يطلق سراح المسيح فصرخ اليهود قائلين : ( إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصـر . كل من يجعل نفسه ملكاً لقيصر ) (24) . ولما رأى إصرارهم على صلب المسيح دفعه إليهم قائلاً :إن لكم شريعة تحاكمون إليها أبناء شعبكم فخذوا ملككم واصلبوه وفق شريعتكم ، فصرخوا قائلين اصلبه أنت أما نحن ف (( ليس لنا ملك إلا قيصر )) (25) وأخيراً نجحت المكيدة ، بل على الصحيح : هكذا ظن اليهود . ذلك موجز القصة كما رواها إنجيل يوحنا وخلال التحقيق مع المسيح وردت هذه الكلمة عنه ( مملكتي ليست من هذا العالم ) – كما يقول الإنجيل – وهو إن قالها فإنما كان يريد أن يقول لبيلاطس : لست ملكاً من النوع الذي تتصوره أنت واليهود على طراز قيصر وكسرى فإن الملك الذي تتخيلونه أنتم بمعنى العزة والمجد العريض والشرف الباذخ ليس حظي منه في هذه الدنيا وإنما هو عند الله في دار كرامته الخالدة ، وما دمت لست طامعاً في مناصبكم الدنيوية ومظاهركم الكاذبة فما الذي يحملكم على تجريمي وبأي حق تدينوني ؟

ولم يقل المسيح ولم يرد أن يقول : أنني بعثت إلى الضعفاء والعجزة لأعظمهم في الكنائس ولأعمر بهم الأديرة وتعاليمي ليست سوى طقوس روحانية لا علاقة لها بالحياة ، كما فهمت الكنيسة : فقد أعلن دعوته صريحة على الملأ : ( لا تظنوا أني جئت لألقى سلاماً على الأرض ، ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً ) (26)

ولم يقل كما قال اليهود ليس لي ملك إلا قيصر . ولو قال ذلك أو شيئاً منه لربما سلم من الأذى وبرئ من التهمة لكن حاشا أن يقول ذلك وهو رسول الله الذي أرسله لهدم كل سلطان لغير الله في الأرض ومهما ظل عاجزاً عن هدمه فلن يقر ويعترف به .

ومع ذلك فقد كان يعلم من الله أن نهايته قد أوشكت وأنه لن يكون له سلطان في هذه الحياة الدنيا ، ولذلك لم يأمر أحد من اتباعه بالدفاع عنه ، بل أمر رجل منهم سل سيفه أن يغمده . وقال ذلك لبيلاطيس صريحاً : ( لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا أسلم إلى اليهود ، ولكن الآن ليس مملكتي من هنا) وهكذا نرى كما رأينا أن الكنيسة تعمد عبارات تنسبها الأناجيل إلى المسيح قيلت مجازاً أو وردت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة لتقرر منها قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي .


















">">"> الثـــــــــــ الفصل ــــــــــاني <"<"<"

>=>=> البدع المستحدثــة في الدين النصراني <=<=<

× .. تــــوطئــــــــــة ..

أدى التحريف المتعمد لنصوص الوحي المسيحي والتأويلات البعيدة لأعمال المسيح وأقواله ، تلك التي فتحت الكنيسة لها الباب على مصراعيه ، إلى استمراء وتسويغ التصرفات الخاطئة التي تلت ذلك فيما بعد ، ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة وليس لها ضوابط رادعة ، فقد ظل المجال فسيحا لإضافات أكثر وثغرات أعمق ، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدما وتوجيها كما يراد .

يضاف إلى ذلك الحماقات التي ترتكب بطريق السذاجة والبله من بعض المنتسبين إلى الدين ولا تجد من ينكرها أو يحاصرها فتصبح مع مرور الزمن طقوسا وشعائر دينية .

كل ذلك تعرضت له النصرانية فاستحقت أن توصم بأنها ديانة تركيبية أو بوتقة انصهر فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة ، شكلت دينا غير متسق ولا متجانس .

ونظرا لصعوبة التمييز بين الصحيح من الزائف والأصلي من المبتدع في الدين النصراني ، فقد تباينت وجهات نظر النقاد الغربيين وتباعدت شقة الخلاف بينهم ، فغالى بعضهم إلى حد التصريح بأن النصرانية ديانة وضعية أرقى تكوينا وأدق تنظيما من الديانات السابقة التي ابتكرها الإنسان بزعمهم – منذ فجر التاريخ ، وأن طقوسها وشعائرها هي امتداد للطقوس الطوطمية والشعائر الوثنية التي كانت سائدة بين القبائل الهمجية القديمة .

وبالمقابل تعصب آخرون – لاسيما ذوى الميول الدينية – للرأي القائل بأن الدين النصراني – مكتملاً – دين سماوي على الحقيقة وأن كل ما في الأناجيل وحي صادق وأن أعمال الكنيسة مشروعة يقرها ويمليها المسيح فليس شئ منها يستحق أن يوصف بأنه بدعة محدثة أو إضافة خاطئة . وتظل الكلمة الفصل في الموضوع ، كما هي دائماً ، في القرآن الكريم الذي نزل مهيمناً على ما قبله من الكتب ويظل الرأي الذي يصح أن يوصف بأنه موضوعي ونزيه – في هذه المسألة وأشباهها – من نصيب الباحث المسلم وحده .

لقد سبق أن تحثنا عن تحريف المسيحية – عقيدة وشريعة – والتحريف في ذاته بدعة خطرة ، لكن الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل ، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بالمسيحية وأُدخلت في صلبها وربما كانت بدعة رجال الدين – كما يسمون – أبعد البدع أثراً لأن البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن رجال الدين هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها لذلك سنبدأ بالحديث عن هذه البدعة ثم نعقب بعض البدع الأخرى لتكون نماذج وأمثلة شاهدة على ما نقول .


.. .. أولاً – رجال الدين "الاكليروس" .. ..

ترى النظرة الجاهلية للتاريخ المتأثرة بنظرية التطور أن حياة البشر الدينية والاجتماعية مرت بثلاث مراحل رئيسية : 1-مرحلة السحر والخرافة . 2-مرحلة الدين . 3-مرحلة العلم .

وفي المرحلة الأولى كان الفكر البشرى يعيش أدنى أطواره وأحطها ، وكان الإنسان آنذاك يرى أن حياته مرتبطة بأسباب خفية لا يستطيع إدراكها ، فلجأ إلى السحر والشعوذة اللذين يستطيعان التأثير بطريقة غير محسوسة ، وكلما ازداد وعى الإنسان بحياته وتفرعت آماله ومطامعه ، ازداد تعلقه بالسحرة والكهان ، لدفع الأرواح الشريرة التي تسبب له الضرر في نظرة ولجلب المنافع المعيشية المتنوعة . وبمرور الزمن أصبح السحرة والكهان يتمتعون بأسمى المراكز الاجتماعية لدى الهمج ، فآلت إليهم زعامات القبائل وفرضوا سلطانا" ماديا" لأنفسهم في أموال ونساء أتباعهم . وبعد اكتشاف الزراعة واستقرار الحياة الإنسانية ، بُنيت المعابد والهياكل وأصبح بعض الكاهن ملوكا" يتوارثون الحكم ، بينما ظل البعض الآخر يرأس المعابد والهياكل التي كانت تدر عليهم الشرف العريض والمال الوفير . وبانتقال الإنسان إلى المرحلة الثانية "مرحلة الدين" بقيت رواسب موروثة عن المرحلة الأولى من أبرزها طبقة رجال الدين الذين ليسوا امتداد للسحرة والكهان في المرحلة السالفة وظلوا يقومون بالمهمة نفسها التي كان يتولاها أولئك من قبل ، والفارق الوحيد هو أن هؤلاء يستمدون من الدين بينما يستمدها أولئك من السحر(1) .

هذا هو التعليل الجاهلي لظهور رجال الدين ، وهو تعليل قاصر لأنه ينكر الوحي الإلهي ويغفل ، عامدا" ، الفترات المضيئة التي تخللت التاريخ البشرى منذ البدء ، وهي الفترات التي شهدت مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ((وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)) ، ويقصر نظره على فترات الانحراف عن منهج الله ، تلك التي طغت عليها الخرافات والشركيات وتحول فيها أتباع الأنبياء إلى سدنة أوثان ومشعوذين وكهان .

والتصور الإسلامي للتاريخ ينظر إلى الحياة البشرية على أنها خطان متوازيان : خط مشرق يمثل البشرية حين تهتدي إلى الله وتسلك طريق الأنبياء الذين يتعاقبون لردها إلى جادة الطريق ، وخط آخر مظلم يمثل حزب الشيطان وفترات الضلال الذي طرأ على البشرية بعد أن كانت أمة واحدة على الإيمان ، والسمة العامة للتاريخ هي الصراع بين الهدى والضلال ، بين الحق والباطل .

ونحن لا ننكر التشابه الظاهر بين رجل الاكليروس في المسيحية وبين السحرة والكهان في العصور السابقة ، لكننا نرجع ذلك إلى كون الطائفتين انحرفتا عن أصل صحيح واحد ولا نمضي أبعد من ذلك ، أما التعليل المباشر الذي يوضح الأًصل الحقيقي لرجال الدين فهو أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ، عليه السلام ، واحتفظ بها الأحبار من بعده ، فكان الأمر يقتضي وجود عدد من ذوي الموهبة والعناية يتفرغون لحفظ الكتاب وشرح تعاليمه وتأويل مشكله وإيضاح أحكامه كي يسير عليها الفرد والمجتمع ، وأمر الله تعالى هؤلاء العلماء أن يكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون ، ونهاهم عن كتمان شئ منه أو تحريفه أو شراء شيء من عرض الدنيا به ، لكن الأمر آل إلى أن كثيراً من الأحبار أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ، ضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية يأكلون أموال الناس بالباطل ويتقبلون القرابين ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع ، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال . وبذلك استحقوا المقت من الله وكانوا مثلاً سيئاً وقدوة طالحة لمن جاء بعدهم . ثم بعث الله عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، ومعه الإنجيل فحذر أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد ، أولاد الأفاعي ، عباد الدنيا" ودعا قومه إلى الاتصال المباشر بالله والتوبة إليه والخضوع له وحده دون سواه ، وكان يوصى الحواريين والتلاميذ ، قائلا" : "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم" (2) . لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالا" من الأحبار ، فقد سلكوا الطريق نفسها وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين ، وساعد وجودهم ضمن الإمبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية ، وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الإمبراطور وقاعدته الجنود ، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته الباب وقاعدته الرهبان . ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الإمبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر . يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة – كما سبق –أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين ، وهي لم تكن كهنوتية ، ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل ، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس ، وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً " وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة .

"بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين ، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل "كنواة لها" ، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين ، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة والعمل الجوهري في العبادة فيها القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس ، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة" (3) وكان من الأسس الباطلة التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق" الذي يقتضي ألا يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله طالباً الصفح والمغفرة ، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له ، وحسب هذا المبدأ نصب رجال الدين أنفسهم أنداداً لله تعالى وأوقعوا أتباعهم في الشرك الأكبر ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) وفوق كونه مبدأ باطلاً شرعاً ، ساقطاً عقلاً ، فإنه ليس في الأناجيل – رغم تحريفها – ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه . وقد ترتب على هذا المبدأ آثار سيئة للغاية ،منها احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل ، ثم مهزلة صكوك الغفران ، وكذلك الانشقاقات الدينية المتوالية التي دمرت الحياة بصفة عامة ، وأخيراً كان هذا المبدأ إحدى الحجج التي سلها ملاحدة القرن السابع عشر فما بعد ،في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة ، وسيأتي تفصيل هذه الأمور في أبوابها – بإذن الله - (4) . يقول العالم الفرنسي المهتدي " ناصر الدين دينيه " : "الوسيلة هي إحدى كبريات المسائل التي فاق بها الإسلام جميع الأديان ، إذ ليس بين الله وعبده وسيط وليس في الإسلام قساوسة ولا رهبان ، إن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان وإنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نياتهم ، وقد أدرك المسيح نفسه ذلك ، ألم يطرد بائعي "الهيكل " ؟ غير أن أتباعه لم يفعلوا مثلما فعل ، واليوم لو عاد عيسى فكم يطرد من أمثال بائعي الهيكل ؟ "كذلك ما اكثر البلايا والمصائب ، بل ما أكثر المذابح والمجازر التي يكون سببها هؤلاء الوسطاء ، سواء كانت بين العائلات وبعضها أو بين الشعوب والشعوب ، وهم في ذلك كله يصيحون : باسم مجد الله " (5)

أما السلطة الكهنوتية ، الطاغية ، فإنها تستند إلى أسانيد واهية لا بد من مناقشتها : لقد مر معنا وسيظل –حقيقة تاريخية واضحة هي أن الافتراء على الله من جهة وسوء الفهم والخطل في الاستنباط من جهة أخرى ، أمران ملازمان للكنيسة ملازمة الظل لأصله ، وقد أخذ الله تعالى على أهل الكتاب هذه الأخطاء المتكررة ((يقولون على الله غير الحق )).. ((يحرفون الكلم عن مواضعه )) ..وجرياً على ذلك تزعم الكنيسة أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين " أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ما تحته على الأرض يكون محلولاً في السموات " (6) ؟ فهمت الكنيسة من هذا القول أن المسيح يعنى أن السلطة الدينية المهيمنة باسمه سترتكز في الموضع الذي يموت فيه كبير الحواريين بطرس ومن هذا المركز تمد أجنحة نفوذها على العالم أجمع وتحكمه باسم المسيح ، وبما أن المسيح بطرس – كما تقول الكنيسة – مات في رومة فإن رومة هي قاعدة المسيح لحكم العالم ، وفيها مقر الكنيسة التي يرأسها ممثل المسيح ورسوله "البابا " المعصوم عن الخطأ ، وكل ما تقرره الكنيسة هذه هو عين الصواب ، إذ أن المسيح بواسطة الروح القدس هو الذي يملى عليها تصرفاتها ، ومادام أنها تعمل باسم الله وتحل وتبرم حسب مشيئته – بل هو يحل ويبرم حسب مشيئتها تعالى الله على ذلك علواً كبيراً فطاعتها واجبة وقراراتها إلزامية لكل المؤمنين بالمسيح وليس على الأتباع إلا الطاعة العمياء والانقياد الذي لا يعرف جدلاً أو نقاشاً ، والذنب الذي لا يغتفر هو أن تصادم أوامر الله ، التي هي أوامر الكنيسة ، بواسطة العقل البشرى أيا كان صاحبه ، والخارج على سلطة الكنيسة أو الناقد لقرارات مجامعها كافر "مهرطق" تحل عليه اللعنة والحرمان من دخول الملكوت مهما بلغت وجاهة رأيه بل مهما كانت سوابقه وخدماته للمسيحية وللكنيسة نفسها . أما إذا كان المتمرد على الكنيسة وسلطتها حاكماً أو شعباً ، فإن الجيوش المقدسة ستسحقه بأقدامها ، إرضاء للمسيح . ذلك هو زعم الكنيسة التي تحول إلى واقع تاريخي عاد بأسوأ النتائج على أوروبا والعالم أجمع . ونحن لا نملك حيال إلا موقفاً واحدا صريحاً هو موقف الإنكار القاطع لنسبة هذا القول إلى رسول الله المسيح عليه السلام . إن هذا القول يخدش التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء كافة ويمس العقيدة الإيمانية الصحيحة في جوهرها ، وهو من نوع دعوى الأناجيل الزاعمة أن المسيح قال " أنا ابن الله " سواء بسواء ، بل أن إنجيل متى ليصرح بأن المسيح إنما قال ذلك لبطرس مكافأة له على قوله " أنت المسيح ابن الله الحي " . ولقد قال الحق تبارك وتعالى " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون " آل عمران 79 – 80 " فالأنبياء دعاة التوحيد ورسل الحق لا يتصور أن تصدر عنهم دعوى فيها شائبة من شرك ، وحاشا أن يزعم أحد منهم لنفسه شيئا من خصائص الألوهية فضلاً على أن يهبه لغيره . والمسيح ، عليه السلام بشر رسول لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، فكيف يجوز أن ينسب إليه أن يمتلك مفاتيح الملكوت التي لا يملكها إلا الله وحده ؟ وإذا كنا ننكر جازمين أن يملكها المسيح فلا معنى للجدال في كونه وهبها لبطرس أو لم يهبها ، وكون الكنيسة ورثتها من بطرس أو لم ترثها ، فالخطأ هنا أساسي لا يمكن إقراره ، كما لا يمكننا أن نقر بأن المسيح إله . ومع ذلك فليس في استطاعة الكنيسة أن تقنع أي باحث علمي بصحة مزاعمها بطريق الأدلة اليقينية ، ولا يستطيع أي إنسان ذي عقل سليم أن يساير منطقها الأعوج ويؤمن بمسلماتها العمياء . وقد سخر الكاتب الأمريكي " جرين برنتن " من استدلال الكنيسة بهذه الفقرات وأرجع السبب في وقوع الكنيسة في هذا الخطأ إلى التشابه الشكلي بين لفظي " بطرس " " صخرة " (7) وإذا كان مفسرو الأناجيل المتعصبون لدينهم يصرحون بأن آيات كثيرة في الأناجيل لا أصل لها كما سبق في مبحث التثليث – فما بالك بالنقاد والمفكرين من غير رجال الكنيسة ، فضلاً عن المسلم الذي يتفرد بمعلومات يقينية لا يتطرق الشك إليها . ومن وجهة نظر التاريخ لا يمكن تبرير الشناعات التي ارتكبتها الكنيسة والحروب الطاحنة التي عرقلت مسيرة الحضارة وأزهقت أرواح الأبرياء ، والاستبداد والطغيان اللذين مارسها رجال الدين في كل شؤون الحياة والوقوف المستمر في صف الطغاة والظلمة ضد الشعوب البائسة ، ومحاكم التفتيش ، وإحراق العلماء ، وبقية الجرائم الأخرى لا يمكن تبرر ذلك بأن المسيح أورث سلطانه وملكوته للسلطة الكهنوتية الغاشمة . وبالإضافة إلى ذلك لو راجعنا إنجيل متى الذي أورد هذا الافتراء لوجدنا المسيح بعد ثلاث فقرات من هذا القول يخاطب بطرس قائلاً : " اذهب عنى يا شيطان ، لأنك لا تهتم بما الله لكن بما للناس " … فكيف يتسق هذا الوصف وهذه التهمة مع الهبة السابقة والتكريم الذي لا حد له ؟ . ثم لماذا تنظر الكنيسة إلى هذا القول وإضرابه وتغض الطرف عن مثل قول المسيح الصريح : " رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم " وقوله : " أحبوا أعداءكم أحسنوا إلى مبغضيكم ، باركوا لاعنيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم " (8)

.. ثانيا – الرهبـــــــــــــــــــــانية ..

للوجود الإنساني في هذه الأرض غاية سامية أرادها الخالق سبحانه منذ أن اختار الإنسان للقيام بالمهمة العظمى " الخلافة في الأرض " وأناط به مسؤولية عمرانها بالصلاح والخير ، ولكيلاً ينسى الإنسان الغاية في وجوده ولتقوم عليه الحجة أمام خالقه جعل الله تعالى الغاية جزءاً من تكوينه ، مودعاً إياها في أعماق نفسه ، " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " وبعث إليه الرسل تتري ليكونوا نماذج حية لتحقيق هذه الغاية الإيجابية والدعوة إليها . لكن الناس – بإغواء الشيطان لهم – يضلون الطريق فيغفلون عن غاية وجودهم منغمسين في حدود المطالب الحيوانية العاجلة ، أو يتصورون هذه الغاية على غير حقيقتها فتضل أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً . ومن تصور هذه الغاية على غير حقيقتها الاعتقاد بتفاهة الحياة الدنيا إلى درجة إسقاط القيمة التى جعلها الله لها ، والغلو في تهذيب النفس البشرية إلى حد التضييق والتعذيب ، مع صرف النظر عن عمارة الكون التى هي جزء من الغاية العظمى . وما الرهبانية التى عرفها الناس منذ القدم إلا تطبيق عملى للتصور السلبى الخاطئ الذى ينشأ عن الجعل بطبيعة الإنسان ومهمته في الوجود . ومع أن الرهبانية بدعة مشتركة بين أديان عديدة ، نلاحظ أن للرهبانية النصرانية ظروفاً وأسباباً بارزة تضافرت على إيجادها وتنميتها حتى أصبحت أبرز مظاهر الدين الكنسي على مر العصور .

× أسبــــــــــــاب الرهبانيـــــــــــة :

1- عقيدة الخطيئة الأصلية الموروثة : إحدى التعاليم الكبرى في المسيحية المحرفة ، وموجزها أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة " شجرة المعرفة ! " فعاقبه الله بالطرد من الجنة وأسكنه التراب ، وظل الجنس البشرى يرسف في أغلال تلك الخطيئة أحقابا متطاولة حتى أنزل الله تعالى ابنه " تعالى على ذلك علواً كبيراً " ليصلب فداء للنوع الإنساني وليبين للناس طريق الخلاص من هذه الخطيئة ، فأصبح لزاماً على الإنسان أن يقتل نفساً لمنحها الخلاص ، يقول إنجيل متى " من أراد أن يخلص نفسها يهلكها " (9)

ويقول إنجيل لوقا : " من طلب أن يخلص نفسه يهلكها ومن أهلكها " (10) … ولما كانت المرأة – حسب رواية سفر التكوين – هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة ، فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرأة العداء باعتبارها أصل الشر ومنبع الخطيئة في العالم . لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات وقتل كل الميول الفطرية والرغبات الطبيعية ، والاحتقار البالغ للجسد وشهوته لا سيما الشهوة الجنسية . ومن ناحية أخرى تولد عن الشعور المستمر بالخطيئة أن قنط كثيرون من رحمة الله فلا يكاد أحدهم يقترف كبيرة حتى تظلم الدنيا في عينيه ويثأر من نفسه بإرغامها على الالتحاق بأحد الأديرة والمترهبين فيه .

2- رد فعل المتطرف للمادية اليهودية الجشعة والأبيقورية الرومانية النهمة : فقد بعث الله عبده ورسوله المسيح بين ظهرانى فئتين يربطهما رباط التهالك على الدنيا والتفانى في سبيل ملذاتها والعبودية الخانعة لشهواتها هما : قومه اليهود أجشع بنى الإنسان وأشدهم تعلقا وتشبثا بالحياة ، ومستعمروهم الروم الغارقون إلى آذانهم في مستنقع الحياة البهيمية وأوكار الشهوات الدنسة ، فكان المسيح عليه السلام – بأمر الله – يعظهم بأبلغ المواعظ ويذكرهم بالآخرة أعظم تذكير ويضرب لهم الأمثال المتنوعة ويقص عليهم القصص المؤثر ، كل ذلك في يرفعهم من عبودية الدنيا إلى عبادة الله ويفتح عيونهم على ما ينتظرهم تجررونني العالم الآخر من الأهوال فيحسبوا له الحساب . وآمن بالمسيح قوم تأثرت أنفسهم واتعظت قلوبهم بما سمعوا منه ، لكنهم مع مرور الزمن ورد فعل منهم للضغط المادي عليهم ، غلوا واشتطوا حتى خرجوا عن حدود ما يأمرهم به الوحي وتمليه الفطرة السوية ، ونسبوا إلى المسيح أنه أمر الغنى أن يتجرد من أمواله ويحمل الصليب ويتبعه ، وقال : " مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله " (11) … وأنه أوصى تلاميذه قائلاً : " لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم ولا مزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصاً" (12) .

3- الأثر الذى خلفته الفلسفات والوثنيات التهربية القانطة : كان العالم في العصر الواقع بين وفاة المسيح ومبعث محمد صلى الله عليه وسلم يعيش فترة من انقطاع الوحى ، والمتعطش إلى دين حقيقى لم تستطع المسيحية المنحرفة أن تسدها ، فاستبدت الحيرة والضلال بكثير من ذوى التفكير العميق والإحساس المرهف فابتكروا ، واعتنقوا ، فلسفات تنم على التذمر والتهرب من الحياة وتقوم على التأمل والاستغراق في عالم ما وراء المادة ، وخير مثال لذلك الفلسفة الرواقية

وكان إلى جانب ذلك وثنيات قاتلة تقهر الجسد على حساب الروح وتقديس اليأس والتقشف ، كالبوذية والبرهمية . ولما كان بولس – محرف المسيحية الأكبر – مطلعاً على هذه الفلسفات والوثنيات متأثراً بآرائها ، فقد لقح بها ديانته الوضعية وأدخلها في صلب مسيحيته ثم توارثها الأتباع من بعده ، ومن اقتباسات بولس النظرة المتشائمة إلى الحياة الدنيا ومتاعها . وقد أثرت هذه الاعتقادات وما اقتبسته المسيحية المحرفة منها في رواج الرهبانية وشيوعها في القرون التي تلت المسيح ، يقول صاحب " معالم تاريخ الإنسانية " : " كانت الأديرة موجودة في العالم قبل ظهور المسيحية ، وفي الفترة التي ألم فيها الشقاء الاجتماعي باليهود ، قبل زمان يسوع الناصري ، كانت طائفة من النساك الأسينيين تعيش منعزلة في مجتمعات وهبت نفسها لحياة تقشفية من الوحدة والطهر وإنكار الذات ، كذلك أنشأت البوذية لنفسها مجتمعات من رجال اعتزلوا غمرة الجهود العامة والتجارة في العالم ليعيشوا عيشة التقشف والتأمل " "ونشأت في زمن مبكر جداً من تاريخ المسيحية حركة مشابهة لهذه تتنكب ما يغمر حياة الناس اليومية من منافسة وحمية وشدائد ، وفي مصر على وجه الخصوص خرجت حشود كبيرة من الرجال والنساء إلى الصحراء ، وهناك عاشوا عيشة عزلة تامة قوامها الصلوات والتأملات وظلوا يعيشون في فقر مدقع في الكهوف أو تحت الصخور على الصدقات التى تقذفها إليهم الصدفة من أولئك الرجال الذين يتأثرون بقداستهم" (13)

4- الأوضاع الاجتماعية القاسية : كان المجتمع الرومانى مجتمعا طبقياً ظالماً تكدح فيه قطاعات ومجموعات كبيرة لصالح أفراد قلائل ، وكان سكان المستعمرات خاصة يعانون البؤس وشظف العيش إلى جانب الظلم والطغيان ، فقنط كثيرون من الحياة ورأوا أن خير وسيلة للتخلص من خدمة الأسياد والحصول على العيش ولو كفافاً ، هو دخول الأديرة حيث ينفق عليهم من تبرعات المحسنين وأوقاف الكنيسة ، ويذكر صاحب كتاب " قصة الحضارة " أن " الآلاف من الشباب كانوا يدخلون الأديرة فراراً من الخدمة العسكرية التى فرضها الرومان " (14)

ü نظــــــــــــــام الرهبـــــــــــــــــانية :

يتضمن نظام الرهبانية شروطاً لا بد من تحقيقها في الراهب منها :

1- العزوبة : أهم شروط الرهبانية ، إذ لا معنى للرهبانية مع وجود زوجة ، ومعلوم أن المسيح عليه السلام ، لم يتزوج ، وينسب إنجيل متى إلى المسيح قوله " يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع أن يقبل فليقبل " (15) . على أن التنفير من المرأة وإن كانت زوجة ، واحتقار وترذيل الصلة الجنسية وإن كانت حلالاً ، من أساسيات المسيحية المنحرفة ، حتى بالنسبة لغير الرهبان ، يقول " سان بونافنتور " أحد رجال الكنيسة : " إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائنا بشرياً ، بل ولا كائنا حياً وحشياً ، وإنما الذى ترون هو الشيطان بذاته والذى تسمعون هو صفير الثعبان " (16) .

وكان من المشاكل المستعصية على الكنيسة مشكلة زواج رجال الدين غير الرهبان أو تسريهم ، و ( كانت الكنيسة منذ زمن بعيد تعارض زواج رجال الدين بحجة أن القس المتزوج يضع ولاءه لزوجه وأبنائه في منزلة أعلى من إخلاصه للكنيسة ) .. .. ( وأنه سيحاول أن ينقل كرسيه أو مرتبته لأحد أبنائه يضاف إلى هذا أن القس يجب أن يكرس حياته لله وبنى الإنسان ، وأن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب وأن يضفي على مستواه هذه المكانة التي لا بد منها لاكتساب ثقة الناس وإجلالهم إياه " (17) " بوجوب التبتل على رجال الدين وتطليق زوجات المتزوجين منهم وكان لهذا الأمر آثار امتدت إلى القرن السادس عشر وانتهت بانتصار الكنيسة " (18) . وإذا كان هذا هو الحال مع غير الرهبان ، فلنتصور كيف تكون الحال معهم ‍! .

2- التجرد الكامل عن الدنيا : ويعنى ذلك العزلة النهائية عن المجتمع وقطع النظر عن كل أمل في الحياة ، والرضا من الرزق بالكفاف ، وعدم الاهتمام بالمطالب الجسدية حتى الضروري منها كالملابس والنظافة . وإذا كانت المسيحية المحرفة تأمر الأفراد العاديين باحتقار الحياة وتعده من أولى الواجبات فبديهي أن تكون معاملة الراهب أقسى واعتى . يقول صاحب كتاب " المشكلة الأخلاقية والفلاسفة " : " لنقرأ هذا السفر الطريف ( محاكاة المسيح ) ، إنه سفر أكبر أسفار التبتل المسيحي ، ولنطلب بين صحائفه ومظاهر الحياة المسيحية بمعناها الصحيح ، وأن ما نجده لمعبر عن الحال أبلغ عبارة : إحتقاد أساسى لكل علم ، حتى يشمل ذلك علم الإلهيات ، واحتقار أصيل لكل ما نسميه خيرات هذا العالم : الثراء والشرف الاجتماعي ، حتى المركز الوسط ، وإنه لحتم علينا أن نستشعر دائما التواضع والندم وأن نمارس عملياً على الدوام التضحية وكل مظهر تملية الرحمة وأن نجمع حواسنا في صمت وذهول تام وتأمل دينى ينسى المرء فيه كيانه ، يجب أن نقتل فينا كل ميول دنيوي ، يجب أن يموت عالم الرغبة ، يجب أن نبدأ من هذا العالم الزائل ما سوف يكون لنا الوجود الأبدى " .



ثم يعلق على هذه التعاليم قائلاً : " عظمة وعلاء ولكنه قضاء قاس على الإنسانية ، وإن التطبيق الكامل لمثل تلك المبادئ ليمكن أن يملأ الأرض بأديرة فيها الرجال من جهة والنساء من جهة أخرى ينتظرون في طهارة وتأمل الزوال النهائى للنوع الإنساني " (19)

3- العبادة المتواصلة : يفرض نظام الحياة الرهبانية على الراهب أن يكون في حالة عبادة مستمرة يميلها عليه الأب ، ولا يستطيع التردد في الطاعة ، بل عليه أن يجهد نفسه ويرهفها ويكلفها ما لا تطيقه من الصلوات والصيام والتراتيل والترانيم وسائر الطقوس ، وإذا سئم من ذلك أو قصر في شئ منه فإن للنظام عقوباته الرادعة …… ولنأخذ نموذجا نموذج لذلك تعاليم القديس " كولمبان " الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بفرنسا ، ومن تعاليمه : " يجب أن تصوم كل يوم وتصلى كل يوم وتعمل كل يوم وتقرأ كل يوم ، وعلى الراهب أن يعيش تحت حكم أب واحد " . " ويجب أن يأوي إلى الفراش وهو متعب يكاد يغلبه النوم وهو سائر في الطريق " .. .. " وكانت العقوبات صارمة أكثر ما تكون بالجلد : ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة أو نسى أن يدرم أظافره قبل تلاوة القداس ، أو تبسم أثناء الصلاة ، أو قرع القدح بأسنانه أثناء العشاء الربانى " . " وكانت اثنا عشر سوطاً عقاب الراهب إذا نسى أن يدعو الله قبل الطعام وخمسون عقاب المتأخر عن الصلاة ، ومائة لمن يشترك في نزاع ومئتان لمن يتحدث من غير احتشام مع امرأة . وأقام " كولمبان " نظام الحمد الذى لا ينقطع ، فكانت الأوراد يتلوها بلا انقطاع ليلاً ونهاراً طائفة بعد طائفة من الرهبان " يوجهونها إلى عيسى ومريم والقديسين " (20)

4- التعذيب الجنوني : لم يقتصر الأمر على ما ذكره بل – كما هي طبيعة البدع – تجاوز ذلك إلى تصرفت جنونية تشمئز لها الفطر السليمة ، ابتدعها بعض الرهبان ليعبروا عن قوة إيمانهم وعمق إخلاصهم لمبدئهم ، (وروى المؤرخون من ذلك عجائب فحدثوا عن الراهب ماكاريوس أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرض جسمه العاري ذباب سام ، وكان يحمل دائما نحو قنطار من حديد وكان صاحبه الراهب يوسيبيس يحمل نحو قنطارين من حديد .. ، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح … وقد عبد الراهب يوحنا ثلاث سنين قائما على رجل واحدة ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة ، فإذا تعب جداً أسند ظهره إلى صخرة . وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائما ، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام ، وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش ، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون من غسل الأعضاء ، وأزهد الناس عندهم وأنقاهم أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات والدنس ، يقول الراهب اتهينس أن الراهب أنتونى لم يقترف إثم غسل الرجلين طوال عمره ، وكان الراهب أبرا هام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين عاماً ، وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمان متلهفاً : و أسفاه ، لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حراماً ، فإذا بنا الآن ندخل الحمامات " (21) وهناك " راهب منعزل اخترع درجة جديدة من الورع يربط نفسه بسلسلة إلى صخرة في غار ضيق " (22) وأما القديس كولمبان فـ ( كانت السناجب تجثم على كتفيه فتدخل في قلنسوته وتخرج منها " (23) وهو ساكن .

ü نتائـــــــــــج الرهبـــــــــــــــــــانية ..

من سنن الله في الكون أن كل مبدأ أو نظام لا يساير الفطرة البشرية فإن مآله إلى الخسران والفناء ، ومصير أتباعه شقاء مطبق وضياع مرير ، لا يستطيع أحد أن يأتى بدين يوائم الفطرة إلا خالقها جل شأنه ، ولذلك كان المبتدعون وواضعوا المذاهب البشرية أكثر من شئ إساءة إلى الجنس البشرى . وما من شك أن الرهبانية ليست من فطرة الإنسان ولا من غايات وجوده ، بل هي على النقيض من ذلك ولهذا لم يأمر بها الله ولم يشرعها " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء مرضاة الله فما رعوها حق رعايتها " فهي بدعة حتى بالسنة للذين تطوعوا بإلزام أنفسهم بها مدفوعين بالحرص على رضاء الله فما بالك بها بعد أن انخرط في سلكها الفساق وطلاب الدنيا ؟ أن المرء لا تقع عينه على مؤلف من مؤلفات تاريخ الغرب في عصوره الوسطى إلا ويرى فيه ما يشين ويلطخ الحياة الرهبانية من الفضائح الشنيعة والدعارة التى لا تضارعها دعارة مواخير الفساد . يقول رئيس دير كلونى : " إن بعض رجال الدين في الأديرة وفي خارجها يستهترون بابن العذراء استهتاراً يستبيحون معه ارتكاب الفحشاء في ساحاته نفسها ، بل في تلك البيوت التى أنشأها المؤمنين الخاشعون لكى تكون ملاذاً للعفة والطهارة في حرمها المسور ، لقد فاضت هذه البيوت بالدعارة حتى أصبحت مريم العذراء لا تجد مكاناً تضع فيه الطفل عيسى " (24) . لقد أدى التزمت والغلو في الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تماماً وأصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق وتضرب بها الأمثلة في ذلك ، وقد وصل الحال بنصارى الشرق – وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكاً إلى حد أن المستهترين من الخلفاء والشعراء المجان كانوا يرتدون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر وألفوا في ذلك كتباً منها " الديارات " المعروف لدى دار الأدب العربي (25) .

هذا بالنسبة للمترهبنين ، أما الفرد المسيحى فقد ضعفت ثقته بالدين وتزعزعت في نفسه القيم والأخلاق الدينية كيف لا ، وهو يرى خصيان الملكوت ومثال الطهر يغرقون في الفجور وينالون من المتع الجسدية ما لا يمكنه بلوغه ، أما الغيورون منهم فقد اتخذوا ذلك ذريعة للانشقاق عن الكنيسة وتكوين فرق دينية جديدة لها أديرة خاصة تبدأ أول الأمر نظيفة ، لكنها لا تلبث أن تعود فتسقط فيما سقط فيه أسلافها . كل ذلك كان في الفترة التي لا تزال قبضة الكنيسة فيها قوية ونفوذها صلباً لكن المرحلة التى شهدت ضعف سلطانها فيما بعد شهدت رد فعل طاغياً ضد أغلال الكنيسة وقيودها مما جعل بذور الفلسفات الاباحية والحركات غير الاخلاقية تنمو نمواً مطرداً ، وصحح الرأى القائل بأن " المسيحية نفاق منظم كما اتهمتها أجيال عديدة من النقاد العقليين المرة تلو الأخرى " وأنها " لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق يخفي نظرة وثنية خالصة إلى الحياة " (26) هذا وقد ظلت رواسب الرهبانية متغلغلة في أعماق النفسية الأوربية حتى بعد أن فقد الدين مكانته في النفوس – لاسيما ما يتعلق بالمرأة والجنس وكان لذلك أثره في النظريات الهدامة الحديثة خاصة "الفرويدية " كما سيأتي في مبحث علمانية الاجتماع والأخلاق .

.. .. ثالثاً – الأســـــــــــــرار المقدســــــــــــــــــــــــة .. ..

فطر الله النفس الإنسانية على الإيمان بالغيب(27) ، وهو ما لا يستطيع الإدراك الذاتي أن يكتشفه ، ومن هنا نشأ فيها الشوق إلى المجهول والشوق لمعرفته ، حتى أن كثيراً من الموضوعات والحقائق تكتسب الجاذبية والإعجاب ما دامت مجهولة فإذا انتقلت إلى حيز الوجود فقدت ذلك ، ولا تستطيع النفس البشرية بمفردها أن تتلمس الخط الفاصل بين الغيب والشهادة بين المعلوم والمجهول . بل لابد من الالتجاء إلى الوحي الإلهي لمعرفته وذلك هو الطريق السليم الوحيد لكن البشر يضلون فيلتمسون ذلك من طرق أخرى ويحاولن إشباع الرغبة الفطرية في الإيمان بالغيب والتطلع إليه منقطعين عن الوحي ، فيدفعهم الشيطان في التعلق بعملائه من الكهنة والسحرة والمشعوذين ، وحينئذ يقعون في الشرك الذي جاء الأنبياء جميعاً لمحاربته بكل ضروبه . وقد وقعت البشرية في هذه الغلطة منذ القدم وامتلأت الوثنيات القديمة بالأسرار والأساليب الخفية والرموز الغامضة ، وغلط اتباع الأنبياء غلطة أشنع لاقتباسهم لأشياء من هذه الأسرار والرموز وإدخالها في دينهم وذلك ما حصل بعينه في المسيحية المحرفة . وللمسيحية أسرار كثيرة متعددة الأصول بعضها إغريقي وبعضها بوذي وبعضها منقول عن المثرائية ديانة بولس الأولى ، من هذه الأسرار ما يتعلق بأمور العقيدة كسر الثالوث – وهو أكبر أسرار المسيحية وأخطرها – ومنها ما يتعلق بشؤون العبادة والطقوس كسر التعميد ، وسر العشاء الرباني ، وسر الاعتراف ، وسر الزيت المقدس ، وسر الصلاة الأخيرة للمحتضر وأمثالها . ونستطيع أن نقول : أن الكنيسة تعمد إلى تبرير كل طقوس من طقوسها يأباه العقل وتنفر منه النفوس بأنه ( سر إلهي ) فكلمة ( سر ) كانت ثوباً فضفاضاً يستر كل نقائضها ومخا زيها ، وسلاحاً فورياً يقاوم كل اعتراض عليها. وقد سبق الكلام عن سر التثليث أما أسرار الطقوس فلنكتف منها بمناقشة سر واحد هو ( سر العشاء الرباني ) ليكون نموذجاً لبقيتها .

العشاء الرباني : العشاء الرباني هو أهم عمل في الطقوس المسيحية ويسمى أيضاً ( القربان المقدس ) وقد ورد أصل مشروعيته في إنجيل متى كما يلي : (( وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال : خذوا كلوا ، هذا هو جسدي ، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً : اشربوا منها كلكم ،لأن هذا هو دمى الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا )) (28)

أما إنجيل يوحنا فلا يتعرض لعشاء بعينه لكنه يذكر في الإصحاح السادس أن اليهود طلبوا من المسيح آية لهم كالخبز الذي أنزله الله على أجدادهم فقال لهم المسيح : (( أنا هو خبز الحياة ، من يقبل إلى فلا يجوع ، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً )) . ولما رأى دهشة اليهود من ذلك أكده بقوله : (( الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم ، من يأكل جسدي ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير لأن جسدي مأكل حق ودمى مشرب حق من يشرب يأكل جسدي ويشرب دمى يثبت في وأنا فيه )) (29) ويرى غوستاف لوبون - كغيره من النقاد العقليين – أن شعائر النصرانية ومنها العشاء المقدس بدعة منقولة عن الوثنية الميثرائية (30) ويؤيد هذا الرأي أن بولس (( شاؤول اليهودي )) كان مثرائياً أو على الأقل متأثراً بالميثرائية التي كان من شعائرها التضحية بالعجل المقدس(31) ، ولذلك نرى أن بولس يكثر في رسائله في الحديث عن جسد المسيح وحلوله وأتباعه ، ويورد في الإصحاح إلحادي عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنثيوس (32) ما يشبه كلام متى السابق مع زيادة أن ذلك في الليلة التي اسلم فيها المسيح . على أن علم الاجتماع يرجع فكرة العشاء الرباني إلى أصل قديم هو النظام الذي يعرف في اصطلاحهم باسم الطموطمية (وهو نظام معقد وغامض يحوى فيما يحوى قيام علاقة قرابة وصلة بين القبيلة .والطموطم الذي يكون حيوانياً أو نباتياً يحرم بموجبها صيده وتناوله إلا في مناسبات شعائر معينة لكي يكتسب الآكلون صفات مرغوبة يتوهمونها في الطموطم ويعتقدون أنه يجرى دمه في عروقهم بتناوله في هذه المناسبات (33) . وعلى أية حال ، فقد كان المسيحيون الأوائل يقومن وليمة تذكارية في عيد الفصح قوامها الخمر والخبز اللذان يرمزان إلى جسد ودم المسيح ، وذلك إحياء لذكرى موته كما أوصى حسب رواية بولس (( اصنعوا هذا لذكري )) وقد كان كافياً أن تقف البدعة عند هذا الحد لولا أن الكنيسة جرياً على عادتها في التحريف وسوء الفهم والخلط بين الحقيقة والمجاز أضافت إلى ذلك العقيدة المعروفة بعقيدة التحول أو الاستحالة ، وهى وجوب الاعتقاد بأن متناولى العشاء يأكلون جسد المسيح بعينه على الحقيقة ويشربون دمه نفسه على الحقيقة أيضاً . أما كيف يتحول الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح فإن ذلك سر لا يجوز لأحد أن يسأل عنه أو يشك فيه وإلا عوقب بالحرمان والطرد من الملكوت . وظاهر أن عقيدة الاستحالة مما لا يتردد العقل في إنكاره ونبذه ، إذ لا يستطيع عقل سليم أن يتصور استحالة خبز وخمر إلى لحم ودم في حين أن الآكلين يتذوقون طعم الخبز والخمر العادي ، ثم أن جسد المسيح واحد وموائد العشاء تعد بالآلاف سنوياً وفي أماكن متفرقة ، فكيف يتفرق دمه وجسده عليها جميعاً ؟

وإذا كانت الكنيسة تزعم أن الغاية من ذلك هو أن يدخل المسيح أجساد الآكلين فيتمتعوا الألوهية فهل تتحقق هذه الغاية بمجرد الاعتقاد بها ، وما جدوى هذه الوسيلة بل هذه الغاية أصلاً ؟

إن الكنيسة استغلت بلاهة وسذاجة أتباعها ففرضت عليهم مثل هذه العقائد الغريبة المجوجة لكن الفطرة البشرية لابد أن تستيقظ مهما طالت غفلتها ، وذلك ما تم بالفعل فقد أدى إسراف الكنيسة في الاستخفاف بعقول البشر ومعاندة الفطر الإنسانية إلى تلك الثورة العارمة ضد الكنيسة التي ابتدأت منذ اتصال أوروبة بنور الإسلام وانتهت بانهيار الكنيسة وفقدانها معظم نفوذها وهيمنتها في القرن الماضي .

وقد كانت مسألة الاستحالة من الثغرات التي فتحت على الكنيسة ولم تستطع لها سداً بما سببت من إنشقاقات دينية ونقد مرير من المؤرخين والمفكرين، وكان من أوائل المنكرين لها (( ويكلف )) (34) المصلح الكنسي ؛ ثم تبنت ذلك حركة البروتستانت التي تزعمها ( مارتن لوثر ) وظهر بعد ذلك النقاد العقليون فسخروا من هذا الطقس أعظم سخرية وكان من روادهم الفيلسوف الفرنسي ( فولتير ) (35)

ويقول أحد الباحثين المعاصرين عن العشاء الرباني : أنه (مثال رائع لما يراه بعض المؤرخين إفساداً للحقائق أو على الأقل إضافة جاءت في وقت متأخر ) (36)


.. .. رابعاً – عبــــــــادة الصــــــــــور والتماثيـــــــــل .. ..

شمل اقتباس النصرانية من الديانات و الوثنيات المجاورة كل أمور العقيدة والشريعة والشعائر كما شمل الذوق والإحساس والمظاهر العامة . فلم يكن شيء من عقائدها وطقوسها إلا وعليه بصمات وثنية واضحة يتجلى ذلك في التماثيل والصور التي لا يخلو منها دير أو كنيسة رغم أن شريعة التوراة تحرم التصوير ونحت التماثيل وتعده من أعمال الوثنيين ( سفر التثنية ) .

ونشأت عبادة الصور والتماثيل كأية بدعة أخرى – محدودة النطاق ، ثم نمت تدريجياً وانتشرت في أرجاء واسعة لكنها لم تدخل في صلب الديانة المسيحية بصفة رسمية إلا في مجمع نيقية الثاني كما سيأتي :

يقول : (( ول ديورانت )) : (( كانت الكنيسة أول أمرها تكره الصور والتماثيل وتعدها بقايا من الوثنية وتنظر بعين المقت إلى فن النحت الوثني الذي يهدف إلى تمثيل الآلهة ولكن انتصار المسيحية في عهد قسطنطين وما كان للبيئة والتقاليد والتماثيل اليونانية من أثر كل هذا قد خفف من حدة مقاومة هذه الأفكار الوثنية . ولما أن تضاعف عدد القديسين المعبودين نشأت الحاجة إلى معرفتهم وتذكرهم وظهرت لهم ولمريم العذراء كثير من الصور ، ولم يعظم الناس الصور التي يزعمونها أنها تمثل المسيح فحسب بل عظموا معها خشبة الصليب حتى لقد أصبح الصليب في نظر ذوى العقول الساذجة طلسماً ذا قوة سحرية عجيبة .

(( وأطلق الشعب العنان لفطرته فحول الآثار والصور والتماثيل المقدسة إلى معبودات يسجد لها الناس ويقبلونها ويوقدون الشموع ويحرقون البخور أمامها ويتوجونها بالأزهار ويطلبون المعجزات بتأثيرها الخفي .

(( وفي البلاد التي تتبع مذهب الكنيسة اليونانية بنوع خاص كنت ترى الصور المقدسة في كل مكان في الكنائس والأديرة والمنازل والحوانيت وحتى أثاث المنازل والحلي والملابس نفسها لم تخل منها ، وأخذت المدن التى تتهدد أخطار الوباء أو المجاعة أو الحرب تعتمد على قوة ما لديها من الآثار الدينية ، أو على ما فيها من الأولياء والقديسين .. للنجاة من الكوارث (36) .

تلك هي الصورة مجملة في العصور المسيحية الأولى ، ولكن المد الإسلامي العظيم في القرن الثامن الذي شمل معظم المعمورة أحدث بتعاليمه التوحيدية الخالصة أثراً قوياً في البيئات الوثنية المجاورة لا سيما دولة الروم النصرانية ، وبفضل هذا التأثير أحس الغربيون بسخافة معتقداتهم وضحالة تفكيرهم مبهورين بما لدى المسلمين من عقيدة ناصعة وحضارة شامخة .

لذلك فقد قامت في الغرب في فترات متقطعة من تاريخه حركات معادية لهذه البدعة من اشهرها محاولة الإمبراطور ( ليو الثالث ) الذي أصدر مرسوما يطلب فيه طمس الصور وإزالة التماثيل وأراد بذلك أن يزيل عن أمته ودينها الوصمة الشنيعة التي تظهره بمظهر النقص أمام أعدائه المسلمين ، لكن الكنيسة رفضت ذلك وضجت الأديرة والكنائس وثار الشعب واتفق الكل على خلعه والمناداة بإمبراطور أخر .

غير أن الحركة لم تمت ، بل ظل أوراها يستعير ، فاجتمع مجلس من أساقفة الغرب دعا إليه البابا (جريجورى الثاني ) وصب اللعنة على محطمي الصور والتماثيل (38) .

وفي عهد أحفاده عاد الصراع من جديد وظلت المسألة تتأرجح بين الحرمة والحل حتى دعت الإمبراطورة ( أيريني ) التي كانت معاصرة لهارون الرشيد رجال الدين في العالم المسيحي إلى عقد مجمع عام لبحث المسألة واتخاذ قرار حاسم حيالها فاجتمع مجمع نيقية الثاني سنة 787 وحضر 350 أسقفاً واتخذ القرار الآتي: (( إنا نحكم بأن توضع الصور في الكنائس والبنية المقدسة والملابس الكهنوتية فقط بل في البيوت وعلى الجدران في الطرقات لأننا إن أطلنا مشاهدة ربنا يسوع المسيح ووالدته القديسة والرسل وسائر القديسين في صورهم شعرنا بالميل الشديد إلى التفكير فيهم والتكريم لهم فيجب أن تؤدى التحية والإكرام لهذه الصور ، لا العبادة التي لا تليق إلا بالطبيعة الإلهية (39) .

وبذلك انتصرت وثنية الكنيسة على أفكار معارضيها ردحاً من الزمان ، وحسبت أن العبادة تعنى الركوع والسجود ولا شيء غير ذلك .

وبعد ذلك بقرابة ثلاثة قرون ، اتصل الغرب الوثني بالشرق المسلم اتصالاً أقوى عن طريق الحروب الصليبية ، فكان ذلك عاملاً فعالاً في بعث الحركة المناهضة لعبادة الصور والتماثيل ونادى كثير من المصلحين الكنيسيين بذلك وبظهور الحركة الإصلاحية تزعم البوستنانت الحرب على الصور والتماثيل وحرمتها كنائسهم ، إلا أن الغالبية الكاثوليكية لا تزال تقدسها وتلعن محطميها .

وربما دهش المرء إذا علم أن تقديس الصور عادة غربية شائعة في عصرنا الحاضر ليس في الأوساط الدينية فحسب ، بل في الأوساط العامة وبعض المثقفين (40) .

وبلغ بصورة المسيح وأمه حد الابتذال والامتهان ، وكانت الطامة الكبرى في الأفلام السينمائية حيث وصل السخف والاستهتار بإحدى الشركات السويدية ( وربما كانت يهودية ) سنة 1397هـ إلى إنتاج فيلم عن ( حياة المسيح الجنسية ) والغريب أن الدول الغربية اتخذت موقفاً سلبياً تجاه هذه الفعلة الشريرة ، بينما بعثت بعض المنظمات الإسلامية نداءات لإيقاف الفيلم .


ولم يقتصر الأمر على المسيح وأمه ، بل أن الكنيسة تجرأت على البارئ جل شأنه وصورته كما تصور المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيرً يقول الأستاذ ناصر الدين دينيه : (( الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي لم يتخذ فيه الإله شكلاً بشريا أو ما إلى ذلك من الأشكال أما في المسيحية فإن لفظ الله تحوطها تلك الصورة الآدمية لرجل شيخ طاعن في السن قد بانت عليه جميع دلائل الكبر والشيخوخة والانحلال فمن تجاعيد الوجه غائرة إلى لحية بيضاء مرسلة مهملة تثير في النفس ذكرى الموت والفناء ، ونسمع القوم يصيحون ( ليحي الله ) فلا نرى للغرابة محلاً ولا نعجب لصيحاتهم وهم ينظرون إلى رمز الأبدية الدائمة وقد تمثل أمامهم شيخاً هرماً قد بلغ أرذل العمر فكيف لا يخشون عليه من الهلاك والفناء وكيف لا يطلبون له الحياة ؟ كذلك ( يا هو ) الذي يمثل به طهارة التوحيد اليهودي فهم يجعلونه في مثل تلك المظاهر المتهالكة تراه في متحف الفاتيكان ونسخ الإنجيل القديمة المصورة )) (41) هذا وليس تصوير الآلة انحرافا في نظر الكنيسة فإن أحد علمائها يقرر (( أنه لا يمكننا أن نفهم الله إلا عن طريق تصوره بالصور البشرية )) (42)

ولنا بعد ذلك أن نتصور ما تحدثه هذه الوثنية الساذجة في نفس الإنسان الغربي المتثقف ومدى ما تنفره من الدين وتجعله فريسة الأفكار الإلحادية المتخفية بلباس ( العلم والمعرفة ) بقى أن نعلم انه لم تكن عبادة الصور والتماثيل هي الاقتباسية الوثنية الوحيدة بل كانت الأمم الأوربية المتوحشة تدخل في النصرانية إسمياً مع بقاء عقائدها وتقاليدها بحالها وتتغاضى الكنيسة عن ذلك مقابل الخضوع لها ودفع الضرائب المستحقة فلم تكن تهدف إلى هداية الناس بل إلى بسط سلطانها ونفوذها لا سيما وأنها ليست مهتدية في ذاتها .

ومن أوضح الأمثلة على ذلك دخول الجزر البريطانية في المسيحية ، فقد كان البريطانيون شديدي التمسك بوثنيتهم . ودار بينهم وبين الكنيسة صراع طويل ، ولما رأى البابا (جريجورى ) ذلك ( اصطنع اللين مع من بقى في إنجلترا من الوثنيين وأجاز تحويل الهياكل إلى كنائس بأن تحول عادة التضحية بالثيران في يسر ولطف إلى ذبحها لأنعشهم لمديح الله ، وبهذا كان كل ما طرأ على الإنجليز من تغير ، هو تحولهم من أكل لحم البقر حين يحمدون الله إلى حمد الله حين يأكلون لحم البقر) (43)


.. .. خامساً : المعجـــــــــزات والخرافـــــــــــــــــــــــات .. ..

تفتقر المسيحية المحرفة في كثير من تعاليمها إلى الإقناع العقلي والبرهان المنطقي لأثباتها نظراً لتنافيها مع الفطرة وبدائة التفكير لذلك اضطرت الكنيسة إلى تعويض نقص بضاعتها من الأدلة بادعاء الخوارق والمعجزات قاصدة التمويه على العقول الضعيفة واستغفال النفوس الساذجة ، وكانت خوارق الكنيسة وشعوذتها تتراوح بين الرؤى المنامية ذات التهويل البالغ وبين التهكن المتكلف بالمغيبات وحوادث المستقبل ، وبين تحمل الأساليب واستجداء شتى الوسائل لشفاء الأمراض المستعصية يتبع ذلك أمور أخرى كتعليق التمائم والرقى والتمتمات المجولة واستعمال إشارة الصليب وتعليق صور القديسين ، ومحاربة الشياطين وطرد الأرواح الشريرة وصد الكوارث والأوبئة واستنزال النصر في الحروب وغير ذلك . وكان من السهل على العقلية الأوربية الهمجية أن تتقبل هذه السخافات وتصدق الكنيسة في كل شيء بفضل الإرث الوثني الذي ظل متغلغلاً في أعماقها . وفي القرون الأولى للمسيحية كان معظم المعجزات يدور حول شخصية المسيح وأمه ومنها للرسل والتلاميذ ، لكن الكنيسة لم تقتصر على المعجزات الربانية الحقة بل نسج خيالها خوارق أخرى هي أخلاط وأوهام يغلب عليها عنصر التهويل وتتسم بطابع الأساطير الوثنية القديمة التي تخيلها شعراء اليونان وغيرهم .

ولنأخذ على ذلك مثلاً (( مولد عيسى )) عليه السلام كما صوره يوحنا في الإصحاح الثاني عشر من الرؤيا :

(( ظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها أكليل من أثنى عشر كوكباً وهى حبلى وتصرخ متمخضة ومتوجعة لتلده وظهرت آية أخرى في السماء هوذا تنين عظيم أحمر له سبع رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها على الأرض والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد . حتى يبتلع ولدها حتى ولدت . فولدت ابنا ذكراً أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد واختطف ولدها إلى الله وإلى عرشه والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعولها هناك ألفا ومائتين وستين يوماً وحدثت حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته )) .

أما بطرس فتروى له رسالة (( أعمال الرسل )) هذه المعجزة : (( صعد بطرس على السطح ليصلى نحو الساعة السادسة فجاع كثيراً واشتهى أن يأكل وبينما هم يهيئون له وقعت عليه غيبة فرأى السماء مفتوحة واناء نازلاً عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف ومدلاة على الأرض وكان فيها كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء )) (44)

أما في العصور اللاحقة فقد أتسع نطاق المعجزات حتى أصبحت مكانة رجل الدين – وقداسته مرهونة بما يظهر عل يديه من الخوارق وما يتعاطى من الشعوذات وكان باستطاعته أن يترقى في منصبه بالقيام بأي عمل تجهل العقول الساذجة علته الحقيقية مدعياً أن ذلك هبة من الروح القدس له ، وإذا كان التاريخ يذكر فزع الإمبراطور ( شارلمان ) وحاشيته من الساعة التي أهداها إليه الرشيد ظانين أن بها قوى خفية من الجن والشياطين فما بالك بعامة شعب الفلاحين والرعاة . ونظراً لكثرة الشواهد التاريخية على ذلك فسنتجاوز القرون الوسطى إلى العصر الحديث نلمح الكثير من الخرافات الكنسية لا تزال تمارس نشاطها على اتباع الكنيسة في العامل الغربي ذاته ، يقول فريزر : (( معظم الفلاحين في فرنسا لا يزالون يعتقدون أن القسيس يملك على العناصر قوة خفية لا تقاوم وأنه حين يتلو البعض الصلوات المعينة بالذات التي لا يعرفها سواه والتي لا يحق لغيره أن يرتلها فأنه يستطيع في حالة الخطر الداهم أن يبطل لفترة معينة فعل القوانين الأبدية للعامل الفيزيقي أو حتى يقلبها تماما )) (45)

وفي مناطق أخرى يعتقد الناس (( أن القسيس يملك القدرة على تشتيت العواصف وإن لم يكن لكل القساوسة مثل هذه الملكة ولذا فانه حين يتغير راعى الكنيسة في بعض تلك القرى يبدى أتباع الأبرشية كثيراً من التلهف لمعرفة ما إذا كان الراعى الجديد يتمتع بهذه السلطة كما يسمونها ، وعلى ذلك فبمجرد أن تظهر أدنى بادرة بهبوب إحدى العواصف الشديدة فإنهم يخضعونه للاختبار فيطلبون إليه القيام ببعض الشعائر والترتيل ضد الغيوم المتكاثفة فإذا جاءت النتائج محققة لآمالهم ضمن الراعي الجديد لنفسه عطف أتباع الكنيسة واحترامهم)) (46) وإلا فالعكس بالعكس .

وهناك قداس خاص يستعمله القساوسة في الأعمال الانتقامية يتحدث عنه فريزر بقوله : (( لا يقام هذا القداس إلا في كنيسة متهدمة أو مهجورة حيث تنعق البوم وتمرح الخفافيش وقت الغسق وتأوي إليها جماعات الغجر في الليل ، وحيث تقبع الضفادع البرية تحت مذبحها المدنس فهناك يأتي ذلك القسيس الشرير بالليل ومعه عشيقته الفاجرة الخليعة وحين ترسل الساعة أولى دقاتها معلنة الحادية عشر يبدأ يهمهم في تلاوة القداس ابتداء من آخره إلى أوله بحيث يفرغ منه يحين تبدأ دقات الساعة تعلن منتصف الليل وتقوم عشيقته بمساعدته في ذلك أما القربان الذي يباركه فلابد أن يكون أسود اللون كما انه لا يتناول النبيذ ولكنه يشرب بدلا منه بعض الماء من بئر سبق أن ألقيت فيها جثة طفل مات قبل تعميده ثم يرسم علامة الصليب ولكن على الأرض وبقدمه اليسرى ويقوم بأداء كثير من الأعمال الأخرى التي لا يستطيع أي مسيحي أن يراها دون أن يصيبه العمى والصمم والبكم بقية حياته )) (47)

وفي سنة 1893م حدثت في جزيرة صقلية حادثة تصور الموضوع أبلغ تصوير فقد كانت الجزيرة تمر بمحنة رهيبة بسبب الجفاف وكان الجدب قد استمر ستة أشهر متصلة تناقصت كميات الطعام بسرعة وأنتاب الناس ذعر شديد فجربوا كل الطرق المعترف بها للحصول على المطر ، خرجت جموعهم من منازلهم وأحاطوا بالصور والتماثيل المقدسة يتوسلون إليها بترتيل الصلوات وإضاءة الشموع في الكنائس طيلة الليل والنهار وعلقوا على الأشجار سعف النخيل الذي سبق لهم أن باركوه في " أحد السعف" (48) ونثروا في الحقول ( الكناسة المقدسة ) وهى التراب الذي كنسوه من الكنائس في ذلك اليوم فلم يجد ذلك شيئاً وحملوا الصلبان على أكتافهم وساروا حفاة الأقدام عراة الرؤوس وجلد بعضهم بعضاً بالسياط ولكن دون جدوى .

وأخيراً لجاءوا إلى القديسين وتجمعوا حول القديس فرانسيس الذي اعتادوا حسب اعتقادهم أن ينالوا المطر ببركته فأقاموا له الصلوات والترانيم والزينات لكن جهودهم كلها ذهبت هباء فنبذوا معظم القديسين حتى أنهم ألقوا بالقديس يوسف في إحدى الحدائق ليجرب بنفسه الحال التي وصل إليها الناس واقسموا أن يتركوه هناك في الشمس حتى يأتيهم المطر ، وأداروا وجوه بعض القديسين إلى الحائط كما يفعل المدرس بالتلاميذ الأشقياء ، وجردوا بعضهم من ملابسهم الفاخرة وقذفوهم بأقذع السباب والشتائم أما القديس ميخائيل رئيس الملائكة – حسب عقيدتهم – فقد نزعوا أجنحته الذهبية ومزقوها ووضعوا مكانها أجنحة ورقية في بعض المناطق قيد الناس قس بلدته وتركوه عارياً وأخذوا يهتفون إليه بغضب ( المطر أو حبل المشنقة ) (49) .

ومن الخرافات التي لا تزال عالقة بأذهان النصارى إلى اليوم خرافة (تجلى العذراء) التي يثيرونها حيناً بعد أخر (50) كما أن هناك عادت غربية شائعة اليوم أصلها خرافات كنسية فمثلاً التشاؤم من الرقم (13) أصله أن يهوذا الذي دل على المسيح هو التلميذ الثالث عشر للمسيح فكان ذلك مصدر شؤم للكنيسة وأتباعها حتى أنه عند ترقيم المنازل في المدن الغربية يرفض بعضهم وضع هذا الرقم على منزله ويضع مكانه 12ب .

وهذا غير الخرافات الكنسية عن الموت والحياة التي سنعرض لها عند موضوع ( علمانية العلم ) وحينئذ سيتضح أثر هذه الخرافات بجملتها في إثارة الصراع الذي دار طويلاً بين الدين والعلم ( أو العقل والوحي) .


.. .. سادساً – صكــــــــــــوك الغفـــــــــــــران

توجت الكنيسة تصرفاتها الشاذة وبدعها الضالة بمهزلة لم يعرف تاريخ الأديان مثيلاً ، وحماقة يترفع عن ارتكابها من لديه مسكة من عقل أو ذرة من إيمان ، تلك هي توزيع الجنة وعرضها للبيع في مزاد علني وكتابة وثائق للمشترين تتعهد الكنيسة بأن تضمن للمشترى غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبراءته من كل جرم وخطيئة سابقة ولاحقة ونجاته من عذاب المطهر ، فإذا ما تسلم المشترى صك غفرانه ودسه في محفظته فقد أبيح له كل محظور وحل له كل حرام : ماذا عليه لو زنا وسرق وقتل بل لو جدف وألحد وكفر ما دم الصك رهن يده ؟ أليس المسيح هو الذي منحه إياه والمسيح هو الذي يدين ويحاسب ؟ أتراه متناقضاً إلى هذا الحد: يمنح الناس المغفرة ثم يحاسبهم على الذنوب ؟ وإذ قد اطمأن المشترى إلى هذه النتيجة فقد بقى لديه ما ينغص الفرحة ويكدر الغبطة ذلك أن والديه وأقرباءه قد ماتوا وليس معهم صكوك . لكن الكنيسة الأم ( الرؤوم لكل المسيحيين ) شملت الكل برحمتها وأتمت الفرحة لذبونها فأباحت له أن يشترى لمن أحب ( صك غفران ) وما عليه بعد دفع الثمن إلا كتابة أسم المغفور له في الخانة المخصصة فيغادر المطهر فوراً ويستقر في ظلال النعيم مع المسيح والقديسين . أما الشقي النكد عديم الحظ فهو ذلك القن الذي لم يستطع أن يحصل من سيده الإقطاعي ( المغفور له ) على ما يشترى به صكاً من قداسة البابا أو المريض المقعد الذي لا يجد عملاً يخول له الحصول على المغفرة ، أو الفقير المعدم الذي يعجز عن استدانة دينارين يشترى بها جنات النعيم ، هؤلاء يظلوا محرومين من هذه الموهبة مهما بلغت تقواهم وعظم حبهم للمسيح وتعلقهم بالعذراء .

تلك هي المهزلة أو جانب منها فمن أين جاءت بها الكنيسة إذا كانت الأناجيل والرسائل خالية مما يدعمها أو يدل عليها ؟ إن الأساس الذي يبدو أن هذه البدعة انبثقت عنه هو الفكرة الوثنية التي ادعاها رجال الدين ( فكرة القداسة ) وعن تقديس رجال الدين نشأت فكرة الاستشفاع بهم لدى الله لمغفرة الخطايا وظل الجهلة والسذج يتوسلون إلى القساوسة راجين الشفاعة والتقرب إلى الله زلفى ، فنتج عن ذلك أن تقرر المبدأ الذي أشرنا إليه سلفاً ( مبدأ التوسط بين الله والخلق ) حتى أصبح حقاً عادياً لأي رجل دين ، بل أصبحت وظيفة رجل الدين إنما كان هي التوسط بين الله وخلقه . فعن طريقة تؤدى الصلاة ويتناول العشاء الرباني وهو الذي يقوم بالتعميد وبمراسم وطقوس الزواج والموت ويتقبل الاعترافات من المذنبين .

وفي الوقت الذي كان رجل الدين فيه يتقبل الاعتراف لم يكن ليدعي حق المغفرة من نفسه لكن المسيح – بزعمه – يغفر لمن أقر بذنبه بين يدي أحد أتباع كنيسته التي أورثها سلطانه وفرض لها السيادة على العالمين .

وكان الفرد المسيحي يستطيع ضمان الملكوت مع المسيح باعتراف واحد في العمر هو اعترف ساعة احتضاره ، إذ يتم دهن جسده بالزيت المقدس ، فيتطهر من كل الأرجاس والذنوب وكان من العقوبات الصارمة التي تتخذها الكنيسة ضد مخالفيها من الشعوب أو الأفراد حرمانهم من الاعتراف الأخير والصلاة عليهم فلا يشك مسيحي أنهم ذهبوا إلى الجحيم بسبب ذلك .

واستمر الحال على ذلك فترات طويلة حتى كان مطلع القرن الثالث عش الميلادي حيث كانت الكنيسة تجتاز مرحلة حاسمة في تاريخها وكانت بحاجة إلى مزيد من السلطة الدينية والنفوذ المالي لمواجهة أعدائها فقررت عقد مجمع عام لبحث الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك فعقد المجمع الثاني عشر المعروف باسم مجمع لاتيران سنة 1215م ونجح هذا المجمع في إقرار مسألتين كان لهما أثر بالغ على المسيحية في القرون التالية هما :

1. مسألة الاستحالة وقد مرت قريباً ( العشاء الرباني ) .

2. مسألة امتلاك الكنيسة حق الغفران للمذنبين وذلك بإصدار القرار التالي : (( إن يسوع المسيح لما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفرانات وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذي نالته من العلا منذ الأيام الأولى قد أعلم المجمع المقدس وامر بأن تحفظ للكنيسة في الكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحي والمثبتة بسلطان المجامع ، ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفرانات غير مفيدة أو ينكرون على الكنيسة سلطان منحها غير أنه قد رغب في أن يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراز حسب العادة المحفوظة قديماً والمثبتة في الكنيسة لئلا يمس التهذيب الكنسي تراخ بإفراط التساهل (51) ))

هذا وقد فرض المجمع على كل المسيحيين أن يتعرفوا أمام قسيس الأبرشية مرة كل عام لكي يستطيعوا الحصول على الغفران (52) وتنفيذاً لذلك أخذ الناس يتوافدون على الأبرشيات طلباً للمغفرة ويقدمون للقساوسة الهدايا والصدقات فارتفع مركز الكنيسة معنويا ومادياً . وبعد فترة من الزمن أخذ هذا التوافد في الفتور وتقاعس كثيرون عن الاعتراف ، وفي الوقت نفسه ازداد إلحاح الكنيسة على تثبيت مركزها وتعبئة خزائنها فقررت اتخاذ وسيلة ناجحة لضمان استمرار ذلك فهداها تفكيرها إلى كتابة الغفرانات في صكوك تباع على الملأ وتنص على غفران أبدى بحيث تكون حافزاً قوياً على دفع المبلغ المالي الذي تقرره الكنيسة أو القيام بالخدمات التي ترغب تنفيذها وهذا نص الصك : ( ربنا يسوع يرحمك يا …( يكتب اسم الذي سيغفر له ) ويشملك باستحقاقات آلامه الكلية القدسية وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي أستحلك من جميع القصاصات والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها ، وأيضاً من جميع الافراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة ومن كل علة وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس الباب والكرسي الرسولى وامحوا جميع أقذار الذنب وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة ، وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر وأدرك حديثاً إلى الشركة في أسرار الكنيسة وأقرنك في شركة القديسين ، أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معموديتك حتى أنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب ، ويفتح الباب الذي يؤدى إلى فردوس الفرح ، وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة حتى تأتى ساعتك الأخيرة ، باسم الأب والابن والروح القدس ) (53)

بقى أن نلفت النظر إلى حقيقة الوضع الذي كانت عليه الكنيسة والظروف التي ألجأتها لمثل هذه التصرفات ، ففي هذه المرحلة من تاريخ الكنيسة كانت تواجه ألد وأخطر أعدائها (( المسلمين )) وكانت الحروب الصليبية قد استعر إوراها وبدأت تلوح علامات الهزيمة للصليبيين ، وبلغ ضعف الحماس الديني في نفوس الأوربيين مبلغاً كبيراً وفقد المقاتلون ثقتهم في الكنيسة نتيجة لخيبة أملهم في النصر الذي وعدتهم وعداً قاطعاً ، ولم يروا للمسيح والملائكة والقديسيين أثر في معاركهم بل على العكس تخيلوا أنهم يقفون ضدهم تماماً ، وبذلك أهتز موقف الكنيسة وأيقنت أن وعودها المعسولة بالنصر ، وقراراتها الشفوية بالمغفرة للمشتركين في الحرب لم تعد تؤدى مفعولاً مؤثراً فقررت تجسيد هذه الأماني في وثيقة خطية محسوسة يحملها المقاتل ويندفع للاشتراك في الحملة الصليبية وهو على ثقة وعزم ، وتنفيذاً لذلك برز إلى الوجود مهزلة جديدة هي (( صكوك الغفران )) وكانت كما يقول ول ديورانت توزع على المشتركين في الحروب الصليبية ضد المسلمين (54).

وعليه فلم يكن ليحظى بالحصول على صك الغفران إلا أحد أثنين :

1. رجل ذو مال يشترى الصك من الكنيسة حسب التسعيرة التي تحددها هي .

2. رجل يحمل سيفه ويبذل دمه في سبيل نصرة الكنيسة والدفاع عنها وحراسة مبادئها .


وغير هذين رجل ثالث يعتصر قلبه أسى لأنه لا يملك ثمن الصك أو لا يستطيع أن يشترك في الحرب إما لعجزه وإما لكونه غير مستعد للموت من أجل الكنيسة لكنه يظل أسير صراع نفسي مرير وشعور بالحرمان قاتل .

وهكذا فالكل مضحون ، والكل خاسرون ، والكنيسة هي الرابح وإن كانت عند الله شر مقاماً وأخسر صفقة .




ü نتــــــــــــــائج هذه البدعـــــــــــــــــة .. ..

إن بدعة كهذه لن تمر في التاريخ مرور الكرام ، بل هي جديرة بأن تحدث أصداء واسعة الانتشار وتثير ردود فعل بعيدة الآثار ، لاسيما وقد ظهرت في الفترة التي اتصلت فيها أوروبا بنور الإسلام وأخذت العقول النائمة تتلمس مكانها في الحياة وبدأت الفطر تستيقظ بعد طول رقاد . كانت هذه البدعة أول أمرها من أسباب قوة الكنيسة ودعائم شموخها لكنها ارتدت عليها بعد ذلك شرا" مستطيرا" ووباء" قاتلا" . فمن ناحية المكانة الدينية ارتفعت منزلة رجال الدين في نظر السذج والجهلة بعد أن منحهم المسيح هذه الموهبة العظيمة وخيل إليهم أنه ما دام أعطاهم حق المغفرة للناس فبديهي أنه غفر لهم ، بل قدسهم ووهبهم من روحه كما يدعون ، وبذلك تجب طاعتهم والتزلف إليهم وتملقهم على من أراد التقرب إلى المسيح والحصول على رضاه . وإذ قد آمن الناس – ملوكاً وصعاليك – بحق الغفران ، فقد سهل عليهم أن يؤمنوا بمقابلة "حق الحرمان" ولم يزدادوا طمعاً في ذاك إلا وازدادوا رهبة لهذا.

ومن الوجهة المادية أثرت الكنيسة من عملية بيع الصكوك ثراء فاحشاً حتى أصبحت بحق أغنى طبقات المجتمع الأوروبي آنذاك بما تكدس في خزائنها من أموال وتدفق عليها من عطايا وهبات .

ومن الوجهة السياسية قويت الكنيسة وتدعمت سلطتها بالجحافل البربرية التي تطوعت للقتال في سبيلها من أجل الحصول على الغفران ، وبالمقابل انخفضت سلطة الملوك الذين كانوا جنودا" للكنيسة بأنفسهم في الحروب الصليبية ، إلا من تردد منهم أو حاول التملص من قبضتها فعوقب بالحرمان كما حدث لفريدريك الثاني(55) كل هذه الثمار جنتها الكنيسة من جراء هذه المهزلة البدعة وكان نتائجها الطغيان الأعمى والغطرسة الباغية ، ولم لا تطغى وتستبد وقد عبدها الناس من دون الله وقدسوا تعاليمها دون تعاليم المسيح ، ولم تغتر وتتجبر وهى تملك المجتمع من ناصيته وتتحكم في الضمائر وتسيطر على الأرواح كما تشاء ، وترفع من أحبت إلى أعلى عليين وتقذف من أبغضت في دركات الجحيم ، وتنصب هذا قديساً وذاك شيطاناً مريداً ؟

تلك هي الصورة الإيجابية التي خلفتها هذه المهزلة للكنيسة ، وعليها اقتصرت نظرة آبائها فدفعهم الغرور إلى المضي قدماً وازدادوا نهماً غير عابئين بالنتائج ولا حافلين بالعواقب .

لكن سنة الله لا تحابى أحداً ولا تجامله ، فكل شيء جاوز حده انقلب إلى ضده والزبد يذهب جفاء ، وهكذا كانت صكوك الغفران مسماراً في نعش الكنيسة وبداية لنهايتها وكانت خسارتها بها عظيمة عظم جنايتها

فمن الوجهة الاقتصادية نرى الإقبال الهائل على شراء الصكوك أعقبه انكماش وفتور كالذي يصيب أي بدعة أو ظاهرة جديدة بعد فترة من ظهورها فنضب الكثير من موارد الكنيسة في حين ازدادت طمعا" وشراهة واضطرت إلى عرض الصكوك بطريقة مبتذلة ، فكان الآباء والقساوسة يتجولون في الإقطاعيات ويبيعونها بأسعار مخفضة ثم زهيدة ، وكلما ازداد العرض قل الطلب وتولد لدى الناس شعور داخلي بأن شراءها إضاعة للمال فيما لا فائدة فيه ، أو على الأقل فيما ليس مضمون العاقبة . وفي الوقت نفسه داهمت المسرح المالي فئة جديدة من الناس أخذت تظهر بوضوح منافسة للطبقتين البارزتين آنذاك "النبلاء" و "رجال الدين" تلك هي الطبقة البورجوازية وحصلت تحولات أخرى كانت بمثابة المؤشر لنهاية النظام الإقطاعي بجملته . ومن ناحية المكانة الدينية لرجال الدين فقد بدأت تلك الهالة القدسية المحيطة بهم تتبخر شيئاً فشيئاً بعد زمان من ظهور هذه المهزلة وابتداء الناس يعتقدون أنهم كانوا مخطئين في ذلك الاندفاع الأعمى والتسليم الأبله وعمق ذلك الاعتقاد تنافس القساوسة على بيع الصكوك مقروناً بسيرتهم السيئة وفجورهم الفاضح ، وعجب الناس إذ رأوا كثيراً من الأشرار والطغاة يتبوءون مقاعدهم في الملكوت ببركة الصكوك التي منحها لهم رجال الدين فكان ذلك إيذاناً بالشك في قداسة رجال الدين أنفسهم ومدى صلاحهم واستحقاقهم للملكوت في ذواتهم . ومن ناحية المركز السياسي والنفوذ الدنيوي : كان لصكوك الغفران وما أحاط بها من ظروف وملابسات أثره البالغ في العلاقة بين الكنيسة من جهة والملوك والأمراء والنبلاء من جهة أخرى ، فقد رأوا أن قبضة الكنيسة تزداد استحكاماً مع الأيام وأنهم وشعوبهم ليسوا إلا أدوات أو صنائع رجال الدين يمنون عليهم بالعفو إن رضوا ويعاقبونهم بالحرمان إن سخطوا ، كما أن الثراء الذي حصلت عليه الكنيسة جعلها تبدو منافساً قوياً لأصحاب الإقطاعيات وكبار الملاك فكان يسيطر على الجميع شعور موحد بالعداوة لها والحقد عليها .

لذلك لم تكد بوادر الاستنكار ضد تصرفاتها لا سيما صكوك الغفران تبرز للعيان حتى انتهزها الملوك والأمراء فرصة سانحة لحماية الحركات المعارضة وتأجيج سعيرها ولولا أن بعض المصلحين الكنسيين ولوثر خاصة – وجدوا الحماية والعطف من الأمراء والنبلاء لما نجوا من قبضة الكنيسة ونتائج قرارات حرمانها . ومن ناحية أخرى رأى الأوربيون ، حكاماً ومحكومين ، الحياة الكريمة التي يعيشها الشرق الإسلامي حيث لا كهنوت ولا طغيان ولا احتكار ، فهزت هذه الرؤية أنفسهم وبهرت عيونهم لدرجة أن صكوك الغفران ووعود الكنيسة بالملكوت أصبحت بالنسبة لهم هراء لا طائل تحته يبعث على الاشمئزاز والاستخفاف . تلك صورة مجملة لبعض النتائج التي ترتبت على بدعة صكوك الغفران وملابساتها بالنسبة للكنيسة خاصة ، أما للوضع الاجتماعي الديني بصفة عامة ، فقد كانت صكوك الغفران سبباً مباشراً في انبعاث الشرارة الأولى التي اندلعت نيرانها فيما بعد فالتهمت الأوضاع الاجتماعية وأودت بالتعاليم الكنسية والتقاليد الدينية كافة ، ولا يشك منصف في أن للإسلام تأثيراً مباشراً على الثورة العارمة ضد الكنيسة وإن كان دعاتها ومؤيدوها يكنون له أشد العداوة والحقد ، على أن ما يهمنا الآن هو أن مهزلة صكوك الغفران قد ساعدت بصفة مباشرة على هدم التعاليم الدينية من أساسها والاستهتار بكل المعتقدات والأصول الإيمانية بجملتها وأسهمت في انتشار فكرة إنكار الآخرة "والجنة والنار" التي لا يقوم دين بغيرها . ولا زالت إلى الآن شاهداً قوياً ومستنداً قاطعاً لكل أعداء الدين في الغرب ، حيث نشأ عن الكفر برجل الدين وتصرفاته كفر بالدين ذاته وما يتصل به من سلوك وخلق . وكان الخيار الصعب الذي وضعه أعداء الدين – لا سيما اليهود – أمام الإنسان الأوروبي هو إما أن يؤمن بصكوك الغفران فيحكم على نفسه تلقائياً بالجمود والغباء والرجعية المتناهية ، وإما أن يكفر بها فيلزمه بالإطار الذي يحويها بكامله إطار الدين والغيبيات ، لا سيما الآخرة . لذلك نجد الفيلسوف اليهودي الوجودي "جان بول سارتر" يجسد هذا الخيار في إحدى رواياته المشهورة "الشيطان والرحمن" (56)هذا مع أن الكنيسة في عصرنا الحاضر لا تصدر صكوك غفران بل تستحي من ذكرها وتخجل كلما دار الحديث عنها .













>> البــــــــ الثاني ــــــــاب <<


.*.*.*. أسبــــــــــــــــــــــاب العلمانيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة .*.*.*.

>> .*.*. <<

<< .. الفصل الأول .. >>

.*.*. الطغيـــــــــــــان الكنســـــــــــــي .*.*.

<< .. الفصل الثاني .. >>

.*.*. الصراع بين الكنيســــــــــــــــــة والعلم .*.*.

<< .. الفصل الثالث .. >>

.*.*. الثـــــــــــــــــورة الفرنسيـــــــــــــــــــــة .*.*.

<< .. الفصل الرابع .. >>

.*.*. نظريـــــــــــــــة التطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــور .*.*.








<< .. الفصل الأول .. >>

// == الطغيـــــــــــان الكنســـــــــــي == //

>><<

× أسباب طغيان رجال الكنيسة :

الطغيان في ذاته مرض خطير يدمر النفس الإنسانية ويمسخ سماتها ويحيل الكائن البشري إلى روح شيطانية ماردة . ومن خصائص هذا المرض أن أعراضه لا تصيب إلا ذا نفس هزيلة أتيح لها وسائل تفوق طاقتها ومساحة أكبر من حجمها ، ولم يكن لديها وازع خلقي أو رادع إيماني يكبح جماحها ويضبط سلوكها .

ولا يكون الطغيان – كذلك – إلا مظهراً للشعور بالنقص لدى النفس الطاغية ، إذ تحاول بواسطته ستر نقيصة داخلية مؤرقة أو تسويغ مسلك معوج يعجز عن تبريره المنطق السليم والإقناع الهادئ .

فالطغيان يبدأ وسيلة خاطئة وينتهي مرضاً مدمراً لا شفاء له إلا الموت القاصم .

وحين يصدر الطغيان من حاكم وثني أو زعيم دنيوي فإنه يكون معقولاً إلى حد ما ، وإن كانت فظاعته لا يسوغها عقل ولا ضمير ، أما حين يصدر الطغيان عن رجال يراهم الناس "قديسين" ورسل سلام وطلاب أخرة ، فذلك مما يشق على النفس احتماله ويبعد عن الذهن قبوله إذا كانوا رجال دين يجعل المحبة شعاره والتسامح ميزته ويقول لأتباعه : "من يلطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضاً ، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً ، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين" (1)

إن هذه المفارقة العجيبة لتستدعي مزيداً من الفحص والتأمل للبحث عن الأسباب الكامنة وراء ذلك الطغيان الأعمى ، وذلك يستلزم أن ننظر إلى طبيعة وضع رجال الدين ، وطبيعة ظروف دينهم وطبيعة البيئة التي مكنتهم من فرض أنفسهم عليها .

أما طبيعة رجال الدين فقد كانوا سابقين لعصرهم في ناحية مهمة هي الناحية التنظيمية ، إذ كانوا مؤسسة تنظيمية مركبة تركيباً عضوياً دقيقاً من القاعدة العريضة الممتدة في كافة الأصقاع والأقاليم إلى قمة الهرم المتمركزة في روما ، وهذه الميزة أكسبتهم نفوذاً مستمراً لا يقبل المنافسة وجذوراً عميقة يصعب اقتلاعها ، ولذلك نلاحظ كثيراً من الأباطرة المتمردين على الكنيسة يفشلون دائماً في مواجهتها ويرتدون صاغرين إلى الانضواء تحت ظلها . كما أن العالم الغربي المسيحي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد الثورة الداخلية التي قادها المصلحون الكنسيون ، والتي أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد .

وكان من الممكن أن يتمتع رجال الدين بثمرات هذا التنظيم الفائق ويسخروها لخدمة المصلحة الدينية دون أن يكون ذلك داعياً للطغيان والاستبداد ، ولكن الشرط الأساسي لذلك هو النية الحسنة والخلاص المجرد وهو شرط فقدته الكنيسة منذ أن فقدت الإيمان الصحيح والعقيدة الصادقة . والنفس البشرية أينما كانت لا تخلو من حب الطغيان إذ تهيأت لها أسبابه . وليس كخشية الله تعالى واستشعار رقابته وضعف الإنسان إزاء قدرته حاجز لها عنه . ولما كانت الكنيسة مفلسة من ذلك فقد آل الأمر إلى أن تبدأ هيئاتها التنظيمية شركة دنيوية تطمح إلى النفوذ الاجتماعي والمغانم الزائلة ثم تمكنت بوسائل شتى من أن تصبح قوة استبدادية غاشمة .

وليس ثمة شك في أن مركزها الديني هو الذي هيأ لها النجاح المطرد ، وهذا يقودنا إلى البحث في طبيعة دينها وظروفه التي أتاحت لها ذلك .

سبق أن أشرنا إلى الاضطهاد البالغ الذي تعرض له أتباع السيد المسيح – عليه السلام – من بعده ، ذلك الاضطهاد الذي أدى إلى تحول الدعوة المسيحية إلى دعوة سرية ، فاختفي الكثير من دعاتها ، وتستروا في أقاليم مختلفة وأخفوا معهم نسخ الأناجيل ، بل دونوا الأناجيل آنذاك وكتبوها بلغاتهم الخاصة وظلوا يتناقلون نسخها سراً ، إذ كانت تتعرض للحرق والمصادرة من قبل الروم وكان الداخل الجديد في دينهم يأخذ عنهم التعاليم مشافهة بعد ترجمتها إلى لغته الدارجة ، ثم يبثها في بني قومه سراً ، أيضاً فإذا أشكل عليهم أمر رجعوا إلى الداعية الذي يملك نسخة لأحد الأناجيل فيبين لهم رأي الانجيل أو رأيه الخاص في ذلك الأمر . ولم يكن الدعاة يسمحون للأتباع بتمليك النسخ أو يطلعونهم عليها خشية على أنفسهم وعلى الكتب أيضاً ، بالإضافة إلى كون عقلية الأتباع وظروف البيئة لم تكن تؤهلهم للأخذ المباشر أو الاستنباط والاجتهاد الذاتي ، ويزداد الأمر صعوبة إذا كانوا يجهلون اللغة التي كتب بها الإنجيل . كل ذلك أدى إلى انحصار المصادر الدينية المسيحية في أيدي فئة قليلة من الناس واقتصار حق شرحها عليهم وحدهم ، فلما انقضت عصور الاضطهاد الديني واعتنقت الدولة الرومانية الدين الكنسي احتفظ رجال الكنيسة بحق قراءة وشرح الكتب المقدسة وأيدتهم الدولة في ذلك لتجمع رعاياها على عقيدة واحدة بإتاحة الفرصة للكنيسة للقضاء على الفرق المنشقة ، وكما قلنا في سبب وجود رجال الدين ورث رجال الكنيسة عن أحبار اليهود صفاتهم الممقوتة من التعصب الأعمى واتباع الهوى واحتكار الرأي ، فظلت مصادر الدين الكنسي حكرا" عليهم لا تقع عليها يد لباحث أو ناقد من غير رجال الدين ، وكان باستطاعة الكنيسة أن تفرض كل شئ باسم الإنجيل وهى آمنة من أن أحداً لن يقوم حيالها بأدنى معارضة .

وهكذا ظلت مصادر الدين النصراني المحرف قابعة في خبايا الكنائس وزوايا الأديرة تؤخذ تعاليمها مشافهة من أولئك الذين يزعمون القداسة والعصمة ، ما دامت مصادر الديانة غير مكشوفة فكيف يعرف الناس مقدار صدق رجال الدين فيما يقولون عن الله وكيف يمكنهم مناقشة الكنيسة فيما تمليه من عقائد وتشريع ؟ لم يكن أمامهم إلا التسليم المطلق والطاعة العمياء .

وإذ قد اطمأنت الكنيسة إلى أن أحداً لن ينبس ببنت شفة يمس قداستها وصواب آرائها ، فقد اشتطت وغلت في فرض سلطانها وتعميق هيبتها ووجدت الباب مفتوحاً إلى طغيان لا يلين ولا يرحم .

يبقى أن نعرض لطبيعة البيئة التي شهدت هذا الطغيان ومدى تأثيرها في بقائه واستحكامه ، فنرى أنه كانت الغالبية العظمى من الروم وسكان مستعمراتهم من الأميين السذج الذين ألفوا العبودية والخضوع المستمر للقوى المسيطرة وكانوا من الضحالة الفكرية على درجة ليست قليلة . وكان سكان أوربا قبائل همجية تعيش أسوأ مراحل التاريخ الأوروبي كله ، لا سيما العصور الأولى من القرون الوسطى ، التي تسمى "العصور المظلمة" ، واعتنق هؤلاء الديانة الرسمية للإمبراطورية وأحلوا عبادة المسيح محل عبادة الإمبراطور ، لكنهم لم يتعرضوا ليقظة إيمان حقيقي ، كتلك التي هز بها الإسلام نفوس معتنقيه ورفع مستواهم الروحي والعقلي إلى أفاق عظيمة ، بل ظلوا على تلك الحال من الهمجية والانحطاط حتى مطلع العصر الحديث … لذا كان من الطبيعي للجماهير الغفيرة أن تنساق وراء عقولها السطحية وعواطفها الساذجة فتصدق كل ما تسمع وتؤمن بكل ما يقال ، وكان رجل الدين هو كل شئ بالنسبة لها فلم يكن هنالك أي أثر لعالم أو مؤرخ أو باحث ، بل كان الظلام المطبق يسيطر على الحياة من كافة نواحيها ورجل الدين هو الوحيد الذي يملك بصيصا" ضئيلا" يتمثل في معرفته للقراءة والكتابة وكونه الموجه الروحي للمجتمع ... وبيئة هذه حالها ، وأمة هذه صفاتها ، جديرة بأن توفر للطاغية حماية كافية ومناخا" صالحا" لفرض طغيانه في المجال الذي يريده ، وإشباع رغبته التسلطية كما يشاء .

هذه الأوضاع والعوامل مجتمعة وهي السلطة الكهنوتية المنظمة والمصادر غير المكشوفة والبيئة البدائية جعلت من الكنيسة ماردا" جبارا" وطاغوتا" جائرا" يملك كل مقومات البقاء ولوازم الاستبداد ويريد أن يسيطر على كل شي وفق إرادته وهواه . ولم تدع الكنيسة جانبا" من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد وتغله بقيودها العاتية فهيمنت على المجتمع كمن كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة ، وإن التاريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة ويقدم نماذج حية له في كل شأن من الشئون . ولنستعرض شيئا" من ذلك في نواح مختلفة من الحياة :

× .. .. أولاً : الطغيــــــــــــــان الدينــــــــــــــــي .. ..

منذ أن ظهر إلى الوجود ما يسمى المسيحية الرسمية في مجمع نيقية 325م ، والكنيسة تمارس الطغيان الديني والإرهاب في أبشع صورة ، ففرضت بطغيانها هذا عقيدة التثليت قهراً وحرمت ولعنت مخالفيها ، بل سفكت دماء من ظفرت به من الموحدين وأذاقتهم صنوف التعذيب وألوان النكال ونصبت نفسها عن طريق المجامع المقدسة " إلهاً " يحل ويحرم ، ينسخ ويضيف ، وليس لأحد حق الاعتراض ، أو على الأقل حق إبداء الرأي ، كائناً من كان وإلا فالحرمان مصيره واللعنة عقوبته لأنه كافر "مهرطق" .

كان الختان واجباً فأصبح حراماً ، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة ، وكانت التماثيل شركاً ووثنية فأصبحت تعبيراً عن التقوى ، وكان زواج رجال الدين حلالاً فأصبح محظوراً ، وكان أخذ الأموال من الأتباع منكراً فأصبحت الضرائب الكنسية فرضاً لازماً ، وأمور كثيرة نقلتها المجامع من الحل إلى الحرمة أو العكس دون أن يكون لديها من الله سلطاناً أو ترى في ذلك حرجاً ، وأضافت الكنيسة إلى لغز "الثالوث" المعمى عقائد وآراء أخرى تحكم البديهة باستحالتها ولكن لا مناص من الإيمان بها والإقرار بشرعيتها على الصورة التي توافق هوى الكنيسة كقضية الاستحالة في العشاء الرباني وعقيدة الخطيئة الموروثة وعقيدة الصلب والعذراء والطقوس السبعة ، كل هذه فرضتها على الأتباع بحجة واحدة هي أنها أسرار عليا لا يجوز الخوض فيها أو الشك في صحتها ، وكان العامل المساعد على إنجاح محاولاتها الذي يتمثل فيه صورة الطغيان الديني جلية واضحة ما ذكرناه من احتكارها للمصادر الدينية ذلك الذي جعلها حاجباً ، لا يستطيع أحد دخول الملكوت إلا بواسطته ولا يمكنه الاتصال بالله إلا من طريقه وهي حق لا مرية فيه ما دامت الكنيسة هي التي أقررته إذ هي معصومة عن الخطأ منزهة عن الزلل . يتحدث "ويلز" عن رجال الكنيسة قائلاً :

"ولم تعد لهم رغبة في رؤية مملكة الرب موطدة في قلوب الناس فقد نسوا ذلك الأمر وأصبحوا يرغبون في رؤية قوة الكنيسة التي هي قوتهم هم متسلطة على شؤون البشر وكانوا في سبيل توطيد تلك القوة على أتم استعداد للمساومة مع أي شئ حتى البغض والخوف والشهوات المستقرة في قلوب البشر ، ونظراً لأن كثيراً منهم كانوا على الأرجح يرون الريبة في سلامة بنيان مبادئهم الضخم وصحته المطلقة لم يسمحوا بأية مناقشات فيه ، كانوا لا يحتملون أسئلة ولا يتسامحون في مخالفة لا لأنهم على ثقة من عقيدتهم بل لأنهم كانوا غير واثقين فيها ، وقد تجلى في الكنيسة في القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق حول الشكوك الشديدة التي تنخر بناء مدعياتها بأكمله وقد تجعله أثراً بعد عين ، فلم تكن تستشعر أي اطمئنان وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان كما تبحث العجائز الخائفات عن اللصوص تحت الأسرة وفي الدواليب قبل الرجوع إلى فراشهن" (2).

وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله ، مثل حق الغفران وحق الحرمان وحق التّحلة ، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها ، فحق الغفران أدى إلى المهزلة التاريخية ، "صكوك الغفران" السالفة الذكر ، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحا" مخيفا" للأفراد والشعوب في آن واحد ، فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم ، منهم الملوك أمثال "فريدريك" وهنري الرابع الألماني وهنري الثاني الإنجليزي ، ورجال الدين المخالفين من آريوس حتى لوثر ، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من "برونو" إلى "أرنست رينان" وإضرابه .

وأما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز وبين البابا ، فحرمه البابا وحرم أمته فعطلت الكنائس من الصلاة ومنعت عقود الزواج ، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة وعاش الناس حالة من الهيجان والاضطراب حتى عاد يوحنا صاغراً يقر بخطيئته ويطلب الغفران من البابا ولما رأى البابا ذله وصدق توبته رفع الحرم عنه وعن الأمة (3) .

أما حق التّحلة فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة – مصلحتها هي – ذلك (4) . على أن الكنيسة لم تقتصر على هذا بل طبقت عملياً ما يثبت إصرارها على الطغيان وحشدت الجيوش الجرارة لمحاربة من سولت له نفسه مخالفة آرائها أو اعتنق ما يخالف عقيدتها ولا نعني بذلك المسلمين أو اليهود بل الطوائف النصرانية التي اختلفت مع الكنيسة في قضية من قضايا العقيدة أو الشريعة . ومن أوضح الشواهد على ذلك في العصور الوسطى ما تعرض له "الكاثاريون" و"الوالدونيون" الذين لم يتخلوا عن الدين بل كانوا يطالبون بحياة مسيحية حقيقية تستمد مقوماتها من الكتاب المقدس نفسه وأنكروا على الكنيسة ثراءها ودنيويتها ومع ذلك فقد أعلنت الكنيسة الحرب عليهم ، وحرض البابا "أنوسنت" كما يقول ويلز : "على حرب صليبية ضد جهاته الشيع وأذن لكل نذل زنيم أو متشرد أثيم أن ينضم إلى الجيش وأن يعمل السيف والنار واغتصاب الحرائر ويرتكب كل ما يمكن أن يتصوره العقل من أنواع انتهاك الحرمات" ويعلق المؤرخ الإنجليزي على ذلك بقوله : "القصص التي تروى عن هذه الحروب الصليبية تحكي لنا أضرب القساوسة والنكال البشع ما يتضاءل إزاء بشاعته قصة استشهاد المسيحيين على أيدي الوثنيين . وهي فوق هذا تسبب لنا رعبا" مضاعفا" لما هو عليه من صحة لا سبيل إلى الشك فيها ، كان هذا التعصب الأسود القاسي روحاً خبيثاً … يتعارض تماماً مع روح يسوع الناصري . فما سمعنا أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له ، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذهنية"(5).

ولم يقف الأمر عند هذا الحد لا سيما بعد أن اتضح للكنيسة الأثر الإسلامي الظاهر في الآراء المخالفة لها فأنشأت ذلك الغول البشع والشبح المرعب الذي أطلق عليه اسم "محاكم التفتيش" . ولا يفوتنا أن نقول أن الضحية الأولى لمحاكم التفتيش كانت المسلمين الأندلسيين الذين أُبيدوا إبادة تامة بأقسى وأشنع ما يتخيله الإنسان من الهمجية والوحشية ، ثم ظلت تمارس أعمالها على مخالفي الكنيسة وإن لم يكونوا مسلمين أو متأثرين بالحضارة الإسلامية .. وانتقلت من أسبانيا إلى بقية أقاليم الكنيسة ، وكانت المحكمة الأم لها هي "المحكمة المقدسة" في روما ، و يكاد المؤرخون الغربيون يتعرضون للحديث عنها إلا ويصيبهم الاضطراب وتتفجر كلماتهم رعبا" فما بالك بالضحايا الذين أزهقت أرواحهم والسجناء الذين أذاقتهم ألوان المر والنكال .

"كان الإنسان في تلك العصور يكبس منزله وهو هادئ وادع فيحمل في جوف الليل ويعتقل الأشهر بل السنين وهو لا يدري ناهية التهمة التي سيتهم بها ، لأن خصما" له من الجيران خصما" له من الجيران قد أبلغ المحكمة بأنه سمعه يقول كيت وكيت عن الرؤيا أو عن الثالوث أو عن المعجزات ، ثم إذا أصر المتهم على إنكار ما نُسب إليه من التهمة جاز للمحكمة تعذيبه بأن تقطعه أشلاء بعد شلو أمام عينيه وأن تقرض لحمه بالمقراض ، وأخيراً تحرقه" (6).

وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري وكان الزبانية يبدءون بسحق عظام الأرجل ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا" حتى يهشم الجسم كله ويخرج من الجانب الآخر كتلة كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم ، وكان لدى المحكمة آلات تعذيبية أخرى منها آلة على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة ، يلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيتمزق جسمه إربا" إربا" ، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد فتقصه قطعة قطعة ، وتغرز في أثداء النساء حتى تتقطع كذلك .

وصور أخرى تتقزز منها النفوس وتشمئز لذكرها(7) .

وبفضل هذا الإرهاب البالغ والطغيان العاتي ، عاش الناس تلك الأحقاب ترتعد قلوبهم وترتجف أوصالهم عند ذكر الكنيسة ، ووقف كبار الفلاسفة والنقاد مبهوتين مطرقين ، لا يجرؤ أحدهم على التصريح بأنه لا يؤمن بالمسيحية مهما كانت آراؤه مخالفة لتعاليمها ، ولم يداخل العلماء الأفذاذ آنذاك مثل "نيوتن وبيكون وديكارت وكانت" أن يعترضوا على عقائد الكنيسة الفجة ، لا سيما التثليت والخطيئة والاستحالة ، أو على الأقل يجاهروا بمخالفتها ، بل يخيل إلى الباحث أنهم كانوا يعيشون فترة من فقدان الوعي تجاه هذه العقائد رغم نبوغهم في مجالات أخرى ، وإن كان للموضوع جانب أخر سنتناوله فيما بعد ، إن شاء الله .

يقول برنتن : "لم يكن بوسع الكثيرين من أفراد المجتمع الغربي أن يعترفوا صراحة وجماعة بالإلحاد أو اللارادية أو بمذهب الاتصال بالله أو بأية عقيدة أخرى غير المسيحية إلا خلال القرون القلائل الأخيرة ، وقد كان الكفار الذين يجاهرون بكفرهم قلة نادرة في الألف سنة التي استغرقتها القرون الوسطى . ولما كان الناس جميعا" مسيحيين فلم يكن هناك مفر من أن تكون المسيحية هي كل شئ لكل الناس ، فلقد كان القديس فرانسيس وأرازمس ولويولا وميكافيلي وباسكال ووزلي ونابليون وغلادستون وجون روكفلر جميعا" مسيحيين"(8) .

× .. .. ثانياً : الطغيــــــــــــــــــــان السياســــــــــــــــــي .. ..

طبيعي جداً أن يكون لرجال الدين سلطة سياسية في الأمة التي تدين بدينهم ، بل الافتراض الذي لا يصح سواه هو أن تكون أزمة الأمور كلها – والسياسة خاصة – في يد فئة مؤمنة متدينة تطبق شريعة الله وتقيمها في واقع الحياة . لكن الذي لا يصح على الإطلاق هو أن يتحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ، مع نبذ شريعة الله وإسقاطها من الحساب ليحل محلها شهوة عارمة للتسلط ورغبة شرهة في الاستبداد . ومفاد ذلك أنه لا حرج على الكنيسة في تقويم انحرافات الملوك وممارسة الضغوط عليهم إذا سولت لهم أنفسهم خرق التعاليم الدينية وتجاوز الأوامر الإلهية لتردهم إلى حظيرة الدين وتعبدهم لله وحده ، فهذا عين مهمتها في الحياة ولا ينبغي لها بحال أن تتخلى عنها ، أما أن تسهم الكنيسة في طمس الدين وتعطيل الشريعة ثم تفرض نفسها وصية على الملوك والأمراء وترغمهم على الخضوع المذل لها وتجعل معيار صلاحهم منوطا" بمقدار ما يقدمونه لها من مراسم الطاعة وواجبات الخدمة ، لا بمقدار ما يحفظون حدود الله ويستقيمون على منهجه فذلك هو الأمر الشائن والعيب الفاضح ، ومع هذا فهو الذي حصل بالفعل للكنيسة المسيحية طيلة عصور ازدهارها .

لقد ظلت النفسية الأوروبية تعاني تمزقاً رهيباً ما تزال آثاره إلى اليوم بسبب الصراع المزمن الذي دار بين الكنيسة وبين الملوك والمنافسة الشديدة بين الطرفين للقبض على مقاليد المجتمع وكسب ولاء الأفراد .

ولم تكن الحرب بين أتباع البابوات وأنصار الأباطرة أو "الجولف والجبليين" – كما يعرفهم التاريخ الأوروبي – إلا حربا" بين حزبين متناحرين لا يكاد أحدهما يتميز عن الآخر إلا في الشعارات التي يخفي تحتها مطامعه الدنيوية البحتة .

كان ملوك أوروبا يضيقون ذرعاً بتدخل الكنيسة المتعنت في كل شئونهم ، ذلك التدخل الذي لا يجدون له مبررا" على الإطلاق ، وفي نظرهم لم يكن لرجال الدين عليهم ميزة إلا "القداسة" ومع ذلك فهم أيضا" مقدسون ، إن لم يكن بأنفسهم فبنسبهم . يقول فيشر : "كانت الأسر الحاكمة في أوروبا تستمد بقاءها كمن صلتها النسبية بأحدث القديسين فيرثون منه قداسته ولا يبالي الشعب بعد ذلك بتصرفاتهم لأنهم مقدسون" (9) .

وقد جرؤ إدوارد الأول ملك إنجلترا ، وفيليب الجميل ملك فرنسا ، على القول بأنه : "ليس من الضروري أن يخضع الملك للبابا لكي يحظى بالجنة في الآخرة . وإن كلا منهما قد نوى أن يكون سيدا" في مملكته وأن شعبه يؤيده في هذه النية تمام التأييد(10) . إذن فقد كان غاية ما يطمح إليه أولئك أن تكف الكنيسة عن فرض وصايتها السياسية والدينية عليهم دون أن يفكروا في تقويض بنيانها أو الخروج على تعاليمها .

لكنهم كانوا في واد والكنيسة في واد فقد كانت ترى أن خضوع الملوك لها ليس تطوعاً منهم بل واجباً يقتضيه مركزها الديني وسلطانها الروحي جاء في البيان الذي أعلنه الباب "نقولا الأول" قوله : "إن ابن الله أنشأ الكنيسة : بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها ، وأن أساقفة روما ورثوا بطرس في تسلسل مستمر متصل … (ولذلك) فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين ، حكاماً كانوا أو محكومين" (11) .

أما البابا الطاغية "جريجوري السابع" ، فقد أعلن أن الكنيسة ، بوصفها نظاماً إلهياً ، خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية ، ومن حق البابا وواجبه ، بصفته خليقة الله في أرضه ، أن يخلع الملوك غير الصالحين وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم ، حسب مقتضيات الأحوال" . وسخر من الملوك والشعوب بقوله : "من ذا الذي يجهل أن الملوك والأمراء يرجعون بأصولهم إلى الذين لا يعرفون الله ثم يتعالون ويصطنعون العنف والغدر ويرتكبون جميع أنواع الجرائم ويطالبون بحقهم في حكم من لا يقلون عنهم – أي الشعب – جشعا" وعماية وعجرفة لا تطاق"(12) .

وليس ثمة شك في أن النصر ظل حليف الكنيسة طيلة القرون الوسطى بسبب سلطتها الروحية البالغة وهيكلها التنظيمي الدقيق واستبدادها المطلق . ولذلك فقد كان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة ، كما كان في إمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة ، ولم يكن باستطاعة أحد الانفلات من ذلك ، ومن رفض الرضوخ فإن حكمه غير شرعي ومن حق البابوية أن تعلن الحرب الصليبية عليه وتحرم أمته . ولا يعوزنا الاستشهاد على ذلك من التاريخ الأوروبي فالأمثلة فيه كثيرة . ولعل خير مثال لذلك حادثة الإمبراطور الألماني "هنري الرابع" المشهورة مع البابا جريجوري السابع وذلك أن خلافا" نشب بينهما حول مسألة "التعيينات" أو ما يسمى "بالتقليد العلماني" فحاول الإمبراطور أن يخلع البابا ورد البابا بخلع الإمبراطور وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألبهم عليه فعقد الأمراء مجمعاً قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد ، فوجد الإمبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته ،، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا فضرب بكبريائه عرض الحائط ، واستجمع شجاعته وسافر مجتازا" جبال الألب والشتاء على أشده ، يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا في تسكانيا وظل واقفا" في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام وهو في لباس الرهبان متدثرا" بالخيش حافي القدمين اعري الرأس يحمل عكازه مظهراً كل علامات الندم وإمارات التوبة حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم(13) . وفي بريطانيا حدثت قصة أخرى مماثلة فقد حصل نزاع بين الملك هنري الثاني وبين "تومس بكت" رئيس أساقفة كنتربري ، بسبب دستور رسمه الملك يقضى على الكثير من الحصانات التي يتمتع بها رجال الدين ، ثم أن رئيس الأساقفة اغتيل فروعت المسيحية وثار تأثرها على هنري ودمغته بطابع الحرمان العام . فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام ، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة وأعلن للبابا براءته من الجريمة ووعد بأن يكفر بالطريقة التي يرتضيها ، وألغى الدستور ورد إلى الكنيسة كل حقوقها وأملاكها ، وبالرغم من ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى كنتوبري حاجاً نادماً ومشى الثلاثة أميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصوان ، حافي القدمين ينزف الدم منهما ، ثم استلقى على الأرض أمام قبر عدوه الميت وطلب من الرهبان أن يضربوه بالسياط وتقبل ضرباتهم وتحمل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا وأتباعه(14) .

وأعظم زعيم تحدى سلطات الكنيسة واستطاع مقاومتها مدة غير يسيرة ، هو الإمبراطور "فريدريك الثاني" وتعود صلابته إلى المؤثرات الإسلامية في ثقافته وشخصيته ، فقد كان مجيدا" للعربية مغرما" بالحضارة الإسلامية ، حتى أن الكنيسة اتهمته باعتناق الإسلام وسمته "الزنديق الأعظم" أما المفكرون المعاصرون فيسميه بعضهم "أعجوبة العالم" وبعضهم "أول المحدثين" .

وقد اشتد النزاع بينه وبين البابا "جريجوري التاسع" بسبب رفضه القيام بحملة صليبية على الشرق – وكانت الكنيسة تعد الملوك جنوداً طائعين لها – فحرمه البابا وشهر به في رسالة علنية عدد فيها هرطقاته وذنوبه ، فكان على الإمبراطور أن يدفع التهمة عن نفسه برسالة وصفها ويلز بأنها "وثيقة ذات أهمية قصوى في التاريخ ، لأنها أول بيان واضح صريح عن النزاع بين مدعيات البابا في أن يكون الحاكم المطلق على عالم المسيحية بأسرة ، وبين مدعيات الحكام العلمانيين وقد كان هذا النزاع يسري على الدوام كالنار تحت الرماد ولكنه كان يضطرم هنا على صورة ويتأجج هناك على صورة أخرى . ولكن فريدريك وضع الأمر في عبارات واضحة عامة يستطيع الناس أن يتخذوها أساسا" لاتحادهم بعضهم مع بعض"(15) للوقوف في وجه الكنيسة .

على أن فردريك كان ظاهرة فذة لم تلبث أن تختفي تحت قهر قرارات الحرمان والسطوة الكنسية الباغية ، ولم يعرف التاريخ الأوروبي من يماثله إلا بعد أجيال عديدة .


× .. .. ثالثاً : الطغيـــــــــــــــــــــان المـــــــــــــــالي .. ..

يستطيع المرء أن يقول دون أدنى مبالغة أن الأناجيل المسيحية لم تنه عن شئ نهيها عن اقتناء الثروة والمال ، ولم تنفر من شئ تنفيرها من الحياة الدنيا وزخرفها ، حتى أن المتأمل في الأناجيل – رغم تحريفها – لابد أن يؤخذ بروعة الأمثلة التي ضربها المسيح عليه السلام للحياة الدنيا ومتاعها الزائل ، كما أنه سيرى من سيرة المسيح العملية ما يؤيد مواعظه البليغة ، فقد كان هو وحواريوه وعين زاهدين ينظرون بعين المقت والازدراء إلى الكنوز المكدسة التي يحوزها بنو جنسهم من اليهود" .

وجاءت القرون التالية فشهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين واقع الكنيسة العملي ، فقد تشددت الكنيسة جدا" حتى حرمت ما أحل الله من الطيبات واقتبست النظرة البوذية التشاؤمية للحياة الدنيا – كما مر سلفا" – وفي الوقت نفسه كانت سيرتها الذاتية صفحة مخزية من التهالك على الدنيا وامتصاص دماء الأتباع بما لا يضارعها فيه أثرياء اليهود وكبار الإقطاعيين الذين تسميهم الكنيسة "دنيويين" في حين أن المسيح يقول "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" (16).

ويقول لتلاميذه ولا تقتنوا ذهبا" ولا فضة ولا نحاسا" في مناطقكم ولا مزودا" للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا" (17) ، وفي الوقت الذي تفرض فيه الكنيسة على أبتاع دينها التقشف والزهد ، نجد حال الكنيسة نفسها مغايرا" لروح وصايا المسيح ولمقتضى ما تدعو الناس إليه .

يقول "كرسون" : "كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة ، كل ذلك خيرا" للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ ، أما أساقفة البلاد والشخصيات الكهنوتية الكبيرة فقد كان شئ أخر : البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء والشهوة في مجالس الخاصة والعجلات والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب" (18) .

ونستطيع أن نلخص مظاهر الطغيان الكنسي في هذا المجال بما يلي :-

1-الأملاك الإقطاعية : يقول "ديورانت" : "أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا ، فقد كان دير "فلدا" مثلا" ، يمتلك (15000) قصر صغير ، وكان دير "سانت جول" يملك ألفين من رقيق الأرض ، وكان "الكوين فيتور" (أحد رجال الدين) سيدا" لعشرين ألف من أرقاء الأرض ، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة … وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية … وهكذا أصبحت الكنيسة جزءا" من النظام الإقطاعي .

"وكانت أملاكها الزمنية ، أي المادية ، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه ، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين ومصدرا" للجدل والعنف بين الأباطرة والباباوات" (19) .

2-الأوقــــــــــاف : كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافا" للكنيسة بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة وبناء الكنائس وتجهيز الحروب الصليبية ، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول درجة لا تكاد تصدق ، وقد قال المصلح الكنسي "ويكلف" وهو أوائل المصلحين : "إن الكنيسة تملك 3/1 أراضي إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي ، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف واتبع رجال الدين بأنهم "اتباع قياصرة لا أتباع الله" (20) .


3-العشــــــــور : فرضت الكنيسة على كل أبتاعها ضريبة "العشور" وبفضلها كانت الكنيسة تضمن الحصول على عشر ما تغله الأراضي الزراعية والإقطاعيات ، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين . يقول ويلز : "وكانت الكنيسة تجبي الضرائب ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب ، بل فرضت ضريبة العشور على رعاياها ، وهي لم تدع إلى هذا الأمر بل طالبت به كحق"(21) . ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئاً من ذلك ، فالشعب خاضع تلقائيا" لسطوتها ، أما الملوك فقد كانوا يخشون بأسها من جهة كما كانت بها مصالح مشتركة من جهة أخرى ، إذ كانت هي أيضا" تمدهم بأسباب البقاء … يقول تولستوي :"لقد استولى حب السلطة على قلوب رجال الكنيسة كما هو مستول في نفوس رجال الحكومات ، وصار رجال الدين يسعون لتوطيد سلطة الكنائس من جهة ويساعدون الحكومات على توطيد سلطتها من جهة أخرى" (22) . إذن فمصلحة السلطتين تقتضي بقاء الأوضاع على صورتها الواقعة .

4-ضريبة السنـــــــــــة الأولى : لم تشبع الأوقاف والعشور نهم الكنيسة الجائع وجشعها البالغ بل فرضت الرسوم والضرائب الأخرى ، لا سيما في الحالات الاستثنائية : كالحروب الصليبية والمواسم المقدسة ، وظلت ترهق بها كاهل رعاياها ، فلكا تولى البابا حنا الثاني والعشرين جاء ببدعة جديدة هي "ضريبة السنة الأولي" وهى مجموعة الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية ، تُدفع للكنيسة بصفة إجبارية ، وبذلك ضمنت الكنيسة موردا" ماليا" جديدا" (23) .

5-الهبـــــــــات والعطايـــــــــــا : كانت الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق والرياء أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة ، وصحيح أن الكنيسة لم تطالبهم بذلك ، لكنهم لولا معرفتهم بحرصها على الدنيا وإمكان استمالتها بطريق البذل والعطاء لما فعلوا ذلك ، كما أنهم كانوا يخشون غائلة غضب الكنيسة بحرمانهم من المغفرة عند الاحتضار على الأقل . وقد قويت هذه الدوافع بعد مهزلة صكوك الغفران إذ انهالت التبرعات على الكنيسة وتضخمت ثروات رجال الدين كما أسلفنا . هذا ولا ننسى المواسم المقدسة والمهرجانات الكنسية التي كانت تدر الأموال الطائلة على رجال الكنيسة ، فمثلا" "في سنة 1300م عقد مهرجان لليوبيل واجتمع له جمهور حاشد من الحجاج في روما بلغ من انهيال المال إلى خزائن البابوية أن ظل موظفان يجمعان بالمجاريف الهبات التي وضعت عند قبر القديس بطرس" (24)

6-العمل المجاني "السخرة" : سبق القول بأن الكنيسة تملك الإقطاعيات برقيقها وأن بعض رجال الدين كان يملك الآلاف من الأرقاء ، غير أن ذلك لم يقنع الكنيسة بل أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها ، لا سيما بناء الكنائس والأضرحة ، وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملون بالمجان لمصلحتها مدة محددة هي في الغالب يوما" واحدا" في الأسبوع ولا ينالون مقابل ذلك جزاء" ولا شكورا" . وهكذا كانت الجماهير ترزح تحت أُقال الكنيسة وأعبائها المالية المرهقة ، وكان الملوك والأباطرة ورجال الدين الصغار يحسون بذلك أيضا" ويتحينون الفرصة لإعلان احتجاجهم . ومن الذين تضجروا من ذلك ودفعتهم جرأتهم إلى الاحتجاج العلني الملك لويس التاسع ملك فرنسا ، الذي كتيب إلى البابا رسالة احتجاجية خطيرة "بالنسبة لعصرها" قال فيها: "إن الذي يشتد في إدرار الأضراع لابد أن يصيب الدم من حلماتها" . أما رجال الدين فقد كان أحد الموضوعات التي نظر فيها المجلس الديني العام المنعقد في ليون سنة 1246 شكوى مقدمة من بعضهم يستغيثون فيها من مطالب البابا والكنيسة الأم(25) . ولكن هذه الاحتجاجات والاستغاثات ظلت صرخة في واد ولم تزحزح الكنيسة عن موقفها ، وظلت الأمور على هذه الوتيرة حتى تضافرت عوامل أخرى سيأتي الحديث عنها فيما بعد بإذن الله .


<< .. الفصل الثاني .. >>

// == الصراع بين الكنيسة والعلم == //

>><< الصراع بين الدين والعلم مشكلة من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوربي إن لم تكن أعمقها قاطبة ، فمنذ عصر النهضة إلى عصرنا الحاضر والصراع على أشده بين مؤيدي العلم وأنصار الدين ،ورغم كل الظواهر البارزة في الحياة الغربية التي تؤكد أن المعركة ق انتهت وان العلم انتصر بصفة نهائية على خصمه اللدود ، فإن هناك ما يدل دلالة قوية على أن الدين ، أو على الأصح بعض قضاياه الإعتقادية والسلوكية ،لم تكن في عصر من العصور أقوى حجة منها في هذا العصر ،لا سيما بعد أن تنكرت الثقافة الغربية لأفكار القرن التاسع عشر التي تتسم بخاصتي "الإطلاق والعقلانية " واعتنقت نظريات القرن العشرين التي تتميز بالنسبية واللامعقول .

ولذلك فقد خيل للكثيرين أن المعركة لم ولن تنتهي وأنها باقية ما بقيت المعرفة الإنسانية ،وساعد على ترسيخ هذه الفكرة تقبل النفسية الأوربية للازدواجية في كل شيء وهو التقبل الذي تولد من خضوعها المستمر لسلطتين متباينتين وإيمانها الطويل بفكرتين متناقضتين .

وقليل منهم من فطن إلى السر الكامن وراء استمرارية المعركة دون نتيجة نهائية حاسمة .والواقع أن السبب الحقيقي في ذلك يمكن إدراكه بسهولة لو أن الإنسان الغربي – من أي الفريقين – تخلى عن غروره وتبجحه ونظر إلى المشكلة نظرة تقييمية مجردة ، وذلك أن أي خصمين يملك كل منهما نصف الحقيقة لا يمكن أن ينتصر أحدهما على الآخر انتصاراً نهائياً .

وبتطبيق هذه البديهية على الصراع بين العلم والدين الأوروبيين نجد أن المواقع التي احتلها العلم من مناطق نفوذ الدين هي في الحقيقة المواقع التي انتصر فيها العقل واليقين على الخرافة والوهم ، كما أن المواقع التي صمد فيها الدين أمام الهجوم العلمي الكاسح هي المواقع التي انتصرت فيها الحقيقة الموحاة على التخرصات والأهواء . وحينئذ نستطيع أن نقول مطمئنين : إن الحق في كل من الطرفين هو الذي انتصر ، أو سينتصر ، على الباطل في كليهما ،وانه لو كان الدين الأوروبي حقاً خالصاً والعلم الأوروبي يقيناً مجرداً لما حدثت معركة على الإطلاق . وبما أن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة ، فإن الأوفق أن نسمي ما حدث في الغرب صراعاً بين الكنيسة والعلم ، وليس بين الدين والعلم.

ومن المؤسف حقاً أن جناية رجال الدين الأوربيين على الحقيقة كانت أشنع وأنكى من جناية أنصار العلم عليها ، وإن كان كل منهما مسؤولاً عن النتائج المؤسفة لذلك الصراع ، ذلك أن الكنسية ارتكبت خطأين فادحين في آن واحد : × أحدهما : تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلطها بكلام البشر . × والآخر: فرض الوصاية الطاغية على ما ليس داخلاً في دائرة اختصاصها .

والخطأ الأول مسؤول عن تسرب الخرافات الوثنية والمعلومات البشرية إلى كثير من تعاليم المسيحية ، إذ جعلتها الكنيسة عقائد إلهية تدخل في صلب الدين وصميمه ، وعدت الكفر بها كفراً بالوحي والدين .

والخطأ الثاني نشأ عن ضيق صدر الكنيسة بما يخالف تعاليمها الممزوجة وإصرارها الأعمى على التشبث بها ، فكان الامتداد الطبيعي للطغيان الديني طغياناً فكرياً عاماً ، وحاسبت الناس ، لا على معتقدات قلوبهم فحسب ، بل على نتائج قرائحهم وبنات أفكارهم ، وتوهمت أن في قدرتها أن تملك ما لا تستطيع أية قوة طاغية أن تحتكره ، وهو الحقيقة العلمية فيما يتعلق بالتجربة المحسوسة أو النظر العقلي السليم . وبذلك أقحمت نفسها في متاهات كانت غنية كل الغنى عن عبورها وأثارت على نفسها حربا ضروساً لا هوادة فيها ولا تمييز .


وأول عمل مارسته الكنيسة في هذا المجال هو احتكارها للعلم وهيمنتها على الفكر البشري بأجمعه . يقول برنتن : "إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية حتى في أوج العصور الوسطى كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية ، وكانوا جزءاً من الكنيسة ، حيث أن الكنيسة بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري وتوجهها وبخاصة النشاط العقلي " …"وإذن فقد كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة يكادون يحتكرون الحياة العقلية ، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة والصحافة والنشر والمكتبة والمدرسة والكلية (1) ، وكان أصحاب الميول الفلسفية في الدول الرومية سواء من رجال الكنيسة أومن المسيحيين العاديين ، متأثرين بتراثهم من الفكر الإغريقي في ميادين العلم والفلسفة ، لا سيما آراء أرسطوا وبطليموس ، وقد بذلوا جهودهم في التوفيق بين معتقداتهم الدينية وآرائهم الفلسفية .ونشأ عن ذلك فلسفة مركبة تسمى "الفلسفة المسيحية " ، وهي خليط من نظريات الإغريق وظواهر التوراة والأناجيل وأقوال القديسين القدامى . ولما كان العلم والفلسفة في ذلك العصر شيئاً واحداً ، فقد أدمج الفلاسفة المسيحيون في صرح فلسفتهم كل ما وصل إليه العلم البشري في عصرهم من النظريات الكونية والجغرافية والتاريخية ، ورأت الكنيسة في هذه الفلسفة التوفيقية خير معين على الدفاع عن تعليمها ضد المارقين والناقدين (2) ، فتبنتها رسمياً وأقرتها مجامعها المقدسة حتى أضحت جزءاً من العقيدة المسيحية ذاتها وامتدت يد التحريف فأدخلت بعض هذه المعلومات في صلب الكتب الدينية المقدسة .

ولم يبدأ عصر النهضة الأوروبية في الظهور حتى كانت آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون . وما أضاف إلى ذلك القديس أوغسطين وكليمان الإسكندري ونوما التكويني ، أصولاً من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك .

وكانت الفلسفة المسيحية هذه تشتمل على معلومات تفصيلية عن الكون تقول :" أن الله خلق العالم ابتداء سنة 4004 ق.م. ، وتوج ذلك بخلق الإنسان في جنة عدن على مسيرة يومين من البصرة بالضبط ، والعجيب أنها ظلت مصرة على هذا الرأي حتى مطلع القرن التاسع عشر ، فقد طبع كتاب الأسقف "آشر " الذي يحمل هذه النظرية سنة 1779 م (3) .

أما تاريخ الطوفان فتختلف فيه تقاويم التوراة ، لكنه على أقصى آرائها وقع بعد خلق آدم بـ (2262)سنة (4) .

ومعنى ذلك أنه كان سنة 1742 ق.م ، ومن الطريف أن مجلساً كنسياً كان قد أعلن في بداية القرن العاشر للميلاد أن القرن الأخير من حياة العالم قد استهل لأن الله قد جعل المدة بين إنزال ابنه ونهاية العلم ألف سنة فقط (5) . أما معلوماتها الطبية ، فقد كانت أفضل وأنجح الوسائل العلاجية في نظرها إقامة الطقوس لطرد الشياطين التي تجلب المرض ورسم إشارة لصليب ووضع صور العذراء والقديسين تحت رأس المريض ليشفي .

وعرفت أوروبا الطريق إلى النهضة بفضل مراكز الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية وجنوب إيطالية التي كانت تشع نور العلم والمعرفة على القارة المستغرقة في دياجير الخرافة والجهل ، فاستيقظ العقل الأوروبي من سباته وأخذ يقتبس عن المسلمين طرائق البحث ومناهج التفكير التي تجعله يكد ويعمل في مجال اختصاصه دون وصاية ضاغطة .

وثارت ثائرة رجال الكنيسة على الذين يتلقون علوم الكفار (المسلمين) ، ويعرضون عن التعاليم المقدسة فأعلنت حالة الطوارئ ضدهم وشكلت محاكم التفتيش في كل مكان تتصيدهم وتذيقهم صنوف النكال . وأصدرت منشورات بابوية جديدة تؤكد العقائد السابقة وتلعن وتحرم مخالفيها ، وبذلك قامت المعركة على قدم وساق وأخذت تزداد سعاراً بمرور الأيام . وكان من سوء طالع الكنيسة أن النظريات الكونية سبقت النظريات الإنسانية في الظهور وهي نظريات أثبتت الأيام صحتها – إجمالاً – بخلاف الأخرى ، وبذلك قدر للكنيسة أن تصطدم بالصحيح قبل الزائف ، فلما خسرت معركتها معه سهلت هزيمتها أمام الآخر . هذا وسنستعرض بإيجاز هذا الصراع مراعين التسلسل التاريخي :

أولاً-مطلع العصر الحديث والقرن السابع عشر : >><< إن النظرية التي هوت الكنيسة لأول مرة هي نظرية كوبرنيق (1543) الفلكية ،فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون وتقول أن الأجرام السماوية كافة تدور حولها (6) . فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك كان جديراً بأن يقع في قبضة محكمة التفتيش ، ولم ينج من ذلك لأنه كان قسيساً ، بل لان المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل ؟. فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته ، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه "حركات الأجرام السماوية "ومنعت تداوله وقالت أن ما فيه هو مساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل . وظنت أن أمر هذه النظرية قد انتهى ، ولكن رجلاً آخر هو "جردانو برونو " بعث النظرية بعد وفاة صاحبها فقبضت عليه محكمة التفتيش وزجت به في السجن ست سنوات فلما أصر على رأيه أحرقته سنة 1600م وذرت رماده في الهواء وجعلته عبرة لمن اعتبر . وبعد موته ببضع سنوات كان "جاليلو " قد توصل إلى صنع المرقب "التلسكوب " فأيد تجريبياً ما نادى به أسلافه نظرياً فكان ذلك مبرراً للقبض عليه ومحاكمته و " قضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات " (7) ، ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريق التي انتهى بها برونو أعلن ارتداده عن رأيه وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلاً : "أنا جاليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك ، والكتب المقدس أمامي ألمسه بيدي ، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض " ، وتعهد مه هذا بتبليغ المحكمة عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل (8) .

هؤلاء هم زعماء النظرية وهذا هو موقف الكنيسة منهم وليس غريباً أن تضطهدهم وتحارب أفكارهم ، فغن أفكارها لا تعيش إلا في الظلام ، وهي لن تستعبد الناس بالحق ، بل الخرافة .. ولكن الغريب هو أدلتها الدينية التي ساقتها لتكذيب النظرية – وما كان ليضير الدين في شيء أن تصدق أو تكذب .

قالت الكنيسة : إن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن الأقنوم الثاني – المسيح – تجسد فيها ، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء ، وفوقها يتناول العشاء الرباني ، كما أن التوراة تقول : "الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق " (9) أما كروية الأرض وسكنى جانبها الآخر فنفتها الكنيسة بحجة أن " من خطل الرأي أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رؤوسهم وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة إلى أسفل ، وقالت أنه لو صح هذا الزعم لوجب أن يمضي المسيح إلى سكان الوجه الآخر من الأرض ويموت مصلوباً هناك من أجل خلاصهم " (10) .

ومع ذلك ، فلم يكد القرن السابع عشر يستهل حتى كان لنظرية كوبرنيق وما أضاف إليها برونو وجاليلو آثار واسعة ، ظلت راسخة في الفلسفة الأوروبية عامة ، فقد أفقدت الكثيرين ثقتهم في الكنيسة وأدت إلى التشكيك في سلامة معلوماتها ، وهو أثر له أهميته القصوى ، كما أنها أعطت الأولوية للتجربة والبحث العقلي في الوصول إلى الحقائق . وإضافة إلى ذلك قدمت إيحاءات فلسفية جديدة ، فقد هزت فكرة الثبات المطلق التي كانت مسيطرة على العقلية الأوربية وحطت كذلك من قيمة الإنسان ومكانته في الوجود – أو هكذا تخيل الناس آنذاك - . وفي القرن السابع عشر تبلور النزاع واتخذ شكلاً جديداً : فقد أصبح النزاع بين مرقب جاليلو وحجج الكنيسة الواهية نزاعاً بين النص الذي تعتمد عليه أدلتها وبين العقل والنظر الذي استند إليه أصحاب النظريات الجديدة . وثار العلماء ودعاة التجديد مطالبين بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة بعيدا عن الوحي ، ولم يجرؤ دعاة المذهب العقلي أول الأمر على إنكار الوحي بالكلية ، بل جعلوا لكل من الطرفين دائرة خاصة يعمل فيها مستقلاً عن الآخر . وكان مذهب "ديكارت " أبرز المذاهب الفلسفية في هذا العصر ، وقد دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة واستثنى من ذلك –لسبب ما – الدين والعقائد الكنسية والنصوص المقدسة وكان يرى "أن ميدان العلم الطبيعة ، وموضوعه استغلال القوى الطبيعية وأدواته الرياضة والتجربة ويختص الدين بمصائر النفس في العالم الآخر ويعتمد على الاعتقاد والتسليم فلا مضايقة بين العلم والدين ولا سلطان لاحدهما على الآخر"(11) . وهذه الازدواجية الديكارتية وجدت لها نظيراً في منهج بيكون التجريبي الذي قال عنه أندرسن : " إن أعظم مآثر بيكون الفصل بين العلم البشري والوحي الإلهي " . فعند بيكون يمكن أن تكون أي قضية خاطئة تماماً في نظر العقل ولكنها صحيحة تماماً لأنها نظر الدين (12) . والواقع أن المذهب الازدواجي ليس إلا مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالوحي إلى الإنكار المطلق له . ومع ذلك فقد وجد فلاسفة آخرون معاصرون لهؤلاء لم ترق لهم هذه الفلسفة ، بل أغرتهم تفاهة آراء الكنيسة وحقدهم عليها أن يهاجموا التعاليم الدينية هجوماً مباشراً .

وكان "سبينوزا" – بحكم يهوديته – أعنف هؤلاء ، فقد طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه ووضع الأسس التي قامت عليها "مدرسة النقد التاريخي " التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية أى على أساس أنها تراث بشري وليست وحياً إلهيا، وبالفعل حقق "سبينوزا " نتائج إيجابية : فمثلاً استنتج أن أسفار التوراة لم يكتبها موسى ، مستدلاً بما جاء في سفر التثنية من ذكر موت موسى ورثائه ، وقول كاتب السفر : "لم يأت نبي مثله من بعده " . وأيضاً استطاع أن يثبت أن التوراة قد عينت أماكن بأسماء لم " توضع لها إلا بعد موسى بقرون عديدة " (13) كما استطاع "باسكال " أن يوجه نقده إلى عقيدة الخطيئة قائلاً : " لا شيء يزحم العقل الإنساني بالألم كعقيدة الخطيئة الأصلية وأنه ليبدو أبعد ما يكون عن العقل أن يعاقب إنسان من أجل خطيئة اقترفها أحد أسلافه منذ أربعة آلاف سنة " (14) .

أما "جون لوك " فقد خطا خطوة أبعد من ديكارت بأن طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلاً : "من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالاً فقد أطفأ نور كليهما وكان مثله كمثل من يقنع إنساناً بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق " (15) …كما دعا إلى تطبيق مبدأ جديد على الحياة الأوربية آنذاك ، وهو مبدأ التسامح الديني وإعطاء الحق لكل إنسان في أن يعتنق ما يشاء ويكفر بما يشاء من الأديان والمذاهب .

على أن نقد هؤلاء الرواد لم يصل إلى إنكار الوحي والرسالات السماوية بصراحة كما أنه ظل خافتاً أمام بطش محاكم التفتيش أو على الأقل ضغط المجتمع الذي كان يدين بالمسيحية ويراها جزءاً من كيانه وتراثاً عزيزاً عليه . وقد تعرضت كتب ديكارت وسبينوزا ولوك وأضرابها للحرق والمصادرة كما تعرضوا شخصياً للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة . إلا أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافات الداخلية بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من الاهتمام .

كما أن النظريات الجديدة عن الكون في هذا القرن قد غمرت الأفكار الفلسفية واستأثرت بالاهتمام البالغ من قبل الأوساط الدينية والعلمية على السواء ، وأعظم هذه النظريات " نظرية الجاذبية " لا سحق نيوتن .

ولد إسحاق نيوتن في السنة التي توفي فيها جاليلو (1642) ، ويعد عمله تتميماً لما بدأه جاليلو ، فقد مهد اكتشاف جاليلو لقانون البندول سنة 1604م الطريق أمام النظرية القائلة " أنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعة بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها " (16) ، وبذلك كان هذا الاكتشاف الضئيل بمثابة النواة للمذهب "الطبيعي "والنظرية الميكانيكية اللذين كان لهما صدى واسع فيما بعد . وقد حاربت الكنيسة هذه النظرية وشنعت على معتنقيها قائلة : إن الأشياء لا تعمل بذاتها ولكن عناية الله هي التي تسيرها ، ولم تكن الكنيسة من سعة الأفق عل جانب يسمح لها بتفهم عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله تعالى باعتباره الفاعل الحقيقي وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة ، بل كان حنقها على كل جديد صارفاً لها عن ذلك ، كما أن أصحاب النظرية اندفعوا وراء رد الفعل الأهوج فأنكروا عمل العناية الإلهية وربط الأسباب بالمسببات معتقدين أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه – حس ب تعبيرهم - . فلما جاء نيوتن بنظرية الجاذبية مؤيدة بقانون رياضي مطرد انبهرت عقول الفئات المثقفة واتخذها أعداء الدين سلاحاً قوياً حتى لقد سميت "الثورة النيوتونية " وأحس هؤلاء بنشوة انتصار عظيمة ، فقد أمكن تفسير الكون كله بهذا القانون الخارق ، كما تأكدت صحة نظريات كوبرنيق وبرونو وجاليلو . وفي الوقت نفسه اهتز موقف الكنيسة وتداعت حججها الواهية أكثر من ذي قبل ، ولجأت إلى التعسف والعنف وهاجم رجالها نيوتن الذي كان مؤمناً بوجود الله ، بحجة أنها تفضي إلى إنكار وجود اله ، بنفي العناية الإلهية من الكون . وقد ثبت أنهم كانوا على حق في توقعهم هذا ، لكنهم كانوا مخطئين في موقفهم من النظرية ، فقد ساعد هذا الموقف الخاطئ على الوصول إلى تلك النتيجة الباطلة .

ولا شك أن نظرية نيوتن من أعظم النظريات العلمية أثراً في الحياة الأوروبية فهي التي وضعت الفكر المادي الغربي وإليها يعزى الفضل الأكبر في نجاح كل من المذهب العقلي والمذهب الطبيعي . كما أن مذهب الإيمان بإله مع إنكار الوحي ، والإلحاد ذاته مدينان لهذه النظرية من قريب أو بعيد ، على أن هذه الآثار لم تظهر إلا فيما بعد .

أما في القرن السابع عشر فإن النتائج الإيجابية التي أمكن للعلماء أن يكونوا منها النظرية العلمية المعادية لتعاليم الكنيسة والتي اشتقت من نظريتي غوبرنيق ونيوتن – هي كما لخصها "برتراندرسل " ثلاث نتائج : 1-أن تقرير الحقائق يجب أن يبنى على الملاحظة لا على الرواية غير المؤيدة (أي النصوص ).

2-أن العالم غير الحيواني نظام متفاعل في نفسه مستبق لنفسه وتنطبق كل التغيرات فيه مع قوانين الطبيعة.

3-أن الأرض ليست مركز الكون وان الإنسان ربما يكون الهدف من وجودها ، إذا كان لوجودها أي هدف ، وفوق ذلك أن فكرة الهدف فكرة لا فائدة منها من الناحية العلمية " (17) .

وإذا كان القرن السابع عشر هو قرن الانتفاضة العارمة على الكنيسة ومبادئها فإنه كذلك القرن الذهبي لمحاكم التفتيش فقد قاسى العلماء أنواع الاضطهاد ، واستخدمت ضدهم أساليب القمع الوحشية وظهرت الفهارس أو "القوائم البابوية " التي تحتوى على أسماء الكتب المحرمة وكان وجود شيء من هذه الكتب في حوزة إنسان ذريعة لسوقه إلى محكمة التفتيش وتعريضه لأليم عقابها .

قاومت الكنيسة كل محاولة للتجديد وإن كانت نافعة خيرة فقد كفرت رئيس بلدية في ألمانيا لأنه اخترع غاز الاستصباح بحجة أن الله خلق الليل ليلاً والنهار نهاراً وهو بمخترعه يريد تغيير مشيئة الخالق فيجعل الليل نهاراً " (18) . واضطرب حبل الكنيسة بظهور الروح الجديدة اضطراباً واضحاً وألقت بكل ثقلها في معركة كانت في غنى عن دخولها أمام الناس – لا سيما المثقفون – فقد اهتبلوا الفرصة وخيل إليهم أن الأقدار قد لاقت أيهم مفتاحاً سحرياً يخلصهم من سجن الكنيسة وأغلالها ذلك هو مفتاح "العلم والتجربة " .

كان إيمان هؤلاء بالمسيحية متغلغلاً إلى درجة يصعب معها فراقه ولكن كفرهم برجال الدين – أولئك الطغاة المتغطرسين – كان كفراً صريحاً لا هوادة فيه . ونستطيع أن نقول : أن ما قم به علماء وفلاسفة القرن السابع فعل غير موجه هدفه الانفكاك من ربقة الكنيسة والتحرر من عبوديتها فلم يكن همهم " إلى أين نتجه ؟ " بقدر ما كان "كيف نهرب ؟ " . ولكن التأثيرات والإيحاءات الفلسفية لنظرية نيوتن أسهمت في إيجاد فكر لا ديني منظم ينتهج طرائق محددة ، وإن كان قد ظل مشوباً بالتعصب والسلبية ، مندفعاً في مهاجمة الكنيسة ومعتقداتها . ولعل من الصواب أن نقول : أن نظرية نيوتن لم تمهد فكرياً للثورة الفرنسية فحسب ، بل أنها قطعت نصف الطريق إلى داروين أيضاً. والكلام عن آثار النيوتنية ينقلنا إلى القرن الثامن عشر الذي كان دخوله إيذاناً بأفول نجم الكنيسة وولادة آلهة جديدة لا كنائس لها .

ثانياً – القرن الثامن عشر :

يتميز القرن الثامن عشر بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريباً ، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نيران الكنيسة ليحلا محل إلهها المخيف وهما "العقل والطبيعة " . أما العقل فلم يعد مقيداً بأغلال الثنائية الديكارتية بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان "إلها" بالفعل ، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة منادية بان العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء وما عداه فوهم وخرافة ، الوحي يخالف العقل فهو أسطورة كاذبة ، والمعجزات لا تتفق ومألوف العقل فهي خرافات بالية .والفداء والصلب والرهبانية ..الخ ، كلها أباطيل مضللة وعقائد مرذولة لأنها لا تتسق مع العقل .والصنم الثاني كان "الطبيعة " . يقول "سول " : "صار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجدوه في الطبيعة " (19) .وكتب الفكر الغربي تسمي ذلك العصر عصر "تأليه الطبيعة " أو عبادة الطبيعة ، وليست هذه العبارات مجازاً ، بل هي مستعملة على الحقيقة تماماً ، فكل صفات الله التي عرفها الناس عن المسيحية نقلها فلاسفة الطبيعة إلى إلههم الجديد ، مع فارق كبير بين الإلهين في نظرهم .

فإله الكنيسة بطاش حقود يعذب السلالة البشرية ويقتل ابنه لان الإنسان الأول أكل فاكهة من حديقته .

وهو إله متعنت يضع القيود الاعتباطية على حرية الإنسان ويقيده بالالتزامات ويفرض عليه الرهبانية والخضوع المذل لممثليه على الأرض.

أما الطبيعة فإله "جذاب " رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات ولا يستدعي طقوساً ولا صلوات وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنساناً طبيعياً يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة .

والإله الجديد ليس له رجال دين يستعبدون الناس لأنفسهم ولا كتاب مقدس متناقض ولا أسرار علياً مقدسة ، بل له دعاة من أمثال "روسو" وفولتير وديدرو " وله كتب علمية هي "دائرة المعارف " أو "العقد الاجتماعي " أو " روح القوانين " .

والقانون الطبيعي "الجاذبية "يجعل الكون مترابطاً متناسقاً لا اضطراب فيه ولا خلل وبالمقابل جعلت الطبيعة للإنسان قانوناً يكفل له السعادة التامة ولكن النظم الإنسانية والأديان طمست هذا القانون فشقي الإنسان وتعذب . تلك هي المبادئ الأولى للمذهب الطبيعي الذي تبلور ليصبح ديناً إنسانياً عند "كومت " في القرن التاسع عشر ، وعنه انبثقت الماديات المتعددة التي تفسر الكون تفسيراً آلياً حسب القوانين التي سميت "قوانين الطبيعة " .

أما هنا في القرن الثامن عشر فإن عبادة العقل والطبيعة هي ميزة العصر الذي يسمى "عصر التنوير " .

ويصف برنتن " شيئاً من مظاهر الصراع بين الدين والعلم في هذا العصر بقوله : "كان العقل للرجل العادي في عصر التنوير هو كلمة السر الكبرى لعالمه الجديد ، العقل هو الذي يسوق الناس إلى فهم الطبيعة" وهذه هي كلمة السر الثانية الكبرى "وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه طبقاً لها وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التي قام بها في ظل لأفكار المسيحية التقليدية الخاطئة وما يخالفها في الأخلاق والسياسة ممالا يناقض الطبيعة " (20) " والعقل يبين أن الرهابنية تعني إسرافاً عظيماً في قدرة الإنسان الإنتاجية ، وأوضح من ذلك أن العقل يبين لأنه من غير الطبيعي للكائنات البشرية صحيحة البدن أن تمنع بتاتاً عن الاتصال الجنسي ، وأن التبرير الديني لمثل هذا السلوك غير الطبيعي كان هراء كهراء فكرة الشياطين التي تستولي على المجنون " .

"إن المسيحية التقليدية لم تعد قادرة على أن تمد المستنيرين بنظرية كونية فقد بدأ الناس يعرفون ما يكفي من الجيولوجيا لكي يبين أن تاريخ الخليقة الذي حدده الأسقف "آشر" بعام 4004 ق م وتاريخ قصة الطوفان بعيدا الاحتمال . ولكن مبدأ التثليث في المسيحية مثلاً : إن الرياضة كانت ضد هذا المبدأ فإن أي نظام رياضي محترم لا يسمح بظان يكون الثلاثة ثلاثة وواحداً في آن واحد ، أما عن المعجزات فلماذا توقفت ؟ إذا أمكن إحياء الميت في القرن الأول فلماذا لا يحيا في القرن الثامن عشر" (21)

وربما كان أعدي أعداء الكنيسة آنذاك هو فواتير ولنقتطف نماذج من نقده للدين ورجاله من كتابة ( القاموس الفلسفي ) : ( أول ما انتقد فولتير العقيدة المسيحية في التثليث وتجسيم الاله والصور المقدسة وأنحى باللائمة على بولس الذي طمس المسيحية وحرفها ، ولذلك كان الإيمان بالمسيحية في نظره هو " الاعتقاد بأشياء مستحيلة أو بأشياء تستعصي على الفهم فالحية تتكلم والحمار يتحدث وحوائط أريحا تتساقط بعد سماعها صوت الأبواق ، أن الإيمان على هذا النحو هو على ما يقول أرازم هو الجنون " " أما الخطيئة الأولى فيرفضها فولتير ويعتبرها إهانة لله واتهاماً له بالبربرية والتناقض وذلك للتجرؤ على القول بأنه خلق الأجيال البشرية وعذبها لأن أباهم الأول قد أكل فاكهة من حديقته " (22)

وينقد فولتير الطقوس السبعة نقدا مريرا ويسخر من الكتاب المقدس سخرية لاذعة تتجلى في قوله تعليقا علي معلومات التوراة الجغرافية : ( من الواضح أن الله لم يكن قويا في الجغرافيا ) (23) ، وقوله أن صيام المسيحية "دواء للفقراء لا يتعاطاه الأغنياء " ويري " أن الطقوس والشعائر والعبادات و الاحتفالات الدينية جرائم محلية يعاقب عليها كل من يزاولها لأنها ضارة بالمجتمع خاصة إذا تمت في صورة أضاح وقرابين " أما آراؤه السياسية فقد عبر عنها بقوله : " أن التوحيد بين الدين والدولة لهو أبشع نظام لذلك يجب إلغاؤه وإقامة نظام آخر يخضع فيه رجال الدين لنظم الدولة ويخضع فيها الراهب للقاضي " وقوله: " انه لا يمكن طاعة البشر باسم طاعة الله لابد من طاعة البشر باسم قوانين الدولة " 0 ولقد جزعت الكنيسة من هذه الانتقادات والآراء جزعا شديدا ولعنت فولتير وأشياعه وكفرتهم وحرمت قراءة كتبهم وتعرض فولتير للمضايقة والاضطهاد من قبل رجال اللاهوت ، حتى انه قال مخاطبا إنسان ذلك العصر " أنت طائر في قفص محاكم التفتيش لقد قصت محاكم التفتيش جناحيك " (24) وفي إنجلترا طور جيبون النقد التاريخي للمسيحية في كتابه " سقوط الإمبراطورية الرومانية واضمحلالها" " أما هليوم فقد ابتدع مذهب الشك المطلق الذي كان ثورة نفسية على الإيمان المطلق طوال القرون الماضية

وجدير بالذكر أن شيوع المذهب العقلي الطبيعي في عصر التنوير قد نتج عنه بالاعتماد علي نظرية نيوتن مذهبان جديدان على العالم المسيحي ينمان عن التخبط والضياع : v الأول : مذهب المؤلهة الربويين "دايزم "((Deism "أو المؤمنين بإله مع إنكار الوحي "وهذا المذهب يمثل فكرة انتقالية لان الوثبة من إله مسيحي إلى عدم وجود إله كانت مستحيلة كما يقول برنتن . "هذا المذهب هو أقرب انعكاس ممكن واضح لعالم نيوتن الذي يخضع للنظام ويدور وفقاً للقانون والإله في هذا المذهب هو الشخص المسؤول عن التدبير والبناء وتحريك هذا العالم الآلي " .

وكان من زعماء هذا المذهب "فولتير وبوب "ومعهم عدد آخر ممن كانوا يرون ضرورة الإيمان بالله – ولو أمام الجمهور – أما الوحي فأنكروه لان إثباته يعني صحة تعاليم عدوهم الكنيسة ، وليس معنى ذلك أن إيمانهم بالله يمكن أن يسمى إيماناً على الحقيقة فإن كل عمل هذا الإله في نظرهم هو أنه خلق الكون ثم تركه يدور وفق القوامين المودعة فيه والتي أوضحها نيوتن فهو يشبه صانع الساعة الذي يديرها ثم يدعها تتحرك من تلقاء نفسها . أما الإنسان فقد منحه العقل وتركه وشأنه فهو وإن كان جزءاً من آلة الكون العظمى إلا أنه عليه أن يستغل مواهبه ويستخدم عقله بما يتمشى مع قانون الطبيعة " . ومن الواضح (في نظر أصحاب هذا المذهب) أنه ليست هناك فائدة من الصلاة للإله الذي يشبه صانع الساعة والذي لا يستطيع – وحتى إن أراد – أن يتدخل فيما صنعت يداه . "ومن الواضح كذلك أن هذا الإله لم يظهر لموسى في صحراء سيناء ولم يرسل ابنه الأوحد إلى الأرض ليخلص الناس المذنبين بل لا يمكن أن يكون له ابن " (25) .

v الثاني : المذهب الإلحادي المادي : إن تهافت مذهب المؤلهة وتفاهته هي التي أوحت إلى بعض معاصريهم بإنكار هذا الإله البعيد البارد الذي لا أثر له ولا ضرورة لاختراعه كما تقول حكمة فولتير "إذا كان الله غير موجود فلا بد من اختراعه " ! . فالطبيعة تغني عنه والاعتراف بوجوده هو نوع من الإقرار بصحة دعاوى الكنيسة فالأولى أن نستبعد وجوده نهائيا إرغاما لأنف الكنيسة على الأقل .

وتطرف منهم طائفة "رأوا أن الله شر إيجابي وبخاصة إذا كان إله الكنيسة الكاثوليكية الرومانية " . يقول "كرسون " : ذهب بعضهم في الإنكار إلى أبعد حد أنهم يدعوننا حتى إلى حذف اسم الله نفسه وفي هذا يقول "دولباخ" : إن عقيدة الله المأثورة نسيج من المتناقضات ، أن فكرة الله هو الضلالة المشتركة للنوع الإنساني " (26) .

تلك هي تلك الخطوط العامة في القرن الثامن عشر للصراع بين الكنيسة والدين .على أنه ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الصراع كان مقتصراً على الفلاسفة والطبقات المثقفة ولم يتجاوز ذلك إلى القاعدة الشعبية ويصبح قضية جماهيرية إلا بعد الثورة الفرنسية التي قامت في أواخر هذا القرن سنة 1789م ، وبقيامها رسم معلم واضح من معالم التاريخ الأوروبي ، وافتتح عصر جديد من الصراع بين الدين والادين يستحق أن يفرد له فصل مستقل .














">">"> الثـــــــــــ الفصل ــــــــــالث <"<"<"

>=>=> الثــــــــــــــــــــــورة الفرنسيـــــــــــــــــــــــــــــــــة <=<=<

>> .. <<

إن النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى هو نظام "الإقطاع " ، وربما كان أبشع واظلم النظم الاجتماعية في التاريخ . ولا شك أن الظلم دائماً سمة من سمات الحكم الجاهلي لأي مجتمع في كل زمان ومكان ،ولكن صورته في المجتمع الأوربي الإقطاعي كانت أتم وأظهر (1) ، ففي الفترة التي كان فيها الشرق المسلم ينعم بالحياة في ظل أفضل وأعدل مجتمع عرفه التاريخ كان الغرب المسيحي يرزح تحت نير هذا النظام البغيض .

والفطرة البشرية –كما خلقها الله – تأبى الظلم وتنفر منه ، مهما طال خضوعها له ، ولذلك فإنها تنتهز أدنى فرصة سانحة للثورة عليه وتقويض دعائمه .

وترتبط أولى محاولات الإنسان الأوروبي الانفلات من المظالم الإقطاعية بالاحتكاك المباشر بالمسلمين عن طريق الفتوحات الإسلامية في أوروبا ، وبلغ ذلك ذروته إبان الحروب الصليبية .

وليس غريباً أن يكون أرقاء فرنسا هو رواد الثورة على الإقطاعيين فإن موقعها الجغرافي المحاذي للجزء المسلم من أوروبا "الأندلس " ثم حملاتها الصليبية الكثيفة مضافاً إليهما بعدها النسبي عن مركز البابوية في روما كل هذه جعلتها لأقرب إلى روح التحرر والانطلاق .

وهكذا قامت في فرنسا ثورة فلاحيه "الجاكريه" في القرن الرابع عشر للميلاد . وهي وإن أخفقت ،كشأن في المحاولات الأولى ، فقد هيأت للأذهان لا مكان القيام بعمل ناجح مستقبلاً ولأثرت في ظهور انتفاضات مماثلة في أنحاء القارة . وكان من العوائق الكبرى التي خيبت جهود الثائرين أن الكنيسة " أكبر الملاك الإقطاعيين " وقفت ضدهم وأجهضت محاولاتهم .

فالكنيسة لم تكتف بصد الناس عن نور الإسلام ، بل ناقضت تعاليم الإنجيل الداعية إلى المحبة والتسامح ونافست الأمراء الإقطاعيين في إذلال الشعوب وقهرها .

ويأتي التبرير المسيحي لنظام الاسترقاق الإقطاعي على يد القديس توما الاكويني الذي فسره بأنه "نتيجة لخطيئة آدم " (2) وكأن رجال الكنيسة والبارونات ليسوا من بني آدم .وهناك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا فيما يتعلق بالثورات الفلاحية ، وهي أن هذه الثورات لم تكن تمرداً على الكنيسة لأنها كنيسة بل لأنها "مالك إقطاعي " . يقول ويلز "كانت ثورة الشعب على الكنيسة دينية …فلم يكن اعتراضهم على قوة الكنيسة بل على مساوئها ونزاحي الضعف فيها وكانت حركات تمردهم على الكنيسة حركات لا يقصد بها الفكاك من الرقابة بل طلب رقابة دينية أتم وأوفي … وقد اعترضوا على البابا لا لأنه الرأس الديني للعالم المسيحي بل لأنه لم يكن كذلك أي لأنه كان أميراً ثرياً دنيوياً بينما كان يجب أن يكون قائدهم الروحي " (3) .

وحدث إلى جانب ذلك وبعده تحولات ظاهرة في الحياة الأوروبية: فالملوك المركزين استطاعوا أن يذوبوا البارونات في رعاياهم ويدمجوا إقطاعياتهم في الدولة وإن كان قد بقي لهم امتيازات ومخصصات كثيرة – وتمت هذا العملية بفضل حصول الحكومات على البارود عن طريق الشرق وهو سلاح لم تصمد له قلاع البارونات طويلاً. وأدى هذا إلى مزيد من الاستغلال للأرقاء من قبل أسيادهم كي يعوض الأسياد عن الضرائب التي فرضتها الحكومة المركزية على إقطاعياتهم ، ولم يدر ببال الملوك أن يفكروا في شأن الأرقاء ، بل كان كل همهم أن تأتي الضريبة كاملة من أي طريق . والتحول الآخر يتمثل في ظهور الحركات التي تزعمها (لوثر ، كالفن ، هس ) وأمثالهم فقد حطمت هذه الحركات الوحدة الشكلية للعالم الغربي المسيحي وأضعفت السلطة الكنيسة المركزية بكثرة ما أحدثته من مذاهب وفرق لا حصر لها . وهذا التحول بالإضافة إلى سابقة أدى إلى تخلخل المجتمع الأوروبي وتغيير بعض ملامحه الثابتة فابتدأت المدن الأوروبية في النمو وظهرت الطبقة الوسطى "البورجوازية " فظهر منافس قوي للإقطاعيين يتمثل في طبقة تجار المدن البورجوازيين الذين كانوا بمثابة الطلائع للرأسماليين الكبار (4) . وإلى جانب ذلك كانت اليقظة التي عرضناها في الفصل السابق وكان ظهور الورق والمطابع العامل الفعال في نشرها وتوسيع ميدانها . كل هذه التحولات آذنت بهبوب رياح التغيير على القارة وأنذرت بافتتاح عصر جديد مغاير للماضي في قيمه وتصوراته وأوضاعه وكانت أحوال فرنسا الثقافية والاجتماعية تؤلها لافتتاح ذلك العصر .

في السنوات السابقة للثورة بلغ الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي في فرنسا غايته حتى أن "كالون" وزير الخزانة الملكية اعترف بذلك سنة 1787م وأرادت الحكومة سد عجز الميزانية بإرهاق الشعب بضرائب جديدة فادحة فازدادت أحوال الطبقات المسحوقة سوءاً وعصفت بالبلاد موجة من الجوع ونقص المؤن .

وفي الوقت الذي عيل فيه صبر الشعب وأنهكته المجاعة والبؤس كان هناك طبقتان تترنحان في أعطاف النعيم وتنغمسان في مختلف الملاذ هما : طبقة رجال الدين وطبقة الأشراف ، بالإضافة إلى الأسرة المالكة التي كانت عبئاً ثقيلاً على الجميع .

وكان إنقاذ الشعب يتطلب منه أن يقوم بعمل يودي بالظلم ويزيح كابوسه عن المهضومين . ووقف الشعب بكل فئاته "الفلاحين ، المهنيين ، القساوسة الصغار " جبهة واحدة وكانت الجبهة الأخرى ائتلافاً بين الطبقتين المحتكرتين " رجال الدين والأشراف " .

وقضت سنة الله أن ينتصر الشعب على جلاديه وأن تحصد "المقصلة " معظم الرؤوس المترفة الطاغية .

وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الأهمية ، فقد ولدت أول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية لا دينية تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب "وليس باسم الله " ، وعلى حرية التدين بدلاً من الكثلكة ، وعلى الحرية الشخصية بدلاً من التقيد بالأخلاق الدينية ، وعلى دستور وضعي بدلا من قرارات الكنيسة .

وقامت الثورة بأعمال غريبة على عصرها فقد حلت الجمعيات الدينية وسرحت الرهبان والراهبات وصادرت أموال الكنيسة وألغت كل امتيازاتها ، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علناً وبشدة وأصبح رجل الدين موظفاً مدنياً لدى الحكومة (5) .

هذه النتائج والتطورات تستحق أن يقف عندها الإنسان باحثاً عن أسبابها ودوافعها ، وبالنظرة الفاحصة نجد أن عوامل متعددة قد تضافرت على تحقيقها وأهمها ثلاثة :

أولاً – الفكر اللاديني (الذي طبع عصر التنوير ) :

-كما يسمى – بطابعة الخاص والذي كانت مدارسه رغم تباينها تسعى إلى غاية واحدة هي تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس ، وقد سلكت كل مدرسة منحى خاصاً لتحقيق ذلك وأشهرها :

1- مدرسة ذات طابع علمي عام وأبرز الأمثلة عليها الكتاب الموسوعيون الذين كتبوا دائرة المعارف بزعامة "ديدرو" وكانوا كما يقول ويلز : " يناصبون الأديان عداوة عمياء " .

2- مدرسة ذات طابع اجتماعي وسياسي : ويرأس هذا الاتجاه " روسو " صاحب كتاب "العقد الاجتماعي " الذي أطلق عليه "إنجيل الثورة الفرنسية " و "مونتسيكو " صاحب "روح القوانين " ، ومن كتابات هؤلاء استلهم زعماء الثورة مبادئهم واقتباساتهم . والغرض من فكرة العقد الاجتماعي واضح للعيان فهي تهدف إلى استبدال "المصلحة الاجتماعية " أو الرابطة النفعية للأفراد "بالأخلاق والنظم الدينية وتحل عبادة "المجتمع " ممثلاً في الوطن أو القوم محل عبادة الله ، وذلك ما نادت به الثورة حرفياً .

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة ليست من بنات أفكار روسو فقد سبقه إليها الفلاسفة المثاليون في المدن الفاضلة ففي "جمهورية أفلاطون " و"اليوتوبيا " لتوماس مور ، و "مدينة الشمس " لكامبانيلا ، نماذج واضحة للحياة اللادينية التي تقوم على أساس من التفاهم والوفاق المجرد بين الأفراد وهو ماعبر عنه روسو بالعقد الاجتماعي ، إلا أنه أضاف إلى هذا النموذج ما اقتبسه من "هوبز " و "ميكافيلي" اللذين غلبا جانب الشر لدى الإنسان على الخير لذلك كان روسو هداماً أكثر منه فيلسوفاً ( سيأتي تفصيل هذه النظريات في فصل " علمانية الحكم والسياسة من الباب الثالث " انظر صفحات 212.213.224 ).

3- مدرسة ذات طابع فلسفي هدام : سبق الفلاسفة العقلانيون غيرهم في بحث علاقة الفرد بالدولة والمناداة بمجتمع ينفصل فيه الدين عن الدولة ، وكانت فكرتهم اللادينية أوسع مما تصوره ميكافيلي ، لأن الدين نفسه عندهم يجب أن يلغى ليحل محله "الدين الطبيعي أو القانون الطبيعي " وربما كان الفيلسوف اليهودي "سبينوزا" رائد الفكرة العلمانية باعتبارها منهجاً للحياة ، فهو يقول في كتابه"رسالة في اللاهوت والسياسة" :

" ومن الخطورة على الدين وعلى الدولة على السواء إعطاء من يقومون بشؤون الدين الحق في إصدار القرارات أيا كانت أو التدخل في شؤون الدولة وعلى العكس يكون الاستقرار أعظم إذا اقتصروا على الإجابة على الأسئلة المقدمة إليهم والتزموا في أثناء ذلك بالتراث القديم الأكثر يقيناً والأوسع قبولاً بين الناس " (6) .

واكتملت لدى فولتير فكرة الدين الطبيعي التي ورثها عن سبينوزا ولايبنتز واشتق منها فكرة "القانون الطبيعي " حيث نجده يقول : "إن دين أهل الفكر دين رائع خال من الخرافات والأساطير المتناقض وخال من العقائد المهينة للعقل والطبيعة …لقد منع الدين الطبيعي آلاف المرات المواطنين من ارتكاب الجرائم …أما الدين المصطنع فإنه يشجع على جميع مظاهر القسوة … كما يشجع على المؤامرات والفتن وعلى أعمال القرصنة وقطع الطريق ..ويسير كل فرد نحو الجريمة مسروراً تحت حماية قديسه " . ويقول : "هناك قانون طبيعي مستقل عن الاتفاقات الإنسانية ..يبدو لي أن معظم الناس قد أخذوا من الطبيعة حساً مشتركاً لسن القوانين " (7).

وإذا كان روسو وفولتير لم يدركا الثورة الفرنسية ، فإن الفيلسوف الألماني "كانت" 1804 م عاصرها واشتهر بتأييدها ، وهو الذي طور فكرة العقد الاجتماعي في كتابه "الدين في حدود العقل وحده " (8).

كما أن كاتباً ثائراً معاصراً لها ،هو " وليم جدوين " ، نشر سنة 1793 كتاب "العدالة السياسية " الذي كان دعوة علمانية صريحة (9).

وهكذا بتأثير هذا الفكر اللاديني جسمت الثورة الفرنسية الفكرة الفلسفية القديمة بإقامة مجتمع يرفض القيم والأخلاق الدينية ويجعل العلاقات النفعية المحضة هي الرباط المقدس الوحيد .

ثانياً – وقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير :

كان من الممكن ألا تعتنق الجماهير المسيحية افكار الكتاب العلمانيين هؤلاء وتتخلى عن عقيدتها الراسخة لولا الموقف الشائن الذي وقفته الكنيسة من مطالبهم المشروعة . ربما كان للكنيسة عذر أو بعض عذر في شكوكها الحائمة حول القائمين على الثورة لكن الأمر الآن أفلت من يدها ، فإن هيجان الرعاع الهالكين جوعاً وظلماً لا يسمح لهم بالتروي والأناة في مثل هذه المواقف الصاخبة ، وأصبح لزاماً عليها أن تسدد ديون قرون طويلة من الاستغلال البشع والطغيان الجائر . إن ذهن الفلاح الساذج قد لا يستطيع أن يستوعب شيئا من أفكار روسو وانتقادات فولتير لكنه يستطيع بسهولة أن يرى مخازي الكرادلة والقساوسة وفضائحهم وثراءهم البازخ . .لقد رأى بأم عينيه ما عبر عنه توماس جفرسن بقوله : "إن القسيس في كل بلد وفي كل عصر من أعداء الحرية ، وهو دائماً حليف الحاكم المستبد يعينه على سيئاته في نظير حمايته لسيئاته هو الآخر " (10) .وكان ذلك مدعاة لان تصب الجماهير جام غضبها على الكنيسة وتصرخ خلف "ميرابو " : (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).

ثالثاً – القوى الشيطانية الخفية (11) :

كان من الممكن –كذلك – أن نثأر الجماهير من الكنيسة فتصادر أملاكها وتقضي على نفوذها وتظل مع ذلك مؤمنة بدينها وفيه لتاريخها متمسكة بتقاليدها العريقة لولا أنه وجد عامل آخر قلب أهداف الثورة وحول خط سيرها . عندما اندفعت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل – رمز العبودية والاستبداد – لم تكن ترفع سوى شعار واحد هو "الخبز " والخبز وحده . غير أنها لم تبدأ في قطف أولى نتائج ثورتها حتى وجدت نفسها تهتف بشعار الحرية المساواة الإخاء ، وهو شعار لقنت إياه تلقيناً ،وبرز أيضاً شعار آخر لم يكن الرعاع ليصنعوه هو "لتسقط الرجعية " وهي كلمة ملتوية تعني الدين . وعندما كانت المقصلة دائبة العمل كان الضحايا يقدمون على مذبحها بحجة واحدة هي أنهم من أعداء "الشعب " مع أنه كان بينهم من يعرف الشعب براءته ، ودهش الشعب حين كان يرى من يقرأ بيان القتل اليوم باسم الشعب يقدم هو نفسه غاص إلى المقصلة باسم الشعب أيضاً . إذن ما وراء هذه التطورات المفاجئة والتدبيرات الغربية ؟ يدعى اليهود في تبجح وغرور أنهم صناع الثورة الفرنسية ومدبروها فتقول البروتوكولات : "تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها الكبرى "إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا وتقول : (كذلك كنا قديماً أول من صاح في الناس "الحرية والمساواة والإخاء كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر ) (12) وصدق ذلك بعض الكتاب من أمثال وليم كار في " أحجار على رقعة الشطرنج" وسيبريدوفيتش في "حكومة العالم الخفية" (13) . والواقع أنها دعوى مسرفة يعلم مقدار المبالغة فيها من له بصيرة بحركة سير التاريخ وسنة الله فيه .

كان اليهود يعانون من المسيحيين أشد احتقار وازدراء ، وكانوا بحكم الذلة التي ضربها الله عليهم ، أمة مرذولة مستهجنة أينما حلت وسارت ، منطوية على نفسها في مجتمع منعزل " الجيتو " ، ولم ينعموا بالحياة الكريمة إلا في ظل الحكم الإسلامي . والمفارقة العجيبة أن هذ الشعب الحقير الممتهن يملك تراثا عريقا ينفث في نفسه الكبرياء الكاذبة ، والاثرة البغيضة ويعده الوعود الخيالية ، فالتلمود كتابهم الخطير يقول : "تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله ، كما أن الابن جزء من والده " فهم شعب الله المختار أما غيرهم فيقول عنه التلمود "الخارج عن دين اليهود حيوان فسمه كلباً أو حماراً والنطفة التي هو منها التي هو منها هي نطفة حيوان " (14) .

وهكذا نجد اليهود يرون أنهم شعب الله المختار ولهم وحدهم خلقت خيرات الكون وكنوزه وان الله أوجب عليهم إبادة كل الأميين (غير اليهود ) لأنهم كفار ووثنيون والقضاء عليهم لا يتم إلا بالقضاء على أديانهم وتدمير أخلاقهم .

إلى جانب ذلك كانت العداوة التي أغرى الله بين اليهود والنصارى وهي عداوة تقليدية لا تنفك بحال ، وكان اليهود في ظل فرنسا الكاثوليكية أقلية محتقرة لا تحسب في عداد المواطنين وليس لها "حق المواطنة " وكان اليهود موقنين من أن تحقيق أحلام التلمود بكسر أطواق الذل المضروبة عليهم والخروج من الجيتو للسيطرة على الأميين لن يتم ما دام في الكنيسة عرق ينبض فكانوا يتحينون الفرصة للإجهاز عليها ويتلهفون شوقاً إلى اليوم الذي يثأرون فيه منها ومن دينها وأخلاقها ويسطيرون على اتباعها .

فلما نزلت الضائقة الاقتصادية واندلعت الثورة على الكنيسة وجدها اليهود فرصة ذهبية لا ينبغي أن تفوت – وهي فرصة ساقتها المقادير إليهم وما صنعوها كما يزعمون إلا أنهم أجادوا استغلالها .

وحين يقول فشر "أن أرباب الأموال مولوا الغوغاء "الذين قاموا بالثورة نستطيع أن نعرف أن أرباب الأموال هؤلاء ليسوا سوى المرابين اليهود لان من عداهم كانوا هدفاً للثورة .

واستطاع اليهود أن يتغلغلوا في منظمات الثورة المختلفة كالجمعية التأسيسية ونادي اليعاقبة وبلدية باريس ، وأن ينفثوا تلك الشعارات التي رددتها الجماهير ببلاهة لا سيما شعار الثورة البارز "الحرية والإخاء والمساواة " هذا الشعار الذي قامت عليه الثورة وحققته كان له عند اليهود تفسير آخر : فهم يقصدون بالحرية تحطيم القيود الأخلاقية والتقاليد الموروثة التي تحول بينهم وبين إفساد الأمم وتدميرها . ويقصدون بالإخاء والمساواة كسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تحول بينهم وبين الانسلال إلى أجهزة الدولة وتنظيماتها ، وإذابة الفوارق الدينية بينهم وبين غيرهم كى تزول عنهم وصمة الاحتقار والمهانة . وهكذا نجحوا في تحويل الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين نفسه وجعلوا لفظة الدين عند الشعوب الأوربية مرادفة للظلم والرجعية والتخلف والاستبداد .

وأيا ما كان الأمر فإن الثورة الفرنسية كانت فاتحة عصر جديد في التاريخ الأوروبي ، إذ توالت الثورات كالبراكين في أنحاء القارة وعرفت أوروبا – ربما لأول مرة – شيئاً اسمه حقوق الإنسان ، ولا تزال تنسبه لهذه الثورة إلى اليوم ، وكان نجاح أي ثورة يعني انهيار النظام الإقطاعي وانهيار نفوذ الكنيسة ، ولذا فإن من الطبيعي لتغير عميق كهذا أن يصحبه فراغ هائل في المعتقدات والقيم . فإذا علمنا أن هناك من يستغل هذا الفراغ لتحطيم إنسانية الإنسان وتدمير قيمه ، أدركنا المغزى الحقيقي للحرية التي نادت بها تلك الثورات .

إن كل الشعارات البراقة التي رفعت لتحل محل الإيمان الديني لم تف بهذا الغرض ، كما فشلت جمع الدساتير والنظم في جلب الاستقرار للقارة ، ولذلك شهدت أوروبا في الفترات التالية ما لا يحصى من الاتجاهات الفكرية والاجتماعية الحائرة كما شهدت حروباً طاحنة مدمرة جعلت خريطة أوروبا عرضة للتغير المستمر ، وحلت الفاجعة الكبرى بالدين والأخلاق والتقاليد التي أصبحت ينظر إليها وكأنها قطعة متحجرة من الماضي البغيض .











">">"> الــــــــــرا الفصل بــــــــــــع <"<"<"

>=>=> نظريـــــــــــــــــــــــــــــــ التطور ــــــــــــــــــــــــــــــــة <=<=<

>> .. << قبل أن تبصر نظرية ( داروين) النور كان الإيمان المسيحي والأخلاق المسيحية قد تعرضا لضربات قاسية وهزات عنيفة : تهافت النظرية المسيحية عن الكون ، انتقادات سبينوزا و فولتير الشديدة ، الثورة الفرنسية وما أصاب الكنيسة على يدها من نبات ، النظرية الآلية ( الميكانيكية ) المنبثقة من نظرية نيوتن ، الدين الطبيعي الذي نادى به الفلاسفة العقليون نظرية التطور الفكري كما تخيلها كومت ، النجاح الذي صادفه المذهب اللاإرادي ومذهب الربوبيين الجمعيات السرية الهدامة وأفكارها الموبوءة … وأحداث فكرية واجتماعية لا يظهر أحدها إلا وينهش من جسد الكنيسة نهشة أو يطوح من بنيانها بلبنة أو لبنات .

لكن ذلك كله لم يكن ليسمح لأي مفترض أو متكهن بأن يتنبأ بانهيار كامل للمسيحية قبل قرون عدة ، على الأقل ، فقد بقيت رغم الطعنات النافذة كياناً قائماً تدعمه عواطف الكثرة الكاثرة من الناس . وتسانده موروثات عميقة الجذور من القيم والمثل والتقاليد . نعم ، لقد تغيرت نظرية الناس إلى المسيحية لكنها – إلى ذلك الوقت – لم تتغير بالنسبة للتصور الديني في حد ذاته فقد بقى هذا التصور سائغاً ، بل متأصلاً ، بدليل الجهد الذي بذله الفلاسفة لاصطناع دين طبيعي أو دين أنساني – كما يدعون - .

وتغيرت كذلك نظرية الإنسان إلى الكون وحجمه فيه لكن نظرته لم تتغير أبدا بالنسبة لإنسانيته وتفرده بوصفه كائناً روحياً متفوقا على كل الموجودات ، إن لم يكن بجسه فبعقله وروحه .

وتغيرت نظرية الناس إلى حركة التاريخ وخط سير الحياة ولكن لم يكن في وسع أحد أن يعتقد – أو أن يجاهر – بأنه لا توجد قيم ثابتة ولا أخلاق ثابتة ولا تقاليد ثابتة .

ولقد صدق الناس الكثير مما قاله أعداء الدين ، كفولتير وهيوم ودولباخ ، ولكنهم إلى الآن يعدون مثل هؤلاء الناس ملاحدة ومجدفين . وفي سنة 1859 نشر الباحث الإنجليزي ( تشارلز داوين ) كتابه (( أصل الأنواع )) (1) فأحدث ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوربي قاطبة ، وكان له من الآثار في المجالات الفكرية والعلمية ما لم يكن في الحسبان . والغرض الذي يدور حوله الكتاب هو افتراض تطور الحياة في الكائنات العضوية من السهولة وعدم التعقيد إلى الدقة التعقيد ، وتدرجها من الأحط إلى الأرقي ، وأن الفروق الخلقية داخل النوع الواحد تنتج أنواعاً جديدة مع مرور الأحقاب الطويلة ، ولذلك يفترض داروين أن أصل الكائنات العضوية ذات الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة . وحسب قانون (( الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب )) نمت الأنواع التي استطاعت التكييف مع البيئة الطبيعية ومصارعة الكوارث المفاجئة وتدرجت في سلم الرقي في حين هلكت الأنواع التي يحالفها الحظ في ذلك . وعلة ذلك أن الطبيعة – حسب تعبير داروين – وهبت بعض الكائنات عوامل البقاء ومؤهلات حفظ النوع فإضافة أعضاء أو صفات جديدة تستطيع بواسطتها أن تتوائم مع الظروف الطارئة ، وقد أدى ذلك إلى تحسن نوعى مستمر نتج عنه أنواع جديدة راقية كالقردة ونوع أرقى وهو الإنسان ، أما البعض الآخر فقد حرمته الطبيعة من ذلك فتعثر وسقط ، والطبيعة إذ تهب هذا وتحرم ذاك لا تنتهج خطة مرسومة ، بل تخبط خبط عشواء – على حد قوله – كما أن خط التطور ذاته متعرج ومضطرب لا يسير على قاعدة منطقية مطردة.

ذلك بإيجاز شديد هو لب النظرية التي طلع بها داوين في ذلك الكتاب وهى في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد شيء عن أن تكون نظرية فلسفية عامة كما أنها بعدة على أن تكون حقيقة علمية ثابتة . ولقد قال عنها اثنان من أساطين علم الأحياء في القرن الماضي ، وهما أوين في إنجلترا وأغاسيز في أمريكا . (( إن الأفكار الداروينية مجرد خرافة علمية وأنها سوف تنسى بسرعة )) (2) .

ولن نبحث الآن في السبب الذي لأجله خاب ما توقعه هذان العالمان لكننا نستدل على حقيقة ما كان متوقعاً لها ابان ظهورها من قبل أصحاب الفن المعترف بهم . والواقع أن الجديد الذي جاء به داروين ليس فكرة التطور ذاتها ، ولكنه القانون الذي تسير عليه عملية التطور ، بغض النظر عن قيمته العلمية . فقد عرفت الفكرة سلفاً من قبل علماء اكتشفوا من استقرائهم للتاريخ البيولوجي للحياة أن الحياة لم توجد على الأرض دفعة واحدة ، كما يتوهم الناس ، بل وجدت تدريجياً في ترتيب تاريخي ، ولاحظوا أن الأنواع لمتأخرة في الظهور أكثر رقياً من الأنواع المتقدمة ومن هؤلاء (( راى ، وباركنسون ، ولينو ))

أما السبب في إهمال النتائج التي توصلوا إليها فهو – على ما يبدو – التفسير الذي قدموه للتطور فقد قال هؤلاء (( إن التطور خطة مرسومة فيها رحمة للعالمين )) (3) ولذلك وصفت نظريتهم بأنها (( لاهوتية )) وكان ذلك كافيا لإضفاء النسيان عليها حتى داخل معامل الأحياء .

ذلك أن الصرع بين العلم والدين إنذاك كان في حالة من الهيجان لا تسمح بانتشار نظرية تشم منها رائحة إله الكنيسة السفاح الحقود !!

وكان العلم النيوتنى قد ألقي في روع أعداء الكنيسة إمكان تفسير الظواهر الطبيعية (( ميكانيكياً )) أي دون الحاجة إلى مدبر ، ولذلك فلم تكن ظروف الصراع تستدعى إلا إيجاد فكرة عن الحياة تقوم على قانون ميكانيكي كقانون نيوتن في الفلك .

وفعلاً حاول الكثيرون الحصول على شرف اكتشاف هذا القانون فبذل كل من (( بوفون )) و (( لا مارك )) و (( كوفييه )) و (( بترس كمبر ))جهوداً مضنية في هذا الشأن . أما داروين فقد استطاع العثور على ذلك القانون المزعوم من طريق بعيد عن مجال الحياة والأحياء ، إذ استوحاه من علم خر هو (( علم دراسة السكان )) ومن نظرية (( مالتوس ))بالذات (4) .

استنتج داروين من إفناء الطبيعة للضعفاء لمصلحة بقاء الأقوياء ، كما توهم مالتوس ، قانونه في التطور المسمى (( الانتقاء ( أو الانتخاب ) الطبيعي وبقاء الأنسب )) وبواسطته والاستعانة بأبحاث (( ليل )) الجيولوجية تمكن من صياغة نظرية ميكانيكية للتطور ، فعثر أعداء الدين على ضالتهم المنشودة .

وقبل أن نبحث عن الآثار التي خلفتها النظرية في مختلف الحقول والميادين يحسن بنا أن نقف لنرى مكانها من العلم والحقائق العلمية : وأول ما ينبغي مراعاته بهذا الشأن هو التفرقة بن جوهر النظرية نفسها وبين الإيحاءات الفلسفية والتفسيرات المنبثقة عنها والتطبيقات التعسفية لها وهى أمور ربما لم تخطر لداروين على بال ، كما أنها ليست نظريات علمية ، إذ كان الوضع الطبيعي للنظرية حتى في حالة ثبوتها كحقيقة علمية أن تظل محصورة داخل المعمل متجردة من ذلك كله . وأول من نقض هذه النظرية علمياً هم العلماء المعاصرون لداروين ، وقد مر قول أغاسيز وأوين قريباً ، وانتقدها كذلك العالم الفلكي الشهير (( هرشل )) ومعظم أساتذة الجامعات في القرن الماضي .

ولنضرب من هؤلاء صفحاً فربما قيل أنهم هاجموها لأسباب دينية أو عاطفية ولننظر إلى ما نال هذه النظرية على يد أكثر الدراوينيين حماسة وتعصباً : لقد اضطر أصحاب (( الداروينية الحديثة )) إلى إجراء سلسة من التعديلات على النظرية تستحق أن توصف – علمياً – بأنها نظريات جديدة . فأرغموه على الاعتراف بأن قانون ( الانتقاء الطبيعي ) قاصر عن تفسير عملية التطور فأضافوا واستبدلوا به – في الواقع – قانوناً جديداً أسموه (( قانون التحولات المفاجئة )) أو (( الطفرات )) (5) وهو قانون لا سند له إلا المصادفة البحتة . ثم أرغموه على القول بأنه ليس هنالك أصل واحد نشأت عنه الحياة كلها كم تخيل داروين بل آن هناك أصولاً عدة تفرع عن كل منها أنواع مستقلة . ثم أرغموه – كذلك – على الاعتراف بتفرد الإنسان (( بيولوجياً )) رغم التشابه الظاهري وهو المنزلق الذي سقط منه داروين ومعاصروه .

يقول جوليان هكسيلى ، بعد أن سرد الكثير من خصائص الإنسان الفذة : (( هكذا يضع علم الأحياء الإنسان في مركز مماثل لما أنعم عليه كسيد المخلوقات كما تقول الأديان )) (6) . ومن الداروينيين المتعصبين – أرثركيت – الذي اضطر إلى كتابة النظرية من جديد (7) رغم اعترافه بأنها لازالت حتى الآن بدون براهن كما سيأتي : ومن أشهر التطوريين المحدثين (( ليكونت دى نوى )) وهو في الحقيقة صاحب نظرية تطورية مستقلة ، ومع ذلك فهو يقول : (( أما تطور الكائنات الحية بجملتها فإنه يناقض علم المادة الجامدة تناقضاً تاماً وهو يتنافي مع المبدأ الآتي من مبادئ علم القوة الحرارية وهو حجر الزاوية في علمنا المرتكز على قوانين المصادفة فلا سبب التطور و حقيقته يدخلان في نطاق علمنا الحاضر وليس عالم يستطيع إنكار ذلك (8) .

ذلك هو موقف أنصار النظرية فماذا قال العلماء المحايدون في هذا القرن؟

يقول كريسى موريسون : (( إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئاً عن وحدات الوارثة )) ( الجينات ) وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقا أعنى عند الخلية (9) . أما أنتونى استند في كتابه ( العلم بقرة مقدسة ) فيناقش مشكلة الحلقة المفقودة ، وهى ثغرة من ثغرات كثيرة عجز الداروينيون عن سدها بقوله : (( إنه لأقرب من الحقيقة أن نقول أن جزءاً كبيراً من السلسلة مفقود وليس حلقة واحدة بل أننا لنشك في وجود السلسلة ذاتها )) (10) ويقول ( ستيوارت تشيس ) : (( أيد علماء الأحياء جزئياً قصة آدم وحواء كما ترويها الأديان … وإذا كانت تواريخ سفر التكوين في التوراة خاطئة وحوى كثير من الحذف والتهذيب والبيان الشاعري فإن الفكرة صحيحة في مجملها ))(11)

وليت شعري ماذا سيقول هذا الرجل لو قرأ القصة كما وردت في القرآن – وتقول مجلة العلوم المصورة : (( إن العلم يؤيد قصة أدم وحواء إلى حد ما ، إننا نعترف بحقيقة فكرة الأسرة البشرية ذات الأصل الواحد )) (12) ويقول أوستن كلارك : (( لا توجد علامة واحدة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أيا من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيره ، إن كل مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة ، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي نفس الشكل الذي نراه عليه الآن (13) .

هذا من الوجهة العلمية ، فما الحكم على النظرية من الوجهة المنطقية المجردة ؟

إن نظرية التطور تقوم على أصلين كل منهما مستقل عن الآخر : 1. أن المخلوقات الحية وجدت على الأرض في مراحل تاريخية متدرجة ولم توجد دفعة واحدة . 2. إن هذه المخلوقات متسلسلة وراثياً نتج بعضها من بعض بطريق التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة .

والذي عملته الدارونية : أنها دمجت بين الأصليين وجمعت شواهد ودلائل الأصل الأول لتؤيد بها الثاني . وهذا اللبس غير العلمي هو الذي أغرى بعض العلماء بقبول النظرية وأضفى عليها المسحة (( العلمية )) مع أن هذه المسحة يصح أن تضفي على الأصل الأول ولكن إضفائها على الثاني خطأ محض ، إذ من المعلوم بديهياً أن الترتيب التاريخي للوجود لا يستلزم التسلسل الوراثي بل أن العقل ليؤكد ما هو ابعد من ذلك وهو أن الترتيب المنطقي لا يستلزم الترتيب التاريخي فالترتيب المنطقي للكائنات الحية هو – تصاعديا – النبات ثم الحيوان ثم الإنسان وليس في هذا الترتيب ما يدل على الوجود التاريخي لهذه الأجناس وقع بهذا الترتيب بل نحتاج في إثبات ذلك إلى دليل خارجي وذلك يشبه تماماً الترتيب المنطقي للأعداد : ( 1،2،3،4) وبديهي أنها ليس لها ترتيب تاريخي ولا يوجد بينها علاقة وراثية .

ولن نفيض في مناقشة النظرية أكثر من هذا ، لكن ألا يحق لنا الآن أن نسأل : إذ كان هذا هو حكم العلم والعقل على النظرية ، وإذا كانت تتعرض للطعون والاعتراضات من كل جهة فلم يتشبث بها بعض علماء الغرب – بغض النظر عن غيرهم – ويصرون عليها إصراراً أعمى ؟

والجواب على ذلك أقرب ما يكون إلينا : أنه الفصام النكد والعداوة الشرسة التي قامت بين العلم والدين في ظروف غير طبيعية ، ولقد كفانا السير أرثر كيث مؤونة الجواب بقوله : ( إن نظرية النشوء لازالت حتى الآن بدون براهين – وستظل كذلك – والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا غير وارد على الإطلاق ) (14) وإضافة إلى ذلك يقول واطسن : (( إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء لا كنتيجة للملاحظة أو الاختبار أو الاستدلال المنطقي ولكن لأن فكرة الخلق المباشر بعيدة عن التصور )) (15) ويقول د.هـ سكوت (( نظرية النشوء جاءت لتبقى ولا يمكن أن نتخلى عنها حتى لو أصبحت عملاً من أعمال الاعتقاد )) (16) موقف واضح صريح ، أدنى ما يوصف به هو ما قاله ليكونت دى نوى حين اعترض عليه بعض المتعالين بسبب استعماله كلمة (( الله )) في أحد كتبه قال : (( آن عدم التسامح المنتشر في القرون الوسطى لم يمت مع أنه أنتقل إلى المعسكر الثاني)) (17) وهذا حق فإن الموقف غير العلمي الذي يتخذه هؤلاء المسمون ( علماء ) هو بعينه موقف الكنيسة في عقيدتها القائلة بأن الله خلق أدم خلقاً مستقلاً سنة 4004ق.م فإذا كان هناك من فرق فإن الكنيسة لم تدع أنها ( علمية ) كما يفعل هؤلاء المتعصبون . وان في هذه الاعترافات الصارخة لعبرة بالغة للببغاوات في الشرق لو كانوا يعتبرون !!

>>..<< .*.*.*. أثـــــــــــــــــــــــــــــــ الداروينية ــــــــــــــــــــــــــــــار .*.*.*. >>..<< أولاً – انهيار العقيدة الدينية :

وجد الإلحاد في العلم الغربي المسيحي قبل داروين فقد أباحت الثورة الفرنسية حرية الإلحاد تحت شعار ( حرية الاعتقاد ) وقدمت الميكانيكية النيوتونية للملاحدة خدمة كبيرة ، لكن الإلحاد ظل حتى سنة 1859 قضية فلسفية محدودة النطاق وظلت العقيدة المسيحية محتفظة بمركز قوى ليس في الطبقات الدنيا من الشعب فحسب بل حتى في الجامعات الأكاديمية العلمية التي كانت في الغالب هيئات دينية أو خاضعة لنفوذ رجال الكنيسة . وبعد سنة 1859 أصيب العالم بنقص حقيقي في الإيمان – على حد تعبير ويلز – بسبب ما أشاعه أعداء الدين من تفسيرات باطلة لنظرية التطور ، والاستغلال البشع الذي قام به المغرضون ، والحماس المنقطع النظير الذي استقبلت به النظرة ، أما موقف الكنيسة فقد كان مهزوزاً منذ البداية لا سيما وان الزمن قد أثبت خطأ المواقف التي اتخذتها من النظريات الكونية السابقة ولذلك نخشى الكثير من المتعاطفين معه أن يقعوا في الخطأ نفسه ، ناهيك عن أعداء الدين شهروا بالدين ورجاله أشنع تشهير .

ونشبت معركة من أعظم المعارك الفكرية في التاريخ واشتط أصحاب النظرية في موقفهم وتطرفوا إلى حد إنكار التصور الديني جملة وإعلان إلحادهم الصريح كم تطرفت الكنيسة وأشياعها فأعلنت كفر وهرطقة كل من لم يكن في جانبها .

وانتهت المعركة إلى نتيجة مفزعة : فقد تزلزلت العقائد الدينية جملة ، وانتشر الإلحاد وشاع بطريقة غريبة وشاذة . والواقع أن طبيعة الفلسفة المسيحية تجعلها أكثر الأديان تعرضاً للانهيار في حالة ثبوت النظرية ، صحيح أن الأديان كلها تؤمن بعقيدة الخلق المستقل لكن المسيحية تزيد على ذلك بأنها تجعل هذه العقيدة قطب الرحى للإيمان المسيحي برمته . فالمسيحية البوليسية تعتقد أن الله خلق أدم وحواء ونهاهما عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر فأغرتهما الحية فأكلا من الشجرة فارتكبا بذلك خطيئة لا تغتفر وظل الجنس البشرى يرسف في أغلال الخطيئة الموروثة حتى رحم الله العالم فأرسل ابن الوحيد – تعالى عن ذلك – الذي هو الأقنوم الثاني من الثالوث فقتل على الصليب ليخلص البشرية من الخطيئة . وهذه العقيدة هي محور التعاليم الكنسية ولا يمكن بحال أن يعد المرء مؤمناً بالمسيحية ما لم يعتقدها ، لذلك فبديهي أن تقض نظرية داروين مضاجع رجال الدين والغيورين من المسيحيين الذين رأوا - محقين –أن التصديق بأن الإنسان خلق بالطريقة التي فسرها داروين معناه بوضوح أنه لم يكن هناك آدم ولا حواء ولا عدن ولا خطيئة (( وإذا لم يكن ثمة خطيئة فإن الصرح التاريخي للمسيحية وقصة الخطيئة الأولى والكفارة التي أسس عليها التعليم الساري للعواطف المسيحية فإن كل ذلك ينهار كبيت من ورق اللعب (18) وما دام أن الإنسان الغربي عموماً لا يعرف عن الدين إلا أنه المسيحية فإنه سيجد نفسه تلقائياً قد أصبح ملحداً .

يقول ويلز : (( الحق أنه لم يخل عصر من العصور من متشككة في المسيحية …على أن هؤلاء كانوا إناساً غير عاديين أما الآن ( أي بعد نظرة داروين ) فقد أصبحت كل المسيحية بوجه الإجمال متشككة إذ مست الخصومة كل إنسان قرأ كتاباً أو سمع محاورة بين اذكياء )) (19)حول النظرية . والحق الذي لا مرية فيه أن هذه النظرية لو تركت وشأنها أو وجدت في غير الظروف والملابسات التي وجدت فيها لما كان لها هذا الشأن كله أو على الأقل لما استشرت إيحاءاتها وصبغت الحياة والفكر بهذه السرعة المخيفة ، ولكن الذي أعطى الداروينية هذا الحجم الكبير هو تضافر عاملين خارجيين عنها هما :

1: الظروف التاريخية السيئة : فقد ولدت النظرية في عصر كان فيه الصراع بين العلم والدين على أشده وكانت الثورة الصناعية قد أخذت تطمس ملامح المجتمع الأوربي وتصبغه بصبغة جديدة متحللة من الدين والأخلاق ، وكان الإنسان الأوربي في كل مكان يتحفز للأخذ بثائره من رجال الكنيسة الذين أذاقوه ألوان الذل والاستعباد فكان ظهور النظرية فتحاً جديداً بالنسبة لهم ، صحيح أن الجماهير وقفت أول الأمر بجانب الكنيسة ضد داروين ( ولكن موقف الجماهير بعد ذلك تغير فلئن كانت قد عز عليها أن يسلبها داروين إنسانيتها ويردها إلى أصل حيواني فقد أخذت تشمت في الكنيسة ورجالها الذين وجدت أن الفرصة سانحة للتخلص من نيرها المرهق وسلطانها البغيض (20) .

هذا بالإضافة إلى طبيعة الإيمان المسيحي ذاته فهو إيمان عاطفي لا يقوم على الاقتناع العقلي بل على العكس تماماً فسواء لدى من أوتى حظاً من الثقافة والمعرفة أن اله الكنيسة قد قتل أبنه ليخلصه من الخطيئة أم لم يفعل ذلك فهو أصلا غير مقتنع بأنه ولد مخطئاً وأن للرب أبن ، كما أن عقيدة التثليث والأساطير المسيحية الأخرى تسبب لعقله إزعاجاً مستمراً. لذلك فلا غضاضة في أن يضحي بهذه العقيدة الهشة في سبيل نجاته من قبضة الكنيسة الجائرة .

2: الاستغلال البشع للنظرية من قبل القوى الشيطانية الهدامة :

غنى عن البيان أن نقول أن اليهود يخططون للقضاء على البشرية و( استحمارها ) من طريق القضاء على دينها وأخلاقها وتقاليدها فهي حقيقة آمن بها كثير من العقلاء في الغرب ، وإن الزمن ليكشف تدريجياً خيوط المؤامرة الشيطانية التي يدبرونها ضد الجنس البشرى بجملته ، وما من شك في أن نظرية داروين سلاح فتاك لم يكن هؤلاء ليحلموا به .

تقول البروتوكولات ( لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء ولاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل والأثر غير الأخلاقي لإتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحاً لنا على التأكيد(21) ويستطيع المرء أن يتأكد من حقيقة هذه الدعوى إذا استعرض السرعة المذهلة التي طبقت بها الداروينية في مختلف مجالات الحياة وميادين العلوم والفكر والرؤوس اليهودية البارزة في هذا التطبيق ولعلنا الآن نتذكر السبب في خيبة النبوءة التي تنبأ بها أوين وأغاسيز لمستقبل الدارونية . وليس التطبيق العاجل للنظرية والرواج المنقطع النظير هو السبب الذي يؤكد ذلك فهناك أسباب أخرى مؤيدة . الإهمال الكامل للنظريات التطورية اللاهوتية حتى أن (( والاس )) قرين داروين وشريكه في اكتشاف النظرية لا يكاد يعرف عند غير المختصين وليس لذلك من علة ، إلا أنه قال بأن وراء عملية التطور قوة مدبرة(22) .

الطريقة الغريبة التي استقبلت وأشيعت بها النظرية والتي جعلت الناس يتلقفونها لا بوصفها نظرية علمية بل كما لو كانت ديناً جديداً بالفعل ، وطرحت لا كمناقض للمسيحية فحسب بل كبديل لها .

التمجيد الأسطوري لصاحب النظرية فقد حاز داروين من الشهرة ما لم يظفر به أعظم خدام البشرية من أمثال (( باستور وفلمنغ وأديسون )) وجعله مؤرخو الفكر الغربيون أعظم محرر للفكر البشرى بل أن بعضهم ليشبهه بلمسيح ، وقال عنه أرنست هيكل : ( أنه أطلس يحمل عالم الفكر على منكبيه )) ووصفه آخرون بأنه (( قاهر الطبيعة )) (23)

الحملة الصحفية المكثفة للتشهير بأعداء النظرية ، وتحيز الصحف شبه الكامل لداروين على الكنيسة إذ كانت الصحافة قد وقعت في قبضة المرابين اليهود بفضل المركز المالي الذي هيأته لهم الثورة الصناعية . وهذه جميعاً دلائل واضحة على أن المعركة لم تكن طبيعية وأن عنصراً غربياً كان ينصب شباكه في الظلام للإجهاز على القيم الدينية والأخلاقية وهو غاية ما تهدف إليه البروتوكولات .

ولقد كانت النتيجة المنطقية لانتصار الداراوينية على المسيحية وهو الانتصار الذي سببه العاملان السابقان – أن عمت موجة الإلحاد المجتمعات الغربية وانتقلت منها إلى بقاع العالم الأخرى ، وسيطرت الأفكار المادية على عقول الطبقة المثقفة ، وتخلت جموع غفيرة من الناس عن إيمانها بالله تخلياً كاملاً أو شبه كامل ، وطغت على الحياة الأوربية فوضى عقائدية غريبة .

والحق أن أوروبا بعد داروين – قد عبدت الشيطان بعد أن كانت تعبد المسيح . عبدته مرة عن طريق عبادة الطبيعة تلك الكلمة غير العلمية فقد قال داروين : (( الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق )) وقال (( أن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله هو بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت )) (24) . صحيح أن الطبيعة عبدت قبل داروين ولكن داروين كان نبياً جديداً لها . إن صح التعبير – وعبدته مرة عن طريق عبادة الإنسان ، وهى الفكرة التي دعا إليها الفيلسوف اليهودي (25) ( نيتشه ) قائلاً : (( آن الإله قد مات وأن الإنسان الأعلى (( سوبرمان )) ينبغي أن يحل محله ، ومن هنا قرنته البروتوكولات بداروين وماركس )) كما نادى بها في القرن العشرين الداروينى الملحد جوليان هكسلي الذي ألف كتاب ( الإنسان في العالم الحديث ) زاعماً أن الإنسان اختلق فكرة الله إبان عصور عجزه وجهله ، أما الآن فقد تعلم وسيطر على الطبيعة بنفسه ولم يعد بحاجة إليه فهو العابد والمعبود في آن واحد . وعبدته مرة عن طريق عبادة المادة ولا غرابة في أن يكون نبي هذه العبادة يهودياً كذلك وهى ديانة ماركس التي يدين بها اليوم مئات الملايين من البشر .

وعبدته مرة عن طريق عبادة ( الجنس ) وكان اليهودي فرويد هو بطل هذه العبادة .

وعبدته في صور شتى تتفق جميعها في الاستمداد من داروين ونظريته .

وهكذا نجد أن نظرية التطور أسهمت إسهاماً عظيماً في هدم العقيدة الدينية وتحطيمها وليس من المبالغة أن نقول آن دورها في ذلك لا يوازيه أي نظرية بشرية أخرى . ..

ثانياً : نفي فكرة الغاية والقصد :

من الحقائق التي تتطابق عليها الأديان وتتضافر على الإيمان بها العقول والفطر السليمة أن للوجود الإنساني على الأرض غاية مقصودة أرادها الخالق واقتضتها حكمته النافذة ومهما اختلفت الآراء والمذاهب في ماهية هذه الغاية وتصورها ، فإن حقيقتها العامة لا تقبل الجدل .

وهذه الحقيقة درجت الأجيال البشرية المتعاقبة على الإيمان بها ليس لأنها منبثقة عن فكرة الخلق المستقل – كما يتوهم دعاة التطور – بل لأن الفكرتين كلتيهما عميقتان في التصور الإنساني مركوزتان في الفطرة البشرية .

لذلك نجد أن الرسالات السماوية لم تأت لإثبات هذه الغاية بل للتذكير بها وإيضاح حقيقتها . وكذلك نلاحظ أن المباحث الفلسفية كانت تركز جهدها على الخوض في العلل الغائية للأشياء لتبنى عليها نظرياتها عن الكون والحياة ولا تبالى كثيراً بالعلل الصورية . فكان الفلاسفة يجهدون أنفسهم في البحث حول الغاية من خلق الإنسان ووظيفته المباشرة .

فلما ظهرت نظرية التطور العضوي ونادت بأن الإنسان وليد سلسلة طويلة من التطورات المتعاقبة بدأت من جرثومة في مستنقع آسن وانتهت في خط سيرها المتخبط إلى صورته الراهنة لم يعد هناك ما يدعو إلى التفكير في الغاية من خلق الإنسان .

إن هذه النظرية تنسب عملية التطور إلى العوامل الطبيعية البحتة والطبيعة كما قال داروين (( تخبط خبط عشواء )) إذن فإنه من العبث أن نبحث عن غاية مرسومة وهدف مقصود لعملية الخلق للوجود الإنسان . فلو أن الطبيعة وهبت الضفدعة – مثلاً – القدرة على التطور ومنحتها ما منحته صدفة واعتباطا للإنسان لكانت هي سيدة المخلوقات . وقد قال جوليان هكسلى ( من المسلم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات ولكن قد تحل محله القطة أو الفأر ) (26) .

وكان ظهور هذه النظرية في عصر إزدهار النظرية المكانكية أحد العوامل المشجعة على قبولها فكلا النظريتين ترجع الحوادث الكونية كلها إلى قوانين الطبيعة العمياء فراراً من نسبتها إلى إله الكنيسة .

ويشيد الفيلسوف الملحد برتراندرسل بالأثر الداروينى في هذا المجال قائلاً: : (( بالرغم من أنه لا يزال في إمكان الفيلسوف أو عالم .اللاهوت أن يقول أن لكل شئ غرضاً ظهر أن الغرض ليس فكرة نافعة حين نبحث في القوانين العلمية ، وقد قيل في الإنجيل أن القمر قد خلق لينير بالليل ولكن العلماء مهما كانوا متدينين لا يعتبرون ذلك إيضاحاً علمياً لأصل القمر ولقد كان عمل داروين فاصلا بهذه المناسبة فالذي فعله جاليو ونيوتن من أجل الفلك فعله داروين من أجل علم الحياة )) (( إن لذي جعل من الممكن تفسير التكيف دون الكلام عن الغرض لم يكن حقيقة التطور بل كان الميكانيكية الداروينية كما تتضح من تنازع البقاء وبقاء الأصلح فالاختلاف الاعتباطي واختيار الطبيعة لا يستخدمان إلا العلل الصورية )) (27) . ونجم عن ذلك أن أهملت العلوم الغربية بجملتها فكرة ( الغائية ) بحجة أنها لا تهم الباحث العلمي ولا تقع في دائرة عمله وتحللت علوم الطب والفلك والجيولوجيا والإحياء وسائر العلوم من التأثيرات الدينية كما سيأتي في فصل علمانية العلم . وأدى الإيمان بهذه الفكرة إلى اعتناق فكرة هزيلة لا قيمة لها ولا وزن في حساب العلم تلك هي فكرة المصادفة فبعد أن أبطل ( باستور )أسطورة ( التولد الذاتي ) إلى الأبد لم يجد دعاة الإلحاد والهاربون من الدين ما يسترون به عورتهم إلا هذه النظرية التافهة .

وإنه لمن المدهش حقا أن يرى الإنسان الكثير ممن يسمون علماء يعتقدون أن الكون بدقته المذهلة وعظمته الهائلة وجد صدفة واعتباطاً ( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ( سورة : ص 27 )

هذا على المستوى النظري أما على مستوى الحياة الواقعية فقد كانت النتائج مروعة إذ تزعزعت قيمة الحياة لدى الناس لا سيما ذوى الإحساس المرهف واستبد بهم شعور يائس بالقنوط والضياع وظهرت في أوروبا أجيال حائرة مضطربة لا تطمح إلى غاية ولا تفكر في هدف وخيم الخواء الروحي على المثقفين بصفة خاصة وأصبح شغلهم الشاغل هو البحث عن الذات المفقودة واستكانة أسرار النفس . وذلك هو المناخ الخصب الذي استغله اليهود لبذر نظرياتهم الهدامة فجاء ( فرويد ) بالتحليل النفسي ، و(برجسون ) بالروحية و (سارتر) بالوجودية . يقول الفيلسوف ( جود ) تحت عنوان تفاهة الحياة : (( إذا كان الماديون على حق فلا ينبغي أن نعتبر الحياة شيئاً مهما في صميم الكون نتخذه أساساً لتفسير سائر الموجودات الأخرى ، بل أنها لا تعدو أن تكون حصيلة ثانوية قذف بها سير التطور مصادفة واتفاقاً أو هي تحوير عرضي للمادة أصبحت بموجبه تملك الشعور بذاتها )) (28).

ولقد تجلى الشعور بتفاهة الحياة أكثر ما تجلى في الأدب الأوروبي حيث تلمح الإحساس بالضياع هو السمة العامة للمدارس الأدبية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى بصفة خاصة . وهذا الشعور الناجم عن فقدان الإيمان هو العلة الحقيقية للتمزق الرهيب الذي تعانيه النفسية المعاصرة في الغرب رغم الرفاهية المادية المتناهية ، ومن هنا أستحق هذا العصر أن يطلق عليه ( عصر القلق ) !! ولقد صدق أحد العلماء (29) في قوله (( إن أشقى الناس جميعاً هو الذي يأتي إلى هذه الدنيا ثم يخرج منها وهو لا يدرى لماذا جاء ولماذا خرج )) ! .

ثالثاً – حيوانية الإنسان وماديته :

عندما طلع كوبرنيق بنظريته الفلكية القائلة : بأن الأرض ليست مركز الكون أحس الضمير الأوروبي بأنه قد صدم في صميم كرامته ومركزه في الوجود ، واعتقد البعض أن الإيمان بهذه النظرية إهانة مباشرة للإنسان ( سيد المخلوقات) فلما جاء داروين بنظريته لم يزد الطين بلة فحسب بل جاء بالطامة الكبرى فزعم أن الإنسان حيوان كسائر المخلوقات الحيوانية ، فوجه بذلك إلى الكرمة الإنسانية أعنف لطمة في تاريخها ، وقلب الشعور الإنساني رأسا على عقب وهز المشاعر والمعتقدات والقيم التي كانت منذ فجر التاريخ حتى عصره راسخة لا مراء فيها ، واصبح الحال كما قال جولين هكسلي : (( بعد نظرية داروين لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيوانا )) (30).

وداروين لم يكتف بأن جعل بين الإنسان وبين القردة نسبا بل زعم أن الجد الحقيقي للإنسان هو جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين .

لقد كانت بالفعل صدمة هائلة وانتكاسة خطرة .

نعم إن داروين لم يصدر أحكاماً مستقلة على الإنسان – وليس من حقه ذلك – ولكن الذين جاءوا من بعده أصدروا أحكاماً وأي أحكام ! . ذلك أنهم تلقفوا النظرية أصلا بدوافع مغرضة ووجهوها لتخدم أهدافاً خفية . ولهذا فليس غريباً أن يثوب ( الدارونيون المحدثون ) – راضين أم راغمين – إلى رشدهم ويعترفوا بحقيقة تفرد الإنسان عن كل المخلوقات بينما لا يزال أولئك المغرضون ينفثون أفكارهم الهدامة التي تنظر للإنسان على أنه حيوان وتحدد مطالبه بمطالب الحيوان وتدرسه كما تدرس الحيوان . وليس الإيحاء بحيوانية الإنسان هو الأثر الداروينى الوحيد الذي حط من قدره وكرامته بل اقترن به إيحاء أخر لا يقل خطورة عن الأول وهو الإيحاء بـ(مادية الإنسان ) أي خضوعه للقوانين المادية التي تفرض عليه ما تفرضه على المادة الجامدة . فالإنسان في نظر الداروينية – لم يتطور مختاراً بل كان تطوره مظهراً – لخضوعه المطلق للبيئة الطبيعية أي لعوامل خارجية حتمية ، صحيح أن هذا التطور لمصلحته لكنه لم يكن نابعاً من إرادته . ولم يكن متوقعاً من الداروينية أن تقول في تلك الظروف السيئة أن الله هو الذي اختار للإنسان ، لأن ذلك يفقدها صفة ( الميكانيكية ) بل ويجرها إلى اعترافات أخرى كالإقرار بأن له روحاً وأن لوجوده غرضاً كم تقول الكنيسة ، إذن فلا مناص من القول بأن العوامل الطبيعية وحدها صانعة التطور وفارضته على الإنسان ، والإنسان ما هو إلا مرآة تنعس عليها تقلبات الطبيعة المفاجئة وتخبطاتها غير المنهجية .

وعليه نستطيع أن نقول : أن فكرة التطور في ذاتها أوحت بحيوانية الإنسان بينما أوحى تفسير العملية التي سار عليها التطور بماديته . وظهر اثر هاذين الإيحاءين جلياً في الدراسات الاجتماعية والنفسية التي تناولت موضوع الإنسان فرداً أو جزءاً من مجموع . وهى دراسات تقوم على نظريات تلتقي بجملتها في نقطة واحدة (( حيوانية الإنسان وماديته )) ثم يسلك كل فرع منها طريقاً مستقلاً . ومن أبرز الأمثلة على الأفكار الاجتماعية نظريتان (( النظرية الشيوعية ونظرية العقل الجمعي )) فاليهودي كارل ماركس – صاحب النظرية الأولى – استمد من حيوانية الإنسان ما ظهر جلياً في البيان الشيوعي إذ حدد المطالب الرئيسية له بـ ( الغذاء والسكن والجنس ) . وستمد من ماديته التي أوحت بها ( جبرية التطور ) التفسير المادي للتاريخ والجبرية الاقتصادية فهو يرى ( أن القوى المادية أو القوى الاقتصادية هي التي تكيف الحياة البشرية وتعطيها طابعها وتنشئ أفكارها ومفاهيمها وعقائدها حسب درجتها من التطور ، فإذا انتقلت البشري من طور إلى طور بحكم قوة التطور الدائمة المفروضة على الإنسان من خارج نفسه والتي لا علاقة لها بإرادته الذاتية فإن صور الحياة تتغير ومشاعر الناس تتغير وأفكارهم ومفاهيمهم وعقائدهم تتغير ويتغير كل شيء في المجتمع من أخلاق وعادات وتقاليد تغيراً حتمياً(31) . أما اليهودي ( دور كايم ) فقد جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظريته في ( العقل الجمعي ) التي تقول أن الإنسان حيوان خاضع ( لجبرية اجتماعية ) أو قهر اجتماعي يفرضه عليه العقل الجمعي للقطيع البشرى ويستمد شواهده المؤيدة من عالم الحيوان ومجتمع الحيوان (32) .

أما المذاهب النفسية فمن واضح الأمثلة عليها (( مدرسة التحليل النفسي)) فاليهودي ( فرويد ) استمد من حيوانية الإنسان نظريته في تفسير السلوك الإنساني من الولادة حتى الوفاة تفسيراً حيوانياً بشعاً ، فهو يرى أن الدافع الجنسي هو دافعه الوحيد ، فالمولود يرضع ثدي أمه بدافع جنسي ويتبرز بدافع جنسي ويظل يتعامل مع الآخرين بناء على هذا الدافع وحده ، والدين والأخلاق والمثل العليا كلها نابعة من هذا الدافع أيضاً ، وهكذا فالإنسان عند فرويد ليس حيوانياً فحسب ، بل هو حيوان جنسي ، وراء كل حركة منه شهوة جنسية ظاهرة أو خفية (33) . واستمد من ماديته ( جبرية نفسية ) تجعل الإنسان خاضعاً لغريزته مسيراً بها بلا اختياره ، فهو لا يملك إلا الانصياع لأوامرها وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب (34) . واليهودي ( دور كايم ) وعلم النفس – بصفة عامة – يدرس الإنسان كما يدرس أي حيوان ثديي والنظريات النفسية التي استنتجها ( بافلوف ، وثورندايك ، وواطس وهول ) وإضرابهم إنما استنبطت من التجارب التي أجرها أولئك على الكلاب والقردة والفئران … الخ(35) ! ! وهكذا تركت نظرية داروين فيما يتعلق بحيوانية الإنسان وماديته بصمات واضحة في كل حقل من حقول الفكر وصادفت هوى في نفوس الباحثين الماديين في كل مجال .

رابعاً - فكرة التطور المطلق :

كانت الحياة الأوربية طيلة القرون الوسطى مستغرقة في سكون مطبق وجمود عام أوحى إلى العقلية الأوربية الخاملة – آنذاك – بفكرة الثبات المطلق في كل شيء وأسهمت الكنيسة – بطقوسها الجامدة ووقوفها ضد كل جديد – في ترسيخ هذه الفكرة وتعميقها (36).

وأول هزيمة تعرضت لها هذه الفكرة كانت على يد ( كوبرنيق ) – من غير قصد – فدوران الأرض إلتى نادت به نظريته يناقض المسلمة البديهية في نظر عصره ، وهى أنها ثابتة وما عليها ثابت كذلك ، ثم أن التقدم في الكشف والبحث الذي ابتدأ منذ عصر النهضة والذي اقتبس حيويته ونشاطه من الشرق المتحضر كان عاملاً مؤثراً في إضعاف الإيمان بهذه الفكرة .

وظهرت فكرة التطور لدى بعض الباحثين مثل ( أوجست كومت ) صاحب نظرية التطور العقلي ( من الخرافة إلى الدين إلى الوضعية ) وظهرت كذلك لدى ( هوبز ) الذي يرى أن المجتمع الإنساني تطور من الوحشية الغابية إلى الحالة الاجتماعية ، وكذلك ( روسو ) الذي قال بتطور المجتمع من الحالة الطبيعية إلى الحالة الفوضوية مما استوجب وجود ( عقد اجتماعي ) بين الأفراد .

لكن هذه النظريات لم تكن من القوة والتعميم بحيث تزلزل فكرة الثبات كلية وإن كان لها فضل في التمهيد لذلك .

وتمت هذه الزلزلة على يد ( داروين ) ونظريته في التطور العضوي وبعد داروين انتقلت أوروبا من الإيمان بالثبات المطلق إلى الاعتقاد في التطور المطلق .

لقد حدث في القرن التاسع عشر تحول شامل في الحياة الأوربية كلها بسبب ما أحدثه الانقلاب الصناعي من نقل الناس من البيئة الزراعية إلى البيئة الصناعية مما كان له أثره البالغ في أخلاق الناس وتقليدهم وأوضاعهم عامة فكان ذلك تطوراً إجتماعيا واقتصاديا موازياً للتطور العلمي والثقافي .

في ظل هذه الظروف المتغيرة والمتطورة ولدت نظرية التطور في كتاب داروين ( أصل الأنواع ) الذي قال عنه وست : (( لقد كان تأثير هذا الكتاب عظيماً ولا شك فعن طريق وضع مبدأ جديد للدراسة وهو مبدأ ديناميكي وليس مبدأ استقراريا أو استاتيكياً استطاع أن يحدث ثورة في كل فروع المعرفة من علم الفلك إلى التاريخ ومن علم الحفريات القديمة إلى علم النفس ومن علم الأجنة إلى علم الدين (37) . والواقع أن التطور الديني الذي أوحت به النظرية ليتجاوز الأثر العلمي إلى ميادين الحياة كافة ( الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ) … الخ ونزلت الضربة القاضية على رأس الدين والأخلاق ) . والحق أن داروين لم يقل صراحة : أنه لا شيء ثابت على الإطلاق وأن الحياة البشرية تمضى في حلقات متباينة تختلف كل لاحقة عن سابقتها اختلافاً كاملاً ولكن نظريته توحي بذلك وتومئ إليه ، وذلك أن التطور كما شرحه داروين يشتمل على عنصرين بارزين ( الحتمية والاضطراب ) فكل مرحلة من مراحل التطور أعقبت سلفها بطريقة حتمية بمعنى أن العوامل الخارجية – كما أسلفنا – هي التي تحدد نوعية هذه المرحلة أما خط سير التطور ذاته بمراحله جميعها فهو مضطرب لا يسعى إلى غاية مرسومة أو هدف بعيد لأن ( الطبيعة ) التي أوجدته غير عاقلة ولا واعية بل تخبط خبط عشواء !!

عن طريق هذين العنصرين أوحت النظرية بتطور حتمي مطلق لا غاية له ولا حدود . الحتمية تجعل الإيمان بثبات أي شيء وإن كان الدين والقيم أو التقاليد جموداً ورجعية وكل محاولة للثبات على شئ من ذلك هي معركة خاسرة مع القدر الذي لا يقهر ، واضطراب خط التطور يلغى كل المعايير الثابتة المتعارف عليها للحكم على الأشياء ويستبدل بها معياراً واحداً لا ميزة له في ذاته إلا عدم قبوله صفة التطور وهو ( الزمان ) فكل عقيدة أو نظام أو خلق هو أفضل وأكمل من غيره ما دام تالياً له في الوجود الزمني . يقول لوبون : أن الزمان ( إله ) لأنه ( هو ألذي يولد المعتقدات فينميها ثم يميتها ومنه تستمد قوتها وبفعله يتولاها الضعف والانحلال ) .

( إن الزمان هو صاحب السيادة الحقيقية فينا وما علينا إلا أن نتركه يعمل لنرى كل شيء يتحول ويتبدل ) (38) .

وهكذا آمنت أوروبا بالتطور المطلق وحسبت كل تغير – وإن كان انتكاسة وانحطاطاً – تطوراً وتقدماً .

فالشيوعية أكبر المذاهب الأرضية وأوسعها انتشاراً تستمد تفسيرها المادي للتاريخ من هذه الفكرة ( فكرة التطور الحتمي ) فالمجتمع البشرى مر – كما تخيل فلاسفتها – بخمس مراحل حتمية لكل مرحلة منها عقائدها وأخلاقها وتقاليدها النابعة من الظروف الاقتصادية والأوضاع المادية .

فمثلاً في المجتمع الزراعي كان الإنسان متدينا لأن الزراعة عملية غيبية لا يستطيع أن يتحكم فيها بجهده الذاتي ، فلجأ إلى الاعتقاد في ( قوى غيبية ) لتسيير العملية وإنجاحها .

وكان المجتمع الزراعي مجتمعاً أسرياً ذا تقاليد لأن الرجل ، وهو المنتج الرئيسي فيه وهو الذي يعول المرأة ، ولذلك كان يرى أن له الحق في امتلاكها وحده ففرض عليها قيوداً أخلاقية نشأ عنها أخلاق وتقاليد زراعية . ثم تطور المجتمع الإنساني – حتمياً – وانتقل إلى الطور الصناعي فتبدلت الأحوال … عملية الإنتاج لم تعد ( غيبية ) فهي عملية منظورة يقوم بها الإنسان وليس ( الله ) !! ولذلك فلا داعي للإيمان بالغيبيات ، بل أن التطور ليفرض على المجتمع أن يكون بلا دين .

والمرأة قد استقلت اقتصادياً ومن ثم تحررت من سيطرة الرجل وقيوده فأصبح من حقها – أو من واجبها – أن تنبذ تقاليد وأخلاق العصر الزراعي وتساير موكب التطور الذي يغرى ، بل يدفع إلى الإباحية الجنسية .

وباختصار ترى الشيوعية أن لكل عصر دينه وأخلاقه وتقاليده ولا ضير في ذلك لكن العيب الشائن هو أن يعيش المرء في عصر الصناعة والتطور متحجراً على دين وتقاليد العصر الزراعي الجامد ولم يقتصر الأمر على الشيوعية بل أن علوم النفس والاجتماع أو على الصحيح زعماء هاذين من اليهود وأتباعهم يؤمنون بالتطور في كل شيء حتى الدين نفسه ، بل لعل الدين هو الهدف المقصود من العملية كلها !!

فعلم الاجتماع – بـل يهودية دور كايم – ينفي أن يكون الدين والزواج والأسرة فطرية في الإنسان وإنما هي من عمل ( العقل الجمعي ) ذي السطوة القاهرة على الأفراد ، وهذا العقل دائم التغير والتطور والتشكل ( وهنا نلحظ عنصر الاضطراب ) فإذ قال العقل الجمعي في طور من أطواره ليكن دين أو زواج أو أسرة فليكن ذلك أما إذا قال حسب هواه ليكن لا دين ولا زواج ولا أسرة فسرعان ما يخضع الأفراد لقهره فينسلخون من دينهم وأخلاقهم وتقاليدهم (39) ، ويتفق علم النفس مع علم الاجتماع في عدم فطرية الدين ولكنهما يختلفان في تفسير تطوره . فعلم الاجتماع يرى أن اصل الدين شيء خارجي هو – الأرواح أو القوى الطبيعية أو المحرم ( التابو ) – وابتدأ الإنسان تدينه بالسحر والشعوذة ثم تطور إلى عبادة آلهة متعددة ثم تطور إلى التوحيد الذي يمثل أخر حلقة في عصر الدين أعقبها مباشرة – بفعل التطور – عصر العلم الذي ينفي الدين بجملته .

أما علم النفس أو يهودية ( فرويد ) فيرى حسب تفسيره الدنس للدين أن أصل الدين هو الشعور بالندم الذي استولى على أبناء الأسرة البشرية البدائية الأولىحين قتلوا أباهم ، ولماذا قتلوه ؟ لأنه كان يحول بينهم وبين اللقاء الجنسي مع الأم فابتداء الدين في صورته الأولى عبادة للأب ثم تطور إلى عبادة ( الطوطم ) ثم تطور إلى عبادة القوى الخفية في صورة الدين السماوي وهو في الأطوار كلها ينبع من العقدة نفسها عقدة ( أوديب ) كما يصرح بذلك في كتابة الذات والغرائز (40) . والأخلاق تطورت في المراحل نفسها باعتبارها جزءاً من الدين أو مستمدة منه بل أن ( برتراندرسل ) ليرى أنها تطورت خلال ثلاث مراحل( أخلاق المحرم ( التابو ) ثم أخلاق الطاعة الإلهية ثم أخلاق المجتمع العلمي)(41)

ويقول ( وليم جيمس ) عن الأثر الداروينى في الأخلاق : (( إن فلسفة النشوء والارتقاء قد ألغت المعايير الأخلاقية التي سبقتها كلها لأنها رأتها معايير ذاتية شخصية وقدمت لنا بدلها معياراً أخر نتعرف به الخير من الشر وبما أن المعايير السابقة معايير نسبية فهي مدعاة للقلق والاضطراب وأما هذا المعيار الذي ارتضوه وهو أن الحسن ما قدر له أن يبقى يظهر ويبقى فهو معيار موضوعي محدد )) (42) وإجمالاً فقد آمنت أوروبا شرقها وغربها بأن لا شيء ثابت على الإطلاق وهو الإيمان الذي عبر عنه ( رسل ) بقوله : (( ليس ثمة كمال ثابت ولا حكمة لا تقدم بعدها … وأي اعتقاد نعتقده وإن كان مما نظنه بالغ الأهمية ليس بباق مدى الدهر ، ولو تخلينا أنه يحتوى على الحق الأبدي فإن المستقبل كفيل بأن يضحك منا (43) ومن الحق أن نقول أن هناك علماء عارضوا فكرة التطور المطلق لكنهم قوبلوا بالنقد العاصف والاستنكار الشديد بحجة أنهم رجعيون متخلفون يعرقلون مسيرة التطور الحضاري ، يقول كارل بوير : أنني اشعر بشيء من الإرهاب مما يميل إليه أصحاب مذهب التطور من إلصاق تهمة الوقوف في وجه الإصلاح والتنوير بكل من لا يشاركهم موقفهم العاطفي إزاء التطور باعتباره تحدياً جريئاً ثورياً للفكر التقليدى (44) . وقال لوبون : (( الملوكى بمقتضى كونه ملوكياً يعتقد أن الإنسان ليس متولداً من القرد والجمهورى يعتقد الضد تماماً )) .

وهكذا رسخت فكرة التطور المطلق في كل فرع من فروع المعرفة النظرية وفي كل حقل من حقول التطبيق الواقعي وأصبحت السمة الظاهرة للحضارة المعاصرة .


.*.*.*.*.







>> البــــــــ الثالث ــــــــاب <<

.*.*.*. العلمانيـــــــة في الحيـــــــاة الأوروبيــــــــــة.*.*.*.

>> .*.*. <<

<< .. الفصل الأول .. >>

.*.*. علمانيــــــــــــــــة الحكـــــــــــــــم .*.*.

<< .. الفصل الثاني .. >>

.*.*. علمانيــــــــــــــة الإقتصــــــــــــاد .*.*.

<< .. الفصل الثالث .. >>

.*.*. علمانيـــــــــــــة العلــــــــــــــــم .*.*.

<< .. الفصل الرابع .. >>

.*.*. علمانيــــــــــة الإجتماع والأخــــــلاق .*.*.

<< .. الفصل الخامس .. >>

.*.*. علمانيـــــــــــة الأدب والفـــــــــــــــــن .*.*.

<< .. الفصل السادس .. >>

.*.*. مــــــــــــــــــــــاذا بقي للــــــــــــــــــــــــــــــــــدين ؟ .*.*.



<< .. الفصل الأول .. >>

// == علمانيـــــــــ الحكم ـــــــــــــــــة == //

>><< سبق أن ذكرنا في الباب الأول أن الشريعة المسيحية لم تطبق في عالم الواقع وذكرنا هنالك بعض العوائق التاريخية التي عرقلت قيام مجتمع "إسلامي" تحكمه هذه الشريعة .

على أن إقصاء الشريعة المسيحية عن واقع الحياة لا يعني أنها كانت عديمة التأثير في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فضلا" عن السلوك الشخصي للحكام المسيحيين . وذلك بفضل المنهج الأخلاقي المثالي الذي كان الدعاة المسيحيون المخلصون يبثونه بحرارة وإصرار والنفوذ القوي الذي كان رجال الدين يتمتعون به في الأمم .

وكان للكنيسة آراؤها السياسية التي يمكن أن تستخلص من مجموعها "نظرية سياسية" تعبر عن وجهة نظرها الذاتية وإن كانت – طبعا" – لا تعبر عن أحكام الدين كما أنزل من عند الله .

والنظرية الكنسية في أكمل صورها أشبه شئ بالنظريات الخيالية التي تتحدث عن "مدن فاضلة" وهمية ، هذا إذا نظرنا إلى "أوغسطين" على أنه "قديس مسيحي" وليس فيلسوفا" رومانيا" ، فهو الذي عبر عن هذه النظرية في كتابة "مدينة الله" وفكرة أوغسطين الأساسية صحيحة تماما" من جهة أنه ليس في الوجود إلا مملكتان أو مدينتان لا ثالث لهما : إحداهما مدينة الله والأخرى مدينة الشيطان .

ولكن الخطأ الذي يفسد هذه الفكرة ذاتها عنده يكمن في تحديده لخصائص كل مدينة ، فهو يرى أن مدينة الله هي التي يحكمها أباء الكنيسة بخلاف مدينةالشيطان التي يسوسها رجال الدنيا ! ثم إن الصورة التي تخيلها لمدينة الله موغلة في الخيال إلى درجة تجعل إمكان تطبيق نظريته عمليا" خارقة نادرة إن لم تكن مستحيلة (1) . أما النظرية الأكثر واقعية والتي سادت عمليا" طيلة فترة نفوذ الكنيسة فالحكام في نظرها لا يشترط أن يكونوا رجال دين ولكن يجب أن يخضعوا في ذواتهم لسلطة رجال الدين !

فعلى الرغم من قصور النظرية الكنسية وعجزها عن تنظيم شؤون الحياة بسب تحريفها وإهمالها لشريعة الله ونظرتها الخاطئة إلى الحياة الدنيا وإيمانها بقاعدة "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" بالمدلول الخاص لهذه العبارة – على الرغم من ذلك فقد كان الملوك والأباطرة في القرون الوسطى يخضعون – في صورة ما – لرجال الدين ولا يعدون أنفسهم مسيحيين فحسب بل جنودا" للمسيحية – كما حدث في الحروب الصليبية – والخطأ الفادح جاء من قبل الكنيسة إذ وجهت واستغلت عواطفهم الدينية لخدمة مصالحها الذاتية وجهدت في إخضاعهم لا لشريعة الله بل لأهواء البابوات(2) .

صحيح أن إيمانهم بالدين كان محصورا" في الحدود الضيقة التي رسمتها الكنيسة ومشوبا" بالتصورات الوثنية لكنهم كانوا يرون أنفسهم ملزمين بالأخلاق الدينية في تعاملهم السياسي – ولو ظاهرا" – لأن ذلك هو مقتضى كونهم مسيحيين .

وكانت ضرورات العمل السياسي – كما يدعون – تلجئهم إلى مخالفة الروح المسيحية فينكثون بالعهود ويزهقون أرواح الأبرياء ويستبيحون الكذب والمواربة في سبيل تحقيق مصالحهم السياسية ، غير أنهم لم يتخذوا ذلك مسلكا" عاما" ولم يختلقوا له تبريرا" عقليا" منافيا" لتعاليم الدين .

ربما كان منهم من يتلهف للحصول على مبرر ما ليقيه على الأقل وطأة التناقضات النفسية وعقاب الضمير لكن العثور على ذلك ظل مستحيلا" أمدا" غير يسير .

وصحيح أن الكنيسة أهملت تنظيم شؤون الدولة وأن القانون الروماني كان يطبق على مسمع منها ومرأى لكنها كانت متشددة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي للحكام يشاركها في ذلك عواطف الشعب وضمير الأمة ، وكان الأباطرة مضطرون للتمسك بالأخلاق المسيحية كي يكسبوا ود الكنيسة حيث أن إبقاء سلطانهم وشرعيته مرهونان برضاها عنهم فهي التي تتولى تتويجهم وتقدس حكمهم وتباركه ثم أن من حقها – كما قال البابا جريجوري السابع – أن تخلع المسيئين منهم وتحل رعيتهم من طاعتهم .

لهذه الاعتبارات يصح القول بأن عملية الفصل بين السياسة وبين الدين والأخلاق بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة لدى سياسي القرون الوسطى ، وإن كانت أوروبا – حقيقة وواقعا" – لم تحكم بما أنزل الله قط في أية مرحلة من تاريخها .

وإذا تجاوزنا النظرية الكنسية إلى الفكر السياسي اللاديني فسنجد نظريات عديدة قبل أن نصل إلى النظريات المعاصرة .

وأشهر تلك النظريات ثلاث :

1-النظرية الخيالية . 2-نظرية العقد الاجتماعي . 3-نظرية الحق الإلهي .

..

أولا" – النظرية الخيالية : عرفت هذه النظرية قديما" في الفكر الإغريقي حيث كان الفلاسفة يهربون من الواقع السيئ إلى عالم الخيال الواسع ويبنون من الأوهام والأحلام الجانحة مجتمعات مثالية أو مدنا" فاضلة تتمتع بالوئام التام والإيثار المتناهي والمساواة الكاملة في جو ملائكي حالم ! ومن النماذج القديمة لها "جمهورية أفلاطون" (3) لأفلاطون (348ق.م) ومن أبرز المحاولات التي قام بها مسيحيون لصياغة هذه النظرية "يوتوبيا" لتوماس مور (1535) و"مدينة الشمس" لكامبانيلا (1639) .

والذي يهمنا من هذه النظرية هو أنها لا تجعل الدين هو المنهج الذي تقوم عليه الحياة والأساس الذي تنبثق منه كل التصورات والقيم بل أن الانسجام العقلي والمصلحة الدنيوية المجردة هما الدعامة التي بنت النظرية عليها مجتمعاتها اللادينية ، وإن كان بعض متخيليها كتوماس مور تخيل وجود دين في مدينته إلا انه دين شخصي بارد لا أثر له في الحياة (4) . هذه الفكرة الخطرة ترسبت – لا شعوريا" – في أذهان المثقفين الذين كانوا شغوفين بقراءة مثل هذه المؤلفات ، وولدت فيهم إحساسا" بأن الحياة تكون سعيدة فاضلة لو عزل الدين عن الواقع وبقى طقوسا" جامدة لا علاقة لها بالحياة . بل أوحت إليهم بإمكان قيام حياة بهيجة متكاملة بلا دين . ولا شك أن مثل هذه الأفكار يسهل استيعابها وتقبلها في بيئة تخضع لطغيان الكنيسة الأعمى ومضايقاتها المرهقة .


ثانيا" – نظرية العقد الاجتماعي : كانت الفلسفة المدرسية – أشهر المذاهب الفلسفية في القرون الوسطى – تقدس فلسفة أرسطو (322ق.م) وأفلاطون والتراث الإغريقي جملة – رغم الوثنية المشبع بها هذا التراث – وكان مذهب أرسطو أن الإنسان "حيوان اجتماعي" (5) ، أو كما تعبر المصادر العربية "مدني بطبعه" ، أي أن الحالة الاجتماعية للإنسان مقترنة بوجوده منذ القدم ، وكانت هذه النظرية من المسلمات التي لا تحتاج إلى دليل .

ولكن أحد الباحثين الاجتماعيين الأوائل وهو "هوبز" خالف – وربما عن غير قصد – هذه الفكرة حيث اعتقد أن الإنسان لم يكن في الأصل إلا ذئبا" على أخيه الإنسان – على حد تعبيره – وأن الحالة الفطرية أو "الطبيعية" كانت حربا" لا هوادة فيها بين أفراد النوع الإنساني ولذلك احتاج الناس إلى عقد يتنازل بواسطته بعضهم لبعض عن شئ من الحقوق في سبيل أمن وسلامة الجميع . ولما كانت طبيعة الإنسان كما يراها هوبز هي الشر دائما" استلزم الأمر وجود قوة نفوذها أعلى من العقد تكون مهمتها تنفيذ العقد إجباريا" على الأفراد هذه القوة هي القوة الدولة أو الحكومة (6) .

وبغض النظر عن النتيجة الخاطئة التي وصل إليها هوبز وهي تبرير الطغيان بحجة تنفيذ العقد بالقوة فإن فكرة العقد ذاتها حظيت بعناية الباحثين من بعده(7) .

وتلا هوبز "جون لوك" (1704) الذي اتفق معه في وجود عقد اجتماعي بين الدولة والأفراد إلا أنه خالفه في كون سلطة الحكومة المشرفة على تنفيذ العقد مطلقة فهو يرى أن السلطة مقيدة بقبول الأفراد لها ولذلك يمكن سحب السلطة منها بسحب الثقة فيها (8).

وأخيرا" اكتملت الفكرة على يد "جان جاك روسو" (1778) مع فارق أساسي بينه وبين هوبز ، ذلك أن روسو يرى أن الحالة الطبيعية للإنسان هي الفترة الذهبية من تاريخه ولكن الإنسان بفعل الأطماع وبتأثير (الأديان!) تجرد من النقاء الطبيعي وانتقل إلى حالة من الفوضوية اقتضت وجود عقد اجتماعي لتنظيم حياة الناس ومحاولة العودة بهم إلى الحالة الطبيعية (9) .

والملاحظ على النظرية بشكل عام هو إغفالها لدور الدين سواء فيما هو كائن أو فيما ينبغي أن يكون إلى درجة أن روسو لا يكتفي بإهمال الأثر الديني في توجيه المجتمع بل يعد الدين الإلهي عاملا" من العوامل التي تعوق الرجوع إلى الحالة الطبيعية السوية .

وحين يطالب روسو بفصل السياسة عن الدين فإنه يتهم الأديان بأنها هي التي سببت هذا الفصل حيث نجده يقول : "إن الشعوب القديمة كانت تعبد الملوك وكان لكل دولة ملكها وإلهها في الوقت نفسه ، فكانت السياسة والدين شيئا" واحدا" ولكن الأديان ومن بينها المسيحية فصلت بين العالم المادي والعالم الروحي فهي تتعلق بالعالم الروحي ولا تشرع للمجتمع السياسي فلماذا لا يكون لهذا المجتمع دين سياسي خاص" .

ونظرا" لتهجم روسو على الدين ومطالبته بعزله عن واقع الحياة وصفه بعض الباحثين الغربيين بأن مؤلفاته كانت إعلانا" صارخا" لحرب ضد المجتمع وضد الله" (10) .

ومن العوامل المشجعة التي دفعت هذه النظرية إلى الأمام قيام الثورة الفرنسية على وحي من مبادئها وآراء فلاسفتها – لا سيما روسو – إذ يعد كتابة الذي يحمل اسم النظرية إنجيل الثورة الفرنسية .

وأوحت نظرية العقد الاجتماعي إلى الناس بفكرة جديدة هي "الوطنية أو القومية" إذ أن العقد يكون بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه وتتفق مصالحه مع مصالح الفرد ورغباته ، لا مع مجتمع آخر بعيد مهما كانت قوة الصلة الدينية به ، فهي تهدف إلى نزع ولاء الفرد من الكنيسة وإعطائه للدولة وإلى قطع الروابط الدينية ليحل محلها روابط وطنية كما أنها جعلت القيمة العليا للمصلحة المادية الدنيوية التي بسببها تم إبرام العقد وليست للملكوت الذي تبشر به المسيحية أو المثل أو الفضائل التي كان المجتمع يعدها أغلى ما يملك .

لذلك فليس بعيدا" ما قاله ويلز من أن روسو كان يلتمس المعاذير لنقض العقد الاجتماعي وهدمه أكثر مما يؤكد ضرورته (11).

ثالثا" – نظرية الحق الإلهي :

في المرحلة السابقة للإسلام كان الملوك يستعبدون الناس لأنفسهم زاعمين أن لهم سلالة عرقية خاصة أسمى من العنصر البشري المشترك ، وغلا بعض الطواغيت فادعى أنه إله أو من نسل الآلهة كما فعل أباطرة الروم ، ولم يكن ليدور في خلد أى منهم أن للأمة عليه واجبات وحقوقا" وأن الكرسي والمنصب تكليف لا تشريف ، بل كانوا يرون أن ما تقدمه لهم الأمم من مراسم الخدمة والولاء والخضوع المذل والتضحية بالنفس والنفيس لأجلهم ليس إلا واجبا" مقدسا" يقومون به تجاه العرش المحروس !

جاء الإسلام فنسف الفكرة من أساسها ورد العبودية كلها لله وحده وفرض على الحكام تبعات ومسئوليات تناسب مركزهم في الأمة فرأى الناس في معظم أنحاء المعمورة الولاة المسلمين يرعون مصالحهم وينهضون بأعباء المسئولية كاملة في الوقت الذي لا يتميزون فيه عن الأمة بكبير فرق .

ولكن الأقطار التي لم يشملها نور الإسلام – لا سيما في أوروبا الهمجية – ظلت ترزح تحت نير الطغاة وظل الفرد الأوروبي عدة قرون يعبد الهين من البشر : الإمبراطور والبابا . الأول يدعي أن له الحق في حكم الناس وفق مشيئته ويخضعهم لهواه . والثاني يبارك خطواته ويلزم الشعب بإطاعته لأن ذلك يأمر به الله وتمليه السماء .

وظلت عروش أوروبا تتوارثها سلالات وعائلات معينة لا يجرؤ أحد أن ينافسهم ولا يستسيغ إنسان أن يسأل لماذا يحكم هؤلاء وبماذا يحكمون ؟ فالرعاع كلهم مقتنعون تماما" بأنهم يستمدون حكمهم من الله مباشرة !! .

وظهر فلاسفة وباحثون برروا هذا الاستبداد والعبودية وفلسفوها في قوالب متعددة فجاء هوبز ليتملق ملوك عصره مطالبا" بأن لهم الحق في سلطة مطلقة يستطيعون بها تنفيذ العقد الموهوم . وكذلك كان "جاك بودان" (1596) و "جروتس" (1645) من المدافعين عن الحكم المطلق "ويعلل بودان ذلك بأن الحكم غير المطلق معرض للثورات والفتن وصراع الأحزاب وينكر نظرية العقد الاجتماعي لأنها تمنح الفرد الشعور بالمشاركة في تكوين الدولة .

أما جروتس فيدافع عن الاستبدادية بذريعة أنها أفضل السبل لتطبيق القانون الطبيعي وأن الناس إذ قد ارتضوا هذا النوع من الحكم فليس من حقهم أبدا" أن يتراجعوا عنه (12) .

وفي القرن التاسع عشر تطورت هذه الأفكار إلى فكرة فلسفية معقدة على يد "هيجل" (1900) ومدرسته التالية حلقة وصل بين العقائد المسيحية وبين النظريات الفلسفية المجردة ، ولعل أعظم ما حققه أساتذتها هو تحويل الدين إلى فكر ومنطق .

فتحول "الله" إلى "مطلق" والوحي إلى "معرفة مطلقة" والمسيح إلى "توسط" والشريعة إلى "قانون مجرد" أي أن العقيدة هي الحياة نفسها والعقائد رموز تفكك إلى حقائق(13) . ويرى هيجل أن التاريخ هو عبارة عن (تطور منطقي قائم على أساس مفهوم التقدم نحو النظام والمعقولية والحرية) . والدولة ليست مصطنعة عن طريق عقد اجتماعي أو غيره بل هي كائن طبيعي له وجوده المتميز إذ هي تجسيد للحرية التي يرنو إليها التطور التاريخي .

والتاريخ – في نظره – ظل يتطور وفق قانون "الجدلية" حتى بلغ القمة في الدولة البروسية – التي كانت معاصرة لهيجل – ففيها تجسد المطلق والحرية والألوهية(14) !! .

وعلى الرغم من النقد العاصف الذي تعرضت له النظرية من قبل أنصار النظريات الأخرى بسبب تقديسها الزائف للاستبداد – فقد كان لها أثر بالغ لا سيما في نفوس الألمان الذين ظلوا على استعداد للانقياد لحكومة ديكتاتورية يرون فيها تجسيدا" لأعلى مثلهم القومية فكان بسمارك في القرن الماضي وهتلر في القرن العشرين .

واشتق منها (ماكس فيبر) نظريته في الـ"كاريسما" ومعناها – عنده – القوة الخاصة التي منحتها الطبيعة للقلة المختارة للدلالة على الزعماء الذين يقوم نفوذهم على اعتقاد عام عند الناس بأن روحهم من روح الله "مثل يوليوس قيصر ونابليون" (15) .

وهذه النظرية – رغم أن عداوتها للدين ليست كسابقتها – ألحقت بالدين ضرراً بالغاً بتمسحها به وانتسابها اللفظي إليه وادعاء أن طواغيتها يستمدون سلطتهم من تفويض الله لهم ، إذ نجم عن ذلك رد فعل عنيف ضد الدين من قبل من يسمون "دعاة الحرية " الذين وجدوا في هذه الدعوى فرصة لمهاجمة الأديان متذرعين بأنها تبارك الطغيان وتقدسي الدكتاتورية .

والحق الذي لا مرية فيه أن الحكام الذين مارسوا الطغيان متسترين بهذه الدعوى هم أبعد ما يكون عن تنفيذ القانون الإلهي "أي الحكم بما أنزل الله" فوق أنهم لا يستطيعون إقامة الدليل على أن الله منحهم الحق في التسلط على الأمم وإذلال الشعوب باسمه .

وواقع التاريخ يؤكد أن العدل الرباني والطغيان البشري نقيضان لا يجتمعان وأن الذين كانوا يحكمون بما أنزل الله فعلاً ويستندون في سلطتهم إلى الوحي الإلهي حقيقة هم أعظم حكام البشرية عدلاً وإنصافاً وأشدهم رحمة وتواضعاً وأنهم بفضل ذلك قد حققوا في دنيا الواقع ما كان الفلاسفة يحلمون به في الخيال وها هي ذي سيرة الأنبياء الذين حكموا بني إسرائيل وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ومن حذا حذوهم تظهر فيها الصورة المشرقة والنموذج الرفيع للحكم الأمثل . وعكس ذلك تماما" كان الحكام الطغاة الذين يتبجحون بنظرية الحق الإلهي فهم يمثلون أسوأ النماذج للجبروت والاستبداد .

وهكذا كلما كان الحاكم أقرب إلى الحكم بما أنزل الله كان حكمه أقرب إلى النزاهة والاستقامة وحالت خشية الله بينه وبين أي لون من ألوان الطغيان ، وكلما ابتعد عن الحكم بما أنزل الله سقط في مهاوي الظلم وتلطخت صفحة حكمه بصنوف الاستبداد وأنواع الجور .

إذن فليست نظرية الحق الإلهي على حق فيما تضفيه على حكامها من القداسة المصطنعة والعمل حسب تفويض الله وإرادته ، وكذلك ليس خصومها على حق في دعوى أن الدين يحبذ الطغيان ويشجع على الاستبداد .

.**.**.**.**.










.*.*.*. النظريــــــــــــــات الحديثــــــــــــة والمعــــــــــاصرة .*.*.*.

.*.*.*.*.

انتقد المفكرون السياسيون في القرن الماضي والقرن العشرين النظريات السياسية السابقة وأبدوا اعتراضاتهم المتباينة عليها .

فهل انتقدوها لأنها تعطى "حق الحاكمية" لغير الله وتضرب صفحاً عن الدين وضرورة قيام الحياة كلها على تعاليمه وانبثاق معاييرها وتصوراتها كافة من مبادئه وأحكامه ؟ .

كلا ، لم يحدث ذلك ، بل إن احتمال حدوثه في هذه المرحلة التاريخية أبعد منه في المراحل السابقة . أما النظرية "الخيالية" فيرى هؤلاء أن من العبث أن يضاع الوقت في نقدها وحسبها أن تكون خيالية بينما يعدون أنفسهم "واقعيين" .

وأما نظرية الكنيسة القائمة على أساس "مملكة الله" أو "مملكة المسيح" كما كانت تسميها ، فما أسهل أن تنتقد ويشدد عليها اللوم فهي نظرية "رجعية" لا لأنها مخالفة لحقيقة الدين بل لأنها – في نظرهم تقوم على أساس تحكيم الدين . والدين – أيا كانت صورته – هو العدو اللدود للباحثين "العلميين" هؤلاء . بعضهم يرى أن الدين عاطفة وجدانية أو رابطة روحية تصل قلب الإنسان في فترات من حياته بالسماء ولا ينبغي بحال من الأحوال إقحامه فيما لا علاقة له به وهو واقع الحياة اليومية بالنسبة للفرد فضلا" عن الدولة والمجتمع عامة . وإلا فالدمار والاستبداد !. ويستشهدون بالتاريخ – تاريخ الكنيسة الكاثوليكية – التي كان رجالها اعتي الطغاة وأظلم الجبابرة .

وبعضهم يغلو ويشتط فيقول أن الدين من أساسه شر محض وداء عضال يجب أن يستأصل ويزال لأنه مخدر للشعوب وعائق عن التطور ووسيلة يتقنع بها المستبدون والمحتكرون لامتصاص ثروات الطبقات الكادحة المنكوبة . ونظرية "الحق الإلهي" ينحى عليها باللائمة للعلة نفسها علة استمدادها من الدين وإن كانت نسبتها إليه لا تعدو أن تكون من قبيل التزويق اللفظي .

ولنأخذ "هارولد لاسكي" وهو كاتب سياسي بارز مثالا" للكتاب المحدثين :

يلخص لاسكي هاتين النظريتين بإيجاز ثم ينقدهما نقداً "علميا" فيقول : "يمكننا أن نسمي نظرة الإنسان السائدة إبان تجربته البدائية بالنظرة اللاهوتية فالقانون ليس سوى مجموعة من القواعد الإلهية التي منحها الإله أو الآلهة لمن يعيشون في ظلها وبناء على ذلك فهي خليقة بأن تطاع لأن مصدرها الوحي المقدس والمثل الواضح على ذلك قوانين موسى وشريعة حمورابي …" .

"وتصبح هذه النظرة عند هيجل نظرة كونية عندما ينظر إلى سير التاريخ على أنه فكرة تكشف عن حرية تتزايد على الدوام وتحقق وجودها خلال تطور الدولة" .

"هذه النظريات كلها تتفق في خاصية واحدة هي أنها تجعل إبرام العقد خارج سيطرة الإنسان … !! فجوهر القانون دائما" بعيد عن الإنسان وعليه أن يجده ويكمن الصلاح في اتباع الإنسان شريعة لا يد له في وضعها" .

"ومن الواضح قصور مثل هذه النظريات فقد أثبتت البحوث التاريخية خطأ كل النظم التي تدعي أنها تعمل في ظل العقوبات اللاهوتية . فالإله الذي أوحى بها يتكلم لغة غامضة لا سحر فيها إلا على من نصبوا أنفسهم أتباعاً له" (16).

ومع أن لمناقشة هذه الأفكار إجمالا" موضعا" آخر من البحث فإن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن نتجاوزه دون تمحيص لا سيما وأنه ليس فلتة من كاتب وإنما هو اتجاه سائد وظاهره عامة في الفكر السياسي الغربي.

إن هذا الكلام وما شاكله من مواقف "غير علمية" يتخذها معظم الباحثين اللادينيين حيال أية قضية من قضايا الدين مما لا يليق بالباحث النزيه الذي يتحرى الدقة والموضوعية فيما يقول .

ويتجلى فيه بوضوح "جهالة مزدوجة" بحقائق التاريخ وحقائق العلم على حد سواء . أما الجهالة التاريخية فتبدو في "تعميم الأحكام" وهو خطأ ندر من ينجو منه من كتاب الجاهلية الغربية الصليبية إذ يعممون أحكامهم عن الدين والشرائع جاهلين – أو متجاهلين – أن الدين في صورته الإلهية الحقة "الإسلام" لا يصح مطلقاً أن يعبر عنه ضمن الأديان والنحل الأخرى وأن يوصم بما توصم به "المسيحية الرسمية" التي دانت بها أوروبا ولا بما توصف به شريعة التوراة المحرفة التي يسميها لاسكي "قوانين موسى" .

إن التاريخ – على العكس مما توهم لاسكي – ليسجل للأمة الإسلامية إبان تطبيقها الكامل لشريعة الله أزهى عصر عرفته البشرية عدالة ورخاء ، وأنصع صفحة من صفحاته على الإطلاق ، اللهم إلا إذا كانت البحوث التاريخية التي يقصدها لاسكي هي بحوث المتعصبين الغربيين الحاقدين !.

وأما الجهالة العلمية فتبرز في دعوى أن القانون الأمثل هو الذي يضعه الإنسان لنفسه وليس الذي يضعه له "الإله" .

وهي دعوى ناشئة لا عن الجهل بمقام الألوهية فحسب بل عن الجهل الفاضح بحقيقة الإنسان وقصور علمه وعجز إدراكه ومحدودية معرفته حيث أن في طبيعته وتكوينه من صفات النقص ونواحي الضعف ما يجعله أعجز وأجهل من أن يشرع لنفسه .

وهو مهما اكتشف من نواميس الكون وأسرار الوجود فلن يصبح "إلها" بحال من الأحوال كما يتوهم المغرمون بالعلم – وصفة "الحاكمية" التي تعني حق التشريع من أخص صفات الألوهية وأوجبها .

والإنسان في كل مرحلة من مراحل وجوده – خلق ليعبد الله لا ليعبد نفسه بدليل أنه يجد نفسه محكوماً بسنن ونواميس إلهية لا يستطيع – بالغاً ما بلغ – أن يتجاوز نطاقها .

أما الجانب الإرادي من حياته فإنما أعطاه الله حرية الاختيار فيه ليبتليه أيكفر أم يشكر ، وفى ذلك تكريم له ورفع لقدره بين المخلوقات فإن اتبع فيه شريعة الله حصل له الانسجام مع نفسه ومع الكون كله ، وإن اتبع هواه وتمرد على خالقه كان التصادم بينه وبين فطرته والكون وعاش عيشة ضنكاً في الدنيا فضلاً عن مصيره المحتوم في الآخرة (17). وما لنا نذهب بعيداً وها هو لاسكي نفسه يعيب النظريات السياسية قديمها وحديثها – كما سيأتي قريباً – وينقد "الديمقراطية" معبودة قومه نقداً لاذعاً ثم يقف عاجزاً عن الإتيان بنظرية سياسية عادلة لا تحابي فرداً على حساب آخر أو تظلم طبقة لمصلحة أُخرى (18) .

وهذا الموقف العاجز يقفه كل الكتاب السياسيين المعاصرين والإنسان العصري يرى بأم عينه الأزمة الحادة في السياسة الدولية على الرغم من النظريات السياسية التي لا حصر لها .

  • * *

أما نظرية العقد الاجتماعي فإن محور الدراسات الحديثة هو فكرتها القائلة بأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم مصلحية نفعية متبادلة ولا سند للسلطة الحاكمة سوى ذلك ولكن العيب الذي أخذ عليها هو تصورها الخيالي للعقد . ذلك العقد الذي لا يستطيع أصحاب النظرية إثباته تاريخيا" فهو عقد وهمي لجأ الكتاب السياسيون الأوائل إلى افتراضه إما هروبا" من المواجهة الصريحة للسلطات الحاكمة آنذاك أو تزلفا" لها – على اختلاف بين أصحابها(19) .

أما بعد أن تخلصت الشعوب من عبادة الملوك ورجال الدين وبلغت درجة لا بأس بها من الوعي السياسي وفي الوقت نفسه تخلص الكتاب من "أحلام الرومانتيكية" واتجهوا إلى "الواقعية" فلم يعد هناك ما يدعو إلى افتراض نظريات لا أساس لها تاريخيا" .

وانطلاقا" من ذلك وجد علم السياسة الحديث بغيته المنشودة في كاتب آخر يتجلى بنظرة "عصرية" إلى الأمور وإن كان وجوده التاريخي سابقا" لمشاهير النظريات الأخرى ذلك هو "نيقولا مكيافيللي" الذي أطلق عليه لقب "أول المحدثين" ويعد كتابه "الأمير" مصدر الإلهام في العصر الحديث بالنسبة للحكام والمفكرين السياسيين على حد سواء(20) .

هذا وقد كان للنظريات اللادينية في القرن التاسع عشر ونظرية التطور بصفة خاصة الإسهام الأكبر في بحث الميكافيلية وإلباسها اللباس العلمي المبهرج بعد أن كانت من قبل مسبة لأصحابها ومدعاة للتنفير من معتنقيها .

لقد كانت "مملكة المسيح" التي يتحدث عنها بابوات الكنيسة الكاثوليكية تشتمل على تنظيمين :

1-التنظيم الروحي ويمثله رجال الدين ومجال عمله الكنائس والأديرة ووظيفته الوعظ والتوجيه للخلاص من "الخطيئة" .

2-التنظيم الزمني وتمثله الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية وميدانه شؤون الحياة الدنيوية .

وكلا التنظيمين يمارس نشاطه في ظل روح أخلاقية مسيحية مع تفاوت بالالتزام بهذه الروح .

فمن الوجهة العلمية كان الفصل بين الدين والسياسة موجودا" بالفعل أي أن نوعا" من العلمانية الموضوعية كان يسود الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى وذلك أمر طبيعي ما دام الحكم بما أنزل الله غير نافذ في المجتمع .

ولكن أول من تبنى دعوة علمانية ذاتية ودعا بصراحة إلى استبعاد للدين وعزله عن جانب مهم من جوانب الحياة هو "ميكافيللي" .

والميكافيلية باعتبارها منهجا" عمليا" للحكم تقوم كما رسمها واضعها في "الأمير" على ثلاثة أسس متلازمة مستمدة من تصور لاديني صرف هي :

1-الاعتقاد بأن الإنسان شرير بطبعه وأن رغبته في الخير مصطنعة يفتعلها لتحقيق غرض نفعي بحت (21) ، وما دامت تلك هي طبيعته المتأصلة فلا حرج عليه ولا لوم إذا انساق وراءها .

2-الفصل التام بين السياسة وبين الدين والأخلاق فقد رسم ميكافيللي للسياسة دائرة خاصة مستقلة بمعاييرها وأحكامها وسلوكها عن دائرة الدين والأخلاق "وفرق ميكافيللي" تمام التفريق بين دراسة السياسة ودراسة الشؤون الأخلاقية وأكد عدم وجود أي رابط بينهما" (22) . صحيح أن ميكافيللي لم ينكر الدين والأخلاق في ذاتهما كما هو الشأن في بعض النظريات المعاصرة لكنه يجعل الحاكم في حل من التمسك بالضوابط المستمدة منهما ويقصرها على أفراد الشعب .

3-إن الغاية تبرر الوسيلة : وهذه هي القاعدة العملية التي وضعها ميكافيللي بديلا" عن القواعد الدينية والأخلاقية . ولذلك فإن لها عنده تفسيرا" خاصا" . كان الكتاب السياسيون منذ القدم ، ومنهم فلاسفة الإغريق كأفلاطون وأرسطو وغيرهم يبحثون عن الغاية من الدولة والهدف من وجودها (23) ، فرأى بعضهم أن غايتها هي تحقيق المثل العليا السامية ولهذا جاء اشتراطهم كون الحاكم فيلسوفا" . بينما ذهب آخرون إلى أنها تنفيذ القانون الإلهي أو القانون "الطبيعي" كما يسمونه . ولكن ميكافيللي ذا النزعة العملية ذهب إلى أن الدولة غاية بذاتها والقبض على زمام الحكم هدف برأسه ولا داعي للخوض فيما وراء ذلك .

وفى سبيل تحقيق هذه الغاية لا مانع من سلوك أي سبيل يوصل إليها واستخدام أية وسيلة من شأنها تسهيل ذلك مهما وصفت تلك السبل والوسائل بأنها غير أخلاقية ومهما تنافت مع الدين ومنهجه في السلوك .

فالمعيار الذي تقاس به صلاحية الوسيلة أو عدمها ليس معيارا" موضوعيا" بل هو معيار ذاتي شخصي ، وللسياسي وحده الحق في الحكم بصحة أي لون من ألوان السلوك أو خطئه وبطلانه .

تلك صورة موجزة للميكافيللية كما ظهرت في عصر النهضة .

وبسبب نزعتها اللاأخلاقية الظاهرة عورضت بشدة في الأوساط الدينية والفكرية فحرمت الكنيسة قراءة "الأمير" ونقده المؤلفون بعنف . وظلت كلمة "ميكافيللي" أشنع وصف يمكن أن يطلق على إنسان متحلل من قيود الدين والخلق متجرد من الإنسانية والضمير .

وهكذا بقيت زهاء ثلاثة قرون وهي في موضع المقت والازدراء بينما نمت النظريات التي عُورضت آنفا" .

ولما جاء القرن التاسع عشر قرن الانتفاضة الشاملة على الدين والأخلاق فكريا" وواقعيا" ظهرت نظرية التطور العضوي على يد داروين . وكان قانونها وقاعدتها أن الحياة صراع والبقاء للأنسب أي للأقوى بطبيعة الحال . حينئذ آمن الناس على أساس "علمي" ! بأن الوجود مرتبط بالقوة ، وأن الصراع الحتمي على البقاء لا يسمح بالتفريق بين وسيلة وأخرى فليست العبرة بنوعية الوسيلة لكنها بضمان النتيجة وتحقيق الغاية التي هي "البقاء" في ذاته .

الميكافيللية تقول إن الحق هو القوة ! . والداروينية تقول : إن الوجود هو القوة .

والداروينية نظرية علمية إذن فلتكن الميكافيللية كذلك .

وكانت الظروف تهيئ لمثل هذه المعادلة ، فالكنيسة فقدت سلطانها الطاغي، والحياة السياسية والاجتماعية في القارة تموج بالصراعات والحروب الطاحنة والشحناء المدمرة ، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى ارتبطت السياسة – في ذلك القرن – بالاقتصاد ارتباطا" قويا" فازدادت بعداً عن الدين والمؤثرات الدينية .

والواقع أن السياسة والاقتصاد وكل جوانب الحياة مترابطة ومتلازمة بحيث يصعب فصل كل منها عن الآخر . إلا أن الاقتصاد ، بصفة خاصة ، أصبح المحور الرئيسي للسياسة الدولية بسبب الأوضاع التي كانت تعيشها القارة الأوروبية . ففي هذه الفترة شهدت الحياة الأوروبية انهيار نظام اجتماعي وقيام نظام آخر محله . لقد انهار الإقطاع وولدت الرأسمالية . كان النظام الإقطاعي الذي ألمحنا عنه سابقا" يمثل صورة بشعة لإهدار الكرامة الإنسانية والحط من قيمة الإنسان واستعباده بفظاعة لأناس من بني جنسه تجردوا من المعاني الإنسانية النبيلة . كان الإنسان في ظل هذا النظام مستعبدا" لسلطتين غاشمتين : سلطة السادة الإقطاعيين وسلطة رجال الدين ، فالسيد يملك الإقطاعية بمن عليها من الفلاحين ويسن لها القوانين ويفرض عليها العقوبات كما يشاء أي أنه كان يجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في آن واحد .

أما رجال الدين فيبارك الاستعباد بحجة أنه نتيجة للخطيئة الأولى ويشارك السيد في تسخير العبيد لمصلحته الشخصية إذ أن الكنيسة كما سبق أن أوضحنا جزء لا ينفك من النظام الإقطاعي وفي ظل هذا الواقع المزري انبعث هنالك حركتان لها أهمية قصوى في التاريخ الأوروبي : الحركة العلمية ، والحركة الإصلاحية الدينية ، وغير خاف الأثر الإسلامي فيهما وظهرت "الطبقة البرجوازية" مستندة إلى أقوال "لوثر وكالفن" و مستفيدة من ثمار التقدم العلمي التجريبي وظل دور هذه الطبقة محدودا" حتى بدأ ما يسمى "الثورة الصناعية" حيث بدأ المصنع يستأثر بما كان للأرض من قيمة ونفوذ واشتد التنافس بين رجال الصناعة في المدن والملاك الزراعيين في إقطاعيات الأرياف .

وكانت الصناعة آنذاك تحتاج إلى أيد عاملة متوفرة ورخيصة والعمال بطبيعة الوضع يعيشون في الريف تحت سيطرة السادة الإقطاعيين فكان لابد من كسر السور المفروض عليهم وإتاحة الفرصة لهم للانفلات من قيود الإقطاعية ، لا لمصلحة السادة البرجوازيين .

حينئذ ظهر المذهب الطبيعي أو "الفيزيوقراطي" الذي كان ينادي بشعار "دعه يعمل ، دعه يمر" أي دعه يعمل ما يشاء ويمر من حيث يشاء وكذلك فتحا" جديدا" في الحياة الأوروبية . فعلى الرغم من أن حرية الإنسان في اختيار سبيل الرزق الحلال وحقه في الانتقال إلى حيث شاء من أرض الله كانت بالنسبة للإنسان في الشرق الإسلامي أمرا" بديهيا" كالماء والهواء ، فإن الحصول عليها في الغرب الإقطاعي يعد ظفرا" بمكسب كبير للغاية .

وكان نجاح الثورة الفرنسية حافزا" قويا" لبقية الشعوب الأوروبية فاندلعت الثورات المتتابعة وارتفعت صرخات المفكرين ممن يسمون "دعاة الحرية" منددين بالمساوئ التي يعج بها المجتمع والقيود التي يرزح الفرد تحت نيرها .

وبسبب ما عانته الشعوب من ويلات الحروب الطاحنة بين الطوائف الدينية لا سيما بين الكاثوليك والبروتستانت وبسبب الطغيان الجائر الذي كان رجال الدين يفرضونه على الناس وبسبب الحقد الصليبي الذي حجب الأوروبيين عن الاهتداء بهدى الله والدخول في دينه الحق – بسبب ذلك كانت الحرية التي طولب بها "لادينية" وكان الأساس الذي يراد بناء المجتمع الجديد عليه لادينيا" كذلك . واستلهم الباحثون من التراث الفلسفي الإغريقي ومن كتابات "سبينوزا وجون لوك" والموسوعيين الفرنسيين فكرة صياغة المجتمع وفق قوالب وتنظيمات علمانية .

وفى الظلام تارة وعلانية تارة كانت المنظمات التلمودية تضرم الأحقاد وتؤجج نار العداوة ضد الدين وتدفع الناس دفعا" إلى الأباحية والإلحاد . والتقت مشاعر الناس وتعلقت عواطفهم بكلمة سحرية خلابة ترمز لمبدأ جديد جذاب اتفق في المناداة به "الطبيعيون" و "النفعيون" و "الجماعيون" و "الفرديون" ذلك هو مبدأ "الديموقراطية" . ومن الذي لا تخلب الديمقراطية لبّه من الشعوب المضطهدة والعقول المغلولة ؟! . الشعب هو سيد نفسه وهو مصدر السلطات ولا وصاية لأحد عليه … وللمواطن – أياً كانت عقيدته أو جنسيته – حريات وحقوق لم يكن ليحلم بها من قبل : حرية العمل – حرية التنقل – حق إبداء الرأي – حرية السلوك – حرية العقيدة – حق التظاهر والاحتجاج … وله كذلك ضمانات لم تكن – وهو في ظل الإقطاع – لتدور له في خلد : ضمان الاتهام – ضمان التحقيق – ضمانة المحاكمة – ضمانة التنفيذ(24) .

كل الناس بهرتهم هذه الشعارات وأسكرتهم هذه الأحلام فحاولوا بكل جهدهم نسيان ذلك الماضي الرهيب ونبذه بكل قيمة ومثله وإن كان من بينها الدين والأخلاق … وتحرقوا مشتاقين إلى مستقبل باهر وضاء وطغى على الفكر والأدب اتجاه مغرق في التفاؤل واثق ثقة مطلقة في السعادة والتقدم اللذين لا حد لهما . وكان هنالك – بطبيعة الحال – فئة واحدة فقط تدرك النهاية الحقيقية والمغزى العميق للعملية ، هذه الفئة هي طبقة "الرأسمالية" الذين يمثلون الخلاصة المتطورة للطبقة البرجوازية . وغني عن البيان القول بأن الرؤوس البارزة في هذه الطبقة هم "المرابون اليهود" (25" .

ولنستمع إلى القصة من رواية باحث سياسي غربي : يقول "كارل بيكر" في كتاب "السبيل إلى عالم أفضل" : "كان كل رجل أيا كانت المملكة التي يعيش فيها يدين بالولاء والطاعة للكنيسة ورجالها في الأمور الدينية كما كان يدفع للكنيسة مكوسا" معينة فضلا" عن تقاضيه أمام محاكمها التي لها أيضا" اختصاص توقيع العقوبة عليه في جرائم معينة . ولكنه كان يدين في الوقت ذاته بالولاء والطاعة لحكومة بلاده المدنية فكان يدفع لأمير المقاطعة أو للملك ضرائب أخرى معينة وكان يتقاضى أمام محاكم الأديرة أو الملك كما كانت هذه المحاكم توقع عليه العقوبة لارتكابه جرائم معينة وهكذا كان أمرا" مقضيا" أن ينشب النزاع بين هاتين السلطتين التي تطالب كل منهما الناس بواجب الولاء لها ولم يكن تاريخ غرب أوروبا طيلة العصور الوسطى وفي كل جزء من أجزائه إلا تاريخا" لهذا الكفاح المستمر بين الكنيسة والدولة" . "ولقد تم انتقال السلطان والقوة من الكنيسة إلى الدولة خلال المائة عام التي انقضت في حروب أهلية ودولية بسبب المنازعات الدينية وكانت هذه الحروب كفاحا" وحشيا" داميا" لا يلين ولا يهدأ للظفر بالسلطان السياسي" . "وهكذا اختفى من أوروبا الغربية مجتمعها المسيحي الموحد … وأصبحت سيادة هذه الدول واستقلالها حقيقة واقعة … ولقد جاءت المبادئ النظرية بعد ذلك لتؤيد هذه الحقيقة . فقد عرف ميكافيللي في كتابه المشهور "الأمير" الذي نشره قرابة عام 1513 الدولة بأنها قوة سياسية بحتة كما أعلن فيه أن مهمة الأمراء والحكام أو وظيفتهم الوحيدة هي اكتساب السلطة واستخدامها وهم في استخدامهم لهذه السلطة لهم أن يحكموا وحدهم على الأغراض والغايات والتي تتحقق عن طريقها وهم من أجل ذلك غير مقيدين بقواعد الدين والأخلاق .

وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ألغت الثورة الديموقراطية الحكم المطلق الذي كان للملوك وأحلت محله سلطان الحكومة الذي تولته جمعيات نيابية ينتخبها الشعب … وجعلت هذه الثورة ، الدول على اختلافها أكثر اهتماما" بالأمور الدنيوية وبالتالي أكثر استقلالا" من ذي قبل وهكذا حلت إرادة الشعب محل الحق الإلهي . "وكما كان الناس على استعداد لأن يقاتلوا ويموتوا في سبيل الدين والكنيسة أصبح الرجل على أهبة القتال والموت في سبيل دولته وشعبه(26) .

ثم ننتقل مع "بيكر" إلى الكلام عن "الديموقراطية" حيث يقول : "الديمقراطية العصرية من حيث الكفرة والواقع إن هي إلا نتيجة لمعارضة قامت في وجه ذلك النظام الذي سار عليه المجتمع والحكومة وكان سائدا" في معظم الدول الأوروبية خلال القرنين (17و18) وقت أن كان يحكم الدول ملوك ادعوا السلطة المطلقة استنادا" إلى الحق الإلهي وقد استندت سلطة هؤلاء الملوك إلى طبقة الأعيان وإلى سلطة الكنيسة الموطدة وكانت غالبية الناس وبخاصة الأجراء والفلاحين تسام الظلم وتستغل وكان نصيبهم من الحقوق ضئيلا" فلم يتمتعوا بالحرية السياسية أو حرية العبادة أو حرية الكلام أو الصحافة أو حرية العمل . "ولم يكن للمواطنين أي ضمان ضد التعسف بهم أو القبض عليهم وحبسهم وتفتيش مساكنهم وكانت الثورة الإنجليزية والثورتان الفرنسية والأميركية موجهة ضد هذا النوع من الدكتاتورية لإحلال الديمقراطية الحرة محلها .

وإن الفكرة الرئيسية التي تنطوي عليها الفلسفة الديمقراطية الحرة التي كانت تتمثل في أن الناس يستطيعون أن يحكموا أنفسهم بصورة أفضل مما لو حكمهم الملوك وطبقة الأشراف ورجال الدين وكان الكتاب يستعملون هاتين الكلمتين (Laissez Faire) تعبيرا" عن هذه الفكرة أي دع الناس أحرارا" في أعمالهم وكانوا يظنون أن واجب الحكومة ينحصر في حماية الأرواح والممتلكات والمحافظة على النظام وحماية البلاد ضد الاعتداء الخارجي .

"وكانت الفكرة العامة تنادي بأنه إذا سعى كل فرد وراء منافعه الذاتية فإن ضربا" من التوفيق بين مصالح الشعب المختلفة سرعان ما يزداد ظهوره أو يقل بصورة آلية وكان يعبر عن هذه الفكرة بإيجاز في العبارة الآتية "إن المنافع الخاصة تؤدى بدورها إلى تحقيق المنفعة العامة" .

"وهذه النظرية البسيطة هي نظرية تعمل لمصلحة القوي ضد الضعيف وفي مجتمعات القرن الثامن عشر التي لم تكن حياتها قد تعقدت بعد كانت هذه النظرية تعمل لمصلحة أولئك الأفراد القلائل الذين أتاح لهم الحظ أن يقتنوا ثروة(!) .

"ولكن بظهور الآلات ذات القوى المحركة أصبح واضحا" المنافسة الصناعية الحرة لم تؤد إلى النتيجة التي كان يتوقعها الاقتصاديون والفلاسفة السياسيون فقد كانت الأرباح تعود على أصحاب الصناعة والآلات وحدهم ونهضت الآلات بأكبر عبء من العمل فامتلأت البلاد بالعمال العاطلين ، ووجد أصحاب المصانع الأحرار أن ذلك فرصة لتخفيف الأجور وإطالة ساعات العمل ، ووجد العمال أن حريتهم في اختيار مهنهم كانت محدودة بمقياس الحاجة إلى ساعات طويلة في أى عمل يعرض لهم لقاء أجور تافهة لا تكاد تقيم أودهم ، وكانت جموع النساء والأطفال الذين أنهكهم الجوع والضعف يشتغلون في العمل بمعدل 12 ساعة في اليوم داخل حوانيت قذرة وخطرة وغير صحية لقاء أجر لا تكاد تقيم أودهم"(27) .

هكذا جاءت الديمقراطية وهكذا تبددت الأحلام والأوهام التي نيطت بها وأسفرت الثورة الصناعية التي واكبت الثورة الديمقراطية عن وجه كالح لا يقل شناعة وفظاعة عن صورة الإقطاع وانقلبت الحرية النسبية التي وصل إليها العمال والفلاحون قيودا" ثقيلة ترهق كواهلهم .

وتعالت الصيحات والصرخات من جديد تعلن رفضها للنظام الطبيعي الفردي وتطالب بأنظمة "جماعية ديمقراطية" وظهر بقوة صوت "الاشتراكيين الأوائل" ومال إليهم طوائف كثيرة من المثقفين والعمال والفلاحين وشكلوا جبهة مضادة للرأسماليين العتاة .

وفى معمعة الصراع بين أنصار الرأسمالية الفردية ودعاة الديمقراطية الاشتراكية الجماعية ولدت نظرية التطور التي غيرت مجرى الفكر الغربي بأجمعه .

فهذه النظرية بإجهازها على "المسيحية الرسمية" أفسحت الطريق لإبعاد الدين عامة بصفة نهائية من التأثير في أي منحى من مناحي الحياة بل مهدت لرفضه رفضا" باتا" حتى في صورته الوجدانية المجردة .

وبواسطة قانون الانتخاب الطبيعي وتنازع البقاء المفضي إلى بقاء الأنسب بعثت الداروينية النزعة الميكافيللية كما أسلفنا ، فلقد كان صراع الدول القومية في العصر الحديث الذي يشبه في مظهره صراع أنواع الكائنات الحية مدعاة لتبرير الميكافيللية بل لتبنيها وتطبيقها . ويؤكد ذلك "كريستيان غاوس" في مقدمته لكتاب الأمير إذ يقول عن الكتاب : "اختاره موسوليني في أيام تلمذته موضوعا" لإطروحته التي قدمها للدكتوراة وكان هتلر يضع هذا الكتاب على مقربة من سريره فيقرأ منه في كل ليلة قبل أن ينام . ول يدهشنا قول "ماكس ليرز" في مقدمته لكتاب "أحاديث" أن لينين وستالين أيضا" تتلمذوا على ميكافيللي"(28) .

وتتجلى الروح الميكافيللية بوضوح في قول انجلز : "إن الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدى إلى انتصار مبادئنا مهما كان هذا العمل منافيا" للأخلاق المعمول بها" . وقول لينين : "يجب على المناضل الشيوعي الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتضليل . فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية"(29) . أما الرأسمالية فلا تخفى أبدا" حقيقتها الميكافيللية بل إن مايلز كوبلاند صاحب "لعبة الأمم" ليقرر أنها منهج السياسة الأميركية(30) . وإضافة إلى ذلك قدمت فلسفة التطور لكل من المعسكرين المتصارعين سندا" لكفاحه ضد المعسكر الآخر ومبررا" لجدارته وحده بالبقاء دون غريمه . فالرأسمالية ترى أنها الحقيقة بالخلود المؤهلة وحدها بمؤهلات الاستمرار والتقدم ذلك لأنها العنصر القوي في الحياة الحديثة فلها – حسب قانون الانتقاء الطبيعي وتنازع البقاء – الحق في القضاء على العناصر الضعيفة بتصفيتها جسديا" أو إنهاكها اقتصاديا" . وهكذا كانت الدول الرأسمالية دولا" استعمارية بالدرجة الأولى(31) ، مع ملاحظة أن صورة الاستعمار في العقود الأخيرة تغيرت عنها في القرن الماضي . وغير خاف أثر فلسفة التطور في الماركسية فقد استغلت النظرية الداروينية وطبقتها بحيث تتفق مع صراع الطبقات واتجه نظر الماركسية إلى زاوية أخرى فهي لا توافق على البقاء للأقوى لكنها ترى معتمدة على فلسفتها الديالكتية (الجدلية) أن البقاء للأحدث وذلك ما تقول بها أيضا" فلسفة التطور (32) . وعليه فإن الرأسمالية – في نظرها – أشبه بسلالة منقرضة لا مبرر لبقائها بعد ظهور عنصر أحدث منها وأرقى تطورا" وهو "الماركسية" . ونستطيع أن نستنتج من ذلك أن هناك جامعا" مشتركا" لأنظمة الحكم اللادينية المعاصرة بالإضافة إلى اتفاقها على طرح الدين ونبذ الأخلاق من دائرة العمل السياسي بالكلية . وهذا الجامع يحتوي على ثلاثة أسس : 1-الميكافيللية منهجا" عمليا" . 2-فلسفة التطور مبررا" للبقاء والاستمرار . 3-الديمقراطية بصفتها نظاما" إنسانيا" وضعيا" يتقنع به كلا المعسكرين .
















.*.*.*.*. نظرة إلى الواقع المعاصر .*.*.*.*.

.*.*.*.*. .*.*.*.*. .*.*.*.*. .*.*.*.*. .*.*.*.*.

إن الواقع السياسي المعاصر الذي تنعكس عليه الصورة الحقيقية للجاهلية الأوربية ليزخر بالدلائل القاطعة والبراهين القوية ويعج بالمتناقضات الصارخة والظواهر الغربية التى تنذر - مجتمعة بالمصير المشؤوم والنهاية المروعة لعالم لا يؤمن بالله ولا يحتكم إلى شريعته .

ونحن المسلمين لا نرى فيما يضطرم به مسرح الأحداث العالمية - من مفاسد جمة ومظالم شائنة وإرهاب فظيع وعنف مدمر وكوارث جسيمة - إلا نتيجة طبيعية لعبادة غير الله المتمثلة فى الحكم بغير ما أنزل الله .

فالنتيجة معروفة لنا سلفا وحكمنا عليها أساسى أعمق من مناقشة تفصيلاتها ومعالجة ظواهرها .

غير أنه قد يكون من الضرورى ونحن نعرض الجاهلية المعاصرة كما هى - فكراً وواقعاً - أن نعرض معها الوجه الآخر لها كما يراه بعض مفكريها لكى تكتمل صورة العرض .

هنهالك قضية آمن بها المفكرين السياسيون قديماً وحديثاً هى كما جاءت على لسان " كريستيان غاوس " : أن ( الدولة ليست خارج نطاق عالمنا الإنساني فالشكل المعين لهذه الدولة التى يعيش البشر فى ظلها ليس من صنع الشيطان أو فرضهما ، وهى إلى حد ما من الأشياء التى خلقها الإنسان ولذا من الواجب أن تكون خاضعة كغيرها من الأمور التى خلقها لإعادة نظره ودراسته (33). وتلك هى علة العلل فى الجاهلية المعاصرة . يلهث الإنسان منقبا عن ذاته وقيمه وأنظمته وموازينه فى حدوده الأرضية دون أن يرفع نظره مرة واحدة إلى السماء . ومن هنا كان حتما عليه أن يضل ويشقى ويصرخ ويستغيث .

ولقد تعالت صيحات الخطر من الغرب تنتقد وتستنكر وتنذر وتحذر ، وسنعرض هنا بعض ما كشفه الكتاب الغربيون من مساوئ الأنظمة السياسية الأوربية بشقيها الرأسمالى والشيوعى .


.*.*.*.*. أولا - الديمقراطية الليبرالية .*.*.*.*. .*.*.*.*.

الناس فى الغرب يقبلون الحوار والنقاش حول أى موضوع ما عدا موضوع " الديمقراطية " فالديمقراطية بمبادئها - كالحرية والمساواة - وحقوقها وضماناتها - كما أسلفنا - منطقة مقدسة لا ينبغى أن تكون موضع جدال وما لها لا تكون كذلك وهم لا يعلمون لها بديلاً إلا الديكتاتورية ذلك الشبح الرهيب ؟‍‍!

ومع ذلك فقد كثرت اعتراضات المفكرين على هذا المبدأ وانتقد من جوانب عديدة ويتلخص نقد " الكتاب الديمقراطيين " للديمقراطية فى أمور :

1- ميوعة الاصطلاح وصعوبة تحديده بدقة علمية يمكن بواسطتها التميز بين الحقيقة وبين الادعاء المزيف . يقول صاحب كتاب " نظم الحكم الحديثة ": " كل محاولة تستهدف تحديد الاستعمال الصحيح لإصطلاح الديمقراطية من شأنها أن تواجه مزيداً من التعقيدات ،و ليست البلاد التى تسمى بالديقراطية تقليداً .. هى التى تظهر المتناقضات والعيوب فحسب بل أن البلاد الشيوعية فى العالم والتى تعتنق مفهوماً سياسياً مخالفاً تماماً تدعى بذات التأكيد أنها "ديمقراطيات شعبية " وأن انتساب البلاد الأخرى إلى الديمقراطية إنما هو من قبيل الخداع (34).



ويقول آرنولد توينبى : " أصبح استخدام إصطلاح الديمقراطية مجرد شعار من الدخان لإخفاء الصراع الحقيقى بين مبدأى الحرية والمساواة (35) ويقول رسل عنها (36) : " كانت تعنى حكم الأغلبية مع نصيب قليل غير محدود المعالم من الحرية الشخصية ثم أصبحت تعنى أهداف الحزب السياسى الذى يمثل مصالح الفقراء على أساس أن الفقراء فى كل مكان هم الأغلبية ، وفى المرحلة التالية أصبحت تمثل أهداف زعماء هذا الحزب ، وها هى الآن فى أوروبا الشرقية وجزء كبير من آسيا يصبح معناها الحكم المستبد لمن كانوا يوماً ما نصراء للفقراء والذين أصبحوا يقصرون نصرتهم هذه للفقراء على إيقاع الخراب بالأغنياء ، إلا أن كان هؤلاء الأغنياء من " الديقراطيين " بالمعنى الجديد " . صحيح أن لفظ " الديقراطية " يعنى عند اطلاقه " حكم الشعب " لكن الأراء تتضارب كثيراً حول كيفية الحكم ونوعية الاقتراع والتمثيل وشروط المقترعين وتحديد الفئات السياسية .

ترى الشيوعية أن الدول الرأسمالية ليست ديمقراطية بالمعنى الصحيح لأن الحكم فيها حقيقة بيد الطبقة الثرية وأن المصطلح الحقيقى لها هو " دكتاتورية رأس المال " .

وفى نفس الوقت تقول الرأسمالية أن الدول الشيوعية ليست ديقراطية لأن بكل سلطانه ينحصر فى قبضة قليلة واحدة من الشعب هى " الحزب الشيوعى " ولذلك لا تحسب الدول الشيوعية فى إعداد العالم الحر . هذا بالإضافة إلى الانقسامات داخل الدول الديمقراطية الليبرالية .

2- الأحزاب المتشاحنة التى لا تعبر عن إرادة الأمة : إن الواقع المحسوس لينطق بصراحة بأن النظام الديمقراطى يقضى على وحدة الأمة ، ويفتتها إلى تكتلات متناحرة وأحزاب متطاحنة لأسباب لم تكن لتستدعى التكتل والتحزب لولا أن النظام نفسه يشجع على ذلك ويهيئه .. ومع خطورة هذا التمزق على الأمة فإنه ينبنى عليه أثر خطر بالنسبة لتحقيق مصالح الشعب .

وذلك أن الدول الديقراطية الغربية ويوجد بها نوعان من الأنظمة . - نظام الحزبين ، ونظام الأحزاب المتنافسة ، وندع الكلام حول عيوب النظامين كليهما لـ " هارولد لاسكى " المشار إليه : " فى إنجلترا مثلاً إذا اقتصر الأمر على حزبى المحافظين والعمال فسوف يضطر كثير من الموظفين لأن يختاروا بين بديلين ليس بينهم وبين أحدهما تجاوب كامل خلاق ، ولهذا السبب ينهض الادعاء بأن نظام الأحزاب المتعددة الذى يسمى عادة بنظام المجموعة يتلائم مع انقسام الرأى بصورة أكثر فاعلية . ولكن بناء على خبرتنا بنظام المجموعة - كما فى فرنسا وحكومة ويمار فى المانيا - يبدو أنه مصحوب دائما بعيبين خطيرين ويكمن أكثر هذين العيبين أهمية فى أن هذا النظام عندما يعمل تكون الطريق الوحيدة التى يتحكم بها فى السلطة التشريعية هى تنظيم نوع من الائتلاف بين المجموعات ... ويكون من نتيجة ذلك أن يسعاض عن تحمل المسؤولية بالمناورات وأن تصبح السياسة مجردة من التماسك وسعة الافق ... " والعيب الثانى الذى يظهر بدرجة ملحوظة فى فرنسا هو أن نظام المجموعة يميل إلى تجميع السلطة حول الأشخاص أكثر من تجميعها حول المبادئ .... (37)"

3- إيجاد طبقة ثرية مسيطرة " دكتاتوريه " : هذا العيب الخطر ملازم للأنظمة الديقراطية الغربية وهى أجلى عيوبها وأبرزها وبه تتذرع الشيوعية فى هجومها على العالم " الليبرالى " كما تستغله الأحزاب اليسارية داخل هذه الدول نفسها . من الحقائق المقررة عالميا أن المصالح المادية هى الدافع الوحيد والمحرك الرئيسى للعمل السياسى وكل دول العالم الديمقراطى لا تخفى حقيقة أنها تعمل جاهدة لحماية امتيازاتها وضمان تفوقها الاقتصادى وتوفير "المجال الحيوى " لشعبها وهذا هو القناع الظاهرى الذى تتستر به امبراطوريات المال فى هذه الدول والتى تتحكم فى السياسة الخارجية والداخلية مباشرة أو بطريق الضغط على السلطة الحاكمة . وفيما يحسب للشعب أنه سيد نفسه ومقرر مصيره تقوم الطبقة الرأسمالية المحتكرة بسن القوانين لحماية مصالحها والزج بسياسة الدولة فيما يخدم أغراضها النفعية الخاصة . يقول لاسكى: " أن الدولة " الديمقراطية " تبذل الكثير فى سبيل تحقيق المساواة بين الموطنين فيما تمنحهم من ضمانات ، كما تتجه أوامرها القانونية إلى حماية الملكية القائمة للامتيازات أكثر مما تعمل على توسيع نطاقها ، فانقسام المجتمع إلى فقراء وأغنياء يجعل أوامر الدول القانونية تعمل لصالح الأغنياء ....إذ أن نفوذهم يرغم نواب الدولة وذوى السلطة فيما على أن يكون لرغباتهم الاعتبار الأول " . " وتعبر الدولة من رغبات أولئك الذين يسطرون على النظام الاقتصادى فالنظام القانونى بمثابة قناع تختفى وراءه مصلحة إقتصادية مسيطرة لتضمن الاستفادة من النفوذ السياسى فالدولة أثناء ممارستها لسلطتها لا تعمد إلى تحقيق العدالة العامة أو المنفعة العامة وإنما تعمل على تحقيق المصلحة للطبقة المسيطرة فى المجتمع بأوسع معانى هذه المصلحة " .

" إن الحرية والمساواة اللتين حصلنا عليهما كانتا أولا وقبل كل شئ حرية ومساواة لملك الثروة (38)" والأمثلة الواقعية على ذلك واضحة للعيان ولعل فى الحروب التى خاضتها وتخوضها الولايات المتحدة أصرح دليل على خضوع الساسة الديمقراطية لضغط الطبقة المحتكرة فالحرب العالمية الأولى وكذلك الحرب الثانية ثم حرب فيتنام كلها دخلتها أميركا دون أن يكون لها مصلحة مباشرة أو يتعرض أمنها القومي للخطر وبغض النظر عن دوافعها ونتائجها كان الشعب الأميركى يرفض تدخل حكومته فى هذه الحرب وكانت المظاهرات الصاخبة تنظم باستمرار إحتاجاجا على ضياع الأوراح والأموال فيما لا جدوى منه . لكن الطبقة الرأسمالية التى تملك مصانع السلاح وشركاتها الكبرى التى تتولى تسويقه تكمن مصلحتها فى إشعال الحروب واستمرارها ، والذى حصل ويحصل دوماً هو تنفيذ رغبة هذه الفئة القليلة مقابل تعطيل رغبات الشعب بكاملة . ولما حاول الرئيس كنيدى تقديم المصلحة القومية وعقد اتفاقية وفاق دولى تخلصت منه هذه الطبقة فأزهقت روحه بعملية اغتيال غريبة لا تزال أسرارها فى طى الكتمان إلى الآن .

وليس هذا فحسب ، بل أن إمبراطوريات المال لتملك المنظمات الإرهابية والعصابات المسلحة إلى جانب عصابات الرقيق الأبيض والرشاوى بالإضافة إلى سيطرتها على وسائل الإعلام واستخدامها فى الفضائح السياسية والمالية والأخلاقية وكلها شباك تنصبها للاقتناص بالقوة تارة وبالاغراء تارة أخرى (39).

والحقيقة التى يجب ألا تغرب عن بالنا فى هذا الصدد هى أن الطبقة الرأسمالية المسيطرة ليست سوى مجموع المنظمات الربوية الاحتكارية اليهودية التى تخطط للسيطرة على العالم أجمع وفق أوامر التلمود والبروتوكولات .

4- تزييف وتطويع الرأى العام : هذا العيب متلازم والعيب الذى قبله فوجود طبقة ثرية مسيطرة يجعل وقوع وسائل الأعلام - المكون الرئيسى للرأى العام - فى قبضتها أمراً طبيعياً . كما أن خضوع وسائل الإعلام لفئة معينة تتيح لها القدرة على تقوية مركزها ودعم نفوذها السياسى والمالى عن طريق تكوين الرأى العام أو تضليله ، مما يضمن فوز المرشحين الموالين لها ونجاح مخططاتها . يقول " ميشيل ستيورات " فى معرض حديثه عن مشكلات الديمقراطية وعيوبها : " هناك نفوذ الثروة على تكوين الرأى العام . فالديقراطية تتطلب فرصاً متكافئة لجميع الذين يريدون الاقناع أو التعبير عن الرأى ، ولقد حاولت الديقراطية توفير ذلك بإزالة العقبات القانونية على حرية الكلام والكتابة .

" وثمة اتجاه معاصر يتمثل فى ملكية فئة قليلة للصحافة كما وأن النفقات الباهظة لادارة صحيفة تجعل دخول ملاك جدد لميدان الصحافة أمرا عسيراً . ثم أن المصالح الصناعية والتجارية تؤثر على الاذاعة والتليفزيون ومن الجائز مع تقدم الدراسات الخاصة بعلم النفس والدعاية والاعلام أن تزيد مقدرة القلة التى تستطيع أن تنفق بسخاء للتحكم فى وسائل الاعلام على تكييف عقول الباقين مما ينال من حق الشخص وقدرته على التفكير وهو الغرض الأساسى للديمقراطية . وهذه المشكلة هى أكبر المشاكل خطورة لأنها ليست من مخلفات الماضى وإنما هى قوة " بلوتوقراطية " ( سيطرة رأس المال ) جديدة ظهرت حديثاً " (40). ويركز " لاسكى " اهتمامه على الصحافة ودورها فى تزييف الرأى العام فيقولا : " إن جمع الأخبار ونشرها عمل لا يراعى فيه العرض الموضوعى للوقائع . فالأخبار سرعان ما تصبح دعاية عندما تتمكن مادتها فى التأثير فى السياسة كما يميل مضمون الأخبار فى المجتمع المتفاوت إلى فائدة من بيدهم مقاليد السلطة الاقتصادية .

" ومعظم الأفراد يعتمدون على الصحف فى اسقاء معلوماتهم وهذه الصحف تعتمد فى بقائها على الاعلانات التى تستطيع أن تحصل عليها كما أن إصدار الصحف عموماً باهظ التكاليف بحيث لا يستطيع أن يؤسسها إلا الأغنياء فقط . " ونظرا لأنها تعتمد على المعلن فيتحتم عليها غالبا أن تنشر تلك الأخبار ، والتعليقات التى ترضى أولئك .

وبذلك تكون النتيجة تحيزا واضحا فى نقل الأخبار للحوادث الصحيحة التى قد تقلق الطبقة الغنية أو تحرجها(41)".

5- الفتور فى تجاوب المواطنين مع العملية الانتخابية : تدعى الديمقراطية أنها حكم الشعب وأن النواب وأعضاء الحكومة إنما يختارون وفقاً لإرادة الشعب وأنهم تبعاً لذلك يمثلون الشعب تمثيلاً صادقاً .

ولكن هذه الدعوى تناهضها أمور عدة منها : 1- الدول التى تقصر حق الانتخاب على فئة معينة لأسباب عنصرية أو جنسية أو طائفية لا يمكن أن تعد نسبتها إلى الديمقراطية صادقة كما يرى " ستيورات " ويمثل لذلك بسويسرا التى لم تعط للنساء حق الانتخاب وبالدول التى لا يخطى الملونون أو الطوائف الدينية فيها بذلك كبعض الولايات المتحدة وأيرلندة .

2- بالنسبة للدول التى لا تضع مثل هذه الحواجز بل تحفز المواطنين بكل وسائل الإعلام على الادلاء بأصواتهم يلاحظ بوضوح عزوف نسبة ليست قليلة من الشعب عن الاشتراك فى العملية الانتخابية . وتكون النتيجة أن الذى يفوز فى الانتخابات . حزبا أو فرداً - يفوز لأنه حصل لا على أصوات أغلبية الشعب بل على أصوات أغلبية المشتركين فعلاً فى الاقتراع .


فإذا أضفنا الرافضين للانتخابات إلى الذين دخلوها معارضين فسنجد غالباً أن الأغلبية الفائزة فى الانتخابات ليست سوى أقلية بالنسبة لمجموع الشعب . وبذلك لا يصح بحال القول بإن الحكومة تمثل الشعب تمثيلاً كاملاً أو صادقاً ، وهذا العيب تعترف به الدول الديمقراطية نفسها وليس من دولة تستطيع نفيه وإنما تتباهى فيما بينها بانخفاض نسبة الرافضين وتحقيق أرقام قياسية فى عدد المشتركين .

وعلى سبيل المثال يذكر مؤلفو كتاب " نظام الحكم والسياسة فى الولايات المتحدة " أنه لم تزد نسبة الناخبين عن 66 % من عدد الأشخاص الذين بلغوا سن الانتخاب وفى بعض الأحيان أقل من 55 % وفى سنة 1956 60.5% فقط (42)

6- القضاء على الميزات الفردية : على الرغم من أن الديمقراطية - فى جوهرها - نظام فردى كان وجوده أصلا بمثابة رد فعل لاهدار الحقوق الفردية فى ظل النظام الاقطاعى فإن الفرد الممتاز فى الديمقراطية مفهوم الحق بالنسبة لمشاركته فى صياغة القرارات التى تتخذها الحكومة .

هذا العيب لفت نظر بعض النقاد إلى آفة تعانى منها الديقراطية ومنهم اليكسيس كاريل فالدكتور كاريل يعجب كيف رضيت البشرية أن ترزح تحت نير نظام يقضى على المميزات الفردية ولا يقيم للصفوة الممتازة أى وزن فى التأثير على سر الأحداث عدا ما يتمتع به سائر الناس ويقول : " هناك غلطة أخرى تعزى إلى اضطراب الأراء فيما يتعلق بالإنسان والفرد وتلك هى المساواة الديمقراطية . إن هذا المذهب يتهاوى الأن تحت ضربات تجارب الشعوب ومن ثم فإنه ليس من الضرورى التمسك بزيفه ، إلا أن نجاح الديمقراطية قد جعل عمرها يطول إلى أن يدعو للدهشة فكيف استطاعت الإنسانية أن تقبل مثل هذا المذهب لمثل هذه السنوات الطويلة ؟. إن مذهب الديمقراطية لا يحفل بتكوين أجسامنا وشعورنا أنه لا يصلح للتطبيق على المادة الصلبة وهى الفرد.

صحيح أن الناس متساوون ولكن الأفراد ليسوا متساوين فتساوى حقوقهم وهم من الأوهام ومن ثم لا يجب أن يتساوى ضعيف العقل مع الرجل العبقرى أمام القانون .. ومن خطل الرأى أن يعطو ( أى الأغبياء) قوة الانتخاب نفسها التى تعطى للأفراد مكتملى النمو . كذلك فإن الجنسين لا يتساويان فإهمال انعدام المساواة أمر خطير جداً . لقد ساهم مبدأ الديمقراطية فى انهيار الحضارة بمعارضة نمو الشخص الممتاز .. ولما كان من المستحيل الارتفاع بالطبقات الدنيا فقد كانت الوسيلة الوحيدة لتحقيق المساواة الديمقراطية بين الناس هى الانخفاض بالجميع إلى المستوى الأدنى وهكذا اختفت الشخصية (43).

ويؤيد رأيه هذا ما يقع فعلا فى الدول الديمقراطية عند الاقتراع على قضية إقتصادية مثلاً ، حيث يكون نصيب عالم الاقتصاد الضليع صوتا واحداً فقط وهو ما يحصل عليه الفرد المتوسط أو الجاهل . وغالباً النتيجة تكون فى غير صالح الأفراد الممتازين بسبب انسياق عامة الشعب وراء عواطفهم وخضوهم للتضليل الدعائى .

7- تعارض المصلحة الذاتية للفرد والجماعة : هذا العيب يلقى الضوء على المحك الذى يظهر حقيقة أى نظام أرضى بشرى فالديمقراطية تدعى أنها النظام الأمثل لتحقيق المصلحة الفردية والجماعية بإتاحتها الفرصة للحصول عليها بطريقة قانونية . لكن المشكلة تكمن فى تعارض مصلحة الفرد ذاته - وكذلك الجماعة - بين اتخاذ هذا القرار أو ضده إذ هو لا يستطيع التوفيق بين مطالبة الخاصة . كما أنه لا يستطيع التيقن من كونه نتيجة القرار ستحقق هذه المطالب أو تنفيها . ولنأخذ مسألة رفع الأجور مثلاً لذلك . تطالب نقابات العمال دائما برفع الأجور - لكى تكسب أصواتهم - وهى إذ تطالب بذلك تعلم يقيناً أن رفعها يحقق للعمال مصلحة من جهة لكنه يفوتها من جهة أخرى لأنه يكون مصحوباً بارتفاع الأسعار . ومن ناحية أخرى يقول " بيكر " فى سياق نقده لأسلوب التمثيل . " إن الناس جميعا لهم مصالح كثيرة متعددة حيث لا يمكن لجانب منها أن ينمو ويطرد إلا بسن تشريع يحقق هذا الغرض ولكن هذا التشريع يسن على حساب الآخرين فالزراع والعمال مثلاً هم المنتجون والمستهلكون فى وقت معا فهم كمنتجين يتطلعون إلى أسعار أعلى من تلك التى يبيعون بها منتجاتهم ولكنهم كمستهلكين يتطلعون إلى أسعار أقل من تلك التى يشترون بها حاجياتهم (44).

هذه بعض العيوب التى لاحظها بعض الكتاب الديمقراطيون على الديمقراطية فى المبدأ والتطبيق وقد حاول كاتبان فرنسيان صياغتها فى عبارات موجزة فكان مما استنتجاه : 1- " الصراعات الدائمة بين الأحزاب المنقسمة على بعضها . 2- الحكومات التى لم تتجاوز متوسط بقاءها فى الحكم طيلة نصف قرن ثمانية أشهر . 3- المنافسات الحمقاء بين المواطنين . 4- عدم وجود سياسة متجانسة لمدى طويل . 5- البطء الشديد فى تقدم مستوى حياة الجماهير : سياسة الإسكان ، عدم كفاية التربية المدنية والاقتصادية والاجتماعية (45)" وملاحظة هذه المساوئ هى التى دفعت بالكاتب الإنجليزى " أ . د لندساس " إلى القول : " أن هناك دائما قوة رهيبة بين النظريات الرفيعة عن الديمقراطية التى نقرأ عنها فى كتب النظريات السياسية وبين وقائع السياسة الفعلية (46) ومع أن كل هذه الانتقادات لم تنفذ إلى لب المشكلة وأساسها المتمثل فى الحكم بغير ما أنزل الله و عباده الأهواء والشهوات من دونه فإنها ترشد إلى فداحة الخطب وشناعة الغلطة التى وقع فيها المجتمع الغربى بتنكره للحق وتمرده على الله استكباراً وغروراً

ونحن إن شاء الله سنناقش الموضوع من أساسه العميق فى الباب الخامس


.*.*.*.*. ثانيا - النظام الشيوعى .*.*.*.*. .*.*.*.*.

إذا كانت الرأسمالية ومعها الأفكار الديمقراطية قد ولدت لتكون رد فعل مساوئ الإقطاع فإن أقرب تفسير للشيوعية هو أنها رد فعل لمساوئ الرأسمالية . ومع أن الشيوعية تعتقد أنها اكتشفت القانون العلمى لحركة التاريخ والحياة وهو مبداً الديالكتيك - الجدلية - وآمنت به إيماناً مطلقا فإن تصورها للدولة لا يتفق مع هذا القانون ، وأشبه شئ بدولة المستقبل كما حلم بها فلاسفة الشيوعية هى نظرية " يوتوبيا " الخيالية فالنظرية الشيوعية تؤمن بحتمية اضمحلال جهاز الدولة عندما تبلغ البشرية مرحلة أكثر تطبيقاً تشبعاً بالأفكار الشيوعية ومعنى ذلك أنه سياتى اليوم الذى يتوقف فيه الصراع بين المتناقضات إلى الأبد وهو ما لا يقره قانون الجدلية ..

أما الدولة الشيوعية المعاصرة فهى وإن كانت مؤقتة - مرحلة ضرورية وتتمثل فيها النظرية الشيوعية الملائمة لطبيعتها المرحلية . ترى الدولة الشيوعية أنها دولة ديمقراطية شعبية . حسب التعريف الخاص الذى يقدمه الشيوعيون الديمقراطية وهو أنها " شكل سياسى لمجتمع اشتراكى قائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج مخطط ومتحرر من الاستغلال (47). وتؤمن الشيوعية بمبدأ سيادة الطبقة العاملة أو ما تسميه " دكتاتورية البروليتاريا " مقابل دكتاتورية الرأسماليين فى الديمقراطية الليبرالية . وتتميز الدولة الشيوعية بالتزامها المطلق بالنظرية كعقيدة شمولية تشمل التصور العام وتقدم الحلول والتفسيرات لكل نشاطات الحياة ومجالتها العامة وذلك يربطها جميعا بالعامل الوحيد المؤثر فى الحياة وهو العامل الاقتصادى وبصفة خاصة " ملكية وسائل الإنتاج " .

ومن هنا ينبغى النظر إلى الدولة الشيوعية على أنه وجه إقتصادى يشمل السلطة التشريعية والجهاز التنفيذى وتقع سلطته المطلقة فى يد الحزب الشيوعى " والحزب الشيوعى يعتبر نفسه تجسيداً لإدراة العمال والفلاحين وهو بهذه الصفة أصدق طريق للتعبير عن إرادة الشعب والجهاز الرسمى للدولة يشمل أجهزة معقدة لتنفيذ إرادة السيادة كما يعبر عنها الحزب الشيوعى " ويعتقد الحزب أنه هو الشعب على الحقيقة " ولهذا فله السلطة الكاملة الشاملة فى وضع السياسات الداخلية والخارجية وتقرير صحة النظريات والتوجيه للاستراتيجية السياسية وقيادة كل جهاز فى الدولة والاشراف عليه (48). ويقول أحد الكتاب الشيوعيين " إن وضع قيادة البلاد فى يد مثل هذه القوة المنظمة الهادفة - وهى الحزب الشيوعى - يطبع المجتمع كله بطابع موحد وهذا ينجح فى مقاومة محاولات التدخل من الخارج ويحل مشكلات كبرى بروح المثل الشيوعى (49)" . تلك هى ملامح " الديمقراطية الشعبية " التى يهتف لها زعماء الشيوعية وكتابها ويبالغون فى إطرائها وتمجيدها ...! فما رصد هذه الديمقراطية الفريدة من الحق والعدل ؟ وما هى إيجابيتها ومنجزاتها ؟ وما مقدار سلامتها من عيوب نظيرتها " ديمقراطية الرأسماليين " .؟ إن الواقع المشاهد الذى لا يحتاج إلى دليل خارجى هو أن أنظمة الحكم " الشيوعية الديمقراطية الشعبية ! " هى أبشع أنواع الأنظمة الاستبدادية " الدكتاتوريات " فى التاريخ . وأن الدول الشيوعية المعاصرة هى فى الواقع أشبه شئ بمعتقلات فسيحة زبانيتها أعضاء الحزب الشيوعى ونزلاؤها العشب بكامله . وما الستار الحديدى الذى ضربته هذه الدول لاخفاء تلك الحقيقة إلا واحدا من الأدلة الفاضحة عليها . وهذا ليس حكما نصدره من عند أنفسنا ولا هو برأى نقلناه عن كتاب مناهضين للشيوعية ولكنه شىء من وصف زعماء سياسيين وصل بعضهم إلى مرتبة " نائب رئيس " دولة شيوعية والآخرون كانوا فى مرتبة " عضو " بالحزب الشيوعى للمستويين القطرى والدولى . كما أن الحقيقة أظهرها مفكرون بارزون فى الغرب دفعتهم مساوئ المجتع الديمقراطى الرأسمالى إلى اعتناق الشيوعية والدفاع المتحمس عنها فلما انجلت لهم الحقيقة المرة ارتدوا عنها إلى غير بديل. فمثلاً ميلوفان دجيلاس النائب السابق لرئيس يوغسلافيا يقسم المراحل التى مر بها الحكم الشيوعى إلى ثلاث : 1- حكم ثورى فردى ديكتاتورى " لينين " 2- حكم عقائدى فردى أرهابى " ستالين " 3- حكم سياسى ( غير عقائدى ) جماعى بيروقراطى " خروتشوف فصاعدا "

ويقول عن الأنتخابات الشيوعية : " أنها سباق يعدو فيه حصان واحد " ويقول عن الأحزاب الشيوعية " لقد أكدت هذه الطقبة الجديدة أنها أكثر تسلطاً فى الحكم من أية طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ . كما أثبتت فى الوقت نفسه أنها تحمل أعظم الأوهام وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم فى مجتمع طبقى جديد (50) " ويقارن بين القوانين المعلنة وغير المعلنة قائلاً : " إن كافة المواطنين يدركون أن الحكومة هى فى أيدى اللجان الحزبية وتحت رقابة البوليس السري . وبالرغم من أن دور الحزب الشيوعى فى الشؤون الادارية غير معلن فإن سلطته مكرسة فى كافة المؤسسات والمنظمات والقطاعات . كما أنه فى الوقت نفسه - ليس هناك أى قانون يعطى البوليس السرى الحق فى رقابة المواطنين ومع ذلك فإنه يتمتع بمطلق الصلاحيات ، ومع أنه ليس هناك أى نص قانونى يقضى بضرورة إشراف البوليس السرى واللجان الحزبية على السلك القضائى إلا أن هاتين القوتين الغاشمتين تقومان بالاشراف والهمنة الفعلية على ذلك السلك(51) . أما أثر كوستلر - العضو السابق فى الحزب الشوعى والكاتب الروائى البارز - فيقول : " إن الكومنترن يتاجر فى العناوين والشعارات كما يتاجر مروجو الخمور الممنوعة فى أنواعها الزائفة المقلدة وكلما كان العميل أقرب إلى السذاجة سهل عليه أن يصبح ضحية لأنواع الخمور الفكرية التى تباع تحت عناوين السلام والديمقراطية والتقدم وما شئت من هذه الأسماء (52). ويتحدث أندريه جيد بعد رجوعه من الشيوعية قائلاً: " إن الناس فى روسيا الآن يطلب منهم الموافقة والمصادقة على كل ما تفعله الحكومة أما أقل معارضة أو نقل فإنها تعرض صاحبها لأقسى العقوبات بالإضافة إلى إخماد هذه المعارضة وطمسها . إن أحسن الناس سجلاً فى هذا السلم الاجتماعى الجديد من أسفله إلى أعلاه هم أكثرهم ذلة وعبودية . أما أولئك الذين تبرز منهم آية ناحية استقلالية فإنهم يحصدون أو ينفون . ولن نلبث حتى نرى أن هذا الجنس الباسل الذى استحق عن جدارة كل حبنا وإعجابنا لم يبق منه إلا النفعيون والجلادون والضحايا . لقد أصبح العامل الصغير صاحب الرأى الحر كالحيوان المطارد يلقى الجوع والتحطيم ثم الهلاك . إننى أسائل نفسى : هل هناك دولة أخرى فى العالم - بما فى ذلك إلمانيا فى عهد هتلر - قد كان العقل فيها والروح أقل حرية وأكثر ذلة واستعباداً أو جبناً أو خوفاً منها فى الاتحاد السوفيتى (53) ويصف لويس فيشر – الذي عانى التجربة نفسها مع الشيوعية – المسخ الفكرى هناك بقوله : " ضاعت كل مقاييس الحكم الثابتة ولم يعد يدرى ماذا يعتنق وماذا يرفض ، وقد لا يأتى المساء حتى يعلن على ملائكة هذا الصباح أنهم شياطين ، إن التشويش العقلى الذي ينتج عن هذا أفضى إلى النفاق وإلى التقبل الآلى والتلقائى لكل وحى جديد قد يأتى من سماء الكرملين فهنا على الأقل يجد الإنسان الحد الأدنى من السلامة والأمن لنفسه (54) " وكان من المخدوعين بالديمقراطية الشيوعية " برتراند رسل " الذى اكتشف الحقيقة فكتب مناقضاً لهذه الدعوى : " أن الطبقة العاملة فى روسيا فى سنة 1917 كانت أقلية ضيئلة بين السكان وكانت الأغلبية الساحقة من الفلاحين ، فتقرر عندئذ أن يكون الحزب البلشفي هو ذلك الجزء من الطبقة العاملة الذى يتمتع بالوعى الطبقى وأن لجنة صغيرة من زعمائه هم الذين يعدون الجزء الواعى طبقيا بين الحزب البلشفي . وهكذا صارت دكتاتورية العمال دكتاتورية اللجنة الصغيرة ثم أنتهى الأمر بأن أصبحت دكتاتورية رجل هو ستالين وإذ زعم أنه الوحيد ذو الوعى الطبقى بين طبقة العمال أخذ يحكم بإعدام الملايين من الفلاحين جوعا ويحكم على ملايين غيرهم بالسخرة فى معسكرات الاعتقال .. (55) ولعل خير ما نختم به موضوع الواقع المعاصر للأنظمة العالمية التى تحكم بغير ما أنزل الله هو العبارة اليائسة التى قالها لويس فيشر : " بعض الناس يقضى مضاجعهم ما يقترفه العالم الرأسمالى من جرائم وآثام فيظلون عمياً لا يرون جرائم البلشفية وإفلاسها وكثير منهم يستغلون نقائض العالم الغربى ليصرفوا الانتباه عن فظائع موسكو البشعة . أما أنا فأقول : لعن الله كليهما"



..**..**..**..**..**..**..**..
























<< .. الفصل الثاني .. >>

// == علمانيـــــــــ الإقتصـــــــاد ـــــــــــــــــة == //

>><< "الاقتصاد"هو الإله الأكبر للجاهلية الأوربية المعاصرة دون منازع ! والجاهلية الأوروبية ،مثلها مثل أي جاهلية في التاريخ لا تنتهج خطأ وسطاً متزناً ،بل تتحكم فيها ردود الفعل وتتسم تصرفاتها بالغلو والتطرف والاندفاع فليس طريق الحياة الأوروبية إلا خطأ متذبذباً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ولا تستطيع الجاهلية الأوروبية أن تنظر إلى أي شيء إلا من خلال منظار له عدستان متقابلتان :إحداهما تكبر كل شيء عن حجمه الحقيقي والأخرى تصغره عن حجمه الحقيقي وبين هاتين تضيع الرؤية الحقيقية .

وهذه الظاهرة تتجلى في كل ناحية من نواحي الحياة ،وربما كانت في "الاقتصاد" أكثر تجلياً ..كانت أوروبا تحتقر الحياة الدنيا وتزدري ما أحل الله من الطيبات ، وتقدس الفقر والتقشف وتبارك البؤس والشقاء ، لأن ذلك وسيلة للخلاص من الخطيئة وهو الغرض الوحيد من الوجود الإنساني (1) .

ثم انقلب الأمر رأساً على عقب وتحولت أوروبا إلى وحش ضار ، وهجمت بكل قواها على المتاع الحسي وتطلعت بكل حواسها إلى الشهوات الزائلة ، تريد أن تلتهم كل متعة وتنتهب كل لذة حتى غرقت في الدنيا ونسيت الآخرة بل نبذتها نبذاً كاملاً .ليس هذا فحسب بل أن أوروبا عبدت ، حقيقة لا مجازاً الإنتاج المادي والطواغيت الذين يتحكمون فيه "الطبقة الرأسمالية أو الحزب الشيوعي " فالصورة التي لم تتغير هي صورة العبودية المذلة ، وإنما تغير الطاغوت المعبود فأصبح الرأسمالي أو عضو الحزب بعد أن كان النبيل أو رجل الدين!

هذه العبودية المطلقة وذلك الاتجاه الكلي إلى المادية – فكراً وسلوكاً – هما اللذان يحددان موقف المجتمع الغربي المعاصر من الدين ، وبهما تظهر الجاهلية المعاصرة مجردة عن كل زيف خالية من أي طلاء . وما علينا إلا أن نتأمل مجرى التاريخ الاقتصادي الأوروبي وننعم النظر في نظرياته الكبرى من العصر الإقطاعي حتى الآن ، وحينئذ لن نفاجأ بهذه الحقائق الواضحة .

v أولاً - نظرية الكنيسة ونظام الإقطاع :

على الرغم من أن الكنيسة لم تحاول تغيير بنية المجتمع المسيحي أو تنظيم بعض مجالات الحياة على الأقل فقد كان لها أثر فعال في اقتصاد القرون الوسطى من الوجهة النظرية . أقرت الكنيسة النظام الإقطاعي السائد بل أصبحت مؤسسة من مؤسساته الثابتة ، وأقرت الاضطهاد الفظيع الذي كان يتعرض له أرقاء الأرض رغم تنافيه مع تعاليم الإنجيل ،ولكنها في مواقف أخرى كانت أكثر تشدداً لا سيما في مسألة "الربا" والواقع أن الربا جريمة تشترك في تحريمها كل الرسالات السماوية ، وتحاربها الكتب المقدسة جمعيها ، وهي ظاهرة لها مغزاها العميق . ويتحدث "ول ديورانت " عن ذلك فيقول : "كانت العقيدة المسيحية في الربا أكبر العقبات في نمو النظام المصرفي وتقدمه " ، "وكان جيروم يرى أن الكسب كله حرام ،كما أن أوغسطين يرى أن جميع الأعمال المالية إثم لأنها تصرف الناس عن السعي للراحة الحقة أعني "الله" وكان البابا "ليو الأول " قد رفض هذه العقائد المتطرفة ولكن الكنيسة ظلت لا تعطف على التجارة ، وترتاب في جميع أنواع المضاربات والمكاسب ، وتعارض جميع صنوف "الاحتكار" و "الجبأ " و"الربا" وكان اللفظ الأخير يطلق في العصور الوسطى على فائدة المال أياً كان قدرها وفي ذلك يقول أمبروز : "الربا هو كل مال يضاف إلى رأس المال "وقد أدخل جرايتان هذا التعريف الجامد في القانون الكهنوتي الذي تسير عليه الكنيسة " . ثم إن "مجلس لا تران الثالث "1179" جدد هذا التحريم وقرر أن الذين يجهرون بالربا لا يقبلون في العشاء الرباني وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يدفنون دفن المسيحيين وليس لقسيس أن يقبل صدقاتهم " . أما البابا جريجوري التاسع فقد قال "إن الربا هو كل ما يناله الإنسان من كسب نظير قرض ، وظل هذا الرأي قانون الكنيسة الرومانية حتى عام 1917م " وقد ظلت قروناً طوالاً تظن أن جميع المرابين يهود " . وظل تشريع الحكومات زمناً طويلاً يؤيد موقف الكنيسة في هذه الناحية وكانت المحاكم الدينية نفسها تحرم الربا ، ولكن تبين أن حاجات التجارة أقوى أثراً من خشية السجن أو الجحيم " . ثم ألغت معظم الدول الأوروبية بعد عام 1400 ما وضعته من قوانين لتحريم الربا ولم يكن تحريم الكنيسة إلا كلاماً مهملاً يتفق الناس جميعاً على إغفاله " (2) . ويرى "جورج سول " أن الكنيسة كانت تحرم الربا لسبب نفعي بالإضافة إلى الدافع الديني ، فيقول "سول " : "هذا التأكيد بفساد الربا وشروره ليس فكرة مجردة فحسب ، ولكنه كما هو الشأن بالنسبة إلى معظم المذاهب الأخرى البارزة في ذلك الحين وفي عصرنا هذا كان يحقق غرضاً هاماً حينذاك لأولئك الذين عملوا على ترويج الفكرة " . "لقد شعرت الكنيسة وحلفاؤها الإقطاعيون في العصور الوسطى –وبحق – أن ثمة خطراً يهدد سلامتهم وسلطانهم نتيجة نمو الرأسمالية ، وإن لم يطلق عليها أحد هذه التسمية ، إن استنكار الربا كان من الأغراض الدالة على أن وسائل جديدة في الإنتاج والتبادل بدأت تعمل على تقويض دعائم النظام الإقطاعي"(3).

وعلى أية حال فإن اقتصاد القرون الوسطى لم يكن يستطيع التملص من أتباع التعاليم الكنسية التي كانت جزءاً من النظام الأخلاقي المسيحي ،كما أنه كان –في الوقت نفسه – خاضعاً ومقيداً بالأعراف الإقطاعية السائدة ، ولذلك كان حتماً أن ينهار بانهيار الكنيسة والإقطاع . ولا شك أن الكنيسة ارتكبت خطأ فادحاً بإقرارها للواقع السيئ وعدم وضع سياسة اقتصادية عامة وعادلة تستمد أصولها من الدين ، كما أن سلوكها الذاتي وطغيانها المالي الفظيع قد جعلاها قدوة للظالمين ، ومحط أنظار المقت والحقد من المظلومين . وإذا حاولنا تحديد النظرية العامة للكنيسة إجمالاً – مع استثناء مسألة الربا وملحقاتها – فإن أقرب وصف يفي بالمراد هو أنها نظرية "طبيعية إقطاعية " ومن اليسير إدراك أن هذه النظرية لم يكن لها منهج مستقل بل كانت تستمد من الأسس الأخلاقية العامة .

v صورة مجملة لنظام الإقطاع :

إن النظام الذي هيمن على الحياة الأوروبية طوال القرون الوسطى وعاصر شباب المسيحية ، وشكل بالاندماج معها ملامح القارة الأوروبية آنذاك هو نظام "الإقطاع" . ونظام الإقطاع الأوروبي يأتي في طليعة الأنظمة الجاهلية التي لا ينفك عنها الظلم ولا ينفصم عنها الطغيان ، والإنسان في ظله مسلوب الإرادة مهدر الكرامة ضائع الحقوق . والواقع أن الدول التي تتكون منها القارة الأوروبية لم تكن في الحقيقة إلا مجموعة من الإقطاعيات تخضع لملك أو إمبراطور مركزي ، جل همه أن يحصل على الضرائب والجنود من "السيد" مالك الإقطاعية ، أما داخل الإقطاعية فكانت تبرز الصورة البشعة للنظام الإقطاعي .

ومع ملاحظة أن هذا النظام تختلف صوره باختلاف العصور والأقاليم فإن ملامحه العامة وجوهره الموحد يمكن أن يحصرا في تقسيم المجتمع طبقتين : إحداهما في قمة الترف والأخرى في حضيض العوز ، وكل طبقة تتألف من طائفتين ،فالطبقة العليا هي طائفتا : السادة الملاك ورجال الكنيسة ، ،والطبقة الدنيا هي طائفتنا : العبيد ورقيق الأرض ، ومن هذه الأخيرة صغار القساوسة والزهاد من رجال الكنيسة .

أما حقوق وواجبات كل فرد من هذه الطبقات فكما يلي :

1-السيد المالك :هو المسيطر الفعلي وصاحب النفوذ القوي في هذا النظام وقد كان يملك حقوقاً لا حصر لها في حين ليس عليه أي واجبات : "كان من حقه أن يضرب رقيق أرضه أو يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال دون أن يخشى عقاباً … وكانت له في أملاكه كل السلطات القضائية والعسكرية ، وكان يستفيد فوق ما يجب من الغرامات التي تفرضها محاكم الضيعة ..وكان في وسع السيد الإقطاعي أن يمتلك أكثر من ضيعة واحدة ..وقد يكون له قصر حصين في كل واحدة منها ، وكان قصره يهدف إلى حماية سكانه أكثر مما يهدف إلى راحتهم ..يحيط به خندق عميق عريض وسور متصل عال وأبواب حديدية وفي وسطه برج حجري دائري يسكن فيه السيد وأسرته ، وكانت جدرانه الحجرية المنيعة عماد قوة الملاك ضد مستأجريهم وضد الملك .

"وكان الرجل الذي يمنعه كبرياؤه من أن يكون رقيق أرض ، ولكنه أضعف من أن يعد لنفسه وسائل الدفاع العسكرية يؤدي مراسم الولاء لشريف إقطاعي يركع أمامه وهو أعزل عاري الرأس ويضع يديه في يدي الشريف ويعلن أنه رجل ذلك الشريف ، ثم يقسم على بعض المخلفات المقدسة ..أن يظل وفياً للسيد إلى آخر أيام حياته ، ثم يرفعه السيد ويقبله " (4) . وكون الإنسان مالكاً نبيلاً لا يعتمد على جهوده الذاتية ولا هو مما يمكن اكتسابه فالنبيل يولد نبيلاً ويظل كذلك إلى الموت ، والعبد يولد عبداً ويعيش حياته كلها في أغلال العبودية ، أي أن المجتمع الإقطاعي يقوم توزيع أعضائه على العامل الوراثي وحده ، إلا إذا طرأ تبدل فجائي كامل على الحياة فينقطع لكنه يعود إلى التحكم فور استقرار الأوضاع .

2-رجل الدين : كان رجل الدين بسلطته الروحية سيداً إقطاعياً إلى حد ما ، وكان يملك الإقطاعيات ويتحلى بالألقاب الإقطاعية ويورث مرتبته لذريته ، وقد سبق الحديث عن ذلك (5) .

3-العبــــــــد: "أباحت الكنيسة استرقاق المسلمين والأوروبيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي ، وكان آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يوزعون عبيداً على الأديرة … وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساوي من المال ، فقد كان العبد يعد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء ، وحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم ..وحرم البابا جريجوري الأول على العبيد أن يكونوا قساوسة ، أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر ..وكان القديس توماس أكونياس يفسر الاسترقاق بأنه نتيجة لخطيئة آدم " (6) وإذا كان هذا هو نظر الكنيسة التي تنادي بالمحبة والرحمة فما بالك بمعاملة السيد "رجل الدنيا " ! لعبيد إقطاعيته …؟

4-رقيق الأرض : لم يكن رقيق الأرض عبداً بمعنى الكلمة لكن حاله لا يختلف عن العبد في شيء ، والفارق بينهما أن العبد – في الأصل – إما أسير مغلوب وإما مخالف للسيد في الدين أو الجنس أو المذهب بعكس الرقيق الذي هو أصيل في الإقطاعية وينتمي إلى الدين والجنس اللذين ينتمي إليهما سيده .

"والأصل في رقيق الأرض أنه رجل يفلح مساحة من الأرض يمتلكها سيد أو بارون وكان في وسع المالك أن يطرده متى شاء وكان من حقه في فرنسا أن يبيع الرقيق مستقلاً عن الأرض ..أما في إنجلترا فقد حرم من مغادرة الأرض ، وكان الذين يفرون من أرقاء الأرض يعاد القبض عليهم بنفس الصرامة التي يعاد بها القبض على العبيد " وهذا الصنف هو الصنف الغالب في الإقطاعيات بل هو في الحقيقة يمثل مجموع سكان أوروبا تقريباً باستثناء النبلاء ورجال الدين , والمدهش حقاً هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك عدا خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته : 1. ثلاث ضرائب نقدية في العام . 2. جزء من محصوله وماشيته . 3. العمل سخرة كثيراً من أيام السنة . 4. أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه . 5. أجر لسماح بصيد السمك أو الحيوان البري . 6. رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك . 7. ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب . 8. يفتدي سيده إذا أسر . 9. يقدم الهدايا لابن المالك إذا رقي لمرتبة الفرسان . 10. ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق . 11. لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسها بأسبوعين . 12. يشتري بعض بضائع سيده وجوباً . 13. غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة . 14. ضريبة مع أذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة . 15. حق "الليلة الأولى " وهي أن يقضي السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى . وكان يسمح له أحياناً أن يفتديها بأجر ، وقد بقى بصورته هذه في بافاريا إلى القرن الثامن عشر . 16. وراثة تركته بعد موته . 17. ضريبة سنوية للكنيسة وضريبة تركات للقائد الذي يدافع عن المقاطعة (7) .

هذا هو نظام الإقطاع الذي قامت على أنقاضه الحياة اللادينية المعاصرة .ومهما عدد الباحثون من سيئاته ومظالمه فإن أعظمها أثراً في الحياة والفكر أمران :

1- ارتباط النظام الإقطاعي بالدين : من الوجهة التاريخية كان النظام الإقطاعي في عنفوان شبابه في الفترة نفسها التي كانت المسيحية فيها أوج عظمتها ، ثم كان انهيار النظام موازياً لانهيار الكنيسة ، واستنتجت الجاهلية الحديثة من ذلك معادلة خاطئة هي : إن المجتمع الإقطاعي طبقي ظالم لأنه متدين وإذن فزوال الظلم من المجتمع يستلزم نبذ الدين كلية أو على الأقل عزله عن التأثير في مجريات الأحداث ! وتلك كانت نظرية الكتاب "الطبيعيين" الذين وضعوا نواة الفكر الرأسمالي الحديث . وتطرفت الشيوعية فنسبت للدين دوراً إيجابياً في إرساء قواعد الظلم الإقطاعي بل حملت الدين كامل مسؤولية تأخر الوعي الطبقي وعرقلة جهود الطبقة الكادحة فلم تكتف بالقول بأن الدين يقر الظلم ويودعه بل جعلت الدين "أفيون الشعوب " الذي يشل حركتها النضالية ويعوقها عن المطالبة بحقوقها !

2- طابع الثبات المطلق : كان النظام الإقطاعي نظاماً ثابتاً إلى درجة الجمود :ثابت التوزيع الاجتماعي ، ثابت الحقوق والواجبات ،ثابت الأخلاق والتقاليد ، ثابت الأفكار والمعارف ، ثابت الأحوال المعيشية . وكان ذلك مدعاة لأن يصطدم هذا النظام بسنة الله في الكون وفي سير التاريخ ، فقد تزعزع هذا الثبات بالنهضة العلمية وحركة الإصلاح الديني ثم نسف من أساسه بانفجار قنبلة التطور سنة 1859 كما سبق .وقد شبه كتاب "تاريخ البشرية "انتقال أوروبا من الثبات إلى التطور بسفينة كانت راسية في ميناء وادع ثم أبحرت في خضم صاخب إلى غاية مجهولة بغير خريطة (8) .

وهذان الأثران سيظهران بجلاء من خلال عرضنا للنظريات الاقتصادية وإن كانا في الواقع قد شملا جوانب الحياة الأخرى ومنها ما سبق عنه الحديث ومنها ما سيأتي بإذن الله .










v ثانياً – المذاهب الاقتصادية اللادينية :

1-المذهب الطبيعية " الفيزيوقراطي " :

كانت المسألة الاقتصادية من أبرز المشكلات التي تصدى لها فلاسفة ومفكرو "عصر التنوير " – كما يسمى – في القرن الثامن عشر وهو العصر الذي بدأت فيه العلوم والآداب تستقل عن المؤثرات الدينية بدرجة ملحوظة .

في ذلك العصر أخذت أوروبا الهاربة من نير الإقطاع وأغلال الكنيسة تبحث عن أنظمة ومناهج جديدة متحررة من التلازم التقليدي بين الشؤون الحيوية وبين القواعد الأخلاقية الذي كان منهج القرون الوسطى .

وكانت الجفوة العميقة بين العلم والدين – التي مر الحديث عنها سلفاً – أبرز العوامل في انفصال النظريات الاقتصادية وغيرها عن المثل والقيم الدينية ،وولادة الإله الذي عبده عصر التنوير بسذاجة متناهية : "الطبيعة ".

كان لكل زاوية من زوايا الحياة مذهبها "الطبيعي " وكتابها "الطبيعيون " : ففي السياسة عرفتا كيف قامت الديمقراطية على أسس "المذهب الطبيعي "وفي العلم والفلسفة حلت كلمة "الطبيعة " محل لفظ الجلالة وهو إجراء ليس المقصود به التغيير اللفظي فحسب ‍ وفي الشؤون الاجتماعية ظهر كتاب يرون أن المجتمع "الطبيعي " هو المجتمع المثالي الذي يجب أن تعود إليه البشرية ، وفي الأخلاق ظهرت فكرة الأخلاق "الطبيعية " بل لقد كتب فلاسفة كبار عن موضوع "الدين الطبيعي " ‍ ولعل أوضح تطبيقات المذهب الطبيعي يظهر في الموضوع الذي نحن بصدده وهو "الاقتصاد " .

يستعرض مؤلف كتاب "المذاهب الاقتصادية الكبرى " تاريخ هذا المذهب عموماً فيقول : "اعتمد الناس خلال القرون التي خلت …على القدامى من أمثال أرسطو وآباء الكنيسة يلتمسون عندهم المعرفة بشأن العالم الخارج عن دائرة ما يعيشون فيه ، وكفاهم أن يعودوا إلى أولئك الأئمة ليستخلصوا من كتاباتهم تفسيراً لأي ظاهرة . وحل المنطق الاستنباطي محل دقة الملاحظة وعمق النظرية والتجربة .

"غير أن نفراً من ذوي العقول أخذوا يكتسبون معرفة جديدة أكثر دقة وذلك عن طريق دراسة الطبيعة ذاتها في تواضع وبالأسلوب الموضوعي . فالإدراك بان الأرض ليست مركز العالم بل تدور حول الشمس ، والكشف الذي اهتدى إليه هارفي بشأن الدورة الدموية (9) والنظريات التي طلع بها نيوتن عن الجاذبية والحركة ، كل هذه أعقبتها عشرات من الملاحظات لها مغزاها وأهميتها وإن كانت أقل شأناً ودرجة .

"فإذا كانت المصادر القديمة قد أخطأت في نظراتها إلى العالم الطبيعي أما كانت كذلك مخطئة في نظراتها إلى السلوك البشري ؟ "أصبح كل شيء موضع التساؤل والشك وعلى ذلك سمي العلم فلسفة ، ولم يعد هناك تمييز بين الميادين التي عني كل منهما بفحصه ، وأخذ الكتاب والمتفلسفون يعيدون البحث في النظم البشرية تماماً كما كانوا يفعلون بالنسبة إلى الأشياء غير البشرية ، وهم في تصرفهم هذا كانوا يسلمون بأن الإنسان جزء من الطبيعة وليس كائناً منفصلاً عن بقية المخلوقات أوجدته العناية الإلهية وتولت رعايته .

وأصبح البحث ينصب على تفسير النتائج والأسباب بالنسبة إلى السلوك البشري سواء أكان مرغوباً أم غير مرغوب عن طريق قوا نبين الطبيعية بدلاً من البحث عنها في إرادة الله ، كما قالت الكتب المقدسة أو المذاهب الكنسية . ومعنى هذا – بتعبير آخر – أن علينا أن نسترشد في أعمالنا وتصرفاتنا بالعقل دون سلطة القدامى وآرائهم " (10) .

إذن فقد كان عصر التنوير يرفض بصراحة الحكم بما أنزل الله ، والرجوع إلى الله في تنظيم حياته العامة ، أو على الأقل كان كما يقول بعض فلاسفته – يريد الرجوع تحت اسم مستعار هو الطبيعة ، ومن طريق آخر غير طريق الوحي والكنيسة ، وهو القانون الطبيعي .


أما أثر هذا المذهب على الاقتصاد فيوضحه "سول " بقوله : "سيطرت فكرة الآخرة على المذاهب السائدة خلال العصور الوسطى ، وإن لم تسيطر على العادات والتقاليد ، فالمجال الدنيوي بما فيه الحياة الإنسانية نفسها ليس سوى مكان يستعد فيه الناس للحياة بعد الموت بما تشتمل عليه من ثواب وعقاب ، فكان على المرء أن يتحمل الألم وهو عالم أنه ليس إلا مقدمة لما يتوقع في حياة مستقبله .أما الدافع الفكري على تقويم العادات الاجتماعية أو زيادة الرفاهية الدنيوية فكان ضئيلاً اللهم إلا من حيث الفائدة الروحية التي يمكن اجتناؤها .

"والآن تحول الاهتمام فأصبح محصوراً في تحسين الحياة على الأرض وكشفت العلوم والمخترعات عن إمكانيات الأرض لذاتها لقد كانت المكاسب المادية ظاهرة في كل شيء وكان لا حد لها من حيث وجود أساليب أفضل وأيسر لإنتاج الأشياء ، وسرت روح المغامرة .

"وهنا برز السؤال التالي : أليس في وسع الفلسفة أن تعالج النظم البشرية بنفس الطريقة التي تدرس بها الأشياء المادية ؟ . "وكان الجواب بالإمكان ، ذلك أن المطلوب إنما هو تطبيق العقل على الأساليب التي يستخدمها الناس كيما يعيشون (كذا) معاً وراح الكثيرون يصوغون الخطط والمشروعات التي تكفل قيام الحياة المثالية أو اليوتوبيا .

"وصار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل ولو باللسان – وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم – فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها وليس بوسيلة مباشرة . وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شيء له وجود فحسب وإنما هو شيء ينبغي أن يطاع وصارت مخالفتها دليلاً على نقص في التقوى والأخلاق " (11).

وتعددت وجهات نظر الفلاسفة الطبيعيين بشأن تنظيم المجتمع لا سيما من ناحية توزيع الثروة بطريقة عادلة إلا أن الجامع المشترك بينهم في ذلك هو الفكرة التي سلفت في الفصل السابق وهي "حرية العمل " التي يعبر عنها شعارهم المعروف "دعه يعمل ، دعه يمر " أو "دع الأمور وحدها تسير فالطبيعة كفيلة بالتوازن " .

وكانت بقايا النظام الإقطاعي في الواقع ، مع شبحه الماثل في نفوسهم سبب مناداتهم بهذه الشعارات واعتقادهم أنها أنجح الحلول لمشكلة الظلم الاجتماعي الناجمة عن سوء توزيع الثروة .

أما الأساس العلمي الذي توهموا أنهم أقاموا عليه صرح مذهبهم فهو نظرية "نيوتن " عن الأجرام السماوية وقوانين الحركة الطبيعية ، فكما أن للنجوم والكواكب قانونها الطبيعي الذي يحدد لكل منها مساره الخاص دون أن يحدث بينهما أي اصطدام على الإطلاق فكذلك – في نظرهم – لو ترك الناس إلى طبيعتهم ولم يفرض عليهم قوانين خارجية لانتظمت أحوالهم وسارت وفق القانون الطبيعي الذي يكفل تطبيقه الحياة المثالية للمجتمع والأفراد دون تعارض واضطراب ، وقد عرفنا في الفصل السابق كيف استغلت الطبقة المتوسطة المكونة من رجال المصارف وأصحاب المصانع المذهب الطبيعي لكي تظفر باليد العاملة التي كانت حكراً على ملاك الإقطاعيات ،ولتظمن حماية الدولة لممتلكاتها لأن ذلك هو "قانون الطبيعة"

وقد عبر "راندال" عن ذلك بقوله : "هكذا كان هذا العلم " أي علم الاقتصاد السياسي "يبدو في الظاهر محاولة مجردة عن المصلحة ، للوصول إلى فيزياء اجتماعية للثروة ، لكنه كان في الحقيقية تبريراً منظماً للمطالب التي تهدف إلى زيادة حرية جمع المال تستعين بالعلوم الجديدة البشرية والطبيعية " (12) .

== 2/ المذهب الراسمالي الكلاسيكي : ليس هذا المذهب في الحقيقة إلا تطويراً للمذهب الطبيعي اقتضته الظروف الطارئة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية . وكان الغرض المنطقي أن يكون هذا المذهب أكثر سماحة واعتدالاً في معاملة الطبقة الفقيرة وان يشتمل على خطط ومناهج إصلاحية تكفل إلى جانب امتيازات الأثرياء حقوقاً منصفة للفقراء . لكن الذي حصل فعلاً هو عكس ذلك تماماً ـ فقد دعا زعماء هذا المذهب بكل صراحة إلى الجشع والاستغلال ، وبرروا الوسائل غير الإنسانية التي كانت الطبقة الغنية تمارسها على المعدمين ، ولم يكن إلحاحهم على حرية الفرد وحقه في العمل لمصلحته الذاتية إلا تأكيداً لحرية المحتكرين من أرباب المصانع والتجار والصيارفة .

كان المذهب الطبيعي ينسب للأرض القيمة الاقتصادية الكبرى ، فأعطى المذهب الكلاسيكي هذه القيمة للعمل ، وليس مرد ذلك إلى الانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي فحسب ، بل إنه ليعبر عن رغبات الطبقة الجديدة التي تريد أن تفرض نفوذها المالي على المجتمع ونستأثر بالعمال الذين كانت غالبيتهم تعمل في الزراعة . وتحت ستار التظاهر بالبحث عن أفضل السبل لتحقيق رفاهية المجتمع وتقدمه ،وبناء قواعده على أسس علمية ، كان دعاة المذهب يحملون نزعة لا أخلاقية لم يكن في وسعهم التكتم عليها ، فقد ظهرت في مؤلفاتهم الشهيرة التي يعدها العالم الرأسمالي اليوم أعز تراثه عليه – وإن كان حور وطور كثيراً من نظرياتها واستبعد الباقي .

واشهر الرأسماليين الكلاسيكيين "آدم سميث " و "مالتس " و"ريكاردو" إذ على أكتافهم نهض المذهب الفردي الرأسمالي وترعرع . وهذه خلاصة لمذهب كل منهم وآثاره العلمية :

(ا)آدم سميث (1790) : أما آدم سميث فهو فيلسوف الاستعمار وكاهن الرأسمالية الأكبر ، وكتابه "ثروة الأمم" أهم المؤلفات الاقتصادية وأبعدها أثراً يقول روبرت دوانز " في مؤلفه "كتب غيرت وجه العالم " : "النظرية الأساسية في كتاب "ثروة الأمم" نظرية ذات نزعة ميكافللية ، وهي أن العامل الأول في نشاط الإنسان هو المصلحة الشخصية ، وأن العمل على جمع الثروة ما هو إلا مظهر من مظاهرها ، وبذلك قرر أن الأنانية والمصلحة الشخصية تكمن وراء كل نشاط للجنس البشري ،وصارح الناس باعتقاده أنها ليست صفات ممقوتة يجب الابتعاد عنها ، وإنما هي على العكس عوامل تحمل الخير إلى المجتمع برمته ، وفي رأيه أنه إذا أريد توفير الرفاهية للأمة فلا بد من ترك كل فرد يستغل أقصى إمكانياته لتحسين مركزه بشكل ثابت منظم دون تقييد بأي قيد فللحصول على غذائنا لا نعتمد على كرم الخمار أو الخباز أو الجزار ، وإنما هم يقدمونه لنا بدافع من مصلحتهم الشخصية ، وإنا عندما نخاطبهم لا نتجه إلى ما فيهم من دوافع إنسانية وإنما نتجه إلى مصلحتهم المادية ولا نكلمهم عن احتياجاتنا بل عما يعود عليهم من نفع وفائدة " (13) .

آثار مذهبه : على الرغم من هذه الروح غير الأخلاقية حظي سمث وكتابه بشهرة واسعة لا يضاهيها أي من المعاصرين له ، ومنحه المفكرون والكتاب لقب "أبو الاقتصاد العصري " .وليس ذلك إلا الخدمة التي أسداها سمث لرجال الأعمال الرأسماليين ،والوسائل التي نبههم لاستعمالها في الوقت الذي أسقط فيه حساب الجموع الغفيرة من الزراعيين والعمال الذين يكابدون البؤس والشقاء . ولم يقتصر سمث على إنجلترا ولا على أوروبا وحدها بل كان كتابه المذكور انجيلا للمستعمرين الذين تدفقوا على قارات العالم الأخرى ينهبون خيراتها ويتعبدون شعوبها ، حتى لقد عد الفصل الذي يتحدث عن المستعمرات أشهر فصول الكتاب .

يقول "ماركس لرز" : "كان أغلب الذين عنوا بقراءة ذلك الكتاب هم أولئك الذين أفادوا شخصية من الآراء التي وردت فيه وهؤلاء هم التجار المحدثون وحلفاؤهم من الأعضاء فبي برلمانات العالم ولجانهم الثقافية التنفيذية في الجامعات ، وعن طريق هؤلاء أثر الكتاب تأثيراً عظيماً في جميع من يليهم من شعوب العالم رغم أنها لا تعلم شيئاً عن الكتاب ذاته ، كما أنه عن طريقهم أيضاً أحدث آثاره الهائلة في التفكير الاقتصادي والسياسة العالمية"(14) . على أن سمث لم يسلم من المعارضين من ذوي الميول الدينية مثل "رسكن " الذي قال عنه : "إنه الاسكتلندي الغبي الهجين الذي يدعو الناس عامداً إلى ارتكاب التجديف في الدين بقوله "عليك أن تكره الرب إلهك ، وتعصي وصاياه وتشتهي مال قريبك " كما لم يسلم ممن عارضه لأسباب إنسانية مثل كثير من أحرار المفكرين الذين "لم يغفروا لسمث قط أنه أداة في ذلك الاستغلال الدنيء الذي انتهجه رجال الأعمال وأصحاب المصانع إذ اتخذوا من مبدأ "حرية التجارة " وآرائه فيه منهجاً لهم في أعمالهم ، فقد انتهز هؤلاء تلك الفرصة فشوهوا كل مبدأ دعا إليه لحماية العامل والزارع والمستهلك والمجتمع عامة ، وفسروها على أنها إباحة مطلقة لمصلحتهم الشخصية ، لا تتقيد بأي قيود أو تدخل من جانب الحكومة"(15) .

(ب)مالتس (1834) : لئن كان سمث أبا الرأسمالية فإن مالتس هو محاميها العظيم وإذا كان سمث قد أتخذ موقفاً سلبياً أو شبه سلبي من المعوزين والمهضومين فإن مالتس اتخذ حيالهم دوراً إيجابياً ، لكنه – للأسف – ضدهم إلى أبعد الحدود .

ظهر في القرن الثامن عشر من الكتاب المغرقين في التفاؤل من أمثال "كوندورسيه " و "جدوين" و "توماس بين " وشكلوا مدرسة اجتماعية طبيعية ، تؤمن بأنه إذا تمتع كل فرد بما أسموه "حقوق الإنسان " وأزيلت الحواجز الاصطناعية التي تعوق ذلك فغن عصراً مزدهراً أو "يوتوبيا " حقيقية تنتظر البشرية ، فالطبيعة وهيأتها لبني البشر ، وما عليهم إلا أن يحسنوا اقتسامها وتوزيعها .

لم ترق هذه النظرية لمالتس ذي النزعة لمالتس ذي النزعة التشاؤمية ، وكانت معاصرته لهؤلاء الكتاب من أسباب تحمسه للرد عليهم ،فنشر سنة 1798 كتيباً بعنوان :"مقال في قواعد ازدياد السكان " أوضح فيه رأيه الصريح إزاء الموضوع .

يقول سول : "إن مذهب مالتس بسيط في جوهره ، فالتكاثر إن لم يحده قيد فإنه إلى يدعو تزايد السكان وفقاً لمتوالية هندسية ، في حين أن الزيادة في موارد الغذاء ليست بهذه السرعة أو أنها –بعبارة أخرى –تسير حسب متوالية عددية " (16) .

ولم يخف مالتس اعتراضه على حقوق الإنسان التي أعلنها "توماس بين " فقد رد عليه قائلاً : " إن رجلاً يولد في دنيا قد استولى عليها الناس من قبله ، وتملكوا خيراتها ولم يجد العون الطبيعي من والديه ، وما دام المجتمع في غنى عن خدماته ، فهذا الرجل لا يستطيع أن يدعي لنفسه حقاً في كسرة خبز ، ولا حق له في الوجود في هذا العالم ، كما أنه انتقد البرنامج الذي وضعته الحكومة الإنجليزية لإعانة الفقراء بقوله :

"إن قوانين الفقراء في إنجلترا تؤدي إلى تفاقم حالة الفقراء عامة في ناحيتين :

الأولى : هي أنها تعمل على زيادة عدد السكان دون زيادة غلة الأرض لإعالتهم " .

والثانية : أن كميات الحاجيات التي تستهلك في ملاجئ الفقراء وهم طبقة غير منتجة تقلل من الأنصبة التي كان يجب أن تعطى كاملة للطبقة العاملة " (17) .

وهكذا حرم مالتس الإحسان تحريماً قاطعاً سواء أكان من الدولة أو من الأفراد ، وذهب إلى "أن كل مشروع لتحسين حالة المجتمع سينتهي إلى كارثة "وقال إن على المجتمع أن يرفض تقديم الإحسان أو الإعانات إلى الأسر التي تعجز عن تدبير وسائل معيشتها "(18) .

والمصيبة أن الذي يطرح هذه الأفكار ويطالب المجتمع بتطبيقها ليس رجلاً "علمانياً "ولكنه "رجل دين " بمرتبة "قسيس " ، رجل دين يبرر سلوك طواغيت الرأسمالية ويحرم البر والإحسان إلى المنكوبين وسعنا أن نتصور الأثر البالغ والانعكاس الذي تتركه المفارقة العجيبة في ذهن الفرد العادي عن الدين ورجال الدين .

آثار مذهبه : يقول دوانز : "قوبلت آراء مالتس بترحاب وتحمس إذ تلقفتها الطبقة المثرية وذوو السلطة في زمنه فرددوا وراءه القول بان الفاقة الاجتماعية وغيرها من المساوئ الاجتماعية يصح إرجاعها الآن إلى أسباب الزواج المبكر وكثرة النسل ، وليس لسوء توزيع الثروة في البلاد شأن في ذلك وبالتالي لا يقع عليهم أي لوم " (19) . ويقول سول : "كان مذهب مالتس هذا يخدم مصالح أولئك الذين بالرغم من الأرباح الطائلة التي جنوها بفضل نمو الرأسمالية تعرضوا لهجوم عليهم بسبب سوء الحال التي كان عليها فريق كبير من العمال والأجراء .

"لقد قام مالتس بالدفاع اللازم حين أعلن أن شقاء الإنسان مرده إلى إغفال أحد القوانين الطبيعية (يعني قانون زيادة السكان ) وإن تجاهل هذا القانون لن يؤدي إلى تحقيق أية منفعة اجتماعية في ظل أي نظام اقتصادي ، وأن علاج الشقاء في يد هؤلاء التعساء أنفسهم وان الالتزام الوكيد على الطبقات العليا من المجتمع ينحصر في تعريف الناس بالموقف الحقيقي .

"إن آراء مالتس هذه هي التي جعلت علم الاقتصاد يعرف باسم العلم القائم النظرة " (20) ، والحق أن تقبل نظرية مالتس ومثلها نظرية سمث وإضرابها ليس إلا جزءاً من ظاهرة فكرية أوروبية تستدعي الدهشة والعجب وتستوجب التعليل والتفسير : وهي ميل الفكر الأوروبي دائماً إلى اعتناق الأفكار الشاذة والنظريات اللاأخلاقية المتطرفة ، على الرغم من وفرة الأفكار والنظريات الأقرب إلى الاعتدال والموضوعية .

وهذه الظاهرة رأيناها – في الفصل السابق – في "الميكافيللية " ثم هنا وسنراها في "الماركسية " ثم في "الفرويدية" وكذلك بعض الاتجاهات الأدبية .

وهذا- في نظرنا – يعود إلى مرض متأصل في النفسية الجاهلية أكثر من كونه نتيجة طبيعية للأوضاع الفكرية والاجتماعية غير الطبيعية.

وعلى أية حال فقد كان لمالتس آثاره في العلوم الاقتصادية والاجتماعية لا يزال بعضها مثار نزاع الباحثين ، على أن أقوى أثر لمذهبه – جاء بطريقة عفوية – هو إيحاءه بقانون الانتقاء الطبيعي الذي بنى عليه "داروين" مذهبه في تطور الكائنات الحية ، وقد طغى هذا الأثر على غيره نظراً للانقلاب الفكري الذي أحدثته نظرية التطور (21) .

ومن ناحية أخرى يجزم "برتراند رسل "بأن "ماركس " سرق من مالتس نظريته في السكان (22) ، ويبدو أنه يعني بذلك الشعار الشيوعي المعروف "من لا يعمل لا يأكل " – في الوقت الذي تلعن الماركسية فيه مالتس عدو الطبقة الكادحة .

(ج)ريكاردو : يعد دافيد ريكاردو القطب الثالث من أقطاب الفكر الاقتصادي الكلاسيكي ، وكان يهودياً يملك شركة تحمل اسمه جعلته من كبار الأثرياء ، ولم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره (23) وهنا ينبغي أن نقف قليلاً .

(إن الربا الذي هو عماد الرأسمالية ولب نظامها ليلازم اليهودي ملازمة الظل لأصله وقد تكون الكنيسة على حق حينما اعتقدت أن كل المرابين يهود –كما سلف قريباً – واليهود لا يأكلون الربا ويحتكرون ضروريات الناس بدافع شهوة الذهب – التي يشترك معهم فيها سائر البشر – فحسب ، لكنهم يفعلون ذلك باعتباره واجباً دينياً يفرضه عليهم كتابهم المقدس "التلمود!" ضمن تعاليمه الصارمة تجاه الأميين .

من هذا المنطلق كانوا يتعاطون الربا الفاحش المشروط بأقسى الرهون كما في "تاجر البندقية " إلا أن دورهم ظل محدوداً حتى قامت الثورتان العلمية والفرنسية مع حركة الإصلاح الديني ، وابتدأ العصر الصناعي يمد ظله على القارة الأوروبية ، عندئذ انتهز اليهود مرحلة التحول الاجتماعي والاقتصادي ليخرجوا من "الجيتو " ويحطموا الكنيسة والإقطاع : الكنيسة لأنها عدوهم اللدود دينياً وكذلك اقتصادياً بسبب موقفها من الربا .والإقطاع لأن الملاك الإقطاعيين يستأثرون بحظ الأسد من الثروة لذلك كانوا محط حقد ومقت النفسية اليهودية الشرهة .

كما إن تحطيم المجتمع وتدمير بنيانه خطوة أولى نحو تحقيق هدفهم النهائي "استحمار البشرية " .هذا التحول منحهم فرصة القيام بدور المنافس القوي للملاك الإقطاعيين ، وذلك أن العهد الصناعي ابتدأ والمال محصور في يد طائفتين اثنتين هما : الأولى :الملاك الإقطاعيون سواء أكانوا من رجال الكنيسة أم من غيرهم. والأخرى :المرابون اليهود .

والصناعة تحتاج – بالدرجة الأولى – إلى الثروة لإدارة المشروعات الصناعية وتنميتها ثم يد عاملة لتنفيذها ، فأما اليد العاملة فقد كان للمذهب الطبيعي – السابق الذكر – الفضل في توفيرها بتركيزه على حرية العمل بحسبانها حقاً من حقوق الإنسان "الطبيعية " وأما المال فكان على رواد الصناعة أن يستقرضوه من إحدى الطائفتين وفعلاً مد هؤلاء أيديهم إليها يلتمسون ذلك .

وكانت النتيجة أن أحجم الملاك الإقطاعيون عن إقراض وتمويل المشروعات الصناعية بسبب ظاهر وهو أنهم بمد يد العون لها إنما يسهمون في هدم مركزهم المالي والاجتماعي بإيجاد منافس قوي لهم ، إذ أن نمو المصنع سيكون على حساب الأرض ، ومن ناحية أخرى كانت الصناعة لا تزال في مهدها وليس من المؤكد أن يتحقق ما يتوخى منها ، وهم ليسوا مستعدين للمغامرة في أمر مشكوك في عواقبه .

أما الفئة الأخرى "اليهود " فقد اندفعت لتمويل الصناعة ولم تر في ذلك شيئاً من المخاوف . وليس ذلك تكرماً من عبيد الذهب ولا هو قصر نظر منهم ، بل لأنهم كانوا واثقين من النتيجة ، فهم – أولاً – يريدون أن ينفثوا حقدهم على المجتمع الإقطاعي الزراعي – الذي يذلهم ويحتقرهم – بتهيئة المناخ لطبقة جديدة تتولى قيادته ، وتكون تحت رحمتهم وإشرافهم .

وهم ثانياً مطمئنون إلى نتيجة قروضهم فهي مكفولة بالرهون الثقيلة إلى جانب الأرباح الفاحشة .

هذا مع العلم لأن بعض أرباب المصانع كانوا يهوداً بأنفسهم ومنهم ريكاردو . وهكذا سقطت الصناعة تلقائياً في قبضة الذهب اليهودي ، وظل الزمن يزيدها استحكاماً حتى وصلت سيطرتهم الاقتصادية على العالم الصناعي إلى الحال التي يجهلها أحد اليوم ) (24) .

والآن لنعد إلى ريكاردو :

لقد خدم سمث اليهود بنزعه القيمة الاقتصادية الكبرى من "الأرض" إلى "العمل" لكن ذلك لم يقض على نفوذ الملاك الزراعيين ، فكان الأمر يستدعي نظرية "علمية"تدفع العجلة إلى الأمام بسرعة أكبر ، وكان الناس آنذاك مستعدين لتصديق كل ما هو "علمي" مبهورين به إلى أبعد حد .

وجاءت هذه النظرية على يد "اليهودي" ريكاردو :

يرى ريكاردو أن مسؤولية التفاوت الاجتماعي والأزمات الاقتصادية تنصب على ما أسماه "الريع" وليس على "الربح" . والريع هو المكسب الذي يحصل عليه مالك الأرض ، أما الربح فهو مكسب الصناعي الرأسمالي ، ويعلل ذلك معتمداً على نظرية سمث في إعطاء القيمة للعمل – بأن الريع ليس ثمناً للعمل ولكنه ناتج عن امتلاك مورد طبيعي للثروة .

وتمشياً مع "قانون الأجور الحديدي " الذي اقتبسه عن مالتس يرى ريكاردو أنه "حين يتقاضى الملاك أثمامناً أعلى لوسائل العيش فهم لا يستغلون العامل ولكنهم يستغلون صاحب العمل الذي يضطر إلى أداء أجور عالية لعماله ، بينما هو لا يستطيع أن يرفع من أثمان منتجاته ، لأنها تتحدد في سوق قوامها التنافس " .

ويذهب ريكاردو إلى أنه نتيجة لذلك فـ "إن الريع في جوهره عدوان على الربح وتميل الأرباح في الأجل الطويل إلى الهبوط حتى تصل درجة الصفر ، بينما يستولى ملاك الأراضي على الفائض الاقتصادي " .

وكانت أولى نظريته أن أقنع الرأسماليون الحكومة الإنجليزية بإلغاء القوانين التي سنتها للغلال وأفسحت المجال لاستيراد الغلال من الخارج فهبطت أرباح الملاك الزراعيين وكسدت سوقهم ، وفي الوقت نفسه انخفضت تكاليف الصناعة كثيراً واتخذ الرأسماليون من انخفاض سعر الغلال ذريعة لتخفيض أجور العمال . وبذلك ضربوا عصفورين بحجر واحد ،ووطدوا مركزهم على حساب المجتمع فنتج عن ذلك أزمات خانقة ذهب ضحيتها جموع غفيرة من العاطلين والمعدمين .

ومن ناحية أخرى تمادى ريكاردو فطالب بتأميم الأراضي أو فرض الضرائب الباهضة عليها ، ومن هنا سقط في خطأ غير مقصود إذ أنه نبه الاشتراكيين الأوائل إلى هذه الفكرة مما جعل نتيجتها تكون على عكس رغبة الرأسماليين ورغبة ريكاردو (25)


=

…***… الأثر العام للمذهب الكلاسيكي …***…

=

هرب الطبيعيون من إله الكنيسة والتجأوا إلى (الطبيعة) يلتمسون الحق والعدل في قوانينها الأبدية ! وأخيرا" اكتشفوا أنهم كانوا يتعلقون بالوهم ، إذ أن هذا الإله الأخرس الأعمى يستطيع كل أن يقول باسمه ما يشاء ولا حرج .

وبدأ الكلاسيكيون من حيث انتهى أولئك ، وأخذوا ينقبون عن معايير ذاتية مصلحية قالوا أول الأمر أنها تساير قانون الطبيعة ، ثم تنوسيت هذه العبارة وأصبحت المنفعة المادية ذاتها هي القانون والهدف ، وإذا كان لابد من وضع شعار للسياسة الاقتصادية لديهم فهو "تحقيق أكبر ربح بأية وسيلة" أي أنها كانت "ميكافيللية" اقتصادية" بالفعل .

ومنذ ذلك الحين جرد الاقتصاد تجريداً كاملاً واعياً من أي مؤثر أو صبغة دينية بل أخلاقية . ورسمت له دائرة مستقلة تستقي أحكامها ومناهجها النظرية والعملية من مصادر ذاتية خاصة . واختفت من موازين الاقتصاد ومباحثه كل كلمة من كلمات الحق والعدل المجردين فضلا" عن الحلال والحرام ، وأصبح الباحثون يختلفون حول القضية من قضايا الاقتصاد وتتضاد آراؤهم نفياً وإثباتاً في حدود الدائرة الاقتصادية المحصورة ، ولو فرض أن أحداً دعم رأيه بأن هذا التصرف أو ذاك يحرمه الدين فإن موجة من السخرية والاستهجان ستغمره وسيجد نفسه في موقف رجعي للغاية . ذلك أن الجاهلية الغربية قد اقتنعت تماماً بأن الدين – إن كان – شئ شخصي لا علاقة له بشؤون الحياة إطلاقاً .

وهنا نلتمس الحقيقة الواحدة المتكررة وهي أن الجاهلية الأوروبية ترفض رفضاً باتاً أن تتلقى عن الله أي شرع وتصر على عبادة طواغيتها المتأهلين مهما أذاقوها من ألوان النكال .

وتلك هي بداية الانحراف وأساسه وما لم تقتنع أوروبا بتعديل موقفها هذا فإن التباحث معها في الفرعيات والجزئيات عبث لا طائل تحته .

وعلى أية حال فإن المذهب الكلاسيكي بتبنيه لشعار "تحقيق أكبر ربح بأية وسيلة" قد أنتج مشكلتين خطرتين للغاية :

1-قيام اقتصاد عالمي يجعل الربا والاحتكار اللذين حرمتهما الشرائع قاطبة عموده الفقري وموضوعه الرئيسي ، مما ينذر بكارثة محققة على البشرية وقد ظهرت فعلاً أعراض الكارثة وعواقبها الوخيمة جلية فيما بعد عندما قبض المرابون على ناصية الدول وسخروا سياساتها وخططتها لخدمة مآربهم الخاصة .

2-وضع الشعوب التي طبق عليها المذهب على حافة هاوية من الجوع والبطالة والأزمات الخانقة في عصر لم يكن للفقراء فيه أي تنظيم أو مقدرة على الضغط للمطالبة بحقوقهم . وهذه في الواقع مشكلة نشأت نتيجة حتمية للمشكلة الأولى .

ولنضرب مثالا" لذلك بالدولتين الغنيتين في القرن الماضي "إنجلترا وأميركا" : ففي إنجلترا – أسبق الدول إلى الثورة الصناعية – وصل عامة الناس والعمال منهم خاصة إلى درجة من البؤس والفاقة والتسخير لا تكاد تصدق .

كان النساء والأطفال يعملون في مناجم الفحم ويجرون العربات في دهاليز ضيقة تحت الأرض مدة 16 ساعة يومياً نظير أجور زهيدة ، وكذلك كانت معامل النسيج والمصانع الأخرى تسخرهم بالعمل المرهق في أماكن غير صحية ولا تعطيهم إلا الكفاف من الرزق(26) وكل البحوث التي تناولت موضع الثورة الصناعية كشفت هذه الحقيقة بل إن أثرها ليبدو في الأدب الإنجليزي إذ نجد "ديكنز" كبير الروائيين الإنجليز يتعرض لحال الملاجئ والفقراء في رواية "أوليفر تويست" ، ويجعل موضوع روايته الأخرى "أوقات عصيبة" هو مشكلة النزاع بين أصحاب المصانع والعمال والأضرار الاجتماعية الناجمة عن الثورة الصناعية (27) .

فإذا انتقلنا إلى أميركا رأينا أيضاً حالة مزرية تحدث عنها من يسمون "المصلحين" قائلا" :

"إننا جميعاً في الشمال والجنوب نعمل في تجارة الرقيق الأبيض ، وبقدر نجاح الشخص فيها يزداد احترامه ، وهذه التجارة أشد قسوة من تجارة الرقيق الأسود لأنها تفرض مزيد من العمل على عبيدها ، في الوقت الذي لا تحميهم فيه ولا تسوسهم برفق تفاخر بأنها تفرض المزيد .

"نعم إنه "العامل" بعد انتهاء عمل اليوم يصبح حراً إلا أنه يظل يرزح تحت عبء العناية بعائلته وبيته مما يجعل حريته سخرية جوفاء باطلة في حين يبقى رب العمل حراً بالفعل ويستطيع أن يتمتع بالأرباح التي جناها من عمل الآخرين دون اهتمام بمصلحتهم "ورفاههم" "ولا عجب من أن يفضل الناس العبودية البيضاء ، أي عبودية رأس المال – على عبودية الزنوج طالما أنها تدر ربحاً أكثر وتحررهم من جميع المسئوليات والأعمال التي يقوم بها مالكو العبيد الزنوج … (28) .

وهكذا دفعت الجاهلية الغربية الثمن غالياً وانتقلت إلى عبادة طاغوت جديد لا يقل بشاعة وإذلالاً عن طاغوت الإقطاع .

واقتضت سنة الله ألا تدوم فرحة الرأسماليين طويلاً فقد كانت تصرفاتهم الجشعة واستغلالهم الشره تضرم الحقد في القلوب وتؤجج نار العداوة ضدهم وانبعثت الشرارة الأولى على يد المفكرين الجماعيين وبلغت ذروتها في الضغينة الماركسية .

3-المذهب الاقتصادي الشيوعي :

مقدمة عن مصادر الفكر الشيوعي : في مقابل التطرف الذي اتخذه الطبيعيون والرأسماليون الكلاسيكيون نحو الفردية ، تطرف طائفة أخرى فاتجهت اتجاهاً جماعياً لا يقيم للفرد وزناً إلا من جهة كونه مسماراً في الآلة الاجتماعية .

والتاريخ يرى أن الفكر الجماعي قديم في أصله وأن عصر التنوير ينحصر جهده في بعثه من جديد ، كما أن الشيوعية قد طبقت عمليا" قبل ماركس وأنجلز بقرون طويلة ، فنحن نجد "جمهورية أفلاطون" تشكل نظرية عن أمة تسودها رو جماعية خالصة يذوب فيها الفرد داخل كيان المجموع كما نرى في الحركة "المزدكية" (29) نموذجاً لمجتمع شيوعي تطبيقي .

والحق أن الجاهلية – كعادتها الدائمة في التذبذب والتطرف – قد عانت – ولا تزال – مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع ولم تهتد إلى حل وسط لها وأنى لها ذلك ، ففي أوروبا الحديثة كان الواقع الذي نجم عن تطبيق المذهب الفردي الحر دافعاً لبعض النوايا الحسنة إلى فكرة تنظيم المجتمع على أساس من عدالة التوزيع سميت لأول مرة "الاشتراكية" . وترجع نسبة هذه الفكرة إلى عدد من الباحثين وأبرزهم "روبرت أوين" و"سان سيمون" و "فورييه" وهم طليعة المفكرين الاشتراكيين في الغرب ، والشيوعية تسمى اشتراكيتهم "الاشتراكية الطوبوية" لأنها تميل إلى الخيال أما اشتراكية ( ماركس ) فهي الاشتراكية "العلمية" الوحيدة في التاريخ ‍‍‍.

ومع ذلك فالشيوعية الماركسية تدين لهم بالفضل وتقر بأثرهم عليها ، يقول أنجلز : "إن الاشتراكية النظرية لن تنسي قط أنها قامت على أكتاف سان سيمون وفورييه وأوين ، ثلاثة رجال رغم كل مفاهيم الخيالية وكل طوبياتهم يقفون بين أعظم المفكرين في كل العصور ، والذي تنبأت عبقريتهم بالكثير مما نثبت نحن صحته علماً(30) وذلك هو المصدر الأول من مصادر الفكر الشيوعي . والمصدر الثاني هو "الفلسفة المثالية الألمانية" التي أخذت عنها الشيوعية الكثير ، لا سيما المبدأ الرئيسي "الجدلية" الذي ميز المادية الشيوعية عن الماديات الأخرى . يقول أنجلز :

"إن الاشتراكية العلمية الألمانية – وهي الاشتراكية العلمية الوحيدة – التي وجدت على الإطلاق – ما كان يمكن أن توجد دون الفلسفة الألمانية التي سبقتها ، وخاصة فلسفة هيجل" (31) .

أما المصدر الثالث – وهو المصدر الذي حول الشيوعية من فكرة فلسفية محضة إلى نظرية مصطبغة بالصبغة العلمية – فهو نظرية داروين .

فعندما قال ماركس "أن الظواهر الاقتصادية يمكن ملاحظتها وتسجيلها بنفس الدقة التي تسجل بها العلوم الطبيعية" فإنما كان يشير إلى هذه الحقيقة .

وذلك ما أوضحه أنجلز بقوله "كما أن داروين اكتشف قانون التطور في تاريخ الإنسان الطبيعي ، فكذلك اكتشف ماركس قانون التطور في تاريخ البشرية" .

ويعلق داونز على ذلك قائلا" :

"كانت الطريقة العلمية التي أشار إليها "ماركس" في أبحاثه عاملا" في تقبل الجمهور لآرائه ، إذ كانت تسيطر على أذهان الناس التطور في القرن التاسع عشر بدرجة اعتقدوا معها إمكان تطبيقها على كل مظاهر الحياة ، فلما ربط ماركس نظريته التاريخية في تنازع البقاء بين الطبقات وبين نظريات داروين في التطور ضمن لها الاحترام العلمي الذي أبعدها عن الطعن والتشكك" (32).

وهكذا يظهر أن المذهب الشيوعي تصور شامل للوجود وحركة التاريخ ملفق من أشتات فكرية منوعة : فالإطار الفلسفي مأخوذ عن الهيجلية بعد قلبها رأساً على عقب .

والمنهج التطبيقي منقول عن الداروينية مع إضافة إيحاءات فلسفية خاصة ، ونظرية القيمة وفكرة التأميم منقولتان عن ريكاردو ، كما أنها استوحت من سان سيمون ومالتس بعض النظريات المتعلقة بالملكية والعمل ، أما الإلحاد فمأخوذ من فيورباخ ودولباخ والماديين الميكانيكيين عموماً .

والغريب حقاً هو أن الشيوعية تلعن هؤلاء جميعاً – كما قال رسل – وتتبرأ من أفكارهم الرجعية البورجوازية (33) . والحق أن هناك مصدراً مهماً للشيوعية قل من يشير إليه وهو التراث السهودي والنفسية اليهودية ذاتها ، وهو يتجلى في العبودية الخانعة للمال والتألية الأحمق للمادة وكذلك في الحقد المضطرم على البشرية وكل قيمتها وتراثها ومقدساتها (34) .

ومما يجدر التنبيه إليه أن الشيوعية – فكرة وحركة – لم تكن لتحظى بالقبول مع تطرفها إزاء الأديان والخلق ومصادمتها للفطرة لولا الجو الأوروبي المشحون بالضيق والتبرم من الكنيسة والطائفة الكهنوتية العليا ، تلك التي أضافت إلى الطغيان والتحكم وقوفاً مستمراً مع الاستغلاليين والمحتكرين ضد البائسين . مع الخرافات والأساطير ضد العلم والرقي المادي واستطاعت الشيوعية استغلال الغضبة الهائجة والنفاذ إلى عقول السذج فوجهت العداوة العارمة على الكنيسة إلى ثورة هوجاء على الدين ذاته .

  • * *

إن دراسة الاقتصاد الشيوعي بمعزل عن الفلسفة الشيوعية في إطارها العام ليس إخلالاً بالموضوعية فحسب ، بل هو ضرب من إضاعة الجهد فيما لا طائل تحته لا سيما إذا كان الهدف من الدراسة إيضاح نوع علاقة هذا الاقتصاد بالدين .

والواقع أن مؤلفات الإلحاد الشيوعي هي كتب اقتصادية شيوعية ، كما أن الكتب الاقتصادية الشيوعية هي كتب إلحاد بالدرجة الأولى ، بحيث لا يمكن الفصل بينهما ولذلك كان لابد من عرض المذهب الاقتصادي للشيوعية ممزوجاً بفلسفتها العامة .

وتبدأ نظرة الشيوعية إلى الدين في التميز عن سواها من أول نقطة على الطريق ، من الإلحاد ذاته فالشيوعية تصر على أن لها إلحادها الخاص وهو في نظرها إلحاد "إيجابي" يقول "غارودى" :

أما الإلحاد الماركسي" فهو في جوهره إنسي (أي إنساني النزعة) منطلقة ليس رفضاً بل هو تأكيد ، تأكيد استقلال الإنسان ، أما نتيجته فهي رفض كل محاولة لحرمان الإنسان من قدرته المبدعة والمبدعة لذاتها" .

ثم يقول في تفصيل ذلك : "إن ما يميز الإلحاد الماركسي البحت هو أنه على خلاف سابقيه ، لم يكتف باعتبار الدين خديعة فحسب ، اصطنعها المستبدون أو مجرد وهم ولده الجهل بل إن ماركس و أنجلز قد بحثا عن الحاجات الإنسانية التي تلبيها الأديان بهذه الصورة المخادعة ، فوصلا – كما يقول ماركس – إلى أن الأديان هي في وقت واحد : انعكاس لشقاء فعلي واحتجاج على هذا الشقاء .

"هذه الحقيقة التاريخية ( أن الدين انعكاس لشقاء فعلي) هي التي يلخصها ماركس في تعبير مقتضب "الدين أفيون الشعوب" (35) .

وجرياً مع المادية الجدلية وتطبيقاً للتفسير الاقتصادي للتاريخ حول علاقة الفكر بالوجود ترى الشيوعية أن الفكر البشري انعكاس للواقع المادي ، فالمادة هي الأساس الوحيد وعنها ينبثق الفكر وتنبثق المشاعر والأحاسيس ، ومن هذه المشاعر الدين نفسه .

أي إن وجود الناس هو الذي يحدد مشاعرهم وليس العكس .

وعند تفسير الدين على هذا الأساس يقول أنجلز : "من الأزمنة الموغلة في القدم – إذ وصل الفكر بالناس – وهم بعد في جهل تام ببنياتهم الجسدية الخاصة ، وتحت تأثير أحلامهم – إلى القول بأن أفكارهم وأحاسيسهم ليست من فعل أجسادهم ذاتها ، بل من فعل روح خاصة تسكن هذا الجسد وتفارقه لحظة الموت ، منذ ذلك الحين اضطروا لأن يصطنعوا لأنفسهم أفكاراً عن علاقات هذه الروح مع العالم الخارجي .

"وعلى هذا النحو تماماً – عن طريق تشخيص القوى الطبيعية – ولدت الآلهة الأولى التي اتخذت خلال التطور اللاحق شكلاً غير أرضي أكثر فأكثر ، إلى أن حدث أخيراً عملية تجريد … فنشأ على نحو طبيعي خلال التطور العقلي، أن تولدت في عقل الناس من الآلهة المتعددين ذوي السلطة الضعيفة والمقيدة بعضهم حيال بعض ، فكرة الإله الواحد المنفرد في الديانات التوحيدية" (36) .

ومع ذلك يستنتج أنجلز أن المطالب الجسدية هي منشأ الاعتقادات الفكرية وأن الدين ما هو إلا "الانعكاس الخيالي للأشياء البشرية في دماغ الإنسان" (37) . وما دام أن الوضع الاقتصادي هو الذي يفسر ويحدد المطالب الجسدية فإن النتيجة هي أن الدين ناشئ عن الأوضاع الاقتصادية ولا ينبغي أن يفسر إلا على ذلك : "أما المجالات الأيدلوجية التي تحوم أعلى في الفضاء كالدين والفلسفة الخ فإنها مؤلفة من بقية – تعود إلى ما قبل التاريخ ، وقد وجدها العهد التاريخي أمامه فالتقطها – لما قد نسميه اليوم غباء ، إن هذه التصورات المختلفة الخاطئة عن الطبيعة وعن تكون الإنسان ذاته ، وعن الأرواح وعن القوى السحرية وهلم جرا ليس لها في الأغلب غير أساس اقتصادي سلبي ، فالتطور الاقتصادي الضعيف لعهد ما قبل التاريخ تكون فيه … تصورا خاطئة عن الطبيعة" (38) .

إذن فالاقتصاد – أو البحث عن الطعام والشراب – هو منبع كل عقيدة وتصور وأساس كل مبدأ وقيمة ، بل إن الشيوعية لتطبق ذلك على كل معنى وسلوك إنساني : على العلم والحرب … على المشاعر والفنون … على العلاقات الاجتماعية … على كل شئ فالعلم – مثلاً ليس أصله الرغبة الفطرية في اكتشاف الحقيقة – فليس في قاموس الشيوعية شئ اسمه الفطرة ولكنه كما قال أنجلز : "إذا كانت العلوم قد نهضت فجأة بعد ليل القرون الوسطى المظلم بقوة لا ريب فيها ، ونمت بسرعة المعجزة ، فإننا مدينون بهذه المعجزة الجديدة للإنتاج" (39) .

وعن الحروب تقول الشيوعية : "إن ما يسمى بالحروب الدينية … كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية ، فقد كانت هذه الحروب حروبا" طبقية تماما" … ورغم أن الصراعات الطبقية كانت عندئذ مغلفة بشعارات دينية ، ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف ستار ديني فلم يبدل هذا شيئاً من الأمر ، ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام" (40) .

وتقول عن الأخلاق : إن الناس عن وعي أو لا وعي يستمدون مفاهيمهم الأخلاقية – في التحليل الأخير – من العلاقات العملية التي يقوم عليها وضعهم الطبقي ، أي من العلاقات الاقتصادية التي ينتجون بها ويتبادلون فيها (41).

وليس أغرب من هذه الأفكار إلا قول أنجلز "إن العمل هو الذي خلق الإنسان" وليس الإله كما يقول الرجعيون من البورجوازيين والإقطاعيين ‍، وحتى لا نحسن الظن فنحمل كلامه على المجاز فقد شرح هذه العبارة شرحاً وافياً – نرى فيه إلى جانب الاستنباط العجيب الاستمداد الساذج من الداورينية – يقول :

"منذ مئات عدة من ألوف السنين … كان يعيش في مكان ما من الدائرة الاستوائية … عرق من القردة الشبيهة بالبشر بلغت تطوراً رفيعاً بوجه خاص ، وقد أعطانا داروين وصفاً تقريباً لهذه القردة التي قد تكون أسلافنا .

"وقد أخذت هذه القردة – متأثرة بالدرجة الأولى دون شك بنمط – معيشتها الذي يتطلب أن تنجز الأيدي من أجل التسلق غير وظائف الأرجل – أخذت تفقد عادة الاستعانة بأيديها من أجل السير على الأرض واتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية ، وهكذا تم اجتياز الخطوة الحاسمة لانتقال القرد إلى إنسان" (42) .

وإذا كان الاقتصاد بهذه المثابة فلماذا اعتقد الناس أن شيئاً آخر غيره هو الذي يسير التاريخ وينشئ الأفكار ؟ وكيف غابت هذه الحقيقة عنهم حتى أظهرها فلاسفة الشيوعية ؟ يجيب الشيوعيون عن ذلك بسهولة قائلين : لا غرابة في ذلك فإن الإنسان أصله قرد وظل يجهل هذه الحقيقة ظاناً أن العناية الإلهية هي التي خلقته حتى عرف ذلك أخيراً .



ويعبر أنجلز عن ذلك قائلا" : "ينسى الناس أن الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق التي لديهم ، مثلما أنهم نسوا أنهم قد نسلوا من عالم الحيوان" (43) .

وانطلاقاً من تأليه الاقتصاد على هذا النحو وانطلاقاً من اعتبار تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام ، ومن الانتكاس بالإنسان وجعل معدته هي العليا وروحه وعقله السفلي – جاء في التفسير الاقتصادي للتاريخ ، وهو تفسير يقوم على مبادئ نظرية أهمها :

1- حتمية الصراع بين المتناقضات : وذلك يعني بالنسبة للمجتمع البشري الصراع بين الطبقات ، وبين المصالح المادية المتعارضة ، وهو صراع حام لا يهدأ على الإطلاق ، وسببه الوحيد "البحث عن الطعام "وامتلاك وسائل الإنتاج "وقد آمن فلاسفة الشيوعية بحتمية الصراع هذه تطبيقاً للفلسفة الجدلية المثالية لهيجل على الواقع المادي . وملخص هذه الفلسفة أن كل شيء يحمل معه نقيضه المضاد له ، وبالصراع بين النقيضين يتولد بينهما أقوى منهما ، ثم لا يلبث هذا الجامع أن يدخل – بعد أن يصبح قوة ثالثة – في صراع مع نقيضه الذي يحمله معه ، وهكذا دواليك .

2- في أثناء البحث عن الطعام : على مدار التاريخ ، إنقسم تاريخ البشرية خمس مراحل كبرى اقتبستها الشيوعية من موريس مورجان " وهي :

1-الشيوعية الأولى "البدائية" . 2-الرق (العبودية) . 3-الإقطاع . 4-الرأسمالية . 5-الشيوعية الثانية والأخيرة (44) .

3-الانتقال من مرحلة إلى أخرى سببه الدائم اكتشاف مادي نشأ عن تحول جديد في وسائل الإنتاج : فاكتشاف الزراعة – مثلاً – نقل البشرية من المرحلة الأولى إلى مرحلة الرق ، واكتشاف المحراث نقل المجتمع البشري من الرق إلى الإقطاع ، واكتشاف الآلة كان الناقل من الإقطاع إلى الرأسمالية .

4-الانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتمي لا إرادة لإنسان فيه :إن المبادئ الثلاثة السابقة نظرية بحتة أما هذا المبدأ وما بعده فتطبيقيه ومن هنا كان اهتمام الشيوعية بهما ودفاعها عنها .

وهذا المبدأ "الحتمية" شرحه أنجلز في كتاب "لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية"(45) وذكر كيف أن الشيوعية تعمدت معاكسة هيجل في دعوى أن أفكار الناس هي التي تنشئ واقعهم – أي أن الإرادة البشرية هي التي تغير الواقع الحيوي – وأوضح أنجلز أن سبب القطيعة بينهم وبين هيجل والمثاليين هي ما أسماه "الثلاثة الاكتشافات عن الطبيعة" :

1-اكتشاف الخلية كوحدة تتطور بدءاً منها العضوية النباتية والحيوانية كلها عن طريق التكاثر والتباين .

2-اكتشاف تحول الطاقة الذي بين لنا أن كل ما يسمى بالقوى الفاعلة بالدرجة الأولى في الطبيعة غير العضوية … إنما هي جميعاً تجليات مختلفة للحركة الشاملة المتنقلة من الواحدة إلى الأخرى وفق بعض النسب الكمية .

3-البرهنة الإجمالية التي تحققت للمرة الأولى على يد داروين ، والقائلة أن جميع العضويات الطبيعية المحيطة بنا الآن ومنها الناس إنما هي نتاج عملية تطور طويلة … " (46) .

وواضح أن الجبرية الشيوعية منقولة بحذافيرها عن الداورينية كما أسلفنا فالإنسان – في الداورينية – خضع دون وعي منه ولا إرادة لعملية التطور البطيئة الطـويلة التي قذفت به إلى وضعه الراهن دون أن يكـون له يد في ذلك (47) .

5-الانتقال من مرحلة إلى مرحلة يصحبه تغير حتمي في الأفكار والمعتقدات والسلوك :

هذا المبدأ من أخطر المبادئ الفلسفية الشيوعية ، وهو مبني أساساً على فكرة التطور المطلق التي أوحت بها الداورينية كما سبق ، وتطبيقاً لهذا المبدأ ترى الشيوعية أن لكل طور تاريخي دينه وأخلاقه وتقاليده وعلاقاته المنبثقة من وضعه الاقتصادي ، فإذا ما انتقل إلى طور أخر تغير كل ذلك تغيراً حتمياً تبعاً لتغير الطور الاقتصادي (48) .

يقول أنجلز : "منذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة كان لابد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة : لا تسرق ! فهل يعني أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية ؟ كلا، أبداً .. ففي مجتمع أزيلت منع دوافع السرقة حيث السرقات وبالتالي لا يمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود أن يعلن على رؤوس الأشهاد الحقيقة السرمدية : لا تسرق .

"ولهذا فإننا نرفض كل طمع بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدي نهائي لا يتزعزع بعد اليوم بذريعة أن لعالم الأخلاق هو أيضاً مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية .

"فنحن نؤكد – بالعكس – أن كل نظرية في الأخلاق حتى اليوم إنما كانت في التحليل الأخير نتاج الوضع الاقتصادي للمجتمع في أيامها ، كما أن المجتمع قد تطور حتى اليوم ضمن تعارضات طبقية فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقاً طبقية : إما أنها كانت تبرر سيطرة ومصالح الطبقة السائدة ، وإما أنها كانت منذ أن تصبح الطبقة المضطهدة على جانب من القوة – تمثل الثورة على هذه السيطرة ومصالح المستقبل للمضطهدين" (49) .

ويقول ماركس : "ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الإنتاجية ولدى تحقيقنا لقوى إنتاجية جديدة يغير الناس نوع الإنتاج ، وعند تغييرهم لنوع إنتاجهم وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم فإنهم يغيرون كل العلاقات الاجتماعية (50) وبناء على ذلك يعتقد الشيوعيون أن هناك أخلاقاً وتقاليد زراعية إقطاعية ، وأخرى برجوازية وثالثة شيوعية ، تختلف كل منها عن الأخرى وإن الدين وليد البيئة الزراعية وجزء من غيبتها ، كما أن الإلحاد هو سمة البيئة الصناعية وعقيدتها ، ومثل الدين الأسرة والعرض بصفة خاصة ، وليس أكثر رجعية من إنسان يعيش في المجتمع الصناعي بدين وأخلاق المجتمع الزراعي فمثل هذا الإنسان جدير بأن تلصق به الشيوعية أقذع النعوت وأمر الهجاء بل ستسحقه الحتمية القاهرة .

هذا على الصعيد الفلسفي ، أما على الصعيد التطبيقي فإن الشيوعية تحصر الشرور كلها – منذ بدء الخليقة إلى الآن – في علة واحدة هي "الملكية الفردية" ولذلك فإنهم يؤمنون إيماناً أعمى بأن القضاء على الملكية الفردية وقبض الدولة على وسائل الإنتاج كفيل بتحقيق الجنة الأرضية وإزالة كل الشرور والمساوئ التي يعج بها التاريخ ولا تستثنى الشيوعية الجنسية والإباحية المطلقة هدف صريح من أهداف الثورات الشيوعية في كل مكان ، فالزواج ينتج الأسرة والأسرة في نظرهم أعدى أعداء المجتمع اللاطبقي ، لأنها تحتم على المرء أن يتملك ويدخر ، والملكية الفردية تقليداً إقطاعي استغلالي إن لم يتم القضاء عليه انتكس المجتمع إلى طور تاريخي أدنى !

  • * *


خاتمة حول وضع الدين في المجتمع الشيوعي :

أصبح جلياً بعد العرض الموجز للمذهب الشيوعي أن نعرف موقف الشيوعية من الدين بوضوح :

فهي مبدأ ينكر – دون تحفظ – أن يكون لهذا الكون إله ، وعبارة "لا إله والحياة مادة" ليست شعاراً مجرداً بل مادة دستورية في قانون الاتحاد السوفيتي. والدين في نظرها أوهام وخيالات انعكست عن الوضع الاقتصادي أو وضعها المحتكرون من الطبقات العليا ليخدروا الكادحين المنكوبين ، فيستأثروا بكل شئ في الدنيا ويعدوهم بالعوض في الآخرة ، ومن هنا وجبت عليهم محاربته والنضال في سبيل القضاء عليه لتحرير المجتمع من الاستغلال والتحكم الطبقي !

ثم هو فوق ذلك ليس أمراً فطرياً في الإنسان منذ وجد وإلى أن تنتهي الدنيا ، بل هو أمر عرضي في التاريخ جاء لتلبية رغبة فئة من الناس في مرحلة من مراحل التطور التاريخي للبشرية ، وهي مرحلة جاوزتها البشرية ابتداء من اكتشاف الآلة فمحاولة التمسك به بعد ذلك انتكاس وعبث يثير الازدراء والاشمئزاز .

أما الأسرة والزواج والأخلاق والفضيلة … فهي كلها "هراء برجوازي" ! كما أن الحق والعدل الأبديين كلام فارغ ، ولا وجود لشئ من ذلك إلا في مخيلة المثاليين وأوهامهم .

والدول الشيوعية تتبنى رسمياً محاربة الدين ، وتدوس الإلحاد والمادية كما يدرس المؤمنون دينهم ، وتبذل كل وسائل التنفير الدعائي والاضطهاد المباشر لاستئصال جذور الدين من مجتمعاتها ، واجتثاث ما بقى لديها من رواسب الخلق والفضية .

ويرى الشيوعيون أن الإنسان الذي يسهم في هدم الأوهام الإقطاعية ويبث الوعي الإلحادي في صفوف الطبقة الكادحة هو إنسان مناضل شريف ، يعمل لتطوير بلاده وتنوير شعبها ، وعلى العكس من ذلك أي داعية أخلاقي أو مصلح اجتماعي فهو حجر عثرة في سبيل الرقي وأداة للإمبريالية العالمية ، وعميل للبرجوازيين والرجعيين ، بل إن كل من يخالف سياسة الحزب الشيوعي ولو مخالفة سلبية بطريقة الصمت هو عدو للطبقة الكادحة وعميل للقوى الاستغلالية فإذا شم من صمته رائحة الإيمان بدين ما فقد عرض نفسه لعقوبة أدناها العمل سخرة في المعسكرات التأديبية مدة كافية لإذابة كل الأفكار الرجعية من دماغة .

والنظرية الشيوعية دين رسمي متعصب لا يقبل الجدل ولا يسمح بالمنافسة وكل شئ في الدولة الشيوعية لابد أن ينبثق من العقيدة الماركسية ويتمشى معها : فالعلم يجب تسخيره لتثبيت الفكر المادي والمناداة بأزلية الكون ومادية الحياة . والأدب والفن لابد أن يلتزما بما سمي "الواقعية الاشتراكية" ووسائل الإعلام شغلها الشاغل تمجيد النظرية وإطراء النظام والإطناب في شرح إنجازات الثورة ، والتشهير بمخالفيها .

وهكذا في كل شئ تريد الشيوعية أن تفرض عقيدة ونظام حياة ومصدر تشريع وأساس علم وفكر وفن وأدب ، فهي فكرة جاهلية متكاملة تقابل تماماً الدين بمفهومه الحقيقي الشامل ، وتريد أن تحل محل العقيدة الدينية في مجالات الحياة ونشاطاتها .


… ***…***…***…***…***…




× ثالثاً – الواقع المعاصر للجاهلية الحديثة

كفرت أوروبا بالله وعبدت المادة ، وألقت بالزهد المسيحي وأمنت الشره اليهودي ، ورفضت أن تخضع نظمها الاقتصادية للهفى أية صورة من الصور ورضيت بعبادة فلاسفة الاقتصاد والحكم بماتمليه أهواؤهم ، فكان لزاماً عليها أن تدفع ضريبة ذلك من أمنها وطمأنينتها ، وأن تنتكس إلى مستوى الحياة البهيمية وأن – يذيقها جلادوها أقسى أنواع النكال وأفظع صنوف التعذيب .

وما الأمراض الاجتماعية المزمنة والتهالك الأحمق على المادة والضياع المرعب والقلق الذي يخيم على الوجوه ، إلا أعراض طبيعية لعبادة غير الله بغير ما أنزل الله ، لا سيما عبادة المادة وطواغيتها حيث نسي الإنسان وأظلم قلبه وتبلد إحساسه لحساب المعدة والجسد وغرق في المتاع الحسي حتى غفل عن حكمة خلقه وسر وجوده ومصيره المحتوم في الدار الآخرة .

يقول الأستاذ "محمد أسد" :

"إن الأوروبي العادي سواء عليه أكان ديمقراطياً أم فاشياً رأسمالياً أم بلشفياً صانعاً أم مفكراً ، يعرف ديناً إيجابياً واحداً هو التعبد للرقي المادي ، أي الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر و كما يقول التعبير الدارج "طليقة من ظلم الطيبعة" إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء ، وأما كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران ، وإن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح لبلوغ القوة والمسرة ، وذلك بخلق جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح ومصممة على أن يفني بعضها بعضا" حينما تصادم مصالحها المتقابلة .

"أما على الجانب الثقافي فنتيجة ذلك خلق نوع بشري تنحصر فلسسفته الأخلاقية في مسـائل الفائـدة العملية ، ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي" (51) .

1-في الغرب الرأسمالي :

إن كثيراً من المفكرين في الغرب قد راعهم التناحر المادي وسيطرة الآلة على الإنسان وكان ذلك "موضوع جزع شديد عند بعض لأكابر من رجال الفكر ، فجورج برناسوس مثلاً يرى في طغيان ذلك العملاق الميكانيكي الرهيب "مؤامرة كونية كبرى على كل حياة داخلية" ثم هذا جول رومان يهوله التباين – الشاسع بين ارتفاع منحنى التكنيك وانخفاض منحنى المؤسسات الاجتماعية مع بقاء الطبيعة البشرية دون هذا وذاك ثابتة على خط بياني واحد ، فيبقى واجما" مكفهر الوجه ، منقبض النفس أمام معضلة المنحنيات الثلاثة . وآلبر كامو يتحيف به اليأس عندما يدرك ما استولى علينا من كابوس الخوف والهلع مرده أننا "نعيش في عالم لا ينفع فيه الإقناع تجاه أناس وثقوا وثوقاً أعمى بآلاتهم وبآرائهم" .

وعبر بعضهم على ذلك قائلا" : "لا ترون إلى النظام الصناعي الحاضر كيف جعل من سواد الكادحين سوائم تسير بفعل الغريزة العمياء بدلاً من أن تكون أناسي من آدم كرمها الله باستعمال الذكاء … ناس كانعام أصبحوا عبيداً للآلات" (52) .

ويقول الفيلسوف "جود" : "إذا لم نكن على يقين في شأن من الشؤون فإن مذهب الاستمتاع بالحاضر واليقين بزوال الحياة بعده مذهب تتمسك به الأجيال المعاصرة أي تمسك وهو يرسم لها طريقاً عملياً محدداً في العيش والحياة ، ومهما يعني هذا الاتجاه للحكيم المجرب فإنه يستتبع بالنسبة لشباب هذا العصر الاستخفاف بالنواحي والقيود التي كانت محور الأخلاق ومدارها والخلاص منها في القرن التاسع عشر ، وكذلك فقدت النواهي الأخلاقية التقليدية قوتها المألوفة بعد أن زال سندها من سلطان مافوق الطبيعة ، وكنا نسمع أننا ينبغي لنا عمل الخير لأن الخير يرضى عنه الله ، والله تعالى يحب أن يرى عبده صالحا" علىخط من القناعة والاعتدال في حياته . ومادامت ممارسة الفضيلة مقصودا" منها كسب رضى الله فإن المرء يحار هل الدافع إليها الظفر بنعيم الجنة أو إنه الغربة في الخلاص من الجحيم المقيم ، ولم يعد للطمع بثواب النعيم في الآخرة أو الوعيد بعقابها تلك القوة التي كانت لها قبلاً ، فكثيراً من الناس يستخفون بذلك ، ماداموا لا يطمعون بنعيم الجنان وملذاتها فهم ينغمسون في نعيم هذه الدنيا وملذاتها" (53) .

أما الباحث "توني" فإنه يتحدث عن التفكك الذي طرأ على الحياة الغربية نتيجة الإيمان وإقصاء الدين عن شؤون الحياة و"يبين بوضوح التمييز بين المجتمع الوظيفي الذي يعرف فيه كل فرد مكانه وقيمته وقيمة عمله لصالح المجموعة وبين المجتمع المتفكك الذي لا يجد فيه سعادة لا في عمل مضمون ولا في قيمة شخصية ثابتة ويوضح أن النجاح في المجتمع المتفكك يقاس بالحصول على الثروة أكثر من المسؤولية الشخصية أو أي معيار آخر للقيمة الاجتماعية ويقول : كانت الثورة الصناعية – برغم أنها كارثة في تأثيرها كانت – القمة المنظورة فقط لأجيال في التغير الأخلاقي الخبيث . ويصف توني التغير الأخلاقي هذا أنه يحدث خاصة في علاقة الدين بالتنظيم الاجتماعي في القرن الثامن عشر ، لقد تنازل كلا من الكنيسة والدولة عن ذلك الجزء في محيطها الذي كان يعمل على إبقاء مجموعة عامة في الأخلاق الاجتماعية ، ويقول : كانت الكنيسة أكثر بعداً عن الحياة اليومية للبشر في الدولة ، لقد تكاثر حب الإنسانية ولكن الدين الذي كان قوة اجتماعية عظمى ، صار شيئاً خاصاً فردياً ، كضيعة صاحب الأرض أو ملابس الشغل للعامل " (54) .

وكانت النتيجة التي لا مفر منها هي الشقاء والدمار للفرد والمجتمع ، هي المعيشة الضنك التي يصلى سعيرها الغرب المادي .

يقول اليكسيس دوتوكفيل عن المجتمع الأميريكي وهو النموذج الرأسمالي البارز :"رغم ما شاهدت في أميركا من حرية وثقافة يتمتع بها الكثيرون في ظروف هي خير ما يمكن أن تقدمه لهم الدنيا ، فقد كنت ألمح سحابة من الحزن مخيمة فوق جباههم ، حتى ظننت أن التزمت والقلق يلازمانهم في أفراحهم وأتراحهم .

"إن ابن الولايات المتحدة يتعلق بمتاع هذه الدنيا وكأنه على ثقة من أنه لن يموت أبداً – فهو يتعجل اغتراف كلما يقع في متناول يده حتى لتحسبنه خائفاً من أن لن يمتد به العمر حتى يتمتع بها كلها فهو يمسك كل شئ بقبضة متراخية ثم لا يلبث أن يتخلى عنه ليلاحق غيره من الغنائم الجديدة .

"... وثمة شئ قد تعجب منه للوهلة الأولى يبدو في هذا القلق الغريب المسيطر على عدد كبير من هؤلاء الذين يعيشون في سعادة وبحبوحة كبيرة من الثراء ، إن هذا المشهد قديم قدم الدنيا والجديد فيه هو رؤية شعب بأسره يضرب لنا مثلاً على ذلك .

"إن تذوقهم للمسرات الجسدية يجب أن يعتبر المصدر الرئيسي للقلق الخفي وللتغلب البارزين في أفعال الأميركيين الذين يقدمون يومياً أمثلة جديدة عنه ، فالذي يكرس نفسه لمطاردة الرفاه الدنيوي عساه يلحق به ، يسرع دائماً ، لضيق الوقت المحدد لبلوغه واكتناهه والتمتع به ،إذ أن تذكره الدائم لقصر الحياة وزوالها شوكة ثابتة تخزه دوماً " (55).

وها هذا الدكتور "اليكسس كاريل" ينحي باللائمة على الذين يظنون أن الاقتصاد هو كل شئ في الحياة ، وأن الرخاء والطمأنينة يمكن أن يحصل عليهما المجتمع والفرد بطريق الخطط الاقتصادية وتنمية الموارد والثروات ، يقول :

من حسن الحظ أن حادثاً لم يخطر على بال المهندسين والاقتصاديين والسياسيين قد حدث ، ذلك أن صرح المالية الأميريكية قد انهار فجأة ، وفي بادئ الأمر لم يصدق الجمهور وقوع الكارثة فعلاً ، ولكن صغى إلى شروح الاقتصاديين في استسلام مؤملاً في عودة الرخاء إلا أن الرخاء لم يعد ، ولهذا بدا أكثر رؤساء القطيع ذكاء يرتابون ويتساءلون هل أسباب الأزمة الاقتصادية مالية فقط ؟

"ألا يجب أن نتهم أيضاً فساد وغباء الساسة ورجال المال وجهل وأوهام الاقتصاديين ؟ ألم تهبط الحياة العصرية بمستوى ذكاء الشعب كله وأخلاقه ؟ "لماذا يجب أن ندفع ملايين من الدولارات كل عام لنطارد المجرمين ؟

لماذا يستمر رجال العصابات في مهاجمة المصارف بنجاح وقتل رجال البوليس واختطاف الناس وارتهانهم أو قتل الأطفال بالرغم من المبالغ الضخمة التي تنفق في مقاومتهم ؟

لماذا يوجد مثل هذا العدد الكبير من المجانيين وضعاف العقول بين القوم المتحضرين ؟

ألا تتوقف الأزمات العالمية على الفرد والعوامل الاجتماعية الأكثر همية من العوامل الاقتصادية؟ (56) .

لقد فطن الدكتور كاريل إلى أن الأمر أعمق من أن يكون مشكلة اقتصادية ولكنه لم يستطع أن يقع على السر الحقيقي لأزمة الإنسان المعاصر وهو أنه يعبد غير الله ويحتكم إلى غير شرعه !

إن الإنسان في الغرب يفاخر بأنه يعيش فيما يسمى "العالم الحر" وذلك لأنه يرى نفسه أفضل حالاً من زميله الوقع في براثن الشيوعية لكنه ينسى أنه هو الآخر خاضع لتسخير واستغلال الطبقة الرأسمالية التي تستعبده دون وعي منه ، فهو يتخبط في شباكها ومع ذلك يحسب أنه حر طليق . وهذه الحقيقة مضى في الفصل السابق ما يؤيدها وسنورد هنا ما يدعم ذلك مع ملاحظة التلازم الذي سبق أن أِرنا إليه بين السياسة والاقتصاد خاصة .

يقول ر . م . ماكيفر وزميله : "إن المجتمع الحديث يتميز بالعديد م المنظمات والمؤسسات الكبيرة والروابط الاقتصادية والسياسية المنشأة على نطاق واسع ، التي تقوم جميعاً على تقسيم الوظائف والتخصص حتى يصبح الفرد وكأنه أحد أسنان عجلة في آلة اجتماعية ضخمة ، وتنحصر مهمته في أداء عمله بشكل آلي داخل دائرة تخصصه فلا تتهيأ له إلا أقل الفرص لإظهار فرديته .

"كذلك ينزعج كثير من الناس لمدى ما تتعرض له مواقف الرجل المتحضر وآراؤه من تشكيل بفعل النمط العام للمجتمع الذي يعيش فيه وربما كان هناك ما يسوغ هذا الإنزعاج عندما ترى الولايات المتحدة الأميركية ظاهر تحديد مستوى الحياة الاجتماعية ، بتأثير الإعلان والدعاية العريضة والغذاء الرتيب الذي تقدمه برامج محطات الإذاعة . وإنتاج السينما في خوليود ، وقد أدت السيطرة على عقول الناس بهذه الكيفية إلى تضييق الحدود التي يعمل في نظامها كل من المنتج والكاتب والعامل والممثل ، كما حدت من أمال الجماهير وأذواقها بحيث لا تتعدى الحواجز التي أقيمت حولها" (57) .

ويتحدث الدكتور كاريل عن الاستعمار الذي يمارسه الرأسماليون بطريق الدعاية فيقول : "تأثر حياتنا بالإعلانات التجارية إلى حد كبير ، وهذا اللون من الداعية يهدف إلى تحقيق مصلحة المعلنين أكثر من مصلحة المستهلكين ، مثال ذلك أوهمت الدعاية الجمهور أن الخبز الأبيض أفض من الخبز الأسمر ، وهذا ينخل الدقيق مرة بعد أخرى ليجرد من عناصره الذائية النافعة ، ومعالجة الدقيق على هذا النحو يجعل في الإمكان الاحتفاظ به فترات أطول ، كما يسهل صناعة الخبز ، وبذلك يستطيع أصحاب المطاحن أن يحصلوا على نقود أكثر بينما يطعم المستهلكون بخبز أردأ وهم يعتقدون أنه خبز ممتاز ، ومن ثم فإن سكان البلاد التي يتخذون من الخبز غذاءاً أساسياً أخذون في الانحطاط والتدهور .

"إن مبالغ ضخمة تنفق على الدعاية ونتيجة لذلك أصبحت كميات كبيرة من المنتجات الغذائية والطبية لا فائدة منها على الأقل وغالباً ما تكون ضارة – أصبحت هذه المنتجات ضرورية لبني الإنسان المتحضرين ، وعلى هذا المنوال فإن شراهة الأفراد الذين وهبوا ذكاء كافياً يمكنهم من خلق تهافت الجمهور على طلب السلع التي لديهم تلعب دورا رئيسياً في الدنيا العصرية" (58) .

وفى العالم الغربي الرأسمالي كتاب تخصصوا في الكتابة عن المستقبل المشؤوم الذي ينتظر البشرية على يد الطبقة الطاغوتية المسيطرة من أصحاب رؤوس الأموال الضخمة والمستبدين ، وتنبأوا بالقبضة الحديدية التي سيمسك بها هؤلاء القطيع البشري عن طريق استخدام التكنولوجيا وأحدث الدراسات النفسية – والاجتماعية ، حيث يأتي اليوم الذي يرى فيه أن أيامه السالفة في ظل نظام الإقطاع أفضل ألف مرة في هذا العصر الذي يتعرض لمسخ حقيقي وتطويع رهيب .

ولسنا نعني بذلك أولئك الذين كتبوا عن "اليهود" فمؤلفاتهم رغم ما تحويه من حقائق صارخة لا تزال مثاراً للشك عند البعض لسبب ما ، غير أن هناك كتاباً استخدموا لغة العامة منتهجين أسلوب العرض العلمي أو الأدبي لإثبات توقعاتهم المفزعة . من ذلك أن كاتباً غربياً مرموقاً هو "جوروج أوريل" ألف كتابا"ًعنوانه "1984" صور فيه الوضع البشري المنتظر في تلك السنة تصويراً مرعباً "يجعل قراءة يرتجفون" على حد تعبير رسل ، ورغم المعارضة التي قوبلت بها نظريته فقد أيدها الواقع كما ناصرها كثير من المفكرين ومنهم رسل الذي علق عليه قائلا" : "ظل العالم يسير شيئاً فشيئاً وخطوة خطوة نحو تحقيق كابوس أورويل ولكن التدرج على هذا الطريق قد جعل الناس لا يتبينون المدى الذى قطعوه في هذا الطريق المحتوم" .

"إن الموقف الآن شبيه بذلك الموقف الذي نشأ من ازدياد قوة الملوك في القرن السادس عشر فقد كان طغيانهم المسرف هو السبب في كل الصراع الذي قامت به الحركات التقليدية وكسبته ، ولكن ما أن تضاءلت قوة الملوك حتى نشأت محلها قوة لا تقل عنها خطورة" (59) .

وظهر في أميركا أستاذ جامعي بعد جهود مضنية وباستعماله الأساليب الإحصائية والشواهد الواقعية أن يقرب إلى الأذهان تشاؤمات "أورويل" وأثبت بقوة أن إمبراطوريات المال في الولايات المتحدة قد وصلت في سيطرتها على الإنسان إلى درجة ربما لم يحلم بها أورويل ولكن أساليبها الخفية وتخطيطها العميق وهيمنتهاعلى وسائل الإعلام تلقي ظلالا" كثيفة على غولها البشع فلا يستطيع أن يلكح مخالبه – إلا القلة النادرة ، يقول هذا الأستاذ وهو "فينس باكارد" :

"إننا نجد تناقضاً في مجتمع يحاول أن يضع أناساً على القمر في حين أن ملايين من سكانه في المدن لا يجرؤون على السير وحدهم ليلاً في الشوارع أو الحدائق المجاورة لبيوتهم"(60) ، ويستعرض في كتابه المسمى "المجتمع العارى" الوسائل الخفية التي تستخدمها إمبراطوريات الذهب لتنغيص حرية الإنسان والسيطرة على سلوكه وشعوره ويذكر منها :

1-أجهزة استراق السمع الإليكترونية : وهي أجهزة منها ما يستخدم في التصنت على المكالمات الهاتفية ومنها أجهزة ااتصوير والتسجيل في غاية الصغر والدقة ومنها عيون وآذان وعقول إليكترونية ترصد أنفاس فريستها بدقة مذهلة .

2-أجهزة خاصة لكشف الكذب ، تستعملها الشركات العملاقة في إجراء المقابلات الشخصية مع طالبي وظائفها .

3-التجسس الخفي بواسطة العيون البشرية أو العيون التليفزيونية .

4-الإحصائيات والاختبارات النفسية ، التي يتهافت عليها الجمهور المخدوع بينما تجني الشركات الاحتكارية من ورائها فوائد ومعلومات مهمة ، وتضع خطوطها المستقبلية على ضوئها .

5-البنوك وشركات التأمين ومؤسسات البريد التي تجبر الفرد على الإدلاء بمعلومات وافرة عن حياته وثروته وعلاقاته لتستخدم في أغراض لا يعلمها .

6-شركات متنوعة متخصصة في استقاء المعلومات والتجسس على افراد والهيئات تضع حصيلتها في قوائم تباع بمبالغ باهظة للشركات والمؤسسات التجارية(61).

وقد أدرك حقيقة هذا الكابوس كثير ممن يسمون "مصلحين اجتماعيين في أميركا حتى آل الأمر بأحدهم وهو : هـ.ل. منكن متوفي سنة 1956 إلى أن يقول : "يبدو أن بعض الناس لم يعودوا يجدون العيش في البلاد مستساغاً بل إنهم يرونه مستحيلاً ، وقد ملأ ضيقهم هذا الصحف الأسبوعية ، والسفن المقلعة من نيويورك حاملة شحنة ثائرة منهم تقصد باريس ولندن وميونخ وروما وغيرها من المدن التي تقع في طريقها ، حيث يحط بعضهم في أى مكان ليهربوا من اللعنات الكبرى والآثام الفظيعة التي جعلت حياتهم لا تطاق في الوطن" .

ثم يعلل "منكن" ذلك قائلا" : "إن حكومة الولايات المتحدة بسلاحيها التشريعي والتنفيذي جاهلة غير كفء وفاسدة تثير الاشمئزاز في النفس" .

"فوزارة العدل في الجمهورية مغفلة فاشلة تعمل ضد كل ما هو معقول وعدل" .

"السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أسلوبها العادي في التداول مع الأمم الأخرى سواء أكانت صديقة أو عدوة هي سياسة رياء ونفاق ومراوغة ماكرة مخجلة" .

"إن الشعب الأميريكي بقبولة كل هذه الشؤون يؤلف أعظم مجموعة من الرعاع الجبناء الحقيرين المستعبدين … وإن هذا الشعب ليزداد جبنا" ونذالة وحقارة كل يوم" .

"وإني لأجد في بلدى هنا أكثر مما أرى أو أسمع به في أي بلد آخر من جنون خاص وعام ، أرى موكباً لا نهاية له من أعمال السلب والاحتيال الحكومية ، واللصوصية التجارية وشنق الأعناق ، والمجون اللاهوتي وقلة الذوق والاختلاس والزنا الشرعي ، وأعمال الاحتيال المتنوعة والدناءة والبلاهة والسخرية والإسراف ، إنه موكب ضخم غير معقول يجري بأعظم قوة يمكن إدراكها وتغذيها أعظم جرأة وشذوذ بعيدين عن التصديق"(62) ، ذلك هو ما يقوله كتاب الرأسماليون في مصادر رأسمالية 100 % وهي اعترافات يخالها المرء للوهلة الأولى من صنع الدعاية البلشفية .

وكل ما ذكره أولئك ليس إلا أعراضاً لابد أن يكابدها كل مجتمع أعرض من ذكر الله وتكالب علىالمادة ، إنه الشقاء الذي لا يخفف حدته ترف مادي ولا نعيم دنيوي ولا تستطيع قشور الحضارة والرقي الصناعي أن تستره لأنه أعمق من أن ينال وأدق من أن يستأصل .

وغاية ما يستطيع "عقلاء الغرب" إدراكه وتنبيه أقوامهم له هو انهيار صرح حضارتهم وطغيان المادة على الروح لديهم ، ثم يقفون عند ذلك أو يصفون العلاج الذي لا يزيد عن مسكنات ضعيفة التأثير هي غاية ما يمكن للعقل البشري المحدود أن يقدمه إذا انقطع عن الله ولم يرتض الاستضاءة بنوره.

ولو كتب للذين يطلقون بين الحين والحين صرخات الويل والثبور على الحضارة الغربية أن يدركوا سنة الله في خلقه وأن يضعوا أيديهم على مكمن الداء لتغييرت الصورة بكاملها ، ولكن أنى لهم التناوش من مكان بعيد .

2-في الشرق الشيوعي :

كل ما يردده المستغيثون في الغرب ويستفظعونه من المظالم فإن المجتمعات الواقعة داخل الستار الحديدي تعج به بل بأضعافه ، ففي هذه المجتمعات يتناسب الشقاء والتعاسة مع التطرف المغالي في محادة الله والحرب الصريحة على الإيمان وعلى كل ما كرم الله به الإنسان من خلق وسلوك .

إن الحط من كرامة الإنسان والنزول به – ليس إلى مرتبة الحيوان – بل إلى منزلة المادة الصماء و جزء من جوهر النظام الجاهلي الشيوعي ، وهدف مقصود من أهداف برامجه ومخططاته وما كان لها وهي على ما هي عليه من الكفر والعتو – إلا أن تكون كذلك . وبغض النظر عن المساوئ العامة للشيوعية والشرور التي لم تدع منحى من مناحي الحياة إلا تغلغلت في أعماقه ، فإن الناحية الاقتصادية خاصة كان ينبغي لها أن تكون أليق وأنسب في الدول الشيوعية منها في الغرب . وذلك لأن المبرر التاريخي لوجود الشيوعية فكراً وتطبيقاً هو المظالم والشرور الرأسمالية ، فإذا جاءت الشيوعية بما يجعل الناس يترحمون على أسياد الاقطاع وطواغيت رأس المال فذلك هو المحير حقاً. كان المفروض في مذهب ينادى بمساواة خيالية بين الناس ، ويندد بالطبقة والطبقات والامتيازات والاحتكارات أن يكون – على الأقل – أقرب النظم إلى المساواة وأقلها فوارق بين الطبقات ، هذا إن لم يحقق أحلامه الموعودة بالفردوس الأرضي . لكن واقع الدول الشيوعية يصادم هذا الفرض كل المصادمة ، وها هو ميليوفان دجيلاس نائب الرئيس "تيتو" يقول في كتابه الذي أسماه (الطبقة الجديدة) :

"إن الطبقة البيروقراطية الشيوعية الجديدة صاحبة الامتيازات الضخمة تستخدم جهاز الدولة كستار وأداة لتحقيق مآربها وأغراضها الخاصة ، وإذا ما عدنا لدراسة الملكية فإننا سنجدها ليست أكثر من حقوق الربح وحرية السيطرة ، وإذا ما تجه المرء إلى تحديد ربح الطبقة من خلال هذه الحقوق ، وفي إطار تلك الحرية فإن الدول الشيوعية تتجه في النهاية إلى خلق شكل جديد من أشكال الملكية ، وخلق طبقة حاكمة مستثمرة جديدة" .

"إن الطغيان الشيوعي والإرهاب في أساليب الحكم هما الضمان لامتيازات طبقة جديدة تبرز على المسرح السياسي" .

"لقد سبق أن أعلن ستالين عام 1936 مع صدور الدستور الجديد في الاتحاد السوفيتي أن الطبقة المستثمرة قد تم القضاء عليها نهئيا" ، وفى الحقيقة لقد تم في المعسكر الشيوعي القضاء التام على قوى الرأسمالية التي استؤصلت تمام" من الجذور ، ولكن مع زوالها بدأت تبرز في صلب المجتمع الشيوعي طبقة جديدة لم يسبق للتاريخ أن رأى لها مثيلاً .

"ولقد أكدت هذه الطبقة أنها أكثر تسلطاً في الحكم من أية طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ كما أثبتت في الوقت نفسه بأنها تحمل أ‘ظم الأوهام وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم في مجتمع طبقي جديد .

"لقد تم تأميم المقدرات المادية إلا أنه لم يجر توزيعها على أبناء الشعب ، بل أصبحت ملكاً مكتسباً للطبقة الحاكمة وللأعضاء القياديين للحزب والبيروقراطيين السياسيين" .

"لقد حاز الأعضاء الكبار من أفراد النخبة الممتازة على أفضل المساكن والبيوت كما شيدت لهم الأحياء الخاصة ومنازل الاصطياف وحصل أمناء سر الحزب وروساء البوليس السري ليس على السلطة العليا وحسب ، إنما على أجمل المساكن وأفخر السيارات وما سواها من مظاهر الأبهة والعظمة والامتيازات ، أما بقية الأعضاء من دونهم مرتبة فقد حازوا على امتيازات متناسبة مع مراكزهم الحزبية" .

"وليس هناك أية طبقة أخرى في التاريخ تشابه الطبقة الجديدة في وحدة تماسكها ، ووحدة الفكر والعمل في دفاعها عن نفسها ، وفى قدرتها على إحكام القبضة على كل ما هو واقع تحت سيطرتها من الملكية الجماعية حتى السلطة الاستبدادية المطلقة" .

"هذه الطبقة الجديدة تتمتع بشراهة وجشع البرجوازية إلا أنها لا تحتوي اية فضيلة من فضائلها ، ومن جهة أخرى فإن هذه الطبقة تشابه الطبقة الارستقراطية في بعض أمورها الخاصة ، وبطابعها الانفرادي والانعزالي ولكنها تظل بعيدة عنها في مجال رقتها ونبلها وفروسيتها" (63) .

أما الكاتب الفرنسي "أندرية جيد" الذي أصيب بخيبة أمل عظمى في الشيوعية بعد زيارته للاتحاد السوفيتي فيتحدث في كتابه "العودة من الاتحاد السيوفيتي" عن هذا الواقع بأسلوبه الأدبي قائلا" :

"… ماذا أقول عن فندق "سينوبب" الذي كنت أقطن فيه بجوار "سوكوم" لقد كان أرقى وأسمى من كل شئ آخر ، بحيث لا يقارن إلا بأفخر فنادق أوروبا وأعظمها … وكان بجوار الفندق مزرعة نموذجية تمده بثمرها ، وكانت المزرعة تشتمل على زرائب نموذجية للخيل والبقر والخنازير وبيوت للدجاج ، وكلها مهيأة بالوسائل الحديثة ، إلا أنك إذا عبرت النهر الذي يحد هذه المزرعة رأيت صفاً من الأعشاش الحقيرة – ستة أقدام مربعة - أربعة أفراد ويدفع كل منهم روبلين إيجاراً شهرياً " . "إن اختفاء الرأسمالية لم يجلب الحرية للعامل السوفيتي ، ومن الضروري للطبقة العاملة في كل مكان أن تعلم هذا ، إن العمال طبعا" لم يعد يستغلهم حملة الأسهم الرأسماليون إلا أنهم مع ذلك يستغلون أبشع الاستغلال وبطرق خفية منحرفة ملتوية بحيث لم يعد العمال يعلمون على من يلقون اللوم .

"إن غالبيتهم العظمى يعيشون تحت مستوى الفقر ، وإن أجورهم الهزيلة هذه هي التي تعين على ملء جيوب العمال المميزين الذين يمتازون بانعدام الشخصية وبالتزلف ، والخضوع ، إن الإنسان ليروعه ما يلحظه على ذوى الشأن من عدم مبالاة بمن هم قل منهم شأنا" كما يروعه ما يظهره الأخرون من تذلل وعبودية .

"أمنّا بأنه لم تعد هناك طبقات أو امتيازات طبقية في الاتحاد السوفيتي إلا أن الفقراء لا زالوا هم الفقراء بل إن عددهم جد كبير … إنني أخشى أن يكون معنى هذا كله العودة إلى نوع من "برجوازية الطبقة العاملة" تشبه البرجوازية الحقيرة التي تركتها في بلدي ، ولقد بدأت فعلاً أرى أعراضها ولا شك أن كل رواسب البرجوازية موجودة – رغم الثورة – لدى الكثيرين وإن كانت هاجعة راقدة .

"إن الإنسان لا يمكن إصلاحه من الظاهر ، فإن تغيير القلب وإصلاحه أمر جوهري ولذلك يراودني القلق عندما أرى كل الغرائز البرجوازية تلقى الإطراء والتشجيع في الاتحاد السوفيتي" .

"رغم أن ديمكتاتورية الطبقة العاملة التي طالما نادوا بها لم تتحقق بعد ، إلا أنه توجد مع ذلك دكتاتورية من نوع آخر ، دكتاتورية الحكومة الاستبدادية "البيروقراطية السوفيتية" إن العامل السوفيتي البائس مربوط بمصنعة والعامل الزراعي مربوط بمزرعته الجماعية كارتباط "أكسيون" بعجلته" إن العامل إذا فكر في ترك عمله الحالي لأي سبب شخصي كان يتصور أو يأمل أن يكون في غير هذا المكان أحسن حالاً أو أقل سوءاً ، أو لمجرد أنه يرحب بالتغيير فإنه وهو المصنف المسجل المنظم يصبح على خطر من ألا يجد عملا" في أي مكان ، بل إنه إن ترك مصنعه ولو ظل باقياً في نفس المدينة يحرم من مسكنه الذي كان من حقه طالما هو في العمل ، والذي يصعب أن يجد غيره في أي مكان آخر رغم أنه مع ذلك كان يدفع إيجار هذا المسكن … أما إذا قامت السلطات نفسها بنقل العامل لسبب من الأسباب ، فإنه لا يستطيع أن يرفض الانتقال ، فلا هو حر في الذهاب إلى حيث يريد ولا في البقاء حيث تجمعت عواطفه الخاصة ومصالحة الشخصية" (64) .

وإذا كان هناك الكثير من الشواهد القاطعة تثبت الواقع البشع الذي يعيشه الإنسان في ظل الجاهلية الشيوعية ، والمآسي الشنيعة التي يتعرض لها ليس في فكره وروحه فحسب بل وفي قوته اليومي أيضاً، فإن بعض المخدوعين بالشيوعية يروعهم التقدم الملموس في المستوى الصناعي فيغشى أبصارهم عن الحقئق المرة المصاحبة لهذا التقدم . فينسون أولاً أن سعادة الإنسان وطمأنينته هي المقياس الحقيقي لنجاح أي عقيدة أو مذهب وليس الإنتاج المادي بالغاً ما بلغ ، وهذه الحقيقة يعترف بها أحد المرتدين عن الشيوعية وهو الكاتب القصصي "لويس فيشر" الذي يسخر من نفسه حينما كان يفضل الكيلوات على الإنسان مخدوعاً بإنجازات الثورة الشيوعية في بعض مجالات الإنشاء والتعمير (65)، والحقيقة الثانية هي أن التفوق الشيوعي في المجالات المدنية ضئيل إذا قورن بالمستويات التي وصل إليها الغرب ، وإن المجال الذي برز فيه الشيوعيون هو ميدان الإنتاج الحربي بصفة خاصة ، وما ذلك إلا لإحكام القبضة الحديدية على الشعب وإرهابة بدرجة تجعله يطرد من ذهنه كل أمل في الخلاص وكل طمع في عون خارجي .

والحقيقة الثالثة : إن مكاسب هذا التقدم تؤول إلى الطبقة الحاكمة المستبدة وحدها ، وأن الشعب هو الضحية والثمن فلولا معسكرات العمل الإجباري لما تحقق كل ذلك .

يقول "دجيلاس" : إذا كان من الأمور الممكنة إحصاء الخسائر الناجمة عن نظام الملكية الجديد في المحاصيل الزراعية فإنه من الصعب جدا" إحصاء الخسائر في اليد العاملة وفي ملايين الفلاحيين الذين زجوا في المعتقلات وأجبروا على العمل في معسكرات العمل الإجباري" (66) .

غير أن مؤلف كتاب "نظاما البشرية : الديمقراطية والشيوعية" يعطي أرقاماً قد تقرب هذه الحقيقة فيقول : "في عام 1928 كان في روسيا 30 ألف عامل سخرة وعندما قرر ستالين في مشروع الخمس سنوات أنه سينشئ صناعات جديدة في روسيا بدأت معسكرات السخرة تمتلئ بسرعة ، وما أن حل عام 1933 حتى كان فيها خمسة ملايين من عمال السخرة ، وبمرور الزمن ارتفع هذا الرقم إلى ما يتراوح بين عشرة ملايين وخمسة عشرة مليوناً … ولم يكن يرسل إلى معسكرات السخرة في بداية الأمر غير الأعداء الحقيقيين للحكومة السوفيتية ، ولكن لم تكد تمضي فترة طويلة حتى تم تحويل عدد كبير من الناس إلى عمال سخرة لمجرد الشعور بأنهم قد يصبحون في يوم من ألأيام خطرا" على الحكومة ، وهذا فضلاً عن أن الحكومة احتاجت إلى عمال لتنفيذ مشروعات في مناطق نائية لا يمكن أن تجتذب عمالاً يذهبون باختيارهم" .

"وفي الصين أيضاً أنشئت معسكرات السخرة بسرعة عقب انتصار الشيوعية في الحرب الأهلية عام 1949 ، وقد قدر عدد عمال السخرة في الصين الحمراء بأكثر من عشرين مليونا"(67) ، هذا بالإضافة إلى أن التقدم الصناعي ليس معياراً كافياً ، وذلك لسبب كامن في طبيعة العمل الصناعي ذاته ، وهو إمكان خضوعه للمراقبة من قبل البوليس السري الذي يعرف مهمه كل عامل ويستطيع بسهولة أن يكتشف تقصيره ، إذ أن العمل موزع توزيعاً دقيقاً ، أما العمل الزراعي الذي يصعب خضوعه لمثل هذه المراقبة الآلية ففيه تظهر الحقيقة بجلاء : لقد كانت روسيا القيصرية أكثر دول العالم إنتاجا للقمح ، بل إن جزءا منها مثل أوكرانيا يكفي لأمداد أوربا كلها بالغذاء ، ولكن الواقع الحالي يشهد أن الإتحاد السوفيتي يستجدي القمح من أعداء العقيدة " الرأسماليين الأمريكان " ويدفع ثمنا له العملة الصعبة ، وهذا هو المحك الحقيقي لمقدار نجاح النظام الشيوعي أو فشله في جانبه الإقتصادي الذي يعده أهم وأرقى جوانبه .

ويقدم لنا " لويس فيشر " بعض الحقائق عن المزارع الجماعية في روسيا فيقول :

" إن هذه المزارع الجماعية ليست إلا نوعاً جديداً بارعاً من العبودية الجماعية يناسب القرن العشرين ويجبر الفلاح على العمل تحت رقابة بعض شيوعي القرية المختارين ووخزاتهم ، ويجعله عالة على الدولة ومحتاجا إليها دائما في بذوره وآلاته وحيواناته ومعظم دخله .

وكان من الطبيعي أن يلقى هذا التأميم للزراعة مقاومة عنيفة بعيدة المدى ، وقد شاهدنا كيف كان رد الحكومة على هذه المقاومة ، ولقد أرسلت بمئات الآلاف من " الكولاك" أو أغنياء الفلاحين إلى معسكرات العمل الجماعية ، ولم يكفي هذا النفي الجماعي لتحطيم القرية .. .. واستعمل المسؤولون القوة لأجبار الفلاحين على الدخول في هذه المزارع الجماعية ، وكثيراً ما كانت وحدات الجيش الأحمر تظهر في القرية وتنتقل من كوخ إلى كوخ ، مصدرة أمرها إلى السكان بتشكيل مزرعة جماعية .

وكان الفلاحون يهددون بالنفي إلى سيبريا والتركستان ، كما حدث في الكولاك إذا تشبثوا بالزراعة الفردية . بهذه الوسائل وغيرها أمكن أن تحشر الغالبية العظمى من الفلاحين الروس في المزارع الجماعية ، ولكنهم مع ذلك ظلوا يعارضون أو يهدمون المجهود التعاوني فقد كانوا يأملون حتى الآن ان تعتبر الحكومة هذه المزارع الجماعية فكرة فاشلة ، ثم تتنازل عنها ، وقد أدت هذه الأمور في أوكرانيا إلى مجاعة 1931-1932 التي مات فيها الملايين من الناس فكانت القرية تموت بجميع من فيها ، لقد كان ثمن تسرع البلاشفة وتعصبهم غالياً .

ويقول أندريه جيد : ( لقد حدث أن زرت إحدى المزارع الجماعية النوذجية وهي من أبدع مزارع الاتحاد السوفيتي وأغناها ، ودخلت بيوتا متعددة وليتني أستطيع أن أنقل إليكم ذلك الانطباع المطرد الكئيب الذي يحس به من يدخل هذه البيوت ، من أثر انعدام الفردية انعداما كاملا ، لقد كان في كل منها نفس قطع الأثاث القبيحة ، ونفس صور للزعيم ستالين ولا شيء غير هذا ، فلم يكن هناك أدنى أثر لأي تحف أو ممتلكات شخصية ولو دخل أحد السكان بيتاً غير بيته ناسياً لما أحس بأي تغيير أو أختلاف )



هذه هي الأمثلة الواضحة لتطبيق الشيوعية والمعيار السليم للحكم عليها ، وتلك هي نتائجها الاقتصادية المزرية ، فضلاً عن نتائجها السياسية الفضيعة ، التي تتمثل في وقوع الكثرة الكاثرة من الشعب عبيداً في قبضة الحكومة الإستبدادية ، مرهونين بقوتهم الضرورية وأمنهم المحفوف بالمخاطر ، كما سبق في فصل (علمانية السياسة ) .

ومع أن في وسعنا أن نفصل القول فيما سبق – إلا أننا سنكتفي بهذا الإجمال إذ أن الواقع المعاصر ملء سمع وبصر كل إنسان أوتي حظاً من المعرفة والنظر ، وليس إدراك هذه الحقائق مما يخفى على الكثير ولكن الذي يخفي فعلاً ويغيب عن أذهان الناس في الشرق والغرب سواء ، هو سر هذه الأدواء الوبيلة الحقيقي ومصدر هذا الشقاء المستديم الذي يطبق فكيه على العالم الغرب الجاهلي ولا يستطيع منه خلاصاً.






















<< .. الفصل الثالث .. >>

// == علمانيـــــــــ العلم ـــــــــــــــــة == //

>><<

سبق أن عرضنا فى الباب الثانى فصلاً من الصراع بين الكنيسة وبين العلم ونتائجها السيئة ووصل بنا العرض التاريخى إلى القرن التاسع عشر حيث رأينا فى فصل أخر كيف أجهزت الداروينية على الرمق الباقى فى حطام مدعيات الكنيسة وتعاليمها .

ولعل من الأوفق – قبل أن نعرض لموقف العلم المعاصر تجاه الدين – أن نلقى نظرة سريعة على الموقف فى القرن الماضى إذ هو بمثابة الأساس لما تلاه فى هذا القرن . وقد حاول مؤلف كتاب (( تكوين العقل الحديث )) أن يجمل الصورة العامة للنزاع بين العلم والدين إنذاك فكان هذا الموجز : (( إن نمو العلم الميكانيكى والنقد العلمى للتوارة وانفجار قنبلة التطور عام 1859 أبرزت الخلاف بين التقاليد الدينية والعلم الحديث ))

وفصل ذلك فى موضع تال قائلاً : (( أدى النقد التاريخى إلى إهمال الكثير من الاعتقادات ، كما هد العلم الميكانيكى بدوره مقداراً أكبر منها . ومنذ نقد هيوم للمعجزات فى القرن الثامن عشر رفض المتدينون الأحرار الاعتقاد بأى خرق للقانون الطبيعى ونظامه وفسروا أخبار المعجزات بأنها من نتاج أسباب طبيعية إنسانية كالسذاجة والخيال والخرافة . ثم أن التفسيرات الجيولوجية والبيولوجية لماضى العالم قد أدت بالطبع إلى إهمال أى اعتقاد حرفى بالحوادث الواردة فى الفصول الأولى من سفر التكوين .

(( وأخيراً أهمل القرن التاسع بشكل أكيد الاعتقاد بأن الله مبدأ علمى . فقد أختفى الخالق صانع الساعة الذى تصوره عصر التنوير مع تقدم التفسيرات العقلية والعلمية وكيفية تشكل الكون . وإذ كان المتدينون من الناس مازالوا يعتقدون بوجود خالق وراء هذه العمليات الطويلة فهم يفعلون ذلك على أسس دينية أكثر منها علمية )) (1) .

وكما ابتهج الماديون بالنصر الحاسم – ظاهراً – الذى ظفر به العلم على الكنيسة فى معركة ( أصل الإنسان ) والانسحاب لنهائى لها من حلبة الصراع فقد كان الفلاسفة النظريون أيضاً لا يقلون عنهم رغم الخلاف فى وجهات نظر الفريقين الذى بلغ مداه فى الصراع بين الواقعية والمثالية .

وإلى ذلك يشير ( هنتر ميد ) فى كتابه عن الفلسفة : (( فى الجزء الأكبر من القرون الوسطى مثلاً كانت العلاقة الرسمية بين الفلسفة والدين تتلخص فى أن للفيلسوف الحرية فى الوصول إلى أية نتائج قد يوحى بها تفكيره شريطة ألا تكون هذه النتائج متعارضة مع نتائج الوحى واللاهوت المقدس )) .

(( والواقع أن الفلسفة لم تتمكن من التحرر من هذه القيود إلا منذ أقل من قرنين من الزمان حتى فى البلاد الديمقراطية الليبرالية ذاتها بل أن هذه الحرية قد اكتسبت فى مجالات معينة منذ وقت يذكره اناس مازالوا أحياء ولما كان هذا الاستقلال قد اكتسب بعد كفاح مرير فمن المنطقى أن تنظر إليه جماعة المشتغلين بالفلسفة على أنه أهم الحريات المدنية وأن تعده جديراً بأن يحفظ بأى ثمن (2) .

نعم هذا هو الحال وتلك هى النتيجة .

انفلات من قيود الكنيسة وانعتاق من أغلالها وفرحة غامرة بالفكاك من قبضتها والتملص من وصيتها فماذا يتوقع من عبد أحس بنشوة الظفر لأنه أبق عن سيده ؟ أو أسير شم نسيم الحرية بالفرار من معتقله ؟

لقد اندفع تيار أهوج فى كل القنوات الفكرية والعلمية فى أوروبا تيار يريد أن يجرف كل شيء أسمه دين أو له علاقة بهذا الاسم ويطمس كل موحى من موحياته ويمحو كل آثر من آثاره وكانت غاية من يسمون (أحرار الفكر ! ) هو الدفع بهذا التيار إلى الأمام ما أمكن وبسرعة أقصى .

لا لأن ذلك ما يمليه (( المنهج العلمى )) (( وحرية الفكر )) ولا لأنه مقتضى النظر الموضوعى المتسم بالتعقل والتروى بل لأنه نتيجة رد الفعل المتهور ضد الكنيسة الذى لا تكاد حدته تخف حتى تليها آثار سياط الكنيسة فى ظهورهم .

وكما عرف الناس ورأوا واقع ما قاله ( كويت ) من ( أن كل خطوة إلى الأمام فى البحث عن المعرفة قد حوربت باسم الدين )(3) فقد بدا لهم مصداق ما قاله (( الفرد هوايت هد )) :

(( ما من مسألة ناقض العلم فيها الدين إلا وكان الصواب بجانب العلم والخطأ حليف الدين )) (4).

وما لهم لا يصدقون بذلك وقد رأوا بأم أعينهم سلسلة الهزائم المتلاحقة التى منيت بها الكنيسة أما العلم يضاف إلى ذلك طغيانها البغيض الذى يقابل المنجزات العلمية والتيسيرات المذهلة التى حققها العلم فى وسائل الحياة :

قالت الكنيسة : إن الأرض مسطحة وهى مركز الكون – لأجل عملية الخلاص – وقال موبرنيق أنها كروية وتدور حول الشمس وثبت لهم أن الكنيسة كاذبة والعلم مصيب ! وقالت الكنيسة أن الكون والإنسان خلقت فى ستة أيام عادية سنة 4004ق.م وقال ((ليل داروين )) أن عمر الكون يقدر بمئات الملايين من السنين و الإنسان بالملايين وثبت انهما على حق وأن الكنيسة مبطلة .

وقالت الكنيسة إن 1+1+1 = 1 وأثبتت بديهيات الرياضة أن مجموع ذلك = 3 وقالت الكنيسة – تبعاً لأرسطو – أن الكون مكون من أربعة عناصر وقال العلم أن عناصره تزيد عن التسعين (5) وصدق العلم وكذبت الكنيسة .

وقالت الكنيسة أن التوارة والإنجيل والرسائل كتب موحاة من الله . وقال النقاد التاريخيون أنها من صنع مؤلفيين غير موضوعيين وظهر أنهم على صواب فيما قالوا … وقالت الكنيسة أن الخبز والخمر فى العشاء الربانى يتحولان إلى دم وجسد المسيح حقيقة ، وقال العلم والعقل والبديهية ذلك أبعد المحال .

وقالت الكنيسة أن الرهبانية وسيلة للطهر وفضيلة سامية وقالت علوم النفس والاجتماع أنها تصادم الطبيعة وتفضى بالجنس البشرى إلى الهلاك المحقق .

وقالت الكنيسة أن المرض من الشياطين يمكن مداواته بإقامة القداس والتمسح بالصلبان . وقال الطب أن سبب المرض كائنات بالغة الدقة يمكن إفناؤها بالمستحضرات الكيماوية ، وأخفقت الكنيسة ف حين نجح العلم وأثبت جدواه …

وهذه سلسلة طويلة محزنة فى مقدور الرجل العادى أن يستعرضها ليخرج بنتيجة حاسمة هى أن العلم دائماً على صواب وأن الدين على خطأ باستمرار . لاسيما وأن الكنيسة قد علمته أنه ليس ثمة شيء يستحق أن يسمى ديناً إلا تعاليمها المقدسة وإزاء ذلك بدا من المنطقى جداً أن تتعالى أصوات الناقمين من العلماء وسواهم : ليتحرر العلم من قيود الدين ولتذهب تعاليم الدين إلى الجحيم .

العلم هو وحده الحق والحكم وهو مصدر النور كما أنه منبع الرفاهية أما الدين فجمود ورجعية وخرافات وأساطير .

وإذا عرضت مسألة فليخرس الدين ولينطلق العلم !

ليبحث العلماء ويستخرجوا قوانين الطبيعة وأسرار الكون فى الهواء الطلق بعيداً عن الدين !

الدين شيء والعلم شيء أخر لا علاقة بينها إلا التضاد . وإذا كان لابد من إخضاع أحدهما للأخر فليخضع الدين ولتطبق كل حقائق الدين كالوحى والمعجزات والروح والخلود داخل المعامل والمختبرات وإلا فلتسقط إلى الأبد !

والحذر الحذر أن يخطئ رجل العلم فيضمن أبحاثه وتجاربه شيئاً ن مصلحات رجل الدين أو يقحم شيئاً من تفسيرات الدين فى صلب تفسيراته لمظاهر الطبيعة لأن ذلك إفساد للروح العلمية وأى إفساد ! .

وإذا جاز لرجل العلم أن يعتقد شيئاً من الدين بدافع شخصى فإن عليه - كما عبر بورتو –حين يدخل المعمل أن يترك بالباب معتقداته الدينية ويستعيدها عند خروجه )) (6)

ومن خلال هذا نتبين أن موقف الكنيسة كان العامل الأكبر الذى أفضى إلى العداوة الشرسة للدين من قبل العلم والتحلل الكامل من كل قضاياه ومؤثراته.

على أن هناك عاملاً آخر يرفد هذا العامل ويؤازره وهو عامل داخلى نابع من طبيعة النفسية الجاهلية الأوربية ذاتها . ومستقر فى شعورها أو لا شعورها وبإمكانه أن يقوم بأثر واضح حتى وإن لم يوجد العامل الخارجى المتمثل فى موقف الكنيسة .

ذلك أن الإرث الدينى والوثنى فى النفسية الأوربية يصور العلاقة بين الإله والمخلوقين - فيما يتعلق بالعم والمعرفة – على أنها صراع محتدم وتنافس ضار . الإله يفرض الجهل على الإنسان ويتعمد تجهيله إلى الأبد بأية وسيلة خشية أن ينافسه على مقام الألوهية لو وقع ى يده شيء من نور العلم والإنسان يسلك وسائل شتى ويستعين بوسائط عديدة لكى يستغفل الإله ويختطف من وراء أسواره شيئاً من العلم يمكنه من التحرر والانطلاق .

أما الإرث الدينى فتمثله (( قصة أدم )) عليه السلام كما رواها سفر التكوين من العهد العتيق : (( وأخذ الرب الإله الإنسان وجعله فى جنة عدن ليفلحها ويغرسها وأمر الرب الإله الإنسان قائلاً من جميع شجر الجنة تأكل أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها . فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً )) . (( وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية الذى صنعه الرب الإله فقالت للمرأة : أيقيناً قال الله لا تأكلا من ميع شجر الجنة ؟ فقالت المرأة للحية : من الجنة نأكل وأما ثمر الشجرة التى فى وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منها ولا تمساه كيلا تموتا . فقالت الحية للمرأة : لن تموتا !! إنما الله عالم أنه فى يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفى الخير والشر ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للمأكل وشهية للعيون وأن الشجرة منية العقل فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت بعلها أيضاً معها ، فأكل فانفتحت أعينهما ! فعلما أنهما عريانان فخاطا من ورق التين وصنعا لهما مآزر )) . (( وقال الرب الإله : هوذا آدم قد صار ، كواحد منا ، يعرف الخير والشر والآن لعله ليمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل فيحيا إلى الدهر فأخرجه الرب الإله من جنة عدن )) .

وأما الإرث الوثنى فخير نموذج له الأسطورة الإغريقية الشهيرة : (( زيوس هو رب الآلهة والناس جميعاً وكانت الصراعات بينه وبين الإله تنشب باستمرار وكانت بينه وبين الإله (( بروميتوس )) عداوة أيضاً . فخلق بروميتوس الإنسان من الطين وعندما انتهى من تشكيله نفخت فيه الروح الإلهة (( أثينا)) وحقد زيوس على الجنس البشرى وقصد حرمانهم من كل خير فى الدنيا وابتلاهم بحرمانهم من النار التى هى ضرورية جداً للإنسان . ولكن بروميتويس سرق النار والحرف وبخاصة الحدادة كما علم البشر الفنون والحرف متحدياً الإله الأكبر فلما تعلم الإنسان ذلك يئس زيوس من مقدرته على إهلاكه لكنه ظل على الدوام يتحين الفرصة للانتقام منه وتقليل فرص المعرفة أمامه كيلا يتجاوز حدوده فيصبح آلهاً )) (7) .

هذا ولا يحط من قيمة هذا العامل أن علماء الغرب قد نبذوا الإيمان بالدين والأساطير أيماناً اعتقادياً وأصبحت قضايا تاريخية وأدبية (( فإنه من المشهور فى علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية التى تلقنها أثناء طفولته بينما تظل بعض الخرافات الخاصة قوتها تتحدى كل تعليل عقلى فى جميع أدوار ذلك الإنسان )) (8) .

هكذا رسخ فى النفسية الأوربية شعور متأصل بأن كل طفر للإنسان فى مجال العلم والمعرفة إنما هو هزيمة لإرادة الإله وكل كشف يعرض له إنما هو سرقة واغتصاب من كنزه المحظور . ولذلك أصبح أعز أمانيها ليس ا، تتحر من قيود الإله فحسب بل أن ((تقهره قهراً )) حسب الاستعمال الشائع لدى العلماء ! عند إحراز أى تقدم فى أى ميدان . وحتى بعد أن تخلت أوروبا عن عبادة زيوس وجوبيتر ورفضت عبادة إله الكنيسة معتنقة عبادة ( الطبيعة ) ظلت هذه الأمنية ( قهر الطبيعة ) أعظم أحلامها .

يقول كتاب (( تاريخ البشرية )) الذى أصدرته اليونسكو : (( كانت الفكرة العامة فى معظم المجتمعات فى الماضى أن الطبيعة موجود ببساطة تؤثر فى حياة الإنسان على نحو لا يتغير ، وإزاء قوتها العارمة لم يحاول أن يطوعها كثيراً لاحتياجاته بل كان عليه أن يكيف نفسه وفق ما يلائمها ولكن إنسان القرن العشرين قد أخذ بخناق الطبيعة مصمماً على أن يستخرج أن يستخرج أسرارها وأن يستعمل مواردها وأن يقهر آثارها الخطرة))(9) .

ويقول نخبة من العلماء السوفيت فى كتاب أصًدروه : (( الطبيعة كتوم لا تبوح بأسرارها . فهى تكتب قوانينها بنظام شفرى غامض ثم تحكم غلقها وإخفائها بعيداً فى خزانات متينة وهى لا تكشف عن أسرارها إلا قسراً فلا تعطى الباحثين من هذه الأسرار فى كثير من الأحيان إلا بدائل للحقيقة فقط )) (10) .

وهذا يذكرنا بقول (( داروين )) أيضاً أن الطبيعة كانت تكذب عليه مراراً خلال مشاهدته (11) .

وإذا كانت هذه هى نظرة العلماء إلى الطبيعة . أى الإله الجميل الذى فروا إلى أحضانه هرباً من سطوة الكنيسة . فما بالك بنظرتهم إلى الله تعالى . الذى لا يتبادر إلى أذهانهم عند إطلاقه – إلا أنه اله الكنيسة الطاغى الحقود الذى يتعمد تجهيل الجنس البشرى وحرمه من المعرفة ؟ لقد ذهب بهم الغلو إلى حد أنهم يرفضون ذكر اسم الله على أى بحث علمى أو فيه حتى لو كان للتبرك فقط.

ولنفرض أن عالماً لا دينياً قاده عقله ونظره إلى استنتاج حقائق رائعة وأسرار مذهلة لم تملك فطرته حيالها إلا أن تستيقظ قائلة : إن الله هو الذى صنع هذا وغير سائغ أن ننسبه إلى أى مسمى أعمى غامض كالطبيعة أو المصادفة … الخ فماذا يكون موقف أحرار الفكر العلميين )) منه ؟

يقول (( ليكونت دى نوى )) : (( لا يشعر اللاأدريون والملحدون بشىء من القلق لكون عالمنا المعضى ( العضوى ) الحى لا يمكن فهمه بدون افتراض الله (( ويظهر إيمانهم ببعض العناصر الطبيعية التى لا يعرفون عنها إلا النزر اليسير بمظهر إيمان لا عقلى ، وهم يشعرون بذلك . وقد ظل بعضهم عبيداً للفظية ساذجة وقد بدا لى البرهان على ذلك فى رسالة تلقيتها بعد نشر أحد مؤلفاتى يوجه إلى أصحابها أشد اللوم لأننى استعضت عن كلمة (( مضاد المصادفة )) وهى مرضية فى نظره بكلمة الله التى يجب أن تنسخ من المعاجم ويمنع استعمالها )) . (( ويدل الاعتراض الوارد فى الرسالة المذكورة على أن عدم التسامح المنتشر فى القرون الوسطى لم يمت مع أنه انتقل إلى المعسكر الثانى . ولحسن الطالع لا يتمتع مراسلى بالسلطة الكافية لفرض اعتقادتهم الصبيانية على مواطنيه باسم العقل ويمكن التثبت أيضاً من أن بعض (( أحرار الفكر )) ينظرون الحرية نظرة تشبه نظرة الديكتاتوريين (12).

وحين رأى أنصار المنهج العلمى أن الذى يدعو الباحثين إلى الإيمان بالله ونسبة الأفعال الكونية هو ما يرونه فى الكون من دقة وحكمة وإتقان تدل بوضوح على أن له غاية محددة وهدفاً مقصوداً مما يدعم الإيمان بالله – لما رأوا ذلك – بحثوا عن أجدى السبل للحيلولة دون الوصول إلى هذه النتيجة فلم يجدوا إلا القول بذلك ينافى فن البحث العلمى . وقد عبر بعضهم عن ذلك قائلاً : (( إن العلماء يجب أن يتساءلوا عن الكيفية لا عن السبب . إن السؤال عن السبب يعنى أن هناك غرضاً عاقلاً وراء تصميم الأشياء وأن عوامل غير طبيعية توجه الأفعال نحو غايات معينة . وهذه هى وجهة النظر ( الغائبة ) وهى وجهة نظر يرفضها العلم الحالى الذى يجاهد فى فهم طريقة عمل جميع الظواهر الطبيعية وقد أشار فون برزكه إلى ذلك ذات مرة قائلاً : (( إن الغائية سيدة لا يقدر أى عالم بيولوجى أن يحيا بدونها ومع ذلك فهو يخجل أن يظهر بصحبتها أمام الناس )) (13) .

إلى هذا الحد بلغت مصادمة الفطرة وبلغ إرهاب أعداء الدين لمن يسايرها وهو إرهاب معنوى يقوم بالدور نفسه الذى كانت السلطة الكهنوتية تمارسه . كما أن لإحراز الفكر طغيانهم الفكرى الذى يضارع طغيان الكنيسة . وكيف لا يكون كذلك وهو إنما نشا رد فعل له ؟ فحين تفرض الكنيسة بالقوة أن تؤمن الإنسان بالثالوث رغم أنفه ، كذلك يوجب هؤلاء أن يكون الإنسان ملحداً رغم أنفه والفرق بينهما هو مصدر الإرغام فقط .

يقول وليم جيمس : (( لا يزال بعض رجال المذهب الوضعى ينادى اليوم قائلاً : هناك إله واحد مقدس يقف فى جلاله و عظمته بين أنقاض كل إله غيره وكل وثن وهو الحقيقة العلمية وليس له إلا أمر واحد وقول واحد وهو : أن ليس لكم أن تؤمنوا بالله )) (14) .

وعندما يحرج الباحث العلمى فى مأزق لا يستطيع معه إلا أن يقول : (( الله )) كما فى مسألة نشأة الحياة وأصل الكون وأمثالها فماذا يصنع ؟ أيساير العقل والفطرة فيصرح بذلك ويعد نفسه مخلاً بأسلوب البحث العلمى ومقصراً فى متابعة المنهج العلمى السليم . أم يتوقف عن المسألة نهائياً ؟

إن رواد الفكر الحر ! قد سبقوا إلى حل المعضلة ووضعوا أمام الباحث خياراً بين أساليب أحلاها مر . معتقدين أنها تؤدى إلى المقصود دون إخلال بالمنهج العلمى منها :

1- استعمال صيغة الفعل اللازم وإسناده إلى ما حقه أن يكون مفعولاً فى الأصل . ويظهر ذلك جلياً فى أسلوب (( جيمس جينز )) عند حديثه عن نشأة الحياة الأولى فهو يقول : (( الأرض مغطاة بالسحب بشكل يسمح بنفاذ ضوء الشمس ويجعل درجة الحرارة ثابتة رغم شدة البرد ليلاً …

اتحد ثانى أكسيد الكربون الوجود فى الهواء مع بخار الماء الذى انبعث من أحد الينابيع الحارة بواسطة الشمس

نشأ من ذلك هلام يتكون من مواد كربوايدراتية ، أمتصت هذه المادة النيتروجين من بعض مركبات النشادر …

نشأ أول كائن مفترض وهو ( البيرثبيون )) وصادف أن زحف فوقع على جزئ من الطعام فامتصه .

تحول هذا الكائن إلى (( البروتوزون )) وهو أدنى الحيوانات الموجودة (15) وكقول (( أوبارين )) :

(( نشأت الحياة على الأرض من تطور المادة غير العضوية نتيجة لسلسلة من التفاعلات الكيميائية ))(16) .

2- استعمال كلمة (( الطبيعة )) ذلك المعبود الذى أشرنا إلى ظروف تأليهه سابقاً . وذلك كالعبارة المشهورة عن داروين (( الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق )) .

وكقول هيكل ( صاحب نظرية الأثير ) : (( الطبيعة تحتوى ذاتها على كل القوى المطلوبة لأحداث جميع صور الوجود فيها والأنواع ينشأ بعضها من بعض بالتحول طبقاً لقوانين وتبعاً لترتيب فى الإمكان منذ الآن تحديده … فلا شيء فى الطبيعة لا يفسر بالطبيعة ولا شيء تقدم على الطبيعة ولا شيء يسمو عليها . فالطبيعة عند من يعرف قوانينها وبخاصة الانتخاب الطبيعى والتطور هى ذاتها التى خلقت نفسها )) (17) .

وهذا الأسلوب أكثر الأساليب استعمالاً وهو الذى امتلأت به الكتب ( العلمية ) وتؤثره المناهج الدراسية على كافة المستويات .

3- استعمال صيغة الفعل المبنى للمجهول للتخلص من نسبة الفعل إلى فاعل ما : وذلك كما فى قول ( جوليان هكسلى ) : (( توجد مجموعات لا حصر لها من الظروف المختلفة والتى يمكن أن تتلاءم معها الحياة )) . وقوله : (الطريقة المتقنة التى خلق بها الإنسان وتركيبه الطبيعى يمكن أن تدرك فقط بوضوح بالنسبة لبيئته)(18) .

4- استعمالات أخرى هى أشبه ما تكون بصفات غير صحيحة لله تعالى مثل الاصطلاح الذى أطلقه (ادنكتون) : (( مضاد للمصادفة ))(19)! ومعلوم أن المضاد لها هو الحكمة والتدبير .

وهذه ليست معضلة أصل الحياة هى المشكلة الوحيدة التى تواجه ( المفكرين الأحرار ) ولكنها من أكثر المشاكل إثارة للتخبط والاضطراب بينهم . وهى تصلح نموذجاً للمنهج اللادينى الذى يأبى التسليم بأية قوة غير مادية لا تنتظم مع آليته الجامدة .

فقد كانت النظرية السائدة فى القرن التاسع عشر هى نظرية ( التولد الذاتى ) التى اشتهر بها (اغاسيز ) ومؤيدوه . وظل الماديون متشبيثين بها بإصرار وعناد فى مقابل القائلين بالخلق الإلهى حتى انهارت وتقوضت دعائمها على يد ( باستور ) بعد سلسلة من المشادات والتجارب تؤلف قصة رائعة (20).

حينئذ لم يجد الملاحدة ما سترون به عورتهم إلا نسيجاً مهلهلاً أسموه ( نظرية المصادفة ) وكان أشهر أبطال النظرية من إنجلترا أمثال ( جيمس جينز ) و ( برتداند رسل ) – ولا تزال حالياً – أوسع النظريات انتشاراً بين علماء الأحياء المعاصرين لاسيما فى أمريكا .

ولكن هذه النظرية أثارت من علامات الاستفهام ما جعلها عرضة للنقد والتشهير . وتوالت البحوث المضادة لها حتى استطاع العالم السويسرى الشهير ( شارل اوجين جى ) أن يسدد إليها ضربة قاضية فى منتصف هذا القرن . فقد أثبت بالأساليب الرياضية التى لا مراء فيها أن هذه النظرية غير علمية على الإطلاق وأن حجم الكون الذى يمكن أن تنشأ فيه أدنى درجة من الحياة بطريق المصادفة هو أكبر من حجم كوننا حسب تقدير ( ألبرت آينشتاين ) بأرقام لا يمكن التعبير عنها بالألفاظ .

( كرة نصف قطرها = 10 أس 82سنة ضوئية )(21).

وبذلك وقع الماديون فى مأزق جديد أشد حرجاً . وكان المفروض أن ينتقلوا إلى الاحتمال الحقيقى وهو الخلق الإلهى . لكن الغرور والتعصب جعلهم ينتكسون مرة ثانية إلى القول بنظرية التوالد الذاتى مع محاولات يائسة وتفسيرات جديدة للخروج من التناقض الذى يقعون فيه نتيجة إيمانهم اليوم بما ثبت بطلانه بالأمس . ولنأخذ مثلاً لهذا التفكير المنتكس رجلين أحدهما من كبار علماء الحياة فى الغرب . والأخر رئيس الأكاديمية العلمية السوفيتية .

أما الأول فهو ( جورج والد ) وقد أسهب فى الحديث عن نظرية التولد الذاتى وفصل القول فى قصة تهافتها وانهيارها لكنه عاد ليقول : (( ونحن ننقل إلى المبتدئين ى علم الأحياء هذه القصة لتمثل انتصار العقل على الاعتقاد . وهى تمثل فى الحقيقة عكس ذلك تقريباً . فالنظرية الصائبة هى الاعتقاد فى التوالد الذاتى والبديل الآخر الوحيد لها هو الخلق الخارق للطبيعة الذى يعد حدثاً أساسياً وفريداً ، ولا يوجد بديل ثالث لهما ولهذا السبب فقد اعتبر كثيرون من المشتغلين بالعلوم منذ قرن مضى عقيدة التولد الذاتى كضرورة فلسفية . وإن من أعراض عجزنا الفلسفى حالياً أن هذه الضرورة فقد تقديرها .

(( وبرغم أن أحدث المشتغلين بعلم الأحياء قد أثلج صدورهم انهيار عقيدة التوالد الذاتى فإنهم ليسوا على استعداد لتقبل العقيدة البديلة لها وهى الخلق الخاص ، ومن ثم فقد فقدوا جميع الاحتمالات !..

(( وإنى لأعتقد أنه ليس ثمة اعتقاد بأنه اختيار أمام المشتغل بالعلوم سوى أن يتفهم أصل الحياة عن طريق فرض التولد الذاتى ، ويبدو التعارض فيما أبديناه سابقاً فقط فى الاعتقاد أن المعضيات الحية تبعث تلقائياً فى الظروف الحالية ومن ثم فلابد لنا من مواجهة مشكلة مختلفة نوعاً ما وهى كيف يمكن أن تبعث الكائنات تلقائياً فى الظروف المختلفة فى فترة غابرة وتعجز بعدو ذلك عن إبداء هذه المقدرة )) (22).

ورأى والد (( أنه لو استطاع العلم أن ينتج فى المعمل مادة حية من أبسط المواد تركيباً وهى مادة ( E . N . D ) فإن معضلة النشوء الذاتى ستحل وسترتقى الفرضية إلى درجة الحقيقة العلمية .

وأخيراً … وبعد أن أجهد نفسه فى بحوث عقيمة حول ذلك اعترف بعجزه بمرارة ولكنه لم يثب إلى رشده بل أخذ يمنى نفسه ويعلل المتطلعين إلى نتائج هذه التجارب بأن النشوء الذاتى ممكناً علمياً ولكن للأجيال القادمة ؟ وبشرط واحد فقط : وهو أن تكون التجربة على غير هذا الكوكب ‍‍ فهو يقول : (( إذا عجزنا عن تحقيق ما نتمناه فليس معناه أننا فقدنا كل شيء ، فسلالتنا البشرية سوف تحاول مرة أخرى فى غير هذا المكان )) (23).

والنتيجة نفسها تكررت مع الشاهد الأخر (( أوبارين ) فقد كلفه ( ستالين ) أن يثبت علمياً بأن الحياة نشأت تلقائياً من المادة ليدعم بذلك العقيدة الرسمية للدولة .

وفعلاً أمضى أوبارين وأعضاء أكاديميته ( 20 ) عاماً فى محاولات دائبة غير مجدية . إلا أنه سنة 1955 قال : (( إن النجاح الذى حققته علوم البيولوجيا السوفيتية حديثاً يؤيد ( الوعد ) بأن مسألة خلق كائنات حية بسيطة بطرق صناعية ليس ممكنا فحسب بل سيتحقق عما قريب ) .

وظل الناس يترقبون هذا الوعد ومات ستالين قبل أن تقر عينه بتحقيقه وفى سنة 1959 فى المؤتمر الدولى للبحار بنيويورك لم يفاجئ أوبارين العلماء بقوله : (( إن جميع المحاولات التى أجريت لتوليد الحياة من مواد غير عضوية سواء تحت ظروف طبيعية أو فى المعمل قد باءت بالفشل )) (24) .

وبالرغم من هذه الخيبة فلم يرعوا عن غيه ويؤمن بالخلق الإلهى ، بل وعد وعداً أخر بأن فى الإمكان توليد الحياة بشرط أن تكون المحاولة على كوكب غير الأرض وذلك نظراً لأن ظروف الأرض الحالية م تعد مهيأة لذلك))(25) .

ومعنى كلام هذين العالمين : (( إن على المرء أن يؤمن بنظرية التولد الذاتى رغم أنفه ، فإذا ساوره الشك فى صحتها ورغب التأكد من ذلك فما عليه إلا أن يحزم أمتعته ويستعد للقيام برحلة فضاء فى أعماق الكون حتى يصادف كوكباً تشابه ظروف الأرض عند نشوء الحياة الأولى عليها . أو ينتظر حتى تأتى الأجيال القادمة وتقوم بهذه الرحلة . وحينئذ سيتأكد لديه تماماً أن نظرية الخلق الإلهى نظرية رجعية وأن نظرية التولد الذاتى نظرية علمية صحيحة 100% !! .

على أن هناك حقيقة كبرى غابت عن ذهن العالمين العبقريين وهى أنهما لو استطاعا – فرضاً – تحضير مادة حية فى المعمل من المواد غير العضوية لما قالا أن شيئاً من المصادفة أو النشوء الذاتى أو الطبيعة هو الذى أنشأها بل سيقولان بتبجح أن ذلك نتيجة جهودنا وثمرة بحوثنا الدائبة .

ولعل مسألة أصل الحياة تلقى الضوء على الأسلوب الذى ينتهجه الماديون والمنهج الذى يطبقه الباحثون اللادينيون فى ميدان التعليم والبحث وهو المنهج الذى يفرض على أتباعه الانسلاخ والتجرد عن كل موحى من موحيات الدين مهما أيدها العلم وهتفت لها الفطرة ويلجئهم إلى الهروب من الإيمان بالله وإن أدى بهم ذلك إلى ارتكاب حماقات لا تليق بألقابهم العلمية العريضة .

وإذا كان علم القرن العشرين فى أوروبا عامة يرفض التحالف مع الدين فإن للعمل داخل الستار الحديدى وضعاً أشد تطرفاً وأسوأ استخداماً … ففى الوقت الذى يرفع فيه علماء الغرب الديمقراطى شعار (( العلم للعلم )) نجد العلماء السوفيت يرفعون شعار العلم ( العلم للعقيدة ) وفى أوقات أكثر صراحة يقولون (( العلم للحزب ) وقد صرح أجحد علماء روسيا قائلاً : (( العلم السوفيتى إنما هو علم حزبى ، علم طبقى )) . وأخذ يندد بما عدا ذلك من الشعارات معلناً أن ما يقال عن دولية العلم وكليته كلام فارغ تستخدمه الطبقة البرجوازية ومن يصغون لها مذهبها .

ويقول رئيس أكاديمية العلوم السوفيتية سنة 1929 : (( إن الفيزياء السوفيتية كالعلم السوفيتى دخلا فى حياة الدولة منذ زمن بعيد ووجها كل قواهما إلى خدمة بلدان هذا لاستيفاء كل الحاجات اللازمة لبناء مجتمع شيوعى .

(( والفيزياء الشيوعية تبنى عملها على ما اعتنق العالم من المادية المنطقية تلك التى رفع من آمرها تأليف لينين وستالين وهى تأليف أمدتهما العبقرية فيها بروح منها )) (26) .

والعجيب فى أمر علماء الشيوعية – وكل أمرها عجب – أن نتائج بحوثهم معروفة لهم سلفاً . فمن المحال أن يخرج أى كشف من كشوفهم عن الدائرة التى رسمها لهم الحزب الشيوعى أو يصادم أى رأى من أراء ماركس وأنجلز العلمية بالرغم من أن أقصى ما وصل إليه عصرهما من علوم لا يساوى شيئاً إذا قورن بالمستوى الحالى فى كل الميادين . ولا يستثنى من ذلك إلا التنقيحات والتعديلات لتى أجريت رسمياً على يد لينين وستالين .

ولذلك فإن هذا الجمود الأعمى كان ولا يزال محط نقد وتشهير كثير من المفكرين الشيوعيين لا سيما من كانوا خارج الستار الحديدى .

وقد سمى ( روجيه غارودى) هذا النوع من العبودية الفكرية مرة ( المعتقدية ) ومرة ( الأفكار اللاهوتية ) يقول غارودى : (( وهكذا قبلنا فى حماس – حتى دون أن تفرض علينا – بالمعتقدية الستالينية وكانت هذه الستالينية مركزة كلها فى عشرين صفة خاطفة يفترض أنها تضم خلاصة كتب الحكمة الفلسفية ، وكما كانت هناك كتب تعلمك (( اللاتينية بلا دموع )) وأخرى تعلمك (( اليونانية وأنت تضحك )) كانت هذه الصفحات تضع الفلسفة فى متناول الجميع وفى ثلاثة دروس : الدرس الأول : فى الأمور العامة ( الأنطولوجيا ) مبادئ المادية الثلاثة . الدرس الثانى : فى المنطق : قوانين الجدلية الأربعة . الدرس الثالث : فى فلسفة التاريخ : المراحل الخمسة لصراع الطبقات. وطوال العهد الذى سيطر عليه الأسلوب من التفكير لم يكن هناك من فلسفة ماركسية .

بل حذر ( مدسوى) (27) يزعم أن عنده الجواب على كل الأمور دون أن يعرف طبيعتها من علم الحياة إلى فلسفة الجمال مروراً بالزراعة والكيمياء .

وكان ستالين يفرض على العلماء نتائج معينة يجب عليهم الكدح الدائب لإثباتها علمياً كما سبق فى مسألة أصل الحياة . كما أن موضوع قوانين الوراثة يعتبر مما يثير السخرية البالغة ، فالعقيدة الماركسية تنكر بشدة أن يكون للعوامل الوراثية من الأثر ما يزعمه علماء الوراثة البورجوازيين في الغرب . لأن ذلك يضعف قيمة العامل الاقتصادي البيئي الذي هو كل شيء في نظرها لذلك فإن ستالين حسب تعبير ( رسل ) قد تمادى حتى أصدر قراراً بأن قوانين الوراثة الطبيعية يجب أن تصير من الآن فصاعدا مغايرة لما كانت عليه وإن على الخلايا ناقلات الوراثة أن تنصاع للقرارات السوفيتية لا لذلك القس الرجعي " مندل " .

وقد أوضح – أرثر كستلر – العضو السابق للحزب الشيوعي – المآسي التي يتعرض لها العلماء السوفيت الذين تقودهم تجاربهم إلى نتائج مغايرة لسياسة الحزب الرسمية مهما كان مجال عملهم علميا بحتا كالكيمياء والفيزياء . فما بلك بمن يوصله بحثه إلى شيء من الإيمان بالله أو الدين ؟ إن مثل هذا الشقي سيتلقى جزاءاً رادعاً ، ولا يشفع له ما أمضاه من سني عمره في خدمة الحزب الشيوعي .

ونستطيع أن نقول عن طبيعة المنهج اللاديني في العلم والبحث تفرضها في الغرب الرأسمالي دوافع نفسية وعوامل تاريخية موروثة بينهما تفرضها في الشرق – بالإضافة إلى ذلك – القوة الإرهابية للبوليس السري .
















أثر الفصل بين العلم والدين في المجتمع المعاصر

عندما انتصر العلم الحديث على خرافات الكنيسة وأساطير القرون الوسطي الأوربية وهدم أساليب البحث وطرق الاستنباط المدرسية التقليدية كان ذلك بلا ريب نصراً كبيراً للإنسانية في كل مكان وفتحاً جديداً في عالم المعرفة والنور .

لكن هذا النصر والفتح اختفيا تحت ركام الاستغلال البشع لما أنجزه الإنسان من تقدم في المعرفة استخدم للقضاء على الدين ذاته ودك أسسه باسم "العلم" :

لقد صورت المعركة التاريخية بين العلم وبين الخرافة على أنها معركة حقيقية بين الدين والعلم ، ونتيجة لذلك افتعلت عداوة أبدية بين خصمين لم ينشب بينهما على الإطلاق ولا يمكن أن يكون بينهما خصام في وضع سوي على الإطلاق .

وأيا ما كان الأمر فقد نجح المغرضون والهدامون – من الموتورين بطغيان الكنيسة وأعداء الجنس البشري المتربصين – في اختلاق هذا الخصام النكد وزحزحت حقائق وقيم الدين من ميدان العلم والبحث ، وظل العلم يمارس عمله متخبطا" في دائرة مغلقة لا علاقة لها بدين أو خلق ولا تهدف إلى غاية أسمى ومثل أعلى فماذا كانت النتيجة ؟.

إن بعض المنتسبين للعمل يعتقدون عن طيب خاطر ... أنهم قد أحسنوا صنعا" بعزل العلم عن الدين وإن إشفاقه على الدين من مواجهة العلم هو الذي دفعهم إلى المناداة بالفصل التام بينهما ، وهي دعوى تجد أذانا" مصغية لدى بض المنتسبين إلى الدين كذلك .

ولكن الواقع المحسوس في أوروبا يكذب هذه الدعوى فوق أنها في الأصل تنم عن الجهل بالدين أكثر مما تدل على الحرص عليه . ولقد كان "بوترو" على حق حين قال ناقدا" هذا الاتجاه في القرن الماضي :

"لم يعرف العلم ولا الدين أن يقتصر كفايته وعمله على ماله من ميدان فسيح أما الحكمة الجارية "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" فقد فسرت في ذلك الـوقت لا على أن الملكات الدينية في الإنسان ليس لها شأن بملكاته العلميـة فقط(1) ، بل على أنه يوجد في الأشياء نفسها عالمان هما الفكرة والمادة ، الميدان الروحي والميدان الزمني وليس لأحدهما أن يتدخل في شأن الآخر بأي وجه من الوجوه . ولكن هذا الفرض إذا كان توفيقاً مريحاً فليس هو الحقيقة الواقعة بل يكاد يكون عكس هذا (هو) الواقع"(2) .

إن أصحاب هذا الاتجاه قد ارتكبوا غلطة كبرى – وهي من الغلطات الرئيسية للجاهلية المعاصرة – وذلك بتوهمهم أن النفس البشرية تقبل التجزئة ويمكن أن يكون لكل جزء منها دائرته الخاصة . لقد كان أول ثمار هذا الفصل أن فشى الإلحاد بشكل لم يعرف التاريخ له مثيلا" . وقوضت دعائم الدين واجتثت تصوراته وإيحاءاته الأخلاقية باسم العلم والمعرفة وطبقت أوروبا عمليا" النصيحة التي أسداها هيكل وهي أن "التعليم أعظم عمل يقوم به المجتمع الذي يرغب في التخلص من الأديان"(3) .

فكان أن جردت المناهج التعليمية وكذلك البحوث والدراسات العامة من كل معنى ديني وأصبحت علمانية بحتة . ووضع التناقض النفسي الشاب المثقف أمام خيار صعب بين الإيمان بالله مع وصمة الرجعية والجمود بين الإلحاد المقرون بالتنور وحرية الفكر واختارت الأغلبية الساحقة الإلحاد فراراً من التهم الملصقة بالمؤمنين وتمشياً مع ما يسمى "التطور والعصرية" .


يقول جود : "لا أستطيع أن أعد أكثر من ستة من معارفي ممن أعدهم مؤمنين بالمسيح والمسيحية في حين أستطيع أن أعد بسهولة أكثر من مائة من معارفي الملحدين ... أصبح من النادر أن تجد مثقفا" متدينا" ... أصبح الذين يذهبون إلى الكنيسة هم في الأغلب من الطاعنين في السن أو النساء غير المثقفات وهم مع ذلك لا يزيدون على العشر (أي من سكان بريطانيا)(4) .

وحول ما أسماه كاتبوه "نظرة الناس إلى آلهتهم في القرن العشرين" كتب مؤلفو "تاريخ البشرية" الذي أصدرته منظمة اليونسكو : "مع أن يقينات علم نيوتن في القرن التاسع عشر قد حلت محلها النسبية العلمية واللا يقين ، فقد زاد تغلغل العلم في المناطق التي كان يحتلها الدين حين اتجه أصحاب البيولوجيا والكيمياء إلى فهم طبيعة الحياة وحين وصل علماء الفلك إلى مكتشفات جديدة حول أصول العالم المحتمل ومستقبله . وحين تغلغل علماء النفس في أغوار الانفعالات وشبه الشعور واكتشفوا منطقة التدين ! ، وحين أدى تزايد حجم المدن الصناعية باستمرار إلى وجود مجتمع غير ملائم دينياً مؤثر في عدد متزايد منن سكان العالم .

وفي المناطق التي يسيطر عليها الشيوعيون نشرت المعارف العلمية عن العالم والمجتمع لتكون وسيلة لمحاربة العقائد الدينية وأصبح بنظر إلى المؤسسات الدينية على أنها ستار للاستغلال البورجوازي الذي لا مكان له في المجتمع الحديث"(5) .

والنتيجة التي حدثت في مجال الفلسفة النظرية فقد وقع "ديكارت" في الغلطة نفسها باعتقاده أن الثنائية بين العلم والدين – كما حاول أن يحدد فلسفتها– ستحول دون انهيار المسيحية وتتيح لكل من الدين والعلم الحرية في مجاله الخاص ، ولكن آل الأمر إلى أن تقول الفلسفة الحديثة :

"يتميز موقف الفيلسوف على خلاف موقف الديني ... بأنه موقف تجرد ونظر خالص فهو يرى أن مسألة الله بأسرها من حيث وجوده ومن حيث طبيعته معا" هي مسألة مفتوحة تماماً .

فالفلسفة لا تعرف "أمورا" مقدسة" لا يمكن الاقتراب منها والمفكر الميتافيزيقي لا يشعر عند معالجته لمفهوم الكائن الأسمى بخشوع يزيد على ما يشعر به إزاء أية مسألة أخرى من تلك المسائل القصوى التي يحار لها ذهن الإنسان .

وأن منن أول ما يتعلمه دارس الفلسفة أن نفس وجود ميدان الفلسفة هذا بوصفه نشاطاً عقلياً له دلالته ، يتوقف على حقنا في مناقشة أية فكرة أو أي تصور أو أي قيمة أو قانون أو نشاط أو نظام داخل في نطاق التجربة البشرية أحياناً وكما يقال أحياناً على سبيل المزاح ، فحتى الله نفسه "ينبغي أن يقدم أراق اعتماده أمام مدل مدرج الفلسفة"(6) .

وهناك مشكلة أخرى هي في الواقع امتداد للمشكلة سالفة الذكر وهي "نفي الغائية التي تبناها العلميون" منهجيا" كما سبق فقد مدوا نطاقها حتى ألف الناس أن يسمعوا منهم أن وجودهم على هذه الأرض لا غاية له ولا هدف بل قذف به سير التطور البطيء الطويل صدفة واتفاقاً . أو حسب رأي هيكل أن "الإنسان في ضوء الفلسفة العلمية لن يكون مركز الكون وغايته ، بل حلقة في سلسلة الكائنات كما تتصل الديدان باللافقاريات أو الأسماك بالديدان ، وليس امتياز الإنسان إلا حالة من التقدم الاستثنائي الذي امتازت به الفقريات على أنواع جنسها خلال التطور العام"(7) .

وقد عاد ذلك بأسوأ الأثر على الأخلاق والقيم الإنسانية التي ظل بنو الإنسان محتفظين بها منذ وجدوا على الأرض وخرجت في أوروبا أجيال آمنت بالعبثية والعدمية والفوضوية والوجودية وأضرابها من أشكال الفلسفات العابثة التائهة وعمت موجة غريبة طاغية من التبرم والضيق بالحياة ومحاولة الهروب من السير في جادتها وأصبح التخلص من التفكير في ذلك هو الغاية الكبرى لكثير من الناس .لا سيما ذوو الإحساس المرهف.

وتنغصت حياة الناس بقلق وذعر لا يكادون يستبينون مصدريهما وأخذت تعصف بهم دوامة من الحيرة والضياع تزداد سعاراً كلما تذكروا أن وجودهم في هذه الدنيا لا يزيد هدفاً وحكمة عن وجود أدنى الديدان وأحط الحشرات .

ونتج عن ذلك – مما نتج – أن استهان الفرد بنفسه وفقدت حياه معناها وقيمتها فأصبح الانتحار بوسائله المتعددة أمراً مألوفاً . بل أصبحت المسابقات والمباريات الفردية والجماعية تعتمد بالدرجة الأولى على المخاطرة والزج بالنفس في الأهوال واستأثرت مناظر العنف باهتمام الناس سواء أكانت على الطبيعة أم في وسائل الإعلام .

وقد ضج كثير من الباحثين المشفقين لهذه المآسي المروعة وعلى رأسهم الدكتور إليكسس كاريل وتلميذه ليكونت دي نوى الذي ألف حول هذا الموضوع كتابه الشهير "مصير الإنسان" وهذه بعض أقواله في مقدمته : كان نمو الجبهة المادية من الحضارة ابتداء منن منتصف القرن التاسع عشر قد أثار اهتمام البشر وجعلهم ينتظرون بشيء من القلق ما يتمخض عنه الغد منن معجزة فلم يبق لهم الوقت الكافي للاهتمام بالمشاكل الحقيقية أعني المشاكل الإنسانية ، وقد تعاقبت الاكتشافات الرائعة المدهشة بدون انقطاع منذ سنة 1880 إلى سنة 1915 فبهرت عقول الناس كما يبهر أول مشهد من السيرك عقول الأطفال وأنستهم المأكل والمشرب ، وقد أصبح هذا المشهد الجسيم رمزاً للواقع وصرف النظر عن القيم الحقيقية وقد طمسها نور الكوكب الجديد ... لقد شعر الكثيرون بالخطر المحدق وأنذروا به غير أن أحدا" لم يصغ إليهم ، لأن معبوداً جديداً غريباً كان قد ولد ولأن عبادة جديدة قد طغت على الشعب هي عبادة المستحدث" .

وكان من الطبيعي أن يتحول تدريجيا" الاحترام الذي كان يستأثر به الكهنة دون سواهم ، إلى أولئك الذين أفلحوا في تسخير قوى الطبيعة وكشف أسرارها وهكذا انتشرت المادية ويا للأسف ليس بين العلماء فحسب بل بين الشعب أيضاً" .

"إن القلق العصري ناتج على الأخص عن أن الذكاء حرم الإنسان كل مبرر لوجوده بأن قوض باسم علم لا يزال في المهد أسس التعاليم التي ظلت حتى اليوم تعطي الحياة الفردية معنى الجهاد وتشير إلى هدف سام يجب بلوغه وهي الأديان" .

"إن نكران حرية الإرادة ونكران الطبيعة الخلقية واعتبار الإنسان مجرد وحدة فيزيائية كيماوية وجزءاً من مادة حية قل أن تتميز عن الحياة . كل هذا يؤدي حتماً ، إلى موت الإنسان الخلقي وخنق كل روحانية وكل أمل فيه ويؤدي إلى ذلك الشعور الرهيب الموهن بالبطلان الكامل .

"والواقع أن ما يميز الإنسان كإنسان هو وجود الفكرة المجردة والخلقية الروحية فيه ، وهو إن فخر فإنما يفخر بها ، وحقيقة وجودها لا تقل عن حقيقة وجود الجسد وهي التي تعطي الجسد قيمة لا يحصل عليها بدونها"(8) .

ومن جهة أخرى كتب مؤلفو "تاريخ البشرية" المشار إليه سلفا" يقولون : "إن سيطرة الإنسان على الطبيعة قد كانت من أسباب زلزلة يقينه فيما يتعلق بغاية لحياة الإنسانية ، ذلك أن الإنسان كان راضياً بما كتب له وبأن مصيره يحدد بقوانين أخلاقية عليا من عند الله فكان يشعر بأنه يخدم غرضاً سامياً إذا هو سار على هدى الأخلاق الكريمة . وهكذا نرى ارتفاع مكان الإنسان في مواجهة الطبيعة قد أعطاه إحساساً كبيراً بقوته الخاصة ولكنه لم يمنحه الضوابط الأخلاقية لحسن استخدام هذه القوة.

ولما كان كل اكتشاف أو اختراع جديد يأتي معه بأخطاء كبيرة تحدق بالإنسان آمالاً كبرى وكأنما قد فتحت له فردوساً جديداً لم يكن يخطر له على بال . ولكن ظهرت بظهورها أخطار كثيرة – غير إمكانية استخدامها عمداً لأغراض التدمير والخراب .

"وقد أخذ الناس يتساءلون : ترى هل حياتهم لها غاية ؟ أم أن البشرية إنما تسير إلى الأمام بلا تبصر . يدفعها إلى الحركة ذكاؤها القلق الذي لا يستقر على حال ؟ وما هي واجبات الإنسان نحو اخوته من البشر ؟ ما هي المبادئ الأخلاقية التي تستطيع أن تهدي الإنسان إلى خير السبل لاستخدام مقدراته الجديدة كيف يستطيع مع استخدام هذه القدرات أن يختار السبيل المؤدي إلى خير البشر؟"(9) ؟

وكان من الآثار السيئة – كذلك – لفصل العلم عن الدين ذلك التخبط المزعج الذي وقع فيه من يسمون علماء ، خصوصا" فيما يتعلق بالشؤون التي لا يستطيع الإدراك البشري منفرداً أن يسبر أغوارها .

فمثلاً تعددت النظريات حول نشأة الكون إلى درجة تجعل أي مطلع عليها يشك فيها كلها ، ومع ذلك فوجهات النظر فيها أقل اختلافاً منها فيما يتعلق بالنفس البشرية وسلوك الإنسان وانفعالاته وشعوره وحريته وإرادته ففي الغرب اليوم عشرات المدارس النفسية ومئات الاتجاهات الفلسفية ، كل منها يفسر الإنسان تفسيراً خاصاً ، ويعالجه من وجهة نظر مغايرة ، ويكفي شواهد على ذلك التحليلية والسلوكية والروحية والعبثية والوجودية والبراجماتية ... و ...الخ.

وكذلك الشأن فيما يتعلق بالبحوث والدراسات الاجتماعية فهناك العشرات من المدارس الكبيرة ينضوي تحتها ما لا يحصى من الاتجاهات الأقل شأنا" ومن أشهرها : المدرسة الاجتماعية المتطرفة "دوركايم" والمدرسة النفسية "جبرائيل تارد" والمدرسة العضوية "سبنسر" والمدرسة الآلية "باركلي ، سيمون" والمدرسة الحيوانية "الداروينيون" والمدرسة الفوضوية "باكنونين" ... وكل مدرسة تلعن أختها"(10) .

أما الاضطراب حول "الذات الإلهية" فأوسع من أن يحصر ، فإضافة إلى الذين ينكرون وجود الله – تبارك وتعالى – نجد من يقترح أن يكون الأثير العام هو الإله الذي يمكن أن يوفق بين العلم وبين عقائد رجال الدين(11) . ومن يرى أن الله تعالى هو "المركز الذي تنبع منه العوالم كما تنبع الصواريخ من باقة عظيمة مع مراعاة أن هذا المركز ليس شيئا" بل هو انبثاق مستمر أو نبع متواصل"(12) . كما بعثت الفلسفات الصوفية القديمة لا سيما وحدة الوجود . وسئل بعضهم فزعم أن الإنسان هو الإله على الحقيقة !(13) بينما اكتفى آخرون بترديد لفظ "الطبيعة" وغلا فرق منهم في الشك حتى زعم أن الكون كله وهم لا حقيقة له ولا وجود لشيء خارج الذهن وليس هناك حقيقة موضوعية على الإطلاق(14) . ووصل الجنون ببعضهم إلى حد أن أدعى أنه هو الله – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً(15) أما الحيارى التائهون فجموع لا تحصى .

وكان من نتيجة النفور الشديد من الدين أن أقحم بعض المنتسبين إلى العلم أنفسهم فيما لا يقع في دائرة عملهم وأخذهم شعور من الغرور الكاذب جعلهم يجزمون بأمور لا يملكون عليها أي برهان ويتوقعون للعلم البشري أن يحيط بعالمي الغيب والشهادة .

يقول "رسل" : "القول بأنه الإنسان حصيلة أسباب غير مقصودة أو أن أصله ونشأته وآماله ومخاوفه وميوله ومعتقداته هي حاصل التركيبات الذرية العرضية وأن لا النار ولا البطولة ولا حدة التفكير والشعور تستطيع أن تحفظ حياة الإنسان بعد القبر وأن كل جهد الإنسان على مر العصور وكل العبادة وكل الإلهام وكل العبقرية والإنسانية مصيرها إلى الزوال عند نهاية النظام الكوني وحطامه . كل هذه الأشياء وإن كانت نوعاً ما عرضه للنقاش فيها فإنها أكيدة بشكل حتى أن ما من أية فلسفة ترفضها يمكن أن تعيش"(16) .

ويقول هكسلي : "إني لا أفهم إذا صح وجود حياة أخرى تحياها النفوس كيف لا نستطيع أن نجد سبيلاً إلى استكشاف هذه الحياة الأخرى ، فلا شيء مما يتصل بالإنسان يمكن أن يتوارى عمداً عن الإنسان"(17) .


ويقول هيكل : "لو أعطيت وقتاً ومواد كيماوية لصنعت إنسانا"(18) .

وهناك كثير منن أمثال هذا الغرور الأحمق الذي ولده الشعور بأن الانسان خصم للخالق . وأن في إمكانه أن يسرق علم كل شيء كما سرق النار المقدسة من قبل وإلا فلو أن لهؤلاء المسلمين علماء إيماناً بالله – على الحقيقة – لكانوا أكثر الناس خشوعا واعترافا بين يديه . وقد بلغ من غرور علماء الغرب وفرط استكبارهم أنه حتى نقاد الحضارة الغربية والمتنبئين لها بالانهيار يطلبون الدواء الناجح والحلول السريعة من العلم نفسه ويهيبون بالعلماء إلى دراسة مستقبل الجنس البشري والعمل على إنقاذه . ويطالبون بعقد مؤتمرات دولية لبحث هذه الشؤون . وهكذا تتخبط أوروبا وتحار . ومنهج الله ميسر قريب !

بقي أن نشير إلى نتيجة أخرى – من نتائج فصل العالم عن الدين – وهي في نظر عامة الغربيين أكثر النتائج سوءاً مع أنها في نظرنا عرض للمرض وليست هي المرض ذاته ، وهي مشكلة سوء استخدام العلم المتمثل في الدمار الذي يهدد البشرية صباح مساء نتيجة الكشوف في ميدان الذرة والحرب عموماً . يقول أحد الباحثين في كتاب ( العلم أسراره وخفاياه ) :

( إن العلم يواجه ورطة شديدة فالعلم هو البحث عن الحقيقة ، وأساس العلم العقيدة الراسخة بأن الحقيقة تستحق الاكتشاف وأن البحث عنها إنما ينبع من أشرف صفة من صفات الروح الانسانية ، ومع ذلك فهذا البحث عن الحقيقة هو نفسه الذي جعل حضارتنا تقترب من حافة هاوية الدمار . وعندما نواجه الآن السخرية التي تحولت إلى مأساة . وهي أننا كلما نجحنا في توسيع آفاق معرفتنا كان ذلك نذيراً بقرب الخطر الذي يهدد بالقضاء المبرم على الحياة البشرية على هذا الكوكب . فهذا السعي وراء الحقيقة أمدنا في اخر الأمر بالأدوات التي تمكننا من هدم مجتمعنا بأيدينا وبالقضاء على كل الآمال المشرقة لجنسنا ما عسانا فاعلين في هذا الموقف ؟ هل نكبح جماح العلم أم نتمسك بطلب الحقيقة رغم ما في ذلك من تمزيق وتبديد لمجتمعنا"(19) .

أما دي نوي "فقد كاد يضع يده على مكمن الداء" إذ قال : "إن الذكاء بنفسه خطر إذا لم يخضع لإدراك حسي أو عقلي للقيم الخلقية وهو لم يفض إلى المادية بل إلى أعمال فظيعة ، وقد كتب هذا الكتاب قبل اختراع القنبلة الذرية التي تبين ما نقول بطريقة واضحة . وفهم الجمهور أن انتصارا" فائقا" للعلم تحدى الطمأنينة الإنسانية بأسرها ، وحينئذ فهمت الأمم الدعوة متحضرة أن الاتحاد الخلقي وحده يقدر أن يدفع عنها هذا التهديد وكان الوقت قصيراً فلم نجد سبيلاً إلى الحماية إلا بواسطة اتفاقات خطية ويعلم الكل أنه لا قيمة للاتفاقات ولا ثقة بها إلا بالنسبة إلى الإنسان الذي يذيلها بتوقيعه ، وإذا لم يكن هذا الإنسان مستقيماً مخلصاً وإذا لم يكن يمثل شعباً يحترم كلمته فلا تعني شيئاً على الإطلاق" ..

"ولأول مرة في تاريخ الإنسان أصبح النزاع بين الذكاء الصرف والقيم الخلقية قضية حياة أو موت . وكل ما نأمله هو أن تستفيد الإنسانية من هذه الأمثولة لكننا لسوء الحظ لسنا واثقين من ذلك"(20) .

هذا قليل من كثير من النتائج السيئة التي جلبها الصراع المشؤوم بين دين أوروبا وعلمها ودفع إليها التعصب المقيت من قبل دعاة اللادينية في مجال مفروض فيه أن يكون أعظم طريق إلى الله وأقوى دافع إلى خشيته .

ولعل هذا العرض الموجز يعطينا الدليل القاطع على أن للفصل بين العلم والدين في أوروبا ظروفه وأسبابه الخاصة ، ويقدم لنا شاهداً آخر – بالإضافة إلى شواهد كثيرة – على أن الجاهلية المعاصرة مهما تمسحت بالعلم والعقلانية- إنما تتحكم فيها ردود الفعل المتعارضة جيئة وذهاباً دون أن تطعم – ولو مرة واحدة – لذة الهدوء والاستقرار .


<< .. الفصل الرابع .. >>

// == علمانيـــــــــ الإجتماع والأخلاق ـــــــــــــــــة == //

>><<

مجتمع القرون الوسطى وأخلاقها : كانت أوروبا الوسطى تعيش حالة من الهمجية والانحطاط لا يكاد يضارعها فيها أي جزء من العالم آنذاك ، لا سيما القرون الثلاثة الأولي التي اصطلح مؤرخو الغرب على تسميتها "العصور المظلمة" وإن كان يطلق أحيانا" على القرون الوسطى كلها العصـور المظلمة تلك التي امتدت قرابة عشرة قرون(1) .

كان التفسخ الاجتماعي والتدهور الأخلاقي يسيطران على حياة أوروبا القاتمة ابتداء" منن غزو النورمانديين البرابرة لجنوب أوروبا وسقوط إيطاليا ، خاصة ، في أيديهم . لكن التاريخ مهما أسهب في وصف التدني الاجتماعي والأخلاقي لتلك الفترة لا يستطيع أن ينزع منها صفة "البشرية" فهي مهما بلغ انحطاطها لا تصل إلى القاع الحيواني الذي تنغمس فيه أوروبا المعاصرة ، والصورة مختلفة بين مجتمعين أحدهما بشري متخلف والآخر حيواني هابط !

كان لمجتمع القرون الوسطى قيمه وتقاليده وأخلاقه البشرية ، وهي قيم مجردة وتقاليد وأخلاق قائمة بذاتها لا تتوقف على سند موضوعي أو عامل خارجي أيا كان ، وبغض النظر عن مقدار مراعاتها وتطبيقها عملياً فإنها كانت حقائق مقررة لا مراء فيها وكان التمسك بها مدعاة للاعتزاز والخروج عليها مصدراً للاستنكار وجرحاً في الفضيلة والرجولة .

أما حراسة تلك القيم والأخلاق ومحاولة ترسيخها فكانت ملقاة على عاتق الكنيسة ومنوطة بجهود الآباء والرهبان الذين يقدمون النماذج العليا لها . غير أن الكنيسة بتحريفها لدين الله وابتداعها ما ليس منه أجرمت في حق نفسها وأتباعها . وأسهمت من غير قصد في هدم الأسس الأخلاقية التي قام عليها مجتمع القرون الوسطى وقام عليها سلطانها العظيم .

وقصة أخلاق الكنيسة تحكي تناقضاً صارخاً وتبايناً عجيباً : فمن جهة "التصور" اشتطت الكنيسة وغلت في تصورها للفضيلة والخلق الرفيع ووضعت لها الشروط والمواصفات التي تنوء بالجهد البشري تتمته بمزايا غير عادية ولا يصح أن تتخذ مقياساً لسائر بني الإنسان.

ومن جهة "السلوك" تلطخت سيرة رجال الكنيسة وأعضاء الأديرة برذائل وأرجاس يترفع عنها الفرد العادي ويتستر عليها الفاجر البذيء – وقد سبق الحديث عن ذلك في الباب الأول – أي أنها في الوقت الذي تحلق فيه تعاليمها في السماء الذي تحلق فيه تعاليمها في السماء نجد أن واقعها يتخبط في الوحل!. فالعفة – مثلاً – خلق إنساني نبيل فطرت عليه البشرية ودعت إليه الأديان كافة، لكن الكنيسة بالغت في تصورها لهذا الخلق حتى حرمت ما أحل الله وأنكرت ما تلح عليه الفطرة وتدعو إليه الغاية من الوجود الإنساني وذلك بابتداعها "الرهبانية" وتنفيرها الشديد من المرأة لذاتها ، فتعاليمها تقول عن النظر المجرد :"إذا نظرت عينك إلى معصية فأقلعها فإنه خير لك أن تفقد عضوا" من أعضائك من أن يلقي جسدك كله في النار"(2) .

وانطلاقاً من ذلك حرمت الزواج على رجال الدين معتقدة أن رجل الدين لا يجوز له أن يهبط إلى مستوى أخلاق الشعب ويشاركهم في الاستمتاع الدنس!.

هذا من الوجهة النظرية . أما الواقع العلمي فشيء مختلف تماماً فقد كانت الأديرة مباءات للفجور ومواخير للدعارة وكان للبابوات والقساوسة من العشيقات والحظايا ما لا يكون لدى الملوك الدنيويين . وتولى منصب البابوية عدد من الأبناء غير الشرعيين لبعض الآباء والكرادلة(3) .

والمصيبة أن تلك الحقائق لم تكن خافية على الشعب بل كانت حديث الألسنة ومثار الجدل .

والجشع على المال والملذات خلق ذميم – ما في ذلك شك – ولكن الكنيسة غالت في ذمة وتحريمه والدعوة إلى الزهد والتقشف إلى درجة أنها حرمت المال الحلال وقدست الفقر وحظرت سبل الرفاهية وقال أناجيلها "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" وفي الوقت نفسه كان رجالها أجشع الناس وأغنى الملاك وأترف الأغنياء .

والتسامح خلق رفيع ومنقبة عظيمة – باتفاق العقول والفطر – غير أن الكنيسة بالغت في فرضه حتى أوجبت على أتباعها قبول الذل وتحمل الظلم فقالت : "من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر أيضا" ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين ، ومن نازعك رداءك فاعطه الآخر" .

وقالت "باركوا لاعنيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" .

كل هذا في العقيدة والتصور ولكن الواقع العملي يشهد أن الكنيسة ارتكبت من ألوان الظلم وفظائع الطغيان ما يتورع عنه جبابرة الفاتحين وعتاة المستبدين ولم تعرف رحمة ولا تسامحا" حتى مع مخالفيها من أبتاعها أو أبناء دينها .

وهكذا الحال في سائر الصفات النبيلة والأخلاق المحمودة : تطرف وشطط في التصور وإسفاف وهبوط في السلوك ، وكان لهذا التناقض الصارخ أثره البالغ على الناس في واقع حياة أتباعها أيام مجدها وسطتها ثم في ثورة أعدائها بعد أن تصدعت أركانها وهوجمت من كل مكان .

كان أتباعها طيلة القرون الوسطى لا يستطيعون الارتفاع عملياً إلى المستوى المثالي النظري لأخلاقها – ولهم في ذلك العذر – فكانوا يتزوجون ويجمعون المال ويثأرون لأنفسهم من ظالميهم ويتصرفون في سلوكهم بعيداً عن قيودها التي لا تطاق . ولا يلزمون أنفسهم بتطبيق قواعد وأنماط سلوكية لم يسجل التاريخ أنها طبقت – بصورتها النظرية – على نطاق واسع في أية مرحلة من المراحل . لكنهم كانوا وهم يفعلون ذلك يجدون في أنفسهم تناقضاً وجدانياً ويشعرون أنهم – إذ لم يكونوا على الصورة المثلى – مقصرون ومخطئون يتعرضون للتأنيب المستمر من أعماق ضمائرهم وكان هذا الشعور ملازماً لهم نفسياً رغم أنهم مظهرياً يمارسون الحياة العادية بكاملها .

وتولد من ذلك إحساس دائم بالذنب لدى النفسية الأوروبية كلما تاقت إلى مباح أو استمتعت بمتاع – وإن كان الحلال المحض ! وهو إحساس توارثته الأجيال المتعاقبة حتى أصبح من الرسوخ بدرجة تجعل التخلص منه لابد أن يأتي في صورة ثورة نفسية هائجة ورد فعل جانح وهو ما فعلته أوروبا الحديثة.

هذا من جهة . ومن حيث النظرة الشكلية العامة نجد أن مجتمع القرون الوسطى كان أسرياً في تكوينه زراعياً في حرفته إقطاعياً في طبقاته ومراتبه ولك ميزة من هذه المميزات انعكاسه الواضح على الأخلاق الاجتماعية : فالنظام الأسري ساعد على ترسيخ فكرة المحافظة على العرض وقداسة العلاقة الزوجية حتى لقد كان القتل هو العقوبة المتوقعة للزوجة الخائنة – أو للمتعدي على العرض .

وطبيعته أسهمت في المحافظة على الواجبات الفردية وعلى التقاليد المتوارثة منذ القدم والتي كانت مزيجاً من تعاليم دينية وأعراف اجتماعية تشكل بمجموعها قواعد أخلاقية ثابتة يلتزم بها المجتمع .

ولكن هذه الحال – في الوقت نفسه – بإهمال الكنيسة وأحيانا" بإشرافها ساعدت على تشرب المجتمع لأفكار عتيقة وخرافات بالية من بقايا الأساطير القديمة أو من اختلاق القول الساذجة ، روجها الجهل المطبق وهبوط المستوى العقلي للعامة والخاصة فتشابكت مع تلك الاجتماعيين اللادينيين بالاعتقاد بأن تلك الأخلاق وليدة الخرافات نفسها أو قرينتها الدائمة .

ونظامه وطبقاته الإقطاعية أضفت علية صفة الثبات المطلق الذي يميز عصر الإقطاع برمته ، وذلك ما أوحي إلى الباحثين بعد انفجار قنبلة التطور في أوروبا بأن التقاليد والأخلاق ليست ذاتية ولا ثابتة بل تكتسب سماتها ومميزاتها من طبيعة الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي .

هذه بعض الملامح الإجمالية الموجزة لاجتماع وأخلاق القرون الوسطى وستزداد صورتها وضوحاً عند عرض الاتجاهات الاجتماعية اللادينية التي إنما نبتت أصلاً لتكون ردود فعل لذلك الواقع الاجتماعي نفسه .


=======

النظريات والمدارس الاجتماعية اللادينية

مقدمة :

الفكر الاجتماعي قديم الأصول فقد تحدث أرسطو عن الحياة الاجتماعية للإنسان وقال عبارته المشهورة "الإنسان حيوان اجتماعي" كما أن أفلاطون كانت له نظراته الإجتماعية التي دونها في "جمهوريته" وإن كانت من صنع الخيال .

ولما كان عصر النهضة الأوروبية وبعثت الآداب والفلسفات الإغريقية انبعث التفكير الاجتماعي اللاديني باتجاهيه : الخيالي الممثل في "الطوبيات" أو المدن الفاضلة ، والواقعي الذي يحاول أن يستمد من الفلسفة والعقل ما يناهض به الكنيسة وتعاليمها .

وكانت ريادة هذا المجال من نصيب "ميكافييلي" "و "هوبز" اللذين ألمحنا إليهما في الفصل الأول من هذا الباب "ويتلخص رأي هوبز وميكافيللي في أنه عندما تنحرف المعتقدات عن المبادئ الأخلاقية والشرعية يستتبع ذلك في مجال الأفكار فترة فراغ نرى فيها أن فكرة العنف هي التي تسود لعدم وجود ضابط للشرعية ، وفي رأي هذين الكاتبين أن الحياة في المجتمعات تقوم على استخدام القوة وتتلخص السيكولوجية الاجتماعية عندهما في العبارة الشهيرة ، أن الإنسان ذئب بالنسبة للإنسان "وفي قول ميكافيللي "إن ميل الإنسان للشر يفوق ميله إلى الخير" . "ويعلق بوتول" على ذلك قائلا" عن ميكافيللي "إن أهمية هذا المؤرخ الفلورنسي أنه جعل لفلسفة التاريخ ولعلم الاجتماع السياسي وجوداً مستقلا"(1) .

وكان من رواد الأفكار الجديدة أيضاً الفيلسوف اليهودي "سبينوزا" الذي اشتهر بعداوته للأديان وأخلاقياتها . وكان معاصراً لهوبز وفي رأيه أن الناس يعيشون في الأصل خاضعين لسيطرة شهواتهم وأن حقوق الناس في نزاع دائم مع قوتهم التي تتعادل فقط مع هذه الحقوق ويهاجم سبينوزا الأخلاق الذي كان يسود في العصور الوسطى والذي يمجد النسك ويدعو للندم والذي يغلب فيه الميل للشقاء فيقول :"أن اللذة خير في ذاتها والألم القبيح في ذاته ... وأن الحكمة هي التأمل في الحياة لا في الموت" .

على أن كاتباً آخر تطرف في عداوته للكنيسة وأخلاقها بدرجة عجيبة وهو "مانديفيل" في كتابه "أقصوصة النحل" الذي أثار فضيحة وكان له دوي عظيم "فقد ذهب إلى أن النقائص هي بالتحديد التي يدمغها الأخلاقيون كالشراهة والتعجرف والفسق الخ ... وهي التي اعتبرت مذمومة هي في الواقع أعظم العناصـر الديناميكية التي لولاها لاضمحل الإنسان إلى حالة قريبة من الحيوانية"(2) .

وهذه البدايات والأفكار ظلت مبعثرة لم تنسق في علم واحد حتى ولد علم الاجتماع باعتباره علماً خاصاً يدرس العلاقات والظواهر الاجتماعية دراسة مفصلة ضمن قواعد ومعايير خاصة .

ولادة علم الاجتماع :

"يبدأ نسب العلم وأصله في فرنسا من مونتسكيو (1689 – 1755) فكتابه روح القوانين بحث في الفلسفة السياسية وكان يعني بكلمة قوانين "العلاقات الضرورية المستمدة من طبائع الأشياء وقد ميز بين طبيعة المجتمع ومبدأ المجتمع بقوله "طبيعة المجتمع هي بناؤه الخاص المميز ومبدأ المجتمع هو الرغبات والأهواء الإنسانية التي تدفعه للعمل" .

"ثم جاء سان سيمون الذي كان ابناً حقيقياً لعصر التنوير ولذا كان يؤمن إيماناً شديداً بالعلم والتقدم كما كان يرغب فوق كل شيء في إنشاء علم وضعي للعلاقات" .

"وأِشهر تلاميذه هو أوجست كونت ثم جاء دوركايم وتلاميذه وليفي بريل وقد كانوا جميعاً يتابعون نفس التقليد الذي وضعه سان سيمون" ..

"أما في بريطانيا فكان ديفيد هيوم وآدم سميث وهوبز وكان هؤلاء الفلاسفة ينظرون إلى المجتمع على أنه نسق طبيعي أي أنه ينشأ من الطبيعة البشرية ذاتها وليس من العقد الاجتماعي وبهذا المعنى كانوا يتكلمون عن الأخلاق الطبيعية والدين الطبيعي والفقه الطبيعي وغير ذلك"(3)

هذا الإجمال الذي ذكره مؤلف "الانتروبولوجيا الإنتاجية" يحتاج إلى تفصيل بذكر كل اتجاه وإعطاء فكرة عن منهجه وآرائه :


أولاً – نظرية العقد الاجتماعي :

كانت النظرية السائدة قبل "كونت" هي نظري العقد الاجتماعي وصاحبها هو "جاك جان روسو" وقد سبق شيء من الحديث عنها في الفصل الأول من هذا الباب . والذي يهمنا منها الآن هو نظرتها إلى الأخلاق أي إلى أسلوب التعامل بين أفراد المجتمع .

والواقع أن روسو كان جريئاً في تحديه للدين وخروجه على أخلاق وتقاليد عصره فقد نفى العنصر الإيماني من الأخلاق وجعل مدارها الرئيسي المصلحة الدنيوية المجردة ، أي تحقيق أفضل وسيلة للتعاون مع المجتمع في حدود الدنيا فقط ولغرض المنفعة الخاصة أو العامة إن أمكن ، وبذلك نشأ للمرة الأولى في تاريخ لمسيحية – أن نظر الباحثون للأخلاق على أنها مظاهر صورية للتعامل الخارجي لا حقائق وقيم تنبع من ضمير الإنسان ويوحي بها وجدانه الإيماني .

ولم يصرح روسو بمعتقده بطريق مباشر ب استخدم خياله لتصوير دعائم فلسفية وهمية يقيم نظريته عليها ، وسنتابعه في افترضاته حتى نصل معه إلى النتيجة المبتغاة : "الأصل في الإنسان الفردية ، وكان سعيداً أيام حياته تلك ومتبعاً للقانون الطبيعي ولكن الكوارث ودواعي الاجتماع جعلته يتعلم اللغة حتى أصبح الإنسان الطيب شريراً بالاجتماع" .

"على أن الاجتماع قد أضحى ضرورة ومن العبث محاولة فضه والعودة إلى حال الطبيعة وكل ما نستطيع صنعه هو أن نصلح مفاسده بأن نقيم الحكومة الصالحة ونهيئ لها بالتربية الموطنين الصالحين"(4) .

أما كيفية تحقيق ذلك فيرى روسو "أن هذا الغرض ممكن التحقيق بأن تجمع الكثرة المفككة على أن تؤلف شيئا" واحدا" وأن تحل القانون محل الإدارة الفردية وما تولده من أهواء وتجرده من خصومات أي أن يعدل كل فرد عن أنانيته وينزل عن نفسه وعن حقوقه للمجتمع بأكمله وهذا هو البند الوحيد للعقيد الاجتماعي ولا إجحاف فيه إذ بمقتضاه يصبح الكل متساويين في ظل القانون والقانون إرادة الكل تقر الكلي أي المنفعة العامة" .

وبعد هذه الافتراضات يبدأ روسو في إملاء مقترحاته حول المجتمع المتعاقد : "لهذا المجتمع دين مدني لا يدع للفرد ناحية من نواحي الحياة مستقلة عن الحياة المدنية ويتعين على الدولة أن تنكر ديناً كالمسيحية يفصل بين الروحي والسياسي وألا تطيق إلى جانبها سلطة كنسية إذ لا قيمة الوحدة الاجتماعية وإنما لزم الدين لأنه ما من دولة قامت إلا وكان الدين أساسها على أن يكون هذا الدين قاصراً على العقائد الضرورية للحياة تفرض كقوانين حتى لينفى أو يعدم كل من لا يؤمن بها باعتباره كافراً بل باعتباره غير صالح للحياة الاجتماعية"! .

"هذه العقائد هي عقائد القانون الطبيعي : وجود الله والعناية الإلهية والثواب والعقاب في حياة آجلة وقداسة العقد الاجتماعي والقوانين ، ولكل أن يضيف إليها ما يشاء من الآراء في ضميره" . أما بالنسبة للأخلاق فعند روسو أن "كل ما يسمى الآن حقوقاً وأخلاقاً ويستمد له سنداً من العقل هو صناعي ناشئ عن الحياة الاجتماعية التي هي صناعية كذلك وليس في حال الطبيعة أخلاق وحقوق ما دام الإنسان في تلك الحال مستغنيا" عن الإنسان مقطوع الصلة به"(5) .

من ذلك يتضح أن موقف روسو يقوم على أمرين :

1-فراره الأعمى من الكنيسة المسيحية وعقائدها واخلاقها لا سيما وانه تعرض هو وامثاله لاضطهادها.

2- الرومانسية التي يعد أعظم روادها والتي كانت رد فعل لتقديس العقل الذي كان طابع ما يسمى عصر التنوير والتي ظهر أثرها أكثر ما ظهر في مجال الفن والأدب .

هذا وقد سبقت الإشارة إلى قيام الثورة الفرنسية على أفكار روسو الاجتماعية حتى لقد وصف كتابه العقد الاجتماعي بأنه إنجيل الثورة الفرنسية .

  • * *


ثانياً – المدرسة الطبيعية :

إذا تابعنا الفكرة القائلة أن في تاريخ العلم الحديث ثلاث ثورات لكل منها أثره البالغ في عصره في أكثر من ميدان فغن الثورة "النيوتنية " أي نظرية الجاذبية هي الثورة الثانية من جهة الوجود التاريخي ومن جهـة شمول تأثيرهـا (*) .

لقد برهن نيوتن على أن الكون أو الطبيعة " ليست منفلتة ولا مفككة كما كان يتوهم الأقدمون ولكنها متسقة بدقة عجيبة يربط بين أجزائها قانون رياضي مطرد ولا شيء من مظاهرها يشذ عليه . هذه الفكرة أوحت إلى العلماء والباحثين الذين كانت الكنيسة تحصي عليهم أنفاسهم وتضيق الخناق على معطياتهم بأن ينعتقوا من ربقتها ويكفروا بإلهها مؤمنين بإله جديد أسموه بالطبيعة " لكنهم إذ تخلصوا من العقيدة المسيحية المزعجة للعقل رأوا أن أصعب من ذلك التخلص من الأخلاق المسيحية التي يراها كل إنسان عاقل ضرورية لبقاء مجتمعهم لذلك لم يتورعوا عن الإدعاء بأن للإله الجديد قانونه الأخلاقي وشريعته التي تجعلنا في غنى تام عن أخلاق وشريعة الكنيسة . ويشترك في هذا الادعاء الذين أنكروا وجود إله الكنيسة جملة والذين آمنوا به على أنه "صانع ساعة" على حد تعبيرهم مع إنكار الوحي والأديان وهؤلاء يطلق عليهم بمجموعهم اصطلاح "الطبيعيين" .

ويرى أولئك أن العقل البشري قادر بالاعتماد على نفسه أن يكتشف القانون الطبيعي الاجتماعي مثلما استطاع نيوتن اكتشاف القانون الطبيعي لنظام الكون ومن ثم فليست الأخلاق مرتبطة بالدين بل لا داعي أصلاً للوحي والكتب السماوية والهيئات الكهنوتية فكل هذه ليست سوى عوائق تباعد بين الناس وبين القانون الطبيعي الذي له وحده أن يسود .

يقول راندال : "إن أحد الأركان الأساسية الثلاثة لديانة العقل كان الاعتقاد أن نظام الطبيعة متضمن لقانون طبيعي في الأخلاق يجب معرفته واتباعه كأي من المبادئ العقلية التي تضمنتها آلة العالم النيوتينية . ومعنى ذلك أن مبادئ الثواب والخطأ والعادلة والظلم كانت بالنسبة إلى القرن الثامن عشر منسجمة العقل والعلم ، وأن المسلم به كلياً أن لعلم الأخلاق استقلالاً عن أي أسس لاهوتية وإلهية يماثل استقلال أي نوع آخر من المعرفة البشرية . والحقيقة أن الله أمر بالمبادئ الأخلاقية مثلما أمر بقانون الجاذبية لكن مضمون أوامره كمضمون جميع قوانين الطبيعة الأخرى لابد من كشفه بالطرق العقلية والتجريبية للعلم النيوتني" .

"وقد أحست بعض النفوس الجريئة مثلما أحس مونتسكيو بأنه لو لم يكن هناك إله على الإطلاق وتحررنا كما يجب من عبودية الدين فيجب ألا نتحرر من عبودية العدالة وذلك أن مناهج علم الإنسان والسياسة والاقتصاد والمجتمع بصورة عامة يجب أن تشمل في نطاقها الأخلاق أيضا"(6) .

أما التخلص من أخلاقيات الكنيسة فقد سلك الطبيعيون إليه طريقا" ملتويا" إذ قالوا : "إن الله لا يقتصر على وضع القانون الأخلاقي في الكون وإنما هو قد بث في كل نفس قبسا" أو صدى لهذا القانون الأخلاقي نفسه . وهكذا فإن إصغاءنا لصوت ضميرنا أو الالتجاء إلى "النور الواضح للعقل الطبيعي" – وهي عبارة أثيرة لدى مفكري القرن الثامن عشر – يؤدي بنا إلي كشف نفس الأوامر التي وردت إلينا من الكتاب المقدس ومن كتابات أباء الكنيسة . وعلى ذلك فإن الوحي يدعم الضمير والضمير من جانبه يدعم سلطة الوحي ومن هنا فإننا نستطيع أن نستدل على واجبنا من مصادر أخرى غير سلطة الكتاب المقدس أو القانون الكنسي وحده"(7) .

واشتد الطبيعيون – ومن جرى مجراهم – في نقد الأخلاق المسيحية لا سيما بعد التشهير والتكفير اللذين تعرضوا لهما من جانب الكنيسة وحاولوا إثبات خطأ الأخلاق المسيحية وعدم فعاليتها معتمدين على أسس عقلية وأدلة تاريخية وواقعية نستطيع حصرها فيما يلي :

1-أنها أخلاق اصطناعية غير طبيعية : ومن السهل أن يجد هؤلاء الأدلة الكافية لإثبات هذا الرأي . فقد ذكر "كرسون" وغيره من الباحثين الأخلاقيين أن السيرة السيئة لرجال الدين والسلوك الشائن الذي امتازوا به كان أعظم أثرا" في الهدم الأخلاقي من كل النظريات العقلية المهاجمة لها وأصحاب هذا الرأي يقولون أن الأخلاق المسيحية كالعفة والإيثار والرحمة مبنية على التكلف والاصطناع – وهم هنا يلتقون مع روسو – وليس أدل على ذلك عندهم من أن رجال الدين أنفسهم أول من يخالفها ويصادم دعاوها ... ولو كانت هذه الأخلاق "طبيعية" أي متمشية مع القانون الطبيعي لما كانت هذه المفارقة التي يشهد بها الواقع المحسوس . لذلك فإن الواجب على المجتمع الذي ينشد الخير والتكامل أن ينفي عنه هذا الزيف والنفاق الذي يسمى "الأخلاق المسيحية" ويستعيض عنها بالأخلاق الطبيعية التي يوحي بها الضمير الداخلي ويدعو إليها انسجام الماثل في الطبيعة الخارجية .

2-أنها أخلاق تعسفية غير عقلية : يرى هؤلاء أن النظرة المسيحية هي "إن قوام الحياة الأخلاقية هي طاعة القانون لكن المشكلة في نظرهم هي أن هذا القانون "ليس قانوناً يكتشفه العقل البشري وليس بالتالي قانوناً يبدو معقولاً وإنما هو قانون أتانا من الوحي الإلهي الذي لا يكون أمامنا إلا أن نطيعه سواء أكان يبدو معقولاً أم غير معقول منطقياً أم تعسفياً عادلاً أم ظالماً . فمن الواجب إطاعته لمجرد كونه تعبيراً عن الإرادة الإلهية لا لأننا نرى فيه وسيلة لتحقيق سعادتنا المباشرة ، وبطبيعة الحال فنحن نفترض أنه لما كانت القوة التي تسهر على تنفيذ هذا القانون الإلهي هي ألوهية خيرة ، فسوف يكون بذلك قانوناً خيراً يعبر عن حكمة عليا . ولكن لما كان خلاصنا يتوقف مباشرة على إطاعتنا لهذا القانون فمن الواضح أن المطلوب منا هو أداء واجبات يحددها بغض النظر عن رأينا البشري في هذه الأوامر ... ولقد ظل أداء المسيحي لواجبه يعد حتى يومنا هذا مسألة طاعة لا مسألة تبصر وقد أحسن بعضهم التعبير عن هذه الفكرة إذ قال إن سبب كون هذه الطاعة خيراً أو حتى سبب كونها لازمة هو أمر لا شأن لنا به وكل ما يهمنا بحق هو أنها لازمة"(8) .

3-أنها أخلاق نفعية انتهازية : يرى أولئك أيضا" أن الأخلاق المسيحية تقوم على مبدأ "الثواب والعقاب" في العالم الآخر . وتعد الجنة والنار ""حافزين لهما أهمية قصوى في السلوك الأخلاقي للمسيحي ، وهناك حجة مشهورة على وجود الله تقول "لو لم يكن الله موجودا" لكان من الضروري ابتداعه" ونستطيع أن نتصور أنصار هذا الرأي وقد أعادوا صياغة هذه الحجة بحيث تصبح "لو لم تكن الجنة والنار موجودتين لكان من الضروري ابتداعهما" وذلك لضمان إقبال الناس على أداء واجباتهم المسيحية" .

ويتلخص رد أولئك على هذا الرأي بأنه يجعل "الأخلاق في أساسها مسألة انتهازية – أو شطارة – وأن الأخلاقية ليست إلا سياسة حكيمة فلو أردنا اكتساب البركة الإلهية أو البقاء بمنأى عن المتاعب في هذا العالم وفي العالم الآخر معا" فعلين إطاعة أوامر الأخلاق ولا سيما الأخلاق المسيحية . ومع ذلك فإن هذا الموقف لا يقتصر على المسيحية الشعبية بل إنه على العكس من ذلك قد انتشر على نطاق واسع منذ كانت للناس آلهة يطيعونها أو يسترضونها أو يبتهلون إليها فقد كانت الأذهان الساذجة تميل دائما" إلى أن تجعل من العبادة الدينية نظاما" للمقايضة يعد فيه العبد بعمل شيء للرب أي بطاعته والتضحية له أو مجرد الاعتراف به ويتوقع في مقابل ذلك نعما" معينة من الرب"(9) .

تلك بعض الأسس التي ارتكز عليها أولئك في هجومهم على الأخلاق المسيحية . وسنرى أن هذا الهجوم قد تبلور واتخذ صيغاً مغايرة أعمق نقداً وأقوى أثراً في النظريات التالية .

  • * *

ثالثاً – المدرسة الوضعية العقلية :

(أ)أوجست كونت :

شهد النصف الأول من القرن التاسع عشر اضطرابات اجتماعية وتقلبات فكرية منوعة ، فقد سقطت أنظمة وأوضاع دامت قروناً متوالية . وانهارت قواعد ومبادئ كانت تسد حاجات المجتمع وتلبي رغباته في مجالات كثيرة ولم يعقب هدم الماضي الذي أوغل فيه عصر التنوير بناء جديد للحاضر والمستقبل . وظهر لكثير من المفكرين حقيقة أن الهدم قد يتم بوسائل وأفكار خاطئة تماماً إلى درجة أنها لا تستطيع أن تبنى شيئاً جديداً .

وكان الإنجاز الوحيد الذي استقطب الأذهان وبهر الأنظار هو التقدم العلمي في مجالات البحوث الطبيعية . إلا أنه مهما بلغ من العظمة لم يكن ليغطي القبائح والأمراض التي يعاني منها المجتمع الأوروبي المتناقض والتي سببها تدهور وانحطاط القيم الاجتماعية بعد أن عجز الفلاسفة عن الإتيان ببديل لقيم الكنيسة الآخذة في الاضمحلال .

وتساءل كثير منن زعماء الفكر : أليس في إمكان العقل البشري بعد تحريره من نير الكنيسة البغيض أن يحقق النجاح الذي ظفر به في مجالات الطبيعة فيبتكر "دينا وضعيا يوازي العلم الوضعي" الذي استطاع أن يحل محل علم الكنيسة الميتافيزيقي .؟

وكان أبرز من أجاب على هذا السؤال عملياً هو الفيلسوف الفرنسي "أوجست كونت" رائد المدرسة الوضعية في الفكر والحياة والذي يمثل التيار الأهوج الذي انبعث لمواجهة طغيان الكنيسة وحماقاتها .

ينطلق كونت في فلسفته الوضعية من زعمه أنه اكتشف القانون الأساسي للتقدم الأساسي وهو قانون تتتابع المراحل الثلاث : 1-مرحلة الخرافة . 2-مرحلة الدين . 3-مرحلة العلم "الوضعية"(10) .

ويرى كونت إنه لكي نتجنب أخطاء المرحلة الثانية لنصل إلى "علمية" المرحلة الثالثة فإنه على الفكر أن يتجرد من الغيبيات والأوهام ويركز اهتمامه على فكرتي "الواقع والمنافع" لا غير وهذا هو أساس الوضعية .

"أما الواقع" فشرط ضروري لقيام علماء الاجتماع مقام رجال الدين "علينا الآن أن نعدل عمل رجال الدين معتمدين على الوقائع وحدها وعلى العقل وحده".

والمنهج الذي يحقق ذلك في نظره هو "استخلاص العنصر الوضعي الإنساني الثابت من العناصر السلبية الهرمة التي تحتويها الأديان التقليدية والتي اتخذت من ذلك العنصر الوضعي مطية لها وبذلك يكتمل المذهب الوضعي ويتوجه على هذا النحو الدين الوضعي" .

والدين الوضعي يقوم على الانتقال من الواقع إلى المنافع :

يرى كونت أن تعاليم الأديان يمكن تلخيصها في معتقدين : الله والخلود . والدين الوضعي يعمد إلى اختيار المضمون الوضعي لهذين المعتقدين . فالمضمون الوضعي لفكرة الألوهية هو "فكرة موجود كلي عظيم أزلي تتصل به نفوس العباد فيضفي عليها القدرة على قمع ميولهم الأنانية ..." . والمضمون الوضعي للخلود هو "فكرة مشاركة أهل الحق والعدل ... في جانب من الحياة الأزلية للموجود الإلهي" ومن هذين المضمونين يستخلص كونت فكرة واحدة شاملة هي "الإنسانية" فالإنسانية هي الفكرة الوضعية" المتطورة لفكرتي الله والخلود اللتين كانت البشرية تدين بهما في المرحلة الثانية . ويعتقد كونت أن الإنسانية إذا فهمت على هذا النحو فإنها تكون هي نفسها الإله الذي ينشده الناس أي الموجود الحق العظيم الأزلي يتصلون به اتصالا" مباشرا" ويستمدون منه الوجود والحركة والحياة" .

أما الأسلوب العلمي الحديث فهو أن يعتنق الناس الدين الوضعي ويعبدوا الإله "غير المشخص" : الإنسانية وعليهم أن يستمدوا مثلهم وأخلاقهم وقوانين تنظيمهم الاجتماعي من ذخيرته وحدها وعن هذه الذخيرة من القوى الخلقية المتجمعة على مر الأجيال في الموجود تفيض إلى القلوب الأفكار العظيمة والمشاعر النبيلة فالإنسانية هي الموجود العظيم الذي يسمو بنا عن أنفسنا ويضيف إلى ما عندنا من تعاطف قدراً فائضاً من القوى التي يحتاج ذلك الميل إليها لإخضاع ميول الآثرة . وفي الإنسانية يتحاب الناس ويتأخذون ثم في الإنسانية يستطيع الناس أن ينعموا حقاً بالخلود الذي يتطلعون إليه"(11) .

تلك هي أسس الوضعية التي أراد كونت أن يتحدى بها تعاليم الدين في العقيدة والسلوك وقد كان يرى نفسه قادرا" على وضع منهج للحياة بديل للمسيحية وهي حماقة مغرورة نتج عنها علم الاجتماع اللاديني الذي ما يزال بعض المفكرين يتردد في تسميته علما"(12) .

ويمكن القول بأن آراء كونت وفلسفته لم تكن لتشتهر وتصل من التطبيق إلى الحد الذي بلغته لولا تلميذه اليهودي دوركاريم الذي طور المذهب ووضع له قواعد محددة واهتم بالمشاكل العملية مضيفا" إلى ذلك حقدا" أنمى وغدارة للدين مريرة .

(ب)دوركايم :

كان من حظ المدرسة الوضعية (وبالنظرة البعيدة من حسن حظ الهدامين التلموديين) وفي الوقت نفسه من سوء حظ الأخلاق الأوربية أن انفجرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الثورة الفكرية الثالثة أو "نظرية التطور" .

فالتفسير الآلي "الميكانيكي" لنشأة الحياة وتطورها عزز الآلية النيوتنية عن الكون غير العضوي وأفسح المجال أمام الناقمين على الكنيسة لاستنتاج تفسيرات اجتماعية وسلوكية آلية كذلك .

وهكذا أصبح من الواضع أن أثر الداروينية في العلوم الإنسانية لا يقل عنه في علوم الطبيعة والحياة لا سيما الإيحاءان الخطران "حيوانية الإنسان مع نفي الغاية من وجوده ، والتطور المطلق" فليس من مؤلف اجتماعي غربي لا يبرز فيه هذان الإيحاءان بجلاء .

والواقع أن علم الاجتماع كان يعاني صعوبات جمة ويستهدف لانتقادات غير يسيرة لم ينقذه منها إلا التطور التي أشعيت بطريقة مذهلة تثير علامات إستفهام كثيرة !

ويتحدث دوركايم نفسه عن هذه الصعوبات متفائلا" لعلم الاجتماع يضاهي نجاح النظريات الطبيعية :

"ليس هناك علم إلا وواجه مقاومة من قبل العواطف الإنسانية التي كانت هذه المقاومة لا تقل في عنقها عن المقاومة التي يلقاها علم الاجتماع في وقتنا الحاضر وذلك لأن الظواهر الطبيعية كانت هي الأخرى ذات طابع ديني أو خلقي أما وقد تحررت العلوم واحدا بعد آخر من سيطرة تلك الفكرة الشائعة ، فإنه يحق لنا الاعتقاد أنها سوف تختفي في نهاية الأمر من علم الاجتماع أيضا، أي من آخر معاقلها وبذلك تدع السبيل حرا أمام العلماء"(13) .

ويعلل دوركايم توقعاته بالمبررات التي يراها كافيه لفصل علم الاجتماع عن الدين ومن اعتقاده "أن المجال الاجتماعي مجال من مجالات الطبيعة لا يفرقه عنها إلا أنه أشد منها تعقيداً ومعلوم أنه من المستحيل أن تختلف الطبيعة اختلافاً جذرياً عن أصلها من حالة إلى حالة فيما يتعلق بالأسس الكبرى"(14) .

أي أننا في المجال البشري نستطيع بمقدراتنا الذاتية أن نكتشف ما اكتشفه نيوتن في الطبيعة منن قوانين ثابتة أو ما اكتشفه داروين من حركة آلية متغيرة.

ولا يفوت دوركايم أن يحدد طبيعة مذهبه كيلا يلتبس بالنظريات الأخرى فهو يقول : "إن الوصف الوحيد الذي نرتضيه لأنفسنا هو أن نوصف بأننا عقليون (لا ماديون ولا روحيون) وذلك لأن الهدف الرئيسي الذي نرمي إليه ما هو في الواقع إلا محاولة نريد بها مد نطاق المذهب العقلي حتى يشمل السلوك من الناحية التاريخية إلى بعض العلاقات السببية ، وأنه من الممكن أيضا" تحويل هذه العلاقات بعملية عقلية إلى بعض القوانين التي يمكن تطبيقها عمليا" في المستقبل ، وليس مذهبنا الذي خلع عليه البعض اسم المذهب الوضعي سوى إحدى نتائج المذهب العقلي" .

ولو حاولنا أن نختصر مذهب دوركايم لوجدنا أن محوره ثلاثة أسس : 1-عقل جمعي عشوائي خارج عن شعور الأفراد . 2-هذا العقل يصدر أوامره على شكل "ظاهرة اجتماعية" تتقلب وتتغير بطريقة غير منطقية . 3-هذه الظاهرة تقهر الأفراد وتخضعهم لسطوتها شعروا أو لم يشعروا .

وتفصيل ذلك يبدأ من اعتبار الظواهر الاجتماعية أشياء موضوعية لها حقيقتها الخارجية : "أن طريقتنا طريقة موضوعية ذلك لأنها تقوم بأسرها على أساس الفكرة القائلة بأن الظواهر الاجتماعية أشياء ويجب أن تعالج على أنها أشياء" .

"إذ سلم الناس بأن هذا المركب الفريد في جنسه الذي يتكون منه كل مجتمع يؤدي إلى وجود بعض الظواهر الجديدة التي تختلف في طبيعتها عن الظواهر النفسية التي تمر بشعور الأفراد كل منهم على حدة فلابد من التسليم أيضاً بأن هذا النوع الجديد من الظواهر لا يوجد في المجتمع الذي أوجدها وبناء على ذلك فإن هذه الظواهر تكون خارجة عن شعور الأفراد حالة تفرقهم".

"إن الظاهرة الاجتماعية هي كل ضرب من سلوك ثابتاً كان أم غير ثابت يمكن أن يباشر نوعاً من القهر الخارجي على الأفراد أو هي كل سلوك يعم في المجتمع بأسره وكان ذا وجود خاص مستقل عن الصور التي يشكل بها في الحالات الفردية" .

وهذه الظواهر غير ثابتة وليس لها صور معينة تتشكل فيها : "أنه كلما أصبحت البيئة الاجتماعية أشد تعقدا" وأسرع تطورا" أدت إلى تزعزع التقاليد والعقائد المتوارثة التي تتشكل بصور غير محددة شديدة المرونة".

كما أن العواطف المتعلقة بها ليس مصدرها "الله" أو "الدين" كما يتصور الناس ، "لا تمتاز العواطف التي تتعلق بالظواهر الاجتماعية في شئ عن الظواهر الأخرى على مر العصور وهي وليدة التجارب الإنسانية ولكن أي تجارب ؟!

إنها تجارب غامضة مهوشة ، وليست هذه العواطف فيما أعلم وليدة فكرة علوية مثالية وجدت من قبل أن يوجد هذا العالم الحسي ولكنها نتيجة لألوان من الخواطر والانفعالات التي تراكمت على غير نسق وعلى غير هدى ودون أي تفسير منهجي سليم"(15) . ثم إن بيت القصيد في مذهب دوركايم هو تطبيق هذه الأسس الوهمية على الدين وما يتصل به من عقائد وأخلاق ويتلخص هذا التطبيق في ثلاث قضايا :

1-أن الدين ليس إلهياً لأن فكرة الألوهية – في نظره – ليست إلا تعبيراً عن البيئة الاجتماعية في مرحلة من مراحل تطورها ويكون الإله فيها رمزاً للدرجة التي وصل إليها تطوره : "إذا أردنا فهم الفكرة التي يكونها المجتمع عن نفسه وعن العالم الذي يحيط به فعلاً فلا بد لنا من دراسة طبيعة هذا المجتمع لا طبيعة أفراده فإن الرموز التي يتخذها المجتمع شعاراً له يستعين بها على التفكير في ذاته تختلف باختلاف الحالات التي يوجد فيها فإذا تصور المجتمع مثلاً أنه ينحدر من سلالة حيوان أسطوري واتخذ هذا الحيوان شعاراً له فمعنى ذلك أنه يتألف من إحدى تلك الجماعات الخاصة التي نطلق عليها اسم العشيرة . أما إذا استعاض عن هذا الحيوان الأسطوري بجد إنساني أسطوري هو الآخر فمعنى ذلك أن طبيعة العشيرة قد تغيرت ، وإذا تخيل المجتمع وجود آلهة أخرى أسمى مقاما" من آلهته المحلية والعائلية واعتقد أنها تسيطر على تلك الآلهة الأخيرة فمعنى ذلك أن الطوائف المحلية التي يتكون منها هذا المجتمع قد أخذت تميل إلى التركيز وتتجه إلى تكوين وحدة اجتماعية وأن درجة التركز التي يدل عليها وجود معبد يضم جميع الآلهة (Pantheon) تقابل درجة التركز التي وصل إليها المجتمع في ذلك الوقت نفسه .

"وإذا لم يرتض المجتمع بعض ألوان السلوك فإن السبب في ذلك يرجع إلى أنها تخدش بعض عواطفه الأساسية وتقوم هذه العواطف على أساس من طبيعة المجتمع كما أن عواطف الرد ترجع إلى تركيبه الطبيعي وتكوينه العقلي".

"وإن الواجب الذي ينبغي القيام به في هذا الصدد هو أن نبحث عن طريقة تداعي التصورات الاجتماعية وتنافرها واتحادها واقترانها ، وذلك بأن نقارن بين الديانات الأسطورية والقصص والتقاليد الشعبية""(16) .

2-أن الدين – بناء على ما سبق – ظاهرة اجتماعية يفرضها العقل الجمعي" بقدرته القاهرة على الأفراد في بعض البيئات والمراحل دون أن يكون لهم حرية اختيار في ذلك وهذا يعني أنه لو فرض عليهم – أحياناً – ألا يكون لهم دين مطلقاً لكانوا غير متدينين ولا يملكون إلا الانصياع لذلك :

"إني حين أؤدي واجبي كأخ أو زوج أو مواطن أو حين أنجز العهود التي أبرمها أقوم بأداء واجبات خارجية حددها العرف والقانون وعلى الرغم من أن هذه الواجبات لا تتعارض مع عواطفي الشخصية وعلى الرغم من أنني أشعر بحقيقتها شعوراً داخلياً فإن هذه الحقيقة تظل خارجة عن شعوري بها ، وذلك لأنني لست أنا الذي ألزمت نفسي بها ولكني تلقيتها عن طريق التربية . وكذلك الأمر فيما يمس العقائد والطقوس الدينية فإن المؤمن يجدها تامة التكوين منذ ولادته ، وإنما كانت هذه العقائد أسبق في الوجود من الفرد الذي يدين بها للسبب الآتي : وهو أن لها وجوداً خارجياً بالنسبة إليه ... ولا توجد هذه الضروب من السلوك والتفكير خارج شعور الأفراد فقط ، بل إنها تمتاز أيضا" بقوة آمرة قاهرة هي السبب في أنها تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد أراد ذلك أم لم يرد"(17).

3-ثم يصل دوركايم إلى نتيجة خطرة وهي أن الدين ليس فطريا" ومثله الأخلاق والأسرة وذلك رأي اقتبسه علماء الاجتماع التالون له وعمموه في أبحاثهم دون أن يدرك هؤلاء أو بعضهم الدافع التلمومدي لدى دوركايم لأن يقول به : "إن الناس يفسرون عادة نشأة النظام الأسري بوجود العواطف التي يكنها الآباء للأبناء ويشعر بها الأبناء تجاه الآباء كما يفسرون نشأة الزواج بالمزايا التي يحققها كل من الزوجين وفروعهما ... وليس الأمر على خلاف ذلك فيما يتعلق بالظواهر الخلقية ، فإن الأخلاقيين يتخذون واجبات المرء نحو نفسه أساسا" للأخلاق وكذا الأمر فيما يتعلق بالدين فإن الناس يرون أنه وليد الخواطر التي تثيرها القوى الطبيعية الكبرى أو بعض الشخصيات الفذة لدى الإنسان .. الخ ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه الطريقة على الظواهر اللهم إلا إذا أردنا تشويه طبيعتها"(18) .


"ومن هذا القبيل أن بعض هؤلاء العلماء يقول بوجود عاطفة دينية فطرية لدى الإنسان ، وأن هذا الأخير مزود بحد أدني من الغيرة الجنسية والبر بالوالدين وصحبة الأبناء وغير ذلك من العواطف ، وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدين والزواج والأسرة على هذا النحو ولكن التاريخ(19) يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان وعلى أنها قد لا توجد جملة في بعض الظروف الاجتماعية الخاصة ، ولذا فهذه العواطف المثالية نتيجة للحياة الاجتماعية وليس أساساً لها أضف إلى ذلك أنه لم يقم برهان قط على أن الميل للاجتماع كان غريزة وراثية وجدت لدى الجنس البشري منذ نشته وأنه من الطبيعي جداً أن ينظر إلى هذا الميل على أنه نتيجة للحياة الاجتماعية التى تشربت بها نفوسنا على مر العصور(20) .

هذا هو دوركايم وتلك هي دعاواه التلمودية مغلفة بغلاف العلم والبحث ، ومع الأسف فمذهبه أكبر المذاهب الاجتماعية الغربية ورغم كلاسيكيته لا يزال له اثر عظيم في الدراسات المعاصرة(21) .

  • * *

رابعاً – النظرة الشيوعية للمجتمع والأخلاق :

سبق فى فصل الاقتصاد من هذا الباب أن تحدثنا عن لمذهب الشيوعى وموقفه من الدين من خلال التفسير المادى للتاريخ ، وقد ألمحنا هناك إلى موقفه من الأخلاق أيضاً وذلك لأن الشيوعية – كما هو معلوم – تجعل الاقتصاد اساس كل شيء وغايته .

وقد يكون من الضرورى هنا التحدث عن النظرة الشيوعية للمجتمع والأخلاق استقلالاً وإن كانت فى واقع النظرية واجهة اقتصادية فحسب :

إن الشيوعية فى هدفها لا تختلف عن المدرسة السالفة الذكر فماركس ودوركايم أخوان فى اليهودية ونظيران فى التصور التلمودي الذى يطمح إلى نسف عقائد وأخلاق الأميين ولكن كلاً منهما يسلك طريقاً غير طريق صاحبه وكأنى باليهود يخططون لكى يصلوا إلى هذا الغرض من كل منفذ وبأى سبيل فهم يرسمون للأميين طرائق شتى ويدعون لها الخيار فى أن يسلكوا أياً منها ولكنها كلها فى الحقيقة – روافد تؤدى إلى الهدف نفسه . تدمير الدين والأخلاق.

فنظير العقل الجمعى العشوائى عند دوركايم يختلق ماركس الحتمية التاريخية العمياء . وذلك يفرض جبرية اجتماعية قهرية وهذه تفرض جبرية اقتصادية قاهرة كذلك . ويتفق الإثنان فى أن المجتمع ( يتطور ) وأن الأخلاق كذلك تتطور وأن لا شيء فى القيم والمثل ثابتاً طلاقاً . كما يتفقان فى النظرة الحيوانية للإنسان فهو إما حيوان اجتماعى أو حيوان اقتصادى واتفاقهما هنا ليس غريباً بعد أن عرفنا أن الداروينية من أمضى الأسلحة التى أستغلها اليهود بمكر ودهاء .

ومعلوم ما تقوله الشيوعية من أن (( الدين أفيون الشعب )) وأنه (( الإنعكاس الخيالى للأشياء البشرية فى دماغ الإنسان )) وإنه نابع أصلاً من ((أساس اقتصاد سلبى )) وأن الإله ما هو إلا ((تشخيص للقوى الطبيعية التى تؤثر على طعام الإنسان )) إلى أخر هذه السلسلة من الهراء والزيف التى تقوم على الوهم الكاذب والخيال الخاطئ ولا تعبر عن حقيقة إلا عن العداوة الحاقدة للدين .

إذا عرفنا ذلك فما نظرة الشيوعية إلى المجتمع والأخلاق ؟

(( يلاحظ بوخارين فى كتابه (( نظرية المادية التاريخية )) إنه ينبغى دون شك التحرز من جعل الشعور الجمعى حقيقة غيبية لكن هذا التعبير يشير مع ذلك إلى ظاهرتين يمكن ملاحظتهما دائماً فى كل مكان :

1- أن هناك فى كل عصر إتجاهاً سائداً فى الأفكار والعواطف والحالات النفسية أى سيكلوجية سائدة تلون الحياة الاجتماعية بأكملها . 2- إن هذه السيكلوجية السائدة تتغير تبعاً لتغير طابع العصر ومعنى ذلك فى لغتنا أنها تتغير تبعاً لظروف التطور الاجتماعى ويفسر المؤلف ذلك بأنه فى الواقع توجد خصائص سيكلوجية عامة تتصف بها جميع طبقات المجتمع ...

(( وعلى هذا النحو نجد فى النظام الإقطاعي سمات سيكلوجية مشتركة بين السيد النبيل وبين الفلاح مثل : التعلق بالأشياء القديمة والروتين والتقاليد والخضوع للسلطة والخوف من الله والركود الفكرى والكراهية لكل جديد ... الخ . وهذا يعود فى الوقت نفسه إلى سمة الركود فى المجتمع وإلى أن الفلاح كان تحت النظام الأبوى سيداً وأباً فى أسرته كما أن السيد كان سيداً وأباً فى ضيعته )) (22) .

ذلك هو تطبيق قول ماركس ( إن وجود الناس هو الذى يعين مشاعرهم ) وليس العكس . فالمجتمع الإقطاعى ذو البيئة الزراعية متدين له تقاليد وفيه أسرة والمحافظة على العرض فيه خلق أصيل فإذا تطور المجتمع وأصبح صناعياً واستقلت المرأة اقتصادياً فإن ذلك يستوجب تغييراً حتمياً يساير التغير الاقتصادى والبيئي الحتمى هو الآخر ، ومعنى ذلك ألا يظل المجتمع الصناعى محتفظاً بشيء من الدين والأخلاق والتقاليد الزراعية الرجعية بل يجب أن يستحدث ديناً جديداً وإن كان الإلحاد وأخلاقاً جديدة وإن كانت ( النفعية أو الميكافيللية ) وتقاليد جديدة وإن كانت ( الدياثة والاختلاط ) .

ولما كانت الأخلاق مستمدة من الواقع الاقتصادى أساساً أو البيئى على سبيل التعميم فإن الشيوعية ترى كما أن لكل مرحلة أخلاقها الخاصة فإن لكل بيئة بل لكل طائفة أخلاقها الخاصة أيضاً وليس هناك من معنى مشترك بين بنى الإنسان .

(( بأية أخلاق يعظوننا اليوم ؟ إنها أولاً الأخلاق الإقطاعية المسيحية الموروثة من إيمان القرون الماضية وهى بدورها تنقسم أساسياً إلى أخلاق كاثوليكية وأخلاق بروتستانتية . الأمر الذى لا يمنع انقسامها ثانية إلى أقسام فرعية تذهب من الأخلاق الكاثوليكية واليسوعية ومن الأخلاق البروتستانتية والأرثوذكسية حتى الأخلاق الإنفلاتية وإلى جانب هذا تقوم اخلاق البرجوازية الحديثة ثم من جديد إلى جانب هذه أخلاق المستقبل البروليتاريا )) .

وإجابة على تساؤل (( ما الصحيح إذن من هذه الأخلاق ولا واحد منها بمعنى مطلق نهائى ؟ )) تجيب الشيوعية : (( لكن الأخلاق التى تحتوى على النصيب الأوفى من العناصر الواعدة بالبقاء هى بالتأكيد الأخلاق التى تمثل فى انقلاب الحاضر ، تمثل المستقبل . إنها إذن الأخلاق البروليتارية )) . ثم لكى تصل الشيوعية إلى هدفها المقصود لا مانع من أن تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها : (( منذ نرى لكل من طبقات المجتمع الحديث الثلاث : الأرستقراطية الإقطاعية ، والبرجوازية والبروليتارية أخلاقها الخاصة فليس يمكن إلا ان نستنتج من هذا أن الناس عن وعى أو لا وعى يستمدون مفاهيمهم الأخلاقية فى التحليل الأخير من العلاقات العملية التى يقوم عليها وضعهم الطبقى أى من العلاقات الاقتصادية التى ينتجون بها ويتبادلون فيها )) .

ثم تمثل الفلسفة الشيوعية لذلك : (( منذ اللحظة التى تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة كان لابد لجميع المجتمعات التى تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة : لا تسرق ن فهل يعنى هذا أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية ؟ كلا أبداً ففى مجتمع أزيلت فيه دوافع السرقة حيث السرقات بالتالى لا يمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين ، كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقى أن يعلن على رؤوس الأشهاد الحقيقة السرمدية : لا تسرق ! ولهذا فإننا نرفض كل طمع بان تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدى نهائى لا يتزعزع بعد اليوم بذريعة أن العالم الأخلاق هو أيضاً مبادئه الدائمة التى هى فوق التاريخ والفوارق القومية)) (23).

ومن هذا المنطلق تبنت الشيوعية المذهب الميكافيللى نظرياً وعملياً – كما مر فى فصل السياسة – وقد أتى (( أكنازيوسيلونى )) بمثال على ذلك له مغزاه العميق : كان سيلونى باعتباره عضوا بارزاً فى الحزب الشيوعى الإيطالى يشارك فى جلسات الشيوعية الدولية وهو يحدثنا أنه فى أحد الاجتماعات نشب خلاف حول تطبيق قرار أصدرته اللجنة المركزية ، وقد ابدى بعض الأعضاء وجه نظر مخالفة تجاه القارا ظهر أنها معقولة فما كان من المندوب الروسى إلا أن قال : (( على جميع الفروع أن تعلن أنها تخضع للقرار الذى صدر ثم تتصرف على عكس ذلك تماماً )) فقام المندوب الإنكليزى مقاطعاً (( ولكن هذا يعتبر كذباً )) يقول سيلونى : (( وقد قوبل ذلك الاعتراض النزيه بعاصفة من الضحك الصادق الصادر من القلب والذى لا أحسب مكاتب الشيوعية الكئيبة قد سمعت مثله من قبل وقد ذاعت هذه ( النكتة ) سريعاص فى طول موسكو وعرضها إذ أن إجابة الإنكليزى التى لا تصدق لم تلبث أن نقلت بالهاتف إلى ستالين وإلى كبار الموظفين فى روسيا وكانت تثير فى كل مكان عاصفة من الانبساط والضحك ))(24) .

هذا وسنرى إن شاء الله بعض الواقع الأخلاقي الشيوعي إن كان لدى الشيوعية شيء أسمه أخلاق .

  • * *


خامساً – النظرية العضوية والنفعيون :

من بين النظريات الاجتماعية الكبرى تبرز النظرية العضوية التى يعد (( هربرت سبنسر )) ألمع ممثليها(25) . ومن بين النظريات الأخلاقية ( النظرية النفعية ) التى حمل لوائها ( بنتام )و ( أدم سمث ) و (جون ستيوارت مل ) ويمثلها فى هذا القرن ( برتاند رسل ) .

ويصح لنا أن ننظر إلى هاتين النظريتين ونعالجهما على أساس أنهما يمثلان اتجاها واحداً فبالإضافة إلى اتفاقهما فى البيئة ( إنجلترا ) فهما تتقاربان أو تتحدان فى النظر إلى الدين والأخلاق وهى الزاوية التى نعالج موضوعنا منها خلالها كما أنهما يستمدان مفهوماتهما عن الإنسان والمجتمع من نظرية التطور لا سيما النظرية الأولى التى يبدو هذا الاستمداد واضحاً من مسماها نفسه .

أما هربرت سبنسر فيرى أن (( الأديان تخضع لقانون التطور كما تخضع جميع الظواهر الأخرى )) ويأتى بتفسير خاص لنشأة الدين يتحدث عنه (بوترو) قائلاً :

(( إن نقطة البداية فى الأديان تبعاً للترتيب التاريخى هى الواقعة الأولية التى تتعدد فينتج عنها صور مختلفة لا نهاية لها ليست شيئاً آخر سوى ما يسميه سبنسر بالقرين ( Double ) فالإنسان يرى فى صفحة الماء صورته أو قرينه وكذلك يرى نفسه فى الرؤيا كما يرى فيها صورة غيره من الناس ... وفى الإنسان نزعة طبيعية تميل به إلى الاعتقاد أن القرين لا يتلاشى ، كل ما فى الأمر أنه ينصرف ولعله يظهر مرة أخرى فى حلم مستقبل حتى إذا حانت منية المرء سهل عليه الاعتقاد بأن هذه الأنا الغامضة لا تزال باقية وأنها تظل كثيراً وقليلاً شبيه بنفسه فهى إذن تشبه شبهاً بعيداً أو قريباً ذلك الكائن المرئى الذى كان قرينه ، ومن هنا نشأ الاعتقاد فى الأرواح ولكائنات الفائقة على الطبيعة وفى قوتها وتأثيرها فى حياة الإنسان وهذا هو الأصل التاريخى للأديان فى نظر هربرت سبنسر والذى يلتقى فيه الأبيقورية ثم تفرع عن هذا الاعتقاد المعتقدات والطقوس والنظم الكهنوتية .

(( ولكل كائن واقعى فرينه الذى يعتبر روحاً وقد احتشدت الأرواح الدنيا على مر الزمن تحت سلطان الأرواح العليا التى سميت بالإلهة ثم انتهت هذه الإلهة ذاتها إلى الخضوع لإله واحد . وقد سعى الإنسان إلى تمثيل هذه القوى الفائقة على الطبيعة وإلى جعلها قريبة ومحبوبة منه فنشأت من هذه الرغبة الخرافات الدينية أو ( الميثولوجيا ) الرقى والعبادات والنظم التى نمت حسب قانون التطور ذاته إلى الحد الذى لم تعد تحتفظ فيه لنفسها أحياناً إلا بآثار ضعيفة جداً من أصلها .

(( وإذا فقدت هذه النظم بعد التطور الشديد لاعتقادات الناس اعتمادها على هدفها الأول فقد ظلت قائمة كرابطة اجتماعية وهى صفة بالغة الأهمية خلعها التطور على هذه النظم وأصبحت الأديان من الآن فصاعداً مثل استمرار الجماعات ولذلك كان للأفراد مصلحة عظمى فى احترامها (26) .

هكذا أجهد سبنسر خياله فى اختلاق جذور بعيدة وأصول وهمية للدين كما فعل كونت ودور كايم وماركس – ليصل إلى النتيجة الأخيرة وهى أن الأديان رابطة اجتماعية مصلحية وعلى هذه النتيجة مدار المذهب الأخلاقى النفعى فالواقع أنه لم يزد على أنه أعطى هذا المذهب قوة جديدة . ولنأخذ ( برتراند رسل) نموذجاً لهذا المذهب لأنه يعبر عن المدرسة النفعية التى ابتدأها بنتام فحسب بل يتحدث عن الواقع العملى لهذا المذهب الذى يسيطر على الحياة الغربية . يقول رسل : ( فصل الأخلاق عن اللاهوت أصعب من الفصل المماثل الذى حدث فى حالة العلم ... فالعديد من المفاهيم الأخلاقية التقليدية يصعب تفسيره بل وكثير منا يصعب تبريره إلا على أساس من افتراض وجود إله أو روح عالمى (( أو على الأقل هدف كونى ثابت )) . (( وأنا لا أقول أن التفسيرات والتبريرات مستحيلة دون أساس دينى ولكن أقول بأنها بدون مثل هذا الأساس تفقد قدرتها على الإقناع وقوة الإرغام السيكولوجى . وقد كانت إحدى الحجج التى يفضلها المتمسكون بالدين دائماً أنه بدون الدين يصير الناس أشراراً وقد أنكر مفكرو القرن التاسع الأحرار فى بريطانيا من بنتام إلى هنرى سيد جوبك هذه الحجة إنكاراً شديداً )) .

(( إن موضوع إمكان استقلال الأخلاق على أية صورة اجتماعية مناسبة عن الدين يجب إعادة بحثه بكامله (27) وقد قام رسل فعلاً بذلك فوصل إلى نتيجة مفادها أن الدين ليس مصدر الأخلاق بل إن الأخلاق قد مرت بثلاث مراحل من التطور :

1- أخلاق المحظور (تابو ) – أى المحرم . 2- أخلاق الطاعة الإلهية . 3- الأخلاق الحديثة وهى أخلاق نفعية عقلية .

يقول رسل فى تفصيل ذلك : (( توجد المعتقدات والمشاعر الأخلاقية فى جميع المجتمعات الإنسانية المعروفة حتى أكثرها بدائية ... وبعض هذه المعتقدات مما يمكن الدفاع عنه على أساس عقلية بيد أن الغالبية الساحقة من المعتقدات فى المجتمعات البدائية خرافية بحتة )) .

(( والحظور ( تابو) هو أحد المصادر الرئيسية للأخلاق البدائية فهناك بعض الأشياء خاصة تلك التى تخص رئيس القبيلة تحمل فى طياتها المنع وإذا لمستها تموت . وأشياء أخرى بذاتها مكرسة للروح ويجب ألا يستعملها سوى ساحر القبيلة وبعض الأطعمة مشروعة وبعضها غير مشروع وبعض الأفراد يعتبرون قذرين حتى يتطهروا وينطبق خاصة على مثل أولئك الذين تلوثهم بعض الدماء فلا يقتصر الأمر على من ارتكبوا جريمة القتل بل انه ينطبق على النساء أثناء الولادة ودورات الطمث )) ((سفر اللاويين : 15 ، 19 ، 29 ) وتظل صورة الفضيلة التى أساسها ( المحظور )) باقية فى المجتمعات المتمدينة مدى أكبر مما تدرك الناس فقد حرم فيثاغورث أكل البقول وكان أمبيدوكليس يعتقد أن مضغ أوراق الغار فيه خطيئة ويرتجف الهندوكيون من مجرد فكرة أكل لحم البقر بينما يعبر المسلمون واليهود المتمسكون بالدين الخنزير غير طاهر .. وفى سنة 1916 أرسل أحد رجال الدين من سكوتلانده كتاباً إلى الصحف يعزو عدم نجاحنا فى الحرب ضد الألمان إلى أن الحكومة شجعت زراعة البطاطس فى أيام الأحاد . وجميع هذه الآراء لا يمكن تبريرها إلا على أساس المحظور.

( وانتشار القوانين التى تحرم صور مختلفة من الزواج بين أفراد العشيرة وهو مثل من خير الأمثلة على المحظور فالقبيلة تقسم أحياناً إلى مجموعات وعلى الرجل أن يتخذ زوجته من مجموعة أخرى غير مجموعته . وتحرم الكنيسة الأرثوذكسية زواج آباء الطفل الواحد فى العماد ولم يكن الرجل يستطيع إلى عهد قريب فى إنجلترا أن يتزوج أخت زوجته المتوفاة .

ومثل هذه الزيجات لا يمكن تبريرها على أساس أن الزيجات المحرمة تتضمن أى ضرر ولا سبيل إلى الدفاع عنها ألا على أساس من المحظورات القديمة .

" بل وأكثر من ذلك أن صور الزواج من المحارم التي لم يزال معظمنا يعتبرها مما لا يتفق والشرع يستفظعها معظم الناس إلى حد لا يتناسب مع الضرر الذي ينجم عنها ويجب أن نعتبر ذلك أثرا من آثار المحظور الذي كان موجودا قبل التبرير العقلى(28). "وقارن مثلاً بين النفور المشمئز من زواج المحارم والتحريم الهادئ لجرائم مثل التزوير التي لا يدخل فيها عنصر الخرافة لأن المتوحشين لا يستطيعون ارتكابها"(29).

ثم ينتقل رسل إلى الحديث عن المرحلة الثانية : "كلما بدأ الناس يتقدمون في المدينة قل قبولهم لمجرد المحظورات فأحلوا محلها الأوامر والنواهي الإلهية، فالأوامر العشرة تبدأ "ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلا":

ونجد في التوراة من أولها إلى آخرها أن الرب هو الذي يتكلم..

"وهكذا تصبح الطاعة جوهر الأخلاق والطاعة الأساسية هي طاعة المشيئة الإلهية، بيد أن هناك صورا أخرى عديدة من الطاعة تستمد شرعيتها من أن ألوان عدم المساواة الإجماعية مصدرها مشيئة الله، فالرعايا تجب عليهم طاعة الملك والعبيد طاعة سادتهم والزوجات طاعة أزواجهن والأبناء طاعة آبائهم"(30) .

أما المرحلة الثالثة فيرى رسل أن لها أساسا قديما أيضا ولكن لم يعظم شأنها إلا في العصر الحديث :"ولقد كان هناك من أول الأمر أساس مختلف للمشاعر والقواعد الأخلاقية وهو مبدأ الأخذ والعطاء أو التراضي الاجتماعي . ولا يعتمد هذا كما هو الحال في النظم الأخلاقية الأخرى .. على الخرافة ولا على الدين . إنه ينبعث بصفة عامة عن الرغبة في حياة هادئة . فعندما أريد شيئا من البطاطس مثلا فإني قد أتسلل ليلا وأستولي على بعض منه في حقل جاري ، وجاري قد ينتقم بأن يسرق الفاكهة من تفاحي .. وفي النهاية سنرى أن الأمر سيكون أقل إزعاجا وأكثر راحة لو أن كلا منا احترم مال الآخر".

"بالرغم من أن نظاما مثل هذا قد تساعده المحظورات أو الشرائع الدينية إلا أنه يستطيع أن يظل قائما حتى بعد انهيارها حيث أنه يتضمن على الأقل من ناحية النوايا مزايا للجميع ومع تقدم المدينة عظم الدور الذي يلعبه هذا النظام باطراد في التشريع والحكم والأخلاق الخاصة، ولكنه لم ينجح في الإيحاء بذلك الإحساس العميق من الاستفظاع أو التوقير المتصل بالدين أو المحظور"(31)، ولعل هذا الاستدراك من رسل (بالإضافة إلى التراضي الاجتماعى والحياة الهادئة التي تسود الغرب اليوم !!)، يكفي لبيان قيمة العنصر الإيماني في الأخلاق.

سادسا- الدراسات النفسية الحديثة :

يرى بعض الباحثين أن علم النفس المعاصر هو أحدث العلوم جميعا لأنه آخر علم استقل عن الدين والفلسفة، ويعزون ولادة هذا العلم إلى ثلاثة عوامل برزت في منتصف القرن الماضي: أولها: المنجزات الجديدة في الطبيعيات وعلم وظائف الأعضاء .

والثاني: شارلس داروين الذي قدم عرضا لآرائه عن علم الحياة التطوري الحديث .. وألف كتابا بعنوان:" التعبير عن الانفعالات عند الإنسان والحيوان "..

والثالث: أبحاث "التجريبيين الذي أسسوا لأول مرة " معامل الدراسات النفسية الحديثة "(32)

وأشهر المدارس النفسية المعاصرة على المستويين النظري والتطبيقي – لا سيما من جهة صلتها بموضوع الأخلاق – مدرستان :

الأولى : المدرسة السلوكية : (Behaviourism) يرى "هارى ويلز" أن قيام علم نفس مادي يناهض الأفكار الرجعية والمثالية كان يفتقر إلى حلقة مفقودة هي ما أسماه "الميكانزم المادي الذي يمكنه أن يفسر لنا كيف نتج الوعي بالطبيعة وكيف يعكس الوعي الواقع" . ويقول : "لقد ظلت المادية تعاني ضعفاً ما منذ أن كانت تفتقد هذه الحلقة أي منذ كان الميكانزم العصبي مجهولا" واستغل المثاليون هذا الضعف واستفاد منه الرجعيون لنشر الجهل وتشويش الفكر وخلق أساطير عن الطبيعة البشرية"(33).

والباحث الذي استطاع أن يسد هذه الثغرة هو "بافلوف" بنظريته عن "الأفعال المنعكسة الشرطية" . والمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المدرسة السلوكية هو "حيوانية الإنسان وماديته" وذلك نتيجة لإيمانها الأعمى بنظرية داروين وهو إيمان يبدو جلياً سواء في كتابات بافلوف أو في تجاربه العملية ، فقد كانت إحدى المشاكل الكبرى التي يتوهم بافلوف أنه وضع لها العلاج الناجح هي مشكلة "نشأة الوعي وتطوره في النوع الإنساني منذ أن كان قرداً إلى أن أصبح إنساناً"

ويقول أيضا" : "اكتسب عالم الحيوان في مسيرة تطوره حتى بلغ مرحلة الإنسان إضافة فريدة مكملة لميكانزم النشاط العصبي"(34) ويعني بذلك النظم الإشاري .

أما خلاصتها الفكرية فتتمثل في إنكار الروح وإنكار استقلالية العقل ، والإيمان بالجسد وحده واعتبار السلوك البشري بأكمله "أفعالا" شرطية منعكسة" لا غير أي أن السلوكية تدعم النظرية الماركسية القائلة أن "واقع الناس هو الذي يعين مشاعرهم" وتسند نظرية أنجلز في أن العمل هو الذي خلق الإنسان أي طـوره عن القردة ومن هنا أطلق عليها الفيلسوف "جود" اسم "المادية الحديثـة"(35). وعن ذلك يتحدث هاري ويلز قائلا" : "ونظرية بافلوف عن نظام الكلام وهو نظام قاصر على الإنسان وحده هي النظرية التي تملأ الثغرة التي أشار إليها أنجلز في كتابه عن الانتقال من مرحلة القردة إلى الإنسان" .

وهكذا نجد أن نظرية بافلوف المعرفة البشرية إنما تقدم إسهاما" جليلا" للمادية فهي تزودنا بالحلقة الأخيرة في البرهان على صدق القضية المادية الأساسية القائلة بأن الوعي أو العقل البشري ثانوي بالنسبة للمادة ومشتق منها ... ولهذا السبب نفسه تلقت المثالية ضربة ساحقة وإن لم تكن القاضية والأخيرة وهي المذهب القائل بأن المادة ثانوية للنشاط العقلي ومشتقة منه""(36) .

"إن علم دراسة النشاط العصبي الراقي هو خطوة جديدة تؤكد عمق نظرية المعرفة المادية القائلة بأن الوعي والمعرفة انعكاس للواقع وأن الحق تطابق معه . وهذا يقول لينين "يعكس الوعي الوجود بوجه عام وهذا هو مجمل موقف كل المذاهب المادية . والاحساسات هي المواد الأولية التي يستخرج منها الفكر والعلم التجريبيان الحقائق والقوانين التي تعكس الطبيعة وحركة العالم الخارجي، وحجر الزاوية لأي نظرية مادية في المعرفة هو القول بأن الاحساسات صور للواقع إنها منبهات صادرة عن الموضوعات الخارجية ولهذا يقول لينين "إن كل مفكر مادي يرى أن الإحساس ليس سوى رابطة مباشرة تربط العقل بالعالم الخارجي إنه تحول لطاقة الإثارة الخارجية إلى حالة ذهنية ويتم تحول هذه الطاقة من خلال الجهاز العصبي وهو ما اكتشفه بافلوف وعبر عنه في صورة "الميكانزمات" المترابطة التي تربط بين النظامين الكلامي والحسي(37) .

ذلك بإجمال هو مضمون النظرية السلوكية عن الإنسان وتفسيرها لتصرفاته وقد كان لها مع فكرها المادي نظريا" أسوأ الأثر في التطبيق الواقعي فقد استغلها الهدامون لنفي الفطرة وإنكار القيم الخلقية المجردة كما أن طواغيت السياسة عرفوا كيف يستخدمون تجاربها على الشعوب بدلا" من الكلاب مثلما استخدموا قانون الانتخاب الطبيعي من قبل وقد فصل العلامة "مالك بن نبي" الحديث عن ذلك مؤيدا" بالشواهد الواقعية"(38) .

والواقع أن بافلوف لم يكن الأول في القائلين بنظرية الفعل المنعكس الشرطي ولا هو أول السلوكيين فقد سبقه إلى النظرية أستاذه ستشينوف الذي ألف كتابا" أسماه : "الأفعال المنعكسة للمخ" سنة 1866 ، ولكن ظروف ما قبل الشيوعية كانت متحفظة تجاه الفكر الهدام ولذلك فإن لجنة الرقابة في بطرسبرج شمت من الكتاب رائحة التآمر والإفساد وناشدت النائب العام "لاتخاذ أراء ضد كتاب الأستاذ أ . م . ستشينوف المادي على أساس أنه يوضح دعائم الأخلاق في المجتمع لقد صاغ السيد ستيشنوف في ثوب رسالة علمية بيد أن أسلوبها أبعد ما يكون عن الصيغة العلمية ذلك لأنه كتبها بأسلوب يسهل على القارئ العادي أن يفهمه . وتؤكد لنا هذه الحقيقة فضلا" عن رخص سعر الكتاب أن المؤلف يقصد عامدا" أن تكون نظريته سهلة التناول لأكبر عدد من القراء ويلزم عن هذا أن كتاب السيد ستشينوف "الأفعال المنعكسة للمخ" مقصود به إفساد الأخلاق فهو خارج عن القانون إذ يمثل خطورة على ضعاف العقيدة من الناس ومن ثم تجب مصادرته وإعدامه"(39) .

ذلك ما تعرض له الأستاذ أما التلميذ بافلوف فقد كانت حكومة ستالين تقيم له المهرجانات وظل محط التكريم والتعزيز حتى وفاته سنة 1936م ولا غربة في ذلك"(40) .

الثانية –مدرسة التحليل النفسي : (Psychoanalysis) بافلوف وفرويد متعاصران وبينهما أوجه شبه لا سيما في النتائج والمقاصد التي وصل كل منهما إليهما . إلا أن الخلاف بينهما – في المنهج – عميق ، ذلك أن بافلوف انطلق من " الشعور" في حين أن فرويد انطلق من "اللاشعور" واعتمد بافلوف على تجارب موضوعية بينما اعتمد فرويد على تصورات ذاتية وتحليلات خاصة .

ومؤلفات فرويد جميعها تعبر عن "يهوديته" أكثر مما تعبر عن منهجه العلمي إن كان له علم أو منهج ! وهذه "اليهودية" تظهر جلية في التدنيس والتلـويث المتعمدين للجنس البشـري . وهي ظاهرة بارزة في التوراة المحرفة(41)، كما تتجلى في الإفساد المتعمد للأخلاق والتآمر الخبيث على القيم الإنسانية وهما مضمون وفحوى "التلمود"(42) .

ويكفي للدلالة على ذلك موقف فرويد من المسيح عليه السلام "أقدس شخصية لدى أوروبا النصرانية" ، كان التلمود يصف المسيح عليه السلام بأقذع النعوت وأشنع الألقاب ولكن الكنيسة كانت تلاحقه في كل مكان بالحرق والمصادرة مما اضطر الحاخامات إلى ترك مكان العبارات التي تذكر المسيح عليه السلام خالية ووضع مربعات فارغة أو الإيماء إليه من طرف خفي"(43) .

غير أن فرويد استطاع بذكائه الخبيث وتمسحه بالعلم أن يثأر للتلمود فجأة بتلك العبارات بنصها وأقذع منها ونشرها علانية في محاضراته وكتبه وهو آمن من أن تمسه يد سوء(44) . وقس على ذلك موقفه من الدين والأخلاق .

وهذا يقودنا إلى معرفة مدى التفسخ الذي وصلت إليه البيئة الأوروبية والانهيار الديني والخلقي الذي اجتاحها فكانت بيئة ملائمة لتفريغ أفكار فرويد وتقبلها مما دفعها إلى تفسخ أعظم .

فالفكر المادي تغلغل في النفوس والنزعة الحيوانية المنفلتة أصبحت هي الصبغة الصبغة العامة للحياة والثورة الصناعية وما صاحبها من تغيير في البنية الاجتماعية وتفكك في الحياة الأسرية ، هيأت – جميعها – الجو للهدم الأخلاقي والعقائدي ثم كانت الحروب الإقليمية والعالمية (الأولى) فقوضت دعائم المجتمع الأوروبي وأفقدته الثقة في كل مبادئه ومعتقداته ونشرت الرعب والذعر في القلوب وحمت كل الأعراف والقوانين والأخلاقيات .

وصحب ذلك إسفاف مريع وهبوط شان فى الأدب والفن يسرته وعممته دور السينما وكتب الجنس وقصصه ولوحاته .

يضاف إلى ذلك ما كان يعتلج دوماً في النفسية الأوروبية من حقد عارم على الكنيسة وتحفز دائب للانتقام منها وشعور لا ينفك بالنقص والذنب وهو ما أورثته الرهبانية لها . كل هذه الأمور هيأت الجو الملائم للهدامين التلموديين لإطفاء الجذوة الباقية ونهش المزعة الأخيرة من جسد الخلق والفضيلة . وقد عرفنا دورهم في الثورة الفرنسية ثم في قيام الرأسمالية وتعرضنا لاستغلالهم للداروينية ثم عرضنا لماركس ودوركايم وأفكارهما الهدامة والآن يصل بنا البحث والزمن التاريخي إلى ثالث الثلاثة "فرويد" وهو أكثرهم جرأة وأصرحهم إسفافاً والحق أنه لم يفت بعض الباحثين الغربيين أن يدركوا الدوافع والمنطلقات الخفية للفكر الفرويدي بإرجاعها إلى يهوديته وتطبيق نظريته على نفسه وقد قال بعضهم :"من المؤكد أن مفهوم الأنا العليا يجد مصدره في ديانة فرويد الأولى "اليهودية" إن هذه الأنا هي القانون المتبطن بدءاً من الشخصية الرئيسية الإلهية باعتبارها أباً أو من شخصية موسى باعتبارها أباً ووسيطاً معا"(45) .

ولكن هذا الإدراك لا حول له ولا طول أمام الانتشار الفظيع للفرويدية الذي جاء كما لو كانت كشفاً علمياً مذهلاً . ويقع عبء ذلك على عاتق الصحافة الغربية التي تعمل دائما" تحت تأثير المذهب اليهودي وبوحي من المرابين اليهود .

تبدأ نظرية فرويد من زعمه بأنه اكتشف المدخل الوحيد والسليم لدراسة النفس البشرية والحكم على سلوكها وهو "عقدة أوديب" ويعتقد فرويد أنه اكتشف عظيم حقاً :

"يحق لي أن أقول أنه لو لم يكن للتحليل النفسي إلا فخر اكتشاف عقدة أوديب المكبوتة لكان ذلك خليقا بأن ينظمه في عداد أثمن ما كسب الجنس الإنساني حديثا"(46)

فأي شئ يا ترى عقدة أوديب هذه الجديرة بهذا التهويل ؟

يقول فرويد في بيانها " يبدأ الولد الصغير في سن مبكرة يشعر بالحب نحو أمه، وهو حب كان في الأصل متعلقا بثدي الأم كما أنه أول حالة من حالات حب الموضوع(47) تنشأ على صورة الاعتماد على الأم أما فيما يتعلق بالأب فإن الولد يقوم بتقمص شخصية وتبقى هاتان العلاقتان جبنا إلى جنب لفترة من الوقت ثم تأخذ الرغبات الجنسية المتجهة نحو الأم تزداد في الشدة ويأخذ الأب يبدو كأنه يعوق تحقيق هذه الرغبات وعن ذلك تنشأ " عقدة أوديب " ثم يأخذ تقمص شخصية الأب بعد ذلك يتخذ صفة عدائية، ويتحول إلى رغبة في التخلص من الأب لكي يأخذ مكانه من الأم، وتصبح علاقته الوجدانية مع الأب منذ هذه اللحظة متناقضة .

" ويبدو كأنما هذا التناقض الوجداني- وهو أمر طبيعي في التقمص منذ البداية- قد أصبح الآن واضحا، ويتكون من موقف التناقض الوجداني نحو الأب وعلاقة الحب الشديدة نحو الأم مضمون عقدة أوديب الإيجابية البسيطة عند الولد.

" وبزوال عقدة أوديب يصبح من الواجب الإقلاع عن حب الأم وقد يملاء مكانها بأحد أمرين : وإما بتقمص شخصية الأم وإما بتقمص شخصية الأب بدرجة شديدة . وترجع عقدة أوديب الكاملة إلى الثنائية الجنسية الموجودة في الأصل عند الأطفال، ومعنى هذا أن الولد لا يقف موقف التناقض الوجداني مع أبيه وموقف المحب مع أمه، وإنما هو يسلك أيضا في نفس الوقت سلوك البنت ويبدي ميلا أنثويا عاطفيا نحو أبيه كما يبدي اتجاه العداء نحو أمه والغيرة منها"(48) .

وإذا سمع أحد هذا الكلام وتناوله على أساس أنه صادر من إنسان جاد يعي ما يقول فإن من بين الأسئلة التي يثيرها يبرز سؤال عن إمكان وجود شعور جنسي لدى الأطفال؟ ولا يدع فرويد هذا السؤال بلا جواب، بل يفصل القول يف ذلك معتمدا على " الخيال اليهودي " الدنس: " الحياة الجنسية لا تبدأ أولا عند البلوغ وإنما تبتدي عقب الميلاد بمظاهر واضحة "، " فنشاهد في عهد الطفولة المبكر علامات للنشاط الجنسي لا يمكن أن ينكر عليها صفة الجنسية إلا الرأي المغرض القديم " !!

وهذه عند فرويد هي المرحلة الجنسية الأولى ويتبعها فترة " كمون " لا تبدو فيها آثار النشاط الجنسي، أما الثالثة فهي مرحلة البلوغ.


ويعلق فرويد على ذلك مستنتجاً ( وهذا يؤدى بنا إلى حقيقة هامة وهي أن الحياة الجنسية ترد على دورتين، وهو ما لا نجده إلا عند الإنسان ولا شك أن له أثرا بالغ الأهمية في تكوينه " . أما الدليل العلمي على ذلك فيعتقد فرويد أنه الفرض القائل بأن الإنسان انحدر عن حيوان ثديي كان يبلغ النضج الجسمي في سن الخامسة .

وهذا الدليل " العلمي " ! لا يزودنا فرويد بأية معلومات عنه ولا يخبرنا عن مصدره التاريخي العلمي .

ولعله اعتمد على موجة رواج فرضية داروين التي بدأ فرويد أبحاثه في عنفوان شبابها وكانت شهرتها الطاغية المدبرة تقطع إي تساؤل يثار حولها .

وعلى أي حال فإن فرويد يشرح ذلك كما لو كان حقيقة علمية ثابتة فعلا فيقول : " أول عضو يظهر بوصفه منطقة شهوية تعرض مطالبتها اللبيدية(49) على النفس هي الضم منذ الميلاد فإلحاح الطفل في المص وتشبثه به في مرحلة مبكرة ينم بوضوح عن حاجة إلى الإشباع ... يمكن بل يجب أن توصف بأنها جنسية " .

أما المرحلة الثانية فهي " المرحلة السادية الشرجية لأن الإشباع فيها يطلب في العدوان وفي وظيفة الإخراج " . و" المرحلة الثالثة نسميها " المرحلة القضيبية " ... ومع المرحلة القضيبية وفي خلالها تبلغ الجنسية الطفلية الأولى ذروتها وتقترب من اضمحلالها ومن الآن فصاعدا تختلف مصائر الصبيان والبنات فيدخل الصبي الطور الأوديبي ويأخذ يعبث بقضيبه عبثا تصحبه أخيلة أن يزاول نوعا من النشاط الجنسي ذا صلة بأمه...(50) .

وإلى الآن فإن غرض فرويد من هذه الفرضيات والأوهام القذرة ما يزال غير واضح تماما لكنه يأخذ في إيضاحه بإضافة فرض آخر ناشئ من عقدة أوديب هو ما أسماه " الأنا المثالي " : " فالأنا المثالي هو اذن وريث ولذلك فهو أيضا نتيجة أقوى الدوافع وأهم التقلبات التي مرت باللبيدو في الهو(51) . وبتكون هذا الأنا المثالي يقوم الأنا بالتغلب على عقدة أوديب كما يقوم في نفس الوقت بوضع نفسه تحت سلطة الهو" (52) .

وإذ قد وصلت السلسلة الوهمية إلى هذا الحد يبدأ فرويد في الإفصاح عن مرماه البعيد : "من السهل أن نبين أن الأنا المثالي إنما يكون من جميع الوجوه ما ينتظر من طبيعة الإنسان السامية ، ومن حيث أنه بديل لشوقه نحو الأب فهو يحوي على الأصل الذي نشأت منه جميع الأديان وأن حكم النفس بأن الأنا قد فشل في تحقيق ما هو مثالي عنده يحدث بالإحساس بعدم الجدارة وهو الإحساس الذي يثبت به المتدين شوقه . وعندما يكبر الطفل تنتقل سلطة الأب إلى المدرسين وإلى الأشخاص الآخرين ذوي النفوذ وتظل سلطة أوامرهم ونواهيهم باقية في الأنا المثالي وهي تستمر تزاول رقابتها على الأخلاق في صورة الضمير" .

"إن الدين والأخلاق والشعور الاجتماعي – وهي العناصر الأساسية لما هو أسمى في الإنسان – إنما كانت في الأصل شيئاً واحداً وقد اكتسبت هذه الأشياء تبعاً للفرض الذي وضعته في كتاب "الطوطم والمحرم" عن عقدة الأدب أثناء نشوء النوع الإنساني فاكتسب الدين والوازع الخلقي عن العملية الحقيقية للتغلب على عقدة أوديب نفسها ..."(53) .

وقبل أن نتعجل ونقول أن هذا الهراء المتعمد لا دليل عليه ولا غرض له إلا الانتقام المتعمد من "الأميين" بتلويث دينهم وأخلاقهم فإن علينا أن نبحث عن الغرض الذي ذكره فرويد عن الإنسانية في مرحلتها الأولى فلعل فيه شيئاً من العلمية أو قل : شيئاً من النظافة . قرأ فرويد لداروين أنه "في عالم البقر تتجه الثيران الفتية للحصول على البقرة الأم فتجد أباها عائقاً في الطريق فتتجه كلها نحوه لتقتله فإذا أفرغت من ذلك عادت فأضرعت فيما بينها حتى يتغلب أحدها – وهو أقواها – فيفوز وحده بالأم ويصبح هو السيد الجديد" .

ونقل فرويد بخياله الجانح هذه القصة من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان ليبني عليها فرضه المزعوم فهو يذكر في كتابه "الطوطم والمحرم" أن الأبناء في مطلع البشرية اتجهوا نحو أمهم بدافع الجنس وإذ رأوا أباهم يحول دون ذلك قتلوه وبعدها أحسوا بالندم على قتله وعمدوا إلى تقديس ذكراه فعبدوه وبذلك نشأت العبادة البشرية الأول "عبادة الأب" ثم تحولت إلى عبادة الطوطم وهو الحيوان الذي اعتقد الأبناء أن له صلة بالأب وكان تحريم أكل الطوطم أحد المحرمين وأصله أن هؤلاء الأبناء رأوا أنهم سيتقاتلون من أجل الحصول على الأم فاتفقوا على تحريمها على الجميع ومن ذلك نشأ تحريم جنسي وظلت البشرية تحرم الزواج منها ثم انتقل إلى سائر المحارم"(54) .

"كان أكثر تطبيقات علم النفس على الأنتربولوجيا إثارة هو إثارة هو بلا شك موقف فرويد "الطوطم والمحرمات" ... وقد حاول فرويد في تطبيقه لتلك الأفكار على الطوطمية أن يشرح أحد المحرمين الكبيرين للمجتمع الطوطمي وهما تحريم أكل الحيوان الطوطم وتحريم الزواج الداخلي فأرجعهما إلى جانبي مركب "أوديب" : الرغبة في قتل الأب والزواج من الأم ، وبهذا الشكل يبدو عيد الطوطم ومشتقاته ... بما في ذلك تناول الخبز المقدس في الكنيسة المسيحية ضاربة الجذور في اتجاه الرجل البدائي المتناقض وجدانيا"(55) أي بين محبة الأب من ناحية والرغبة في قتله للحصول على الأم من ناحية .

وبهذا يتضح تهافت الأسس التي قامت عليها الفرويدية ، أما أثرها الهدام فسيأتي بيانه قريباً .














واقع المجتمع اللاديني المعاصر

بمجموع الاتجاهات والمدارس الفكرية وبتضافر عوامل أخرى مساندة كفرت أوربا بالدين والأخلاق ونبذ المجتمع كل مقوماته المستمدة من هذين الاتجاهين وأصبحت القيم العليا فيه هى القيم المادية النفعية تحدوها ميكافيللية صريحة ، وأضحى التعامل الاجتماعى قائما على الرابطة المصلحية وحدها ممثلة فى " عقد اجتماعي " أو " أخلاق تجارية " وكما ترى فلسفة الذرائع "البراجاتيزم" (57) : لم يعد للأخلاق قيمة ذاتية ، وإنما يحكم على آي تصرف وتعامل من خلال ما ينجم عنه عملياً من المصلحة النفعية ..

فماذا جنت المجتمعات الغربية من ذلك كله ؟ …

يقول مؤلفو " تاريخ البشرية " : "كانت فكرة الإنسان عن نفسه كما ظهرت فى منتصف القرن العشرين تعكس فهمه المتغير لعلاقته بالمجتمع وبالطبقة وبالله : ففى معظم أنحاء العالم ، وخلال طبقات اجتماعية كثيرة وعلى نطاق واسع ، رأى بسبيل هذه السيطرة فاعتقدوا أنهم بصدد فجر جديد لا يمكنهم إلا اجتلاء ملاحمه بسرعة ، أما مستقبله واحتمالاته فتدعو إلى الابتهاج وإلى الذعر فى وقت واحد .

فقد أحس الناس فى طول العالم وعرضه أنهم سفينة قد انقطعت أسبابها بالبر ، وعليهم أن يقودوها بغير خريطة عبر بحار مجهولة . كان هذا عند العض بماثابة مغامرة كبرى لا تخلو من نشوة ، وكان عند البعض الآخر خطراً يهدد بالويل الكبير ، لقد وجد الإنسان الحديث نفسه فى موقف ملئ بالمتناقضات وكلما ازداد سيطرة على بيئته زاد شعوراً بعجزه أمام القوى التى كان إطلاق بعضها من صنعه .

وكلما زادت درايته بالعالم خارج نطاق بيئته المباشرة ، قلت قدرته على التصرف المباشر إزاء كثير مما يبدو أنه يؤثر على حياته اليومية ، وكلما زادت المعرفة الجديدة من تقويضها لليقينيات السابقة وكلما غيرت القوى الاجتماعية فى النظم القديمة تزايد شعور الإنسان بالحاجة إلى مصدر من مصادر الأمن والطمأنينة يقوم عنده مقام المصادر التى فقدها " (58) .

إنه الإفلاس وإنها الحيرة والضياع ….!!

يقول ر. بوسكيه وزميله عن مشكلة الإنسان المعاصر : " أين أنا ؟ فى أى عصر ؟ وفى أى وضع ما زلت مشتبكاً ؟ أهناك ما يربطنى بالماضى والمستقبل وبالآخرين من أهل عصرى ؟ هل يمكن أن يجلب لى شيئا ما ؟ وبكلمة واحدة: أين مكانى ؟ " .

" هكذا يبدو الإنسان فى المجتمع المعاصر مسيراً للبيئة التى يعيش فيها ، لقد فقد أعظم نصيب من حريته الداخلية ومن إحساسه بمسؤولياته ، ولن تكون الإنسانية سيدة مصيرها قبل أن يظفر الإنسان بحريته الباطنة وإحساسه بمسؤولياته ، ولكن أهو مستطيع هذا ؟ ذلك هو السؤال الذى يجب أن نضعه لأنفسنا".

" إن مجتمعنا منظم فى مجال التقنية والاقتصاد تنظيما عظيماً ، ولكنه ليس كذلك فى المجال البشرى ، فنحن نعيش على آراء وأخلاقيات واجتماعيات وفلسفات وسيكولوجية القرن التاسع عشر وما زلنا كأجداد أجدادنا …… ومن المحتمل أننا ما زلنا نعيش على تنظيم ينتمى إلى القرن التاسع عشر .. لم يعد من الممكن أن نحيا فى عصر الصواريخ وفق قواعد عصر الحصان … ويمكن تفسير التفاوت بين التقدم الاقتصادى والتقدم الاجتماعى بسوء التكيف وسوء نظام مجتمعنا ".

" إن التطور الاقتصادى ليترجم الاختراعات العلمية التقنية إلى ثروات جديدة ويبدو الإنسان وكأنه يغزو ، شيئا فشيئا ، الكوكب الذى يعيش فوقه ، عرف الطبيعة سيطرة على الطاقة ، استغل موارد الأرض ظاهرها وباطنها ، ومع هذا لا ينتفع المجتمع كله من هذه الحركة … حتى داخل البلاد الصناعية نجد غالباً نفس الفوارق حسب الأقاليم والفئات الاجتماعية ويزيد من خطورة هذه الفوارق ازدياد الحاجات التى تثيرها أغنى الجماعات ، وكذلك التقدم الفنى والتنظيم التجارى وتلك دائرة جهنمية تدل على نقص فى التنظيم الاجتماعى وكفاح مرير تحاول فيه كل مجموعة وكل فرد الدفاع عن مصالحه الخاصة قبل ككل شىء (59) .

ولنستمع إلى تجربة شاب أوربى معاصر وهو يروى معاناته ومعاناة جيله كله : " لقد تميزت العقود الأولى من القرن العشرين بالفراغ الروحى ، لقد أصبحت جميع القيم الأخلاقية التى ألفتها أوربا عدة قرون غير ذات شكل مقرر محدود ، وذلك بفضل الفظائع التى قد حدثت 1914-1918م ، ولم يكن يبدو أن مجموعة جديدة من القيم ستفرض نفسها ، لقد كان فى الجو نوع من الهشاشة والخطر وإحساس مسبق بالجيشان الاجتماعي والعقلي جعل المرء يشك فيما إذا كان من الممكن أن يكون هناك مرة أخرى استقرار فى أفكار الإنسان ومساعيه . كان كل شىء يبدو كأنه يسيل فى فيضان غير منتظم ولم تستطع الحيرة الروحية لدى الشباب أن تجد لنفسها موطئ قدم ، وبسبب فقدان المقاييس الأخلاقية الموثوق بها لم يستطع أحد أن يقدم إلينا – نحن الشباب – أجوبة مرضية عم كثير من الأسئلة التى كانت تحيرنا كان العلم يقول : " المعرفة هى كل شىء " ونسى أن المعرفة دونما هدف أخلاقى لا يمكن أن تؤدى إلا إلى الفوضى والغموض .

" إن المصلحين الاجتماعيين والثوريين والشيوعيين لم يكونوا يفكرون إلا بمقتضى ظروف خارجية اجتماعية أو اقتصادية ، ومن ناحية أخرى فإن رجال الدين التقليدين لم يعرفوا شيئا أفضل من أن يعزوا إلى إلههم مقتبسة من عاداتهم الخاصة فى التفكير ، تلك العادات التى كانت قد أصبحت باردة لا معنى لها منذ زمن طويل .

وعندما رأينا نحن الشباب ، أن هذه الصفات الإلهية المزعومة كثيراً ما كانت تتناقض إلى أبعد الحدود مع ما كان يجرى فى العالم من حولنا ، كنا نقول لأنفسنا : إن القوة الدافعة للقضاء والقدر تختلف بصورة جلية واضحة عن الصفات المعذورة إلى الله وإذن فإن الله موجود ".

" ولم يخاطر إلا لعدد قليل جداً منا أن السبب فى كل هذه الفوضى والاختلاط قد يكون مرده إلى استبداد حماة الدين الذين يزعمون أنهم هم الصالحون والذين كانوا يزعمون أن من حقهم أن يصفوا الله والذين بإلباسهم إياه ثيابهم الخاصة قد فصلوه عن الإنسان ومصيره .

هذا التحول الأخلاقي في الفرد كان يمكن أن يؤدى إلى الفوضى الأخلاقية والشك أو إلى إيجاد ملتمس شخصى خلاق لما يمكن أن يشكل الحياة الطيبة .

" وفى إبان العملية العامة لانحلال المقاييس الأخلاقية الثابتة بعد الحرب العظمى زال كثير من الحواجز بين الجنسين ، إن ما حدث لم يكن فى اعتقادى ثورة على المحافظة التى كانت سائدة فى القرن التاسع عشر بقدر ما كان ارتداداً سلبياً من واقع كانت بعض المقاييس الأخلاقية المعينة فيد أبدية غير قابلة للشك إلى حالة اجتماعية ، كان كل شىء فيها مدعاة للشك ،انتقال رقاص الساعة من اعتقاد الأمس المريح باستمرار تقدم الإنسان ورقيه إلى الصحو المرير الذى دعا إليه شبنجلر إلى النسبية الأخلاقية لنيتشه فإلى العدمية الروحية التى غذاها واحتضنها التحليليون النفسيون " (60)

والحق أن واقع المجتمعات اللادينية فى الأرض ما يكاد يعجز الإدراك عن تصور فظائعه وأهواله ، وأن ما تعانيه من أزمات وتتلوى فيه من جحيم قد أعيى الفلاسفة وأقلق بال المصلحين وروع قلوب المشفقين وأثار تشاؤمية الشعراء والروائيين حتى أن كثير من الناس هناك نفض يده من كل أمل فى الخلاص من دائرة مستحكمة الحلقات واستسلم إلى حلم الموت اللذيذ يتعجله بيده أو يترقبه بفارغ الصبر !

وليس فى استطاعتنا أن نلم أطراف الحديث عن هذا المجتمع الساقط الهابط من كل زواياه ، ولكننا سنكتفى بعرض صور من مأساته من خلال مناقشة قضية واحدة من قضايا الدين والخلق ، وهى فى الواقع القضية الخلقية الكبرى فى التاريخ .

==========

نموذج واحد للمأساة!

إن خير مثال يمكن أن يتخذ المرء مقياساً للمستوى الأخلاقى فى أوروبا لهو قضية " العرض " ومكانة المرأة فى المجتمع ، فقد تفاوتت هذه القضية بين تزمت الرهبانية الكنسية وانحلال الإباحية الفرويدية ، واتخذت مساراً تاريخياً جديراً بالملاحظة والتتبع .

كانت الكنيسة تردد ما قالته الأساطير الإغريقية من أن المرأة هى سبب الشر فى الأرض وهو ما عمقته التوراة المحرفة بجعلها المرأة سبباً فى إغواء الرجل والوقوع فى الخطيئة (61) . جرياً على ذلك قال أحد رجال الكنيسة لتلاميذه مرة :

" إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائناً بشرياً ، بل ولا كائنا وحشياً وإنما الذى ترون هو الشيطان بذاته والذى تسمعون هو صفير الثعبان " (62)

" وقد تكون " رأى ستراتشى " إحدى المطالبات بحقوق المرأة فيما بين الحربين ، صادقة حينما قالت عن الرهبانية : " يستفاد من النظرية التى أوصت بهذا التطاول عن المرأة أن الشهوة الجنسية هى أشنع الخطاياً جميعاً ؟، وأنها كانت فى الحقيقة الخطيئة التى سببت سقوط الإنسان ، وإن العفة الكاملة هى أعلى مثل فى الحياة وأنه يجب أن يلعن النساء لأنهن سبب الغواية ، وكان يقال أن الشيطان مولع بالظهور فى شكل أنثى وأنه طالما زار النساك بهذه الصورة فى كهوفهم الجبلية وصفوة القول أن مجرد التفكير فى النساء كان خطراً وأن المرأة نفسها كان نحساً من النحوس " (63)

وقد أنعكس هذا المفهوم على وضع المرأة فى عصر الإقطاع عامة ، إذ كانت ، كما نقل زاندال : " تربى المرأة الخادمة لتتعلم أصول حياة الزوجية فتعمل بشروط منهكة قاسية وتغذى بلحم فج بسيط وترتدى ثياباً رثة وتظل تحت العبودية والرق ، وإذا حملت يؤخذ الطفل من رحمها للعبودية .. تباع المرأة الخادمة المستعبدة وتشرى كالحيوان " (64) .

لكن على الرغم من هذا ، فقد كان العرض له قيمته العظمى وكانت المحافظة عليه معيار الشرف والرجولة ، أى أنه كان هناك ارتباط تاريخي بين إهدار قيمة المرأة معنوياً واقتصاديا وبين المحافظة الشديدة على العرض وهى ثغرة لم تعدم من ينفذ منها فيما بعد .

وبقيام الثورة الفرنسية بدأت الشرارة الأولى فى القضية التى أسميت " قضية المرأة " وتعتقد رأى ستراتشى " أن الثورة فى ظاهرها لم تفد النساء فائدة مباشرة " وترى أن فائدتها تعود إلى " أن النظرة المعنوية للحرية البشرية كانت قد سادت وكان لا بد من أن تظهر دلالها ، إن عاجلاً وإن آجلا (65) .

عندئذ ظفر الهدامون ببغيتهم المنشودة وسنحت لهم الفرصة التى طال ارتقابها ، إلا أن الموضوع لم يبرز إلى حيز الواقع الملموس إلا بعد الانقلاب الصناعى الذى جر الويلات والمصائب على المجتمعات الغربية عموماً والطبقة الدنيا خاصة .. فقد استغل الرأسماليون الربويون عوز الناس والمجاعة التى أجتاحت الأسر الكادحة لتشغيل النساء فى مصانعهم بأجور زهيدة ، وكان النساء فى مناجم الفحم يجرون العربات المحملة فى دهاليز واطئة ويحملن أثقالاً عظيمة من الفحم إلى السطح ويرقين سلالم شديدة الانحدار أو درجا حلزونية(66) .

وعلى الرغم من ذلك فلم يخل الأمر من فائدة نسبية للنساء الفقيرات ، إذ أدى ذلك إلى تحسين نسبى فى معيشتهن وإلى شىء من التعديل فى القيمة الاجتماعية للمرأة ، وقد ركز الهدامون وأبواقهم على هذه الفائدة النسبية وأسموا هذا التحول الاجتماعى " تحرير المرأة " وراج هذا الاصطلاح في الصحافة حتى أصبح رمزاً خداعاً للمخطط الذى كان الهدامون التلموديون يدبرونه فى الخفاء .أسهم الكتاب – على اختلاف مقاصدهم – فى ترسيخ ذلك ، حتى لقد قال هارولد لاسكى بعد الحرب الأولى : " لم تتحرر النساء من أغلالهن إلا بعد أن جعل الانقلاب الصناعى جهودهن اقتصادية مظهراً مألوفاً من مظاهر المجتمع ، فلم يكن بد الاعتراف بهذه الجهود ، وعندئذ فتحت لهن أبواب الأعمال التى ظن الناس أن دخولهن فيها ضرب من المحال وزاد عدد المختزلات وعاملات المصانع والحوانيت فأصبحت هذه الزيادة وحدها تحتم تحريرهم من القيود السياسية ، وكان حقهم فى حماية مصالحهم الاقتصادية يتضمن أن القضاء والجمعية التشريعية بل الشرطة لم يكن يستطاع إبقاؤها مغلقة دونهن وتجادل الناس خمسين عاماً فى هذا الأمر فلم ينتبهوا إلى شىء ذى عناء حتى جاءت الحرب بضراوتها فأوضحت ما للمرأة من شأن خطير فى الحياة الاقتصادية ولم يعد فى وسع الرجل الذى أشاح عن كل نداء يعرض عما انطوى عليه هذا المشهد الذى زادته الحرب روعة وجلالاً (67) .

هكذا صور البعض ولكن الواقع كان شيئا آخر يختلف تمام الاختلاف مما حدا بالكثيرين إلى رفع صيحات الخطر والتحذير حتى من النساء أنفسهم :

تقول الكاتبة الإنجليزية " أنى رود " عن ذلك : " إذا اشتغلت بناتنا فى البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن فى المعامل حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد .

أياليت بلادنا كبلاد المسلمين حيث فيها الحشمة والعفاف والطهارة رداء الخادمة والرقيق اللذين يتنعمان بأرغد عيش ويعاملان معاملة أولاد رب البيت ولا يمس عرضهما بسوء . نعم إنه عار على بلاد الإنكليز أن تجعل بناتها مثل للرذائل بكثرة مخالطتهن للرجال ، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل ما يوافق فطرتها الطبيعية كما قضت بذلك الديانة السماوية وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها " (68) .

وتقول الكاتبة اللادى كوك أيضا : " إن الاختلاط يألفه الرجال ، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها ، وعلى قدر الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا ، ولا يخفى ما فى هذا من البلاء العظيم عن المرأة ، فيه أيها الآباء لا يغرونكم بعض دريهمات تكسبها بناتكم باشتغالهن فى المعامل ونحوها ومصيرهن إلى ما ذكرنا فعلموهن الابتعاد عن الرجال ، إذا دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج عن الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر الاختلاط بين الرجال والنساء . ألم تروا أن أكثر أولاد الزنا أمهاتهن من المشتغلات فى المعامل ومن الخادمات فى البيوت ومن أكثر السيدات المعرضات للأنظار .. ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط لرأينا أضعاف مما نرى الآن ، ولقد أدت بنا الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصوره فى الإمكان حتى أصبح رجال مقاطعات فى بلادنا لا يقبلون البنت ما لم تكن مجربة ، أعنى عندها أولاد من الزنا ، فينتفع بشغلهم وهذا غاية الهبوط فى المدينة ، فكم قاست هذه المرأة من مرارة الحياة حتى قدرت على كفالتهم والذى اتخذته زوجاً لها لا ينظر لهؤلاء الأطفال ولا يتعدهم بشىء يكون ويلاه من هذه الحالة التعيسة . ترى من كان معينا لهاً فى الوحم ودواره والحمل وأثقاله والفصال ومرارته " (69)

وكتب أحد علماء الأخلاق قائلاً :

" إن النظام الذى يقضى بتشغيل المرأة فى المعامل ودور الصناعات مهما نشأ عنه من الثورة فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية ، لأنه هاجم هيكل المنزل وقوض أركان العائلة وفرق الروابط الاجتماعية ، فإنه بسلبه الزوجة من زوجها صار بنوع خاص لا نتيجة له إلا تسفيه أخلاق المرأة لأن وظيفة المرأة الحقيقية هى القيام بالواجبات المنزلية كتربيتها أولادها وترتيبها مسكنها والاقتصاد فى وسائل معيشتها مع القيام بالواجبات العائلية ، ولكن المعامل سلختها من كل هذه الواجبات ، بحيث أصبحت المنازل غير منازل وأضحت الأولاد تشب على غير التربية الحقيقية لكونها تلقى فى زوايا الإهمال ، وطفئت المحبة الزوجية وخرجت المرأة عن كونها الزوجة الظريفة والقرينة المحبة للرجل وصارت زميلته فى العمل والمشاق " (70) .

لكن هذه التحذيرات البالغة لم تغير من الواقع شيئا وإنما نبهت القوى الشريرة إلى إسكات مثل تلك الاعتراضات بإيجاد البديل غير الطبيعى . فقد شيدت المحاضن ودور الرعاية لتربية أولاد الزنا وتنوعت الأدوية المانعة من الحمل بدلاً من المسقطة للجنين واستطاع الهدامون أن يجعلوا تعليم البنات حقيقة واقعة وهى خطوة من غير المستطاع الرجوع عنها . كما أن الأزمات الاقتصادية – التى كان لهم دور فيها – دفعت بالعجلة إلى الإمام وأصبحت القضية الشاغلة للنساء وللكتاب النسائيين هى المطالبة بمساواة الرجل فى الأجور ومناهج التعليم والمقاعد النيابية .. الخ وتنوسيت المشكلة الأساسية " مشكلة خروجها من البيت " ، حتى لم تعد تجد من يتحدث عنها .

وقام كتاب وصحفيون يفلسفون الواقع ويطالبون بالمزيد . فقال برتراند رسل : " إنى لا أميز فرقاً البتة بين ما يسمونه الذكر وما يسمونه الأنثى ، نعم يستحسن فى المرأة التى سيعهد إليها بالعناية بالأطفال الصغار أن تتلقى قدراً معيناً من الإعداد المهنى ، لكن هذا لا يستلزم من الفروق إلا شبه ما بين الزراع والطحان ، وهذا ليس أساسياً بأية حال من الأحوال ولا يتطلب منا اعتباراً ونحن فى مستوانا الحاضر " (71) .

وتطورات المطالب حتى أصبح الكتاب النسائيون يطالبون بالمساواة بين الرجل والمرأة فى الفساد ويصبون اللعنة على المجتمع الذى ينكر زنى الفتاة ويغض نظره عن الجريمة نفسها بالنسبة للفتى يقول رسل أيضا : " يجب أن يعالج الجنس من البداية كشىء طبيعى مبهج ومحتشم ، وإذا أردنا أن نغفل خلاف ذلك فإننا نكون سممنا العلاقات فيما بين الرجل والمرأة وبين الآباء والأولاد " .

" إن الفضيلة التى تستند إلى الجهل لا قيمة لها وأن الفتيات لهن نفس الحق فى المعرف الجنسية كالفتيان " (72) .

وهناك شىء أساسى فى تعليم حب الجنس ، فلا ينبغى اعتبار الغيرة إلحاحا مبرراً على الحقوق ، بل هى مأساة لمن يشعر بها ، وهى خطأ بحق من تستهدفه " (73) .

ويضرب أمثلة لذلك فى كتاب أخر : " فى ولاية نيويورك ، حيث يعتبر الزنا جريمة عقوبتها السجن لم تقم حركة ذات أثر لتغيير القانون فى هذا الشأن ، ويقول كثير من الناس : " وماذا يهم القانون إذا كان يطبق " وأنا اعتقد أن هذه الحجة وهمية إلى حد كبير .. على الرغم من أن هذا القانون لا يطبق عادة فإنه يمكن أن يحركه زوج تحدوه روح انتقامية " (74) .

ولكن الرجل الذى كان له أعظم الأثر فى هدم الفضيلة وفتح أعمق أزمة فى تاريخ الأخلاق – على حد تعبير فوجيرولا - (75) ، وهو فرويد ونظريته فى التحليل النفسى يقول فلوجل : " الحق أن بعض المحللين النفسيين كانوا يؤمنون إلى أن الموانع التقليدية التى تفرضها مستوياتنا الخلقية عبء تنوء به الطبيعة البشرية وكان من أثر ذلك كله أن المتحمسين نم غير المختصين كانوا يدعون إلى التخلى الكامل عن التحكم وفرض النظام سواء فى ميدان التعليم أو ميدان العلاقات الجنسية أو غير ذلك من الميادين إلى درجة جعلت الآباء يخشون من ممارسة أبسط أنواع الرقابة على أبنائهم مخافة إصابتهم بالكبت أو الأمراض العصبية " .

ويقول : " إن التحليل النفسى بصرف النظر إن الإفراط فى الحماس وساء الفهم وسوء الاستخدام قد ساعد فعلاً على تقويض أركان الأخلاق التقليدية ، فلقد كشف عن شىء من السذاجة والخرق فى عمل سلطات الرقابة الخلقية فى الإنسان " (76) .

ويقول الفيلسوف " جود " " ولكن مذهب التحليل النفسى قد أثر فى موقف الإنسان من الاستغراق فى الحاضر والاستمتاع به ، وحرى أن يقال أن هذا التأثير قد أتى بصورة مباشرة من أن يقال أنه أتى عن طريق ما بعثه من الشك فى الأخلاق التقليدية وما تنطوى عليه من القيود والمحرمات ، فهو بالإضافة إلى نزعة الثقة من الاتجاهات القديمة التى تنحو إلى القصد والزهد فى الحياة ، قد أقام مذهباً إيجابياً يحمل الناس إلى ممارسة الحاضر والانغماس فى تجاربه ، فلم يقتصر على القول بأن من العبث أن نحرم أنفسنا طلباً للخلاص الموعود في الآخرة ، بل جعل من واجبنا أن نلتمس اللذات ونغفل عن شؤون الروح ، فالتحليل النفسى مسؤول عن هذه العقيدة الإيجابية التى تتلخص فى التعبير عن النفس ، فكان من تعاليم فرويد أن كبح الدوافع الغريزية وكظم الرغبات الشعورية فيه إضرار بالشخصية يتناول أسسها العميقة .

" بل أن النزعات الظهرية آلتي تنحو إلى الزهد والتقشف وترى فى حرمان النفس وإنكارها أسمى الفضائل وتلتزم بالقيود والمحظورات هى نفسها وليدة للدوافع اللاشعورية ، فقد أظهر فرويد أنها نوع نم التبرير يتمسك به أولئك المحرومون من لذائذ الحياة أو الذين لا يسعهم الاستمتاع بها " (77) .

وأثر الفرويدية فى انهيار الفضيلة والدعوة إلى الإباحية أوضح من أن يذكر ، ولنكتف بمثال على ذلك وهو ما قاله أحد المؤلفين فى كتاب أسمه " توجيه المراهق " :

" ساعد التعليم المختلط بين البنين والبنات ومعرفة الفتيات أن اشتراكهن فى الألعاب الرياضية لا يعوق عملية الولادة فيما بعد ، على انتشار العلاقات اليومية الطبيعية السوية بين الفتيان والفتيات ، وذلك أنهم يشاهدون بعضهم بعضاً فى حجر الدراسة ويشتركون معاً فى بعض الألعاب والتمثيليات ، بل يدرسون موضوعات واحدة ، وهذا كله يتيح للفتيان والفتيات أن يفهم بعضهم بعضاً ، وبدلاً من أن ينظر الفتيان إلى الفتيات نظرة سطحية تقوم على الأغراء الجسدى والتفاهة العقلية والجمود الروحى ، فإنهم ينظرون إليهن على أنهن زميلات وصديقات ، بينما تستجيب الفتيات اللاتى حسنت تربيتهن لهذا ويستطعن أن يعرفن الفتيان معرفة تتسم بالأمانة .

" وتجد أن كل شىء يؤيد هذا التعارف الوثيق بين الفتيان والفتيات ، فعالم اليوم يعمل فيه الرجال والنساء ويلعبون جنباً إلى جنب فكيف يتسنى لهم أن يفعلوا ذلك إذا قضى كل جنس زهرة شبابه في عزلة تامة عن الجنس الأخر يختر خيالاته وأوهامه عن فروق بين الجنسين لا أساس لها من الصحة .

" ولن يضيع عنصر الخيال الذى يسعى إلى توفيره الفتيان والفتيات فى علاقاتهم نتيجة ما بينهم من تعارف وثيق ، بل على العكس فإنه فى علاقتهم نتيجة ما بينهم من تعارف وثيق ، بل على العكس فإنه يحصنهم من الفتنة بحيث يكونون أقدر على التمييز فى اختيار الشريك الذى يبحث عنه كل منهم .

وقد يكون هذا السلوك نوعاً من التكييف المنحط من وجهة النظر الأخلاقية الخالصة ولكن الشباب يستطيعون بل ويفهمون هذا النوع من أنواع السلوك الذى لا يتفق حقيقة مع مصالحهم (78) .

وظل هذا السعار يزداد وظلت تلك الدعوات المحمومة تطغى على كل وسائل الثقافة والإعلام وتهيمن على أعراف وتقاليد المجتمع حتى وصل انهيار الأخلاق والاستهانة بالفضيلة إلى حد أن أصبح " الأميركيون يعتقدون أن بقاء البنت عذراء قد يسبب الإصابة بمرض السرطان ، لذلك يتخلصون من العذرية بسرعة " ، وأصبحت أخر صرعات الشذوذ الجنسى ممارسة الجنس مع أطفال دون سن الثالثة يتم اختطافهم من المكسيك ويباعون فى الأسواق كالرقيق أو الدجاج (79) . وأصبح طلبة المدارس الابتدائية يشاهدون عروضاً سينمائية جنسية ضمن الأنشطة الدراسية اليومية ويحملون المخدرات الشديدة التأثير فى حقائبهم الدراسية وأضحت الخيانة الزوجية " الفاحشة " تقليداً شائعاً لا يستطيع أحد إنكاره ، بينما يمارس البنات البغاء والعلاقات المحرمة تحت سمع وبصر الوالدين والمجتمع كأى وسيلة ترفيهية .

وها هو الواقع المحسوس فى الغرب يشهد أن التدنى الأخلاقى ، لاسيما ما يتصل بالعرض ، قد سفل إلى درجة من الديائة والسخف لا نجد لها نظيراً ، حتى فى عالم الحيوان .

وقد يقول قائل : إن مسألة الأخلاق من أساسها غير معترف بها فى الغرب فلا معنى للقول بأن المجتمع اللاديني يعيش بلا أخلاق له مادام لا يرى فى الأخلاق إلا القيود التى فرضتها الكنيسة أو التقاليد البالية الموروثة من العصر الزراعى .


لكننا نقول : هل المسألة مسألة أخلاق تنتهك وتقاليد تخالف فحسب ؟

إن الدكتور اليكسيس كاريل يرى أن من أسباب تدهور الحضارة المعاصرة أن الناس يصادمون ما أسماه القوانين الطبيعية التى تعنى فى القاموس الإسلامى " سنن الله فى الكون " ويقول أنهم " لم يدركوا أنهم لم يستطيعون أن يعتدوا على هذه القوانين دون أن يلاقوا جزاءهم " (80).

فكل مخالفة لفطرة الله التى فطر الناس عليها لا بد أن تتقاضى جزاءها من سعادة المجتمع وطمأنينته . وذلك منطوق قوله تعالى : ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى ) وليس فى تاريخ البشرية أجمع نموذج للضلال والشقاء والمعيشة الضنك يوازى النموذج الذى تقدمه الحضارة الغربية المعاصرة .

لقد ضج عقلاء الغرب وجأروا بالشكوى وحق لهم ذلك وهم يرون انهيار حضارتهم ويشهدون مأساة مجتمعهم بأعينهم . ولم يفت بعضهم أن يدرك أن مخالفة الفطرة وتعطيل وظيفة الأمومة وخروج المرأة تزاحم الرجل فى معترك الحياة هى سبب فعال فى هذا الانهيار السريع والشرور الاجتماعية المدمرة .

يقول " شبنجلر " فى مؤلفه الشهير " تدهور الحضارة الغربية "

" عندما يبدأ الفكر العادى لشعب رفيع الثقافة والعلم بأن يعتبر إنجاب الأطفال لها وجوهها المؤيدة والمناهضة فعندئذ تكون نقط الانعطاف العظمى قد جاءت وحان أوانها …… وعندئذ يتوجب علينا أن نقدم إطلاقاً الأسباب لقضية من قضايا الحياة عندما تصبح الحياة ذاتها مشكوكاً فى أمرها ومدار تساؤل … وكما هى الحال فى مدننا نحن معشر الغربيين أصبح اختيار الرجل للمرأة لا بوصفها أما لأولاده كما هى الحال بين الفلاحين والبدائيين بل بوصفها " رفيقة الحياة " معضلة للعقول ومشكلة فالزواج عند " أبسن " يبدو على أنه الامتزاج الأرقي حيث يكون فيه كل من الفريقين حراً طليقاً .. وهكذا بمقدور " شو" أن يقول " أنه ما لم تفكر المرأة بأنوثتها وبواجبها إزاء زوجها وأطفالها والمجتمع والقانون وإزاء كل إنسان آخر ما عداً واجبها إزاء نفسها فإنها لا تستطيع أن تحرر أنوثتها " .

" إن المرأة الفلاحة هى أم وان كامل رسالتها – هذه الرسالة التى تحن إليها منذ طفولتها – إنما تحتويها تلك الكلمة أم . ولكننا نرى اليوم امرأة " أبسن" المرأة الرفيقة الزميلة الخدن تخرج إلينا ونراها بطلة جميع آداب المدن العالية العظمى إبتداء من الدراما الشمالية حتى الرواية الباريسية ، فهى بدلاً من أن يكون لها أطفال لها تصادمات وتناقضات نفسية وما الزواج غير فن من براعة هدفه تحقيق التفاهم المتبادل .

" وسيان أكانت القضية – قضية معارضة إنجاب الأطفال – هى قضية السيدة الأمريكية التى لن تقايض على حضور أى موسم حفلات بأى ثمن أو قضية السيدة الباريسية التى تخشى أن يهجرها عشيقها أو قضية بطلة " أبسن " التى لا تنتمى إلى أحد ما عدا نفسها فالقضية واحدة وجميعهن ملك ذواتهن فقط ، وكل واحدة منهن عاقر عقيم وعطفاً على ما أوردت نجد الواقعة ذاتها فى الإسكندرية وفى المجتمع الرومانى وبداهة فى كل مجتمع متمدن آخر .

" ……… عند هذا المستوى تدخل المدنيات مرحلة من تلدن وتناقض مرعبين فى السكان وتسمر هذه المرحلة قروناً من الزمن وهنا يضمحل كامل هرم الإنسان الحضارى ويتلاشى ويزول (81) ".

هذا التوقع من شبنجلر ليس متشائما كما يظن بل أصبح الواقع المعاصر يدعو إلى التصديق به إلى درجة اليقين وتلك سنه الله فى خلقه ولن تجد فى سنه الله تبديلاً .

ولنعد إلى الوراء قرابة خمسين عاماً حيث السعير لم يتضح أواره والبلاء لم تكتمل أطواره لتجد كاتباً أمريكيا متفلسفاً ينادى بالويل والثبور ويرفع عقيرته أسى للمصير المرعب الذى ينتظر أمته . نجد " ول ديورانت " يقول سنة 1929م : " …… وثقافتنا اليوم سطحية ومعرفتنا خطرة لأننا أغبياء فى الآلات فقراء فى الأغراض وقد ذهب أتزان العقل الذي نشأ ذات يوم من حرارة الإيمان الدينى وانتزاع العلم منا الأسس المتعالية لأخلاقياتنا ويبدو العالم كله مستغرقاً فى فردية مضطربة تعكس تجزؤ خلقنا المضطرب ، إننا نواجه مرة أخرى تلك المشكلة التى أقلقت بال سقراط نعنى : كيف نهتدى إلى أخلاق طبيعية تحل محل الزواجر العلوية التى بطل أثرها فى سلوك الناس ؟ إننا نبدد تراثنا الاجتماعى بهذا الفساد الماجن من جهة وبهذا الجنون الثورى من جهة أخرى ، حيث نفقد الفلسفة (!) التى بدونها نفقد النظرة الكلية التى توحد الأغراض وترتب سلم الرغبات ، إننا نهجر فى لحظة مثاليتنا السلمية ونلقى بأنفسنا فى هذا الانتحار الجماعى للحرب ، وعندنا مائة ألف سياسي وليس عندنا " رجل حكيم " واحد ، إننا نطوف حول الأرض بسرعة لم يسبق لها مثيل ولكننا لا نعرف أين نذهب ولم نفكر فى ذلك أو هل نجد هناك السعادة الشافية لأنفسنا المضطربة أو أننا نهلك أنفسنا بمعرفتنا التى أسكرتنا بخمر القوة ولن تنجو منها بغير الحكمة " .

" واختراع موانع الحمل وذيوعها هو السبب المباشر فى تغيير أخلاقنا فقد كان القانون الأخلاقى قديماً يقيد الصلة الجنسية بالزواج لأن النكاح كان يؤدى إلى الأبوة بحيث لا يمكن الفصل بينهما ولم يكن الوالد مسؤولاً عن ولده إلا بطريق الزواج أما اليوم فقد انحلت الرابطة بين الصلة الجنسية وبين التناسل وخلقت موقفاً لم يكن آباؤنا يتوقعونه لأن جميع العلاقات بين الرجل والمرأة آخذة فى التغيير نتيجة هذا العامل ويجب على القانون الأخلاقي في المستقبل أن يدخل فى حسابه هذه التسهيلات الجديدة التى جاءت بها الاختراعات لتحقيق الرغبات المتأصلة ".

فحياة المجتمع تقضى إلى كل مثبط على الزواج ، فى الوقت الذى تقدم فيه إلى الناس كل باعث على الصلة الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها ولكن النمو الجنسى يتم مبكراً عما كان من قبل كما يتأخر النمو الاقتصادى فإذا كان قمع الرغبة شيئا عملياً ومعقولاً فى ظل النظام الاقتصادى الزراعى فإنه الآن يبدو أمراً عسيراً وغير طبيعى فى حضارة صناعية أجلت الزواج حتى بالنسبة للرجل حتى لقد يصل إلى سن الثلاثين ، ولا مفر من أن يأخذ الجسم فى الثورة وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان فى الزمن القديم وتصبح العفة التى كانت فضيلة موضعاً للسخرية ويختفى الحياء الذى كان يضفى على الجمال جمالاً ويفاخر الرجال بتعدد خطاياهم وتطالب النساء بحقها فى مغامرات غير محددة على قدم المساواة من الرجال ، ويصبح الاتصال قبل الزواج أمرا مألوفا وتختفى البغايا من الشوارع بمنافسة الهاويات لا برقابة البوليس . لقد تمزقت أوصال القانون الأخلاقى الزراعى ولم يعد العالم المدنى يحكم به " .

" ولسنا نرى مقدار الشر الاجتماعى الذى يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولاً عنه ، ولا فى أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة فى التعدد لم تهذب لأن الطبيعة (!) لم يهيئنا للاقتصار على زوجة واحدة ، ويرجع بعضها الآخر إلى ولاء المتزوجين الذين يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة على الملال الذى يحسونه فى حصار قلعة مستسلمة ولكن معظم هذا الشر يرجع أكبر الظنون فى عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعى لحياة الزوجية وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو فى الغالب ثمرة التعدد قبله ، وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية فى هذه الصناعة المزدهرة وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه فى عالم خلقه الإنسان ، وهذا هو الرأى الشائع لمعظم المفكرين فى الوقت الحاضر ، غير أنه من المخجل أن نرضى فى سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذابح الإباحية ، وهى تعرض علينا فى المسارح وكتب الأدب المكشوفة تلك التى تحاول كسب المال واستثارة الرغبة الجنسية فى الرجال والنساء المحرومين – زهم فى حمى الفوضى الصناعية – من حمى الزواج ورعايته للصحة " .

"ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة لأن كل رجل يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن فى ابتذال ظاهرة ويجد الرجل بإرضاء غرائزه فى هذه الفترة من التأجيل نظاما دوليا مجهزا بأحدث التحصينات ومنظما بأسمى دروب الإدارة العلمية ويبدو أن العالم قد ابتدع كل طريقة يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها(82).

" وأكبر الظن أن هذا التجديد في الإقبال على اللذة قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم داروين على المعتقدات الدينية وحين اكتشف الشبان والفتيات وقد أكسبهم المال جرأة أن الدين يشتهر بملاذهم التمسوا في العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين . وأدى التزمت في حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعل في الأدب وعلم النفس صور الجنس مرادفا للحياة . وقد كان علماء اللاهوت قديما يتجادلون في مسألة لمس يد الفتاة أيكون ذنبا ؟ أما الآن فلنا أن ندهش ونقول أليس من الإجرام أن نرى تلك اليد ولا نقبلها 0 لقد فقد الناس الإيمان وأخذوا يتجهون نحو الفرار من الحذر القديم إلى التجربة الطائشة . " وكانت الحرب العظمى الأولى أخر عامل فى هذا التغيير ذلك أن الحرب قرضت تقاليد التعاون والسلام المتكونين فى ظل الصناعة والتجارة وعودت الجنود الوحشية والإباحية ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم فكانوا بؤرة للفساد الخلقى وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمة الحياة بكثرة ما أطاحت من رؤوس ومهدت إلى ظهور العصابات والجرائم القائمة على الاضطرابات النفسية وحطمت الإيمان بالعناية الإلهية وانتزعت من الضمير سند العقيدة الدينية وبعد انتهاء معركة الخير والشر بما قيها من مثالية ووحدة ظهر جيل مخدوع وألقى بنفسه فى أحضان الاستهتار والفردية والانحلال وأصبحت الحكومات فى واد والشعب فى واد أخر ، واستأنفت الطبقات الصراع فيها بينها واستهدفت الصناعات الربح بصرف النظر عن الصالح العام وتجنب الرجال الزواج خشية مسؤولية وانتهى الأمر بالنساء إلى عبودية كاملة وإلى طفيليات فاسدة ورأى الشباب نفسه قد منح حريات جديدة ، تحميه الاختراعات من نتائج المغامرات النسائية فى الماضى وتحوطه من كل جانب ملايين المؤثرات الجنسية فى الفن والحياة .

" حتى إذا سئمت فتاة المدينة الانتظار اندفعت إلى عالم لم يسبق له مثيل فى تيار المغامرات الواهية فهى واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والستلية وهديا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا فى نظير الاستمتاع بالمباهج الجسنية " .

" وأخيرا تجد الرفيق الذى يطلب يدها للزواج ويعقد عليها لا فى الكنيسة ، لأنها من أحرار الفكر الذين ألحدوا عن الدين ولم يعد للقانون الخلقى الذى ظل جاثماً على إيمانهما المهجور أثر فى قلبهما ، إنهما يتزوجان فى قبو المكتب البلدى " الذى يفوج منه عبير السياسة " ويستمعان إلى تعاويذ العمدة ، إنهما لا يرتبطان بكلمة الشرف بل بعقد من المصلحة ، لهما الحرية فى أى وقت فى التحلل منه فلا مراسيم مهيبة ولا خطبة عظيمة ولا موسيقى رائعة ولا عمق نشوة فى الانفعال تحيل ألفاظ وعودهم إلى ذكريات لا تمحى من صفحة الذهن ، ثم يقبل أحدهما صاحبه ضاحكاً ويتوجهان إلى البيت فى صخب .

" إنه ليس بيتاً ! فليس ثمة كوخ ينتظر الترحيب بهما أنشئ وسط الحشائش النضرة والأشجار الظليلة .. بل يجب أن يخفياً أنفسهما خجلاً فى زنزانة سجن ، ليس هذا المسكن شيئاً روحياً كالبيت الذى كان يتخذ مظهراً ويكسب روحاً قبل ذلك بعشرين عاماً بل مجرد شئ مادى فيه من الجفاف والبرودة ما تجده فى مارستان فهو يقوم وسط الضوضاء والحجارة والحديد .. ..

" وتصاب المرأة بخيبة أمل فهى لا تجد فى هذا البيت شيئاً يجعل جدرانه تحتمل فى الليل والنهار ولا تلبث إلا قليلاً حتى تهجره فى كل مناسبة ولا تعود إليه إلا قبل مطلع الفجر ؟، ويخيب أمل الرجل ……… ويكتشف بعد قليل أن هذه الحجرات تشبه تمام الشبة تلك التى كان يعيش فيها وهو أعزب وأن علاقاته مع زوجته تشبه شبهاً عادياً تلك العلاقات غير البريئة التى كان يعقدها مع المستهترات من النساء " .

ولما كان زواجهما ليس زواجاً بالمعنى الصحيح – لأنه صلة جنسية – لارباط أبوة – فإنه يفسد لفقدانه الأساس الذى يقوم عليه ، ومقومات الحياة ، يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع وينكمش الزوجان فى نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان وتنتهى الغيرية الموجودة فى الحب إلى فردية يبعثها ضغط حياة الساخر ، وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية فى التنويع ، حين تؤدى الالفة إلى الاستخفاف ، فليس عند المرأة جديد تبذله أكثر مما بذلته " .

ويتوقع ديورانت آنذاك هذه الكوارث : " لا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر حيث لا يكون النسل مقصوداً وسيزداد الزواج الحر مباحاً كان أم غير مباح ومع أن حريتهما إلى جانب الرجل أميل فسوف تعتبر المرأة هذا الزواج أقل شراً من عزلة عميقة تقضيها فى أيام لا يغازلها أحد سينهار " المستوى المزدوج " وستحث المرأة الرجل بعد تقليده فى كل شئ عن التجربة قبل الزواج ، سينمو الطلاق وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحرمة ثم يصاغ نظام الزواج بأسره فى صور جديدة أكثر سماحة وعندما يتم تصنيع المرأة ويصبح ضبط الحمل سراً شائعاً فى كل طبقة يضحى الحمل أمرا عارضاً فى حياة المرأة أو تحل نظم الدول الخاصة بتربية الأطفال محل عناية البيت … وهكذا كل شئ " (83) .

ولقد تحقق كل ما توقع وأعظم منه ، ونجم عنه الشقاء المستديم للمرأة وللمجتمع كله ، وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعى الذى لا يرحم إلى أن أصبحت تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة لكى تبدأ فى الكدح لنيل لقمة العيش ، وإذا ما رغبت – أو أجبرتها الظروف – فى البقاء فى المنزل مع أسرتها بعد هذا السن فإنها تدفع لوالدها إيجار غرفتها وثمن طعامها وغسيل ملابسها بل تدفع رسماً معيناً مقابل اتصالاتها الهاتفية (84) .

وإذا حظيت الطريدة بأى عمل فإنها تستشعر دوما تهديد البطالة والأزمات الاقتصادية وتظل خاضعة لاستغلال الرأسماليين أو عبودية الدولة – إن كانت شيوعية – ويؤدى إرهاقها المستمر وقلقها الدائم – إلى أن تفقد طبيعتها الأنثوية وتضحى عرضه للأمراض العصبية وفى بعض الأحيان لا تجد وسيلة للخلاص من هذا الكابوس الرهيب أفضل من الانتحار ، وقد تضخمت المشكلة وتعقدت وسرت آثارها فى كيان المجتمع كله حتى لم يعد من الممكن الرجوع إلى الحالة السوية إلا بتغير جذرى يقتضى بناء المجتمع من أساسه وهذا التغير بعيد الاحتمال فى المجتمع الغربى اللاهث نحو الهاوية بل إن الصيحات التى يطلقها الكثيرون ممن ذاقوا مرارة التجربة من النساء والرجال لا تجد لها صدى يذكر.

تقول " أجاثا كريستى " أشهر كاتبة إنجليزية للمؤلفات البوليسية : " إن المرأة الحديثة مغفلة لأن مركزها فى المجتمع يزداد سوءا يوماً بعد يوم فنحن النساء نتصرف تصرفاً أحمق لأننا بذلنا الجهد الكبير فى السنين الماضية لحصول على حق العمل والمساواة فى العمل مع الرجال ، والرجال ليسوا أغبياء فقد شجعونا على ذلك معلنين أنه لا مانع مطلقاً من أن تعمل الزوجة وتضاعف دخل الزوج ومن المحزن أن نجد بعد أن أثبتنا نحن النساء أننا الجنس اللطيف " أننا " نعود اليوم لنتساوى فى الجهد والعرق الذى كان من نصيب الرجل وجحده (85) " .

وفى استفتاء لمعهد غالوب فى أميركا : " إن المرأة متعبة الآن ويفضل 65% من نساء أميركا العودة إلى منازلهم ، كانت المرأة تتوهم أنها بلغت أمنية العمل أما اليوم وقد أدمت عثرات الطريق قدمها واستنزفت الجهود قواها فإنها تود الرجوع إلى عشها لاحتضان فراخها (86) " .

ولكن المرأة الغربية المنكوبة إذ تحاول الرجوع إلى البيت ووظيفة الأمومة لا تستطيع لأن المشكلة اتسع نطاقها إلى درجة تتعذر معها العودة الحقيقية ولو حصل شئ من ذلك فإن المجتمع الذى تعود الانحلال والاختلاط يستنكره ويأباه بل أصبح الزواج رغم هشاشته – مصدر إزعاج للقائمين على تلك المجتمعات فقد طلعت الصحافة الغربية يوماً بخير يقول :

" انزعجت السلطات التعليمية فى سكوتلاندة بسبب موجة الزواج التى تعصف بالمدرسات فقد تبين أنه من خلال عام 1960 عينت 1563 مدرسة فى سكوتلاندة وفى نهاية العاد الدراسى تركت ألف منهن الوظيفة للزواج ، وقالت السلطات أن الزواج يهدد النظام المدرسى " (87).

وحيال ذلك ماذا فى وسع المرأة أن تفعل ؟ بأى شئ تواجه المجتمع النكد الذى يلهب ظهرها بالسياط ويقطع عليها طريق العودة إلى فطرتها ؟ ليس هناك إلا أحد سبيلين :إما الانتقام من هذا المجتمع الظالم بترويعه وتعكير صفوه كما جاء في التقرير الذي نشرته الصحف من أنه " بلغت عدد سرقات المتاجر الكبيرة في إنجلترا خلال عام 1960 نحو 32194 سرقة هذا عدا الحالات التي لم تبلغ لإدارة البوليس والغريب أن 60% من هذه السرقات ارتكبتها نساء جاوزن سن البلوغ و30% ارتكبها ذكورا أقل من السابعة عشرة وتقول الإحصائيات أن كل السارقات من النساء لم يكن في حاجة للمال "(88). نعم إنها ليست الحاجة للمال ولكنها الرغبة في الانتقام وتفريغ السخط .

وإما الانتقام من نفسها بالانتحار كما فعلت الممثلة الشهيرة "مارلين مونرو" التي كتبت قبيل انتحارها نصيحة لبنات جنسها تقول فيها : " إحذري المجد …إحذري من كل من يخدعك بالأضواء …إنى أتعس امرأة على هذه الأرض… لم أستطع أن أكون أما … إني امرأة أفضل البيت … الحياة العائلية الشريفة على كل شيء … إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية " وتقول في النهاية " لقد ظلمني كل الناس … وأن العمل في السينما يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة " .

وليس غريبا أن تؤكد الإحصائيات العالمية أن نسبة محاولات الانتحار عند النساء أكثر منها عند الرجال يقول تقرير كتبه أحد الأطباء الاجتماعيين في فينا :" وقد لوحظ أن النساء أكثر محاولة من الرجال ففي عام 1948 كان عدد المحاولات في النساء 381 وهذا يوافق 58.61% من المجموع وفي عام 1959 كانت النسبة 55.92% كما لوحظ أن نسبة المحاولات في الفتيان والفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين 14 عاما و20 عاما ترتفع باستمرار فعند الفتيان كانت النسبة في عام 48- 6.5% وفي عام 1956م – 6.53% وفي عام 1959 م 6.81% 0 وأما عند الفتيات فالتصاعد مخيف ففي عام 1948 حاولت 50 فتاة الانتحار وهذا يشكل نسبة 7.69% من مجموع محاولات الانتحار في ذلك العام وفي عام 1956 حاولت 89 فتاة الانتحار وهذا يشكل نسبة 8.55% وفي عام 1959 حاولت 150 فتاة الانتحار وهذا يعني أن كل تسعة أيام توجد ست محاولات انتحار أربع منها من جانب الفتيات واثنتان من جانب الفتيان (89).

وهذا غير المصائب التي يوقعها المجتمع بالمرأة والتي هي في الواقع معاول تهدم المجتمع بكامله إذا لا انفصام بين مشكلة المرأة في ذاتها ومشكلة المجتمع الذي تعيش فيه . من ذلك ما نشرته الصحف الأمريكية في 1977م من أن فتاة أمريكية في إحدى الولايات الوسطى بالقرب من مدينة غير مشهورة وجدت مقتولة وقد طرحت جثتها في الغابة وحمل البوليس الجثة إلى المستشفى ونشر إعلانا يتضمن سن الفتاة و صفاتها الجسدية لكي يحضر قريبها لتسليم الجثة . فماذا كانت النتيجة ؟ … تقول الصحف : أن المستشفى تلقى 1200مكالمة من أناس كل منهم يشك في أنها قريبة ويستوضح بعض صفات لفتة أخرى بينها حضر إلى المستشفى شخصيا قرابة 500 شخص لمعاينة الجثة(90).

وهذا يعنى أن هؤلاء فقدوا فتيات يحملن نفس تلك الصفات وفي السن نفسه فكيف بمن يحملن صفات أخرى وفي مراحل من العمر أخرى ؟ وإذا كان هذا على مستوى المدينة أو الولاية فكيف بالولايات كلها؟ . والأغرب من ذلك كيف يقع هذا كله في أميركا بلد الإباحية المطلقة ؟؟.

ومن ذلك أيضا نسب الطلاق المرتفعة باطراد حيث كانت نسبة الطلاق في أميركا سنة 1890=6% وأخذت تزداد حتى وصلت سنة 1948 إلى 40% ولم تنخفض عن ذلك إذ أن تلك النسبة هي نسبة الطلاق لسنة 1978م(91).

أما المفاسد والشرور الاجتماعية الناتجة عن خروج المرأة عن فطرتها فأكثر من أن تحصر وسنحاول إيجازها فيما يلي :

1- فساد التربية : فبعد أن أصبحت عودة المرأة لوظيفتها الأساسية مستحيلة ولم يعد عملها موضع نقاش كان لابد من إيجاد محاضن ودور لتربية الأطفال وعنها يقول اليكس كاريل : " لقد ارتكب المجتمع العصري غلطة جسمية باستبداله تدريب الأسرة بالمدرسة (كذا) استبدالا تاما ولهذا تترك الأمهات أطفالهن لدور الحضانة حتى يستطعن الانصراف إلى أعمالهن أو مطامعهن الاجتماعية أو مباذلهن أو هوايتهن الأدبية أو الفنية أو اللعب بالبريدج أو ارتياد السينما … وهكذا يضيعن أوقاتهن في الكسل . إنهن مسؤولات عن اختفاء وحدة الأسرة واجتماعياتها التي يتصل فيها الطفل بالكبار فيتعلم منهم أمورا كثيرة . إن الكلاب الصغيرة التي تنشأ مع جراء من نفس عمرها في حظيرة واحدة لا تنمو نموا مكتملا كالكلاب الحرة التي تستطيع أن تمضى في أثر والديها والحال كذلك بالنسبة للأطفال الذين يعيشون وسط جمهور من الأطفال الآخرين وأولئك الذين يعيشون بصحبة راشدين أو أذكياء . لأن الطفل يشكل نشاطه الفسيولوجي والعقلي والعاطفي طبقا للقوالب الموجودة في محيطه . إذ أنه لا يتعلم إلا قليلا من الأطفال الذين هم في مثل سنة وحينما يكون وحده فقط في المدرسة فإنه يظل غير مكتمل ولكي يبلغ الفرد قوته الكامنة فإنه يحتاج إلى عزله نفسية واهتمام جماعة اجتماعية محددة تتكون من الأسرة "(92) .

2- جنوح الأحداث : وهو نتيجة طبيعية لفساد التربية وفقدان الأسرة ولنأخذ مثلا لذلك الإحصائيات التي أوردها رئيس شرف الرابطة الدولية لقضاء الأحداث : " بلغ عدد الأحداث المحكومين في فرنسا سنة 1939م : 12165 وبلغ سنة 1968: 44016حسب جدول إحصائي"… " وقد صار هذا التزايد في عدد الأحداث المنحرفين منذرا بأوخم العواقب إذ بلغت أرقامه ضعفيها تقريبا في مدى ثماني سنوات . سنة 1960 – 26894". " ونسجل للمناسبة أن الارتفاع التي كانت سنة 1959= 15.2 بالألف لفئة الصبيان المنحرفين 16-17 سنة بلغت 25.78 بالألف سنة 1965م . وفي الولايات المتحدة نجد أن نسبة ازدياد حالات الانحراف بين الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة قد بلغت 17% بينما لم يزد عدد السكان في الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة إلا 3% " .

وبلغت نسبة ارتفاع عدد الفتيات المنحرفات سنة 1961م 18.6% عن سنة 1960م بينما لم يبلغ هذا الارتفاع أكثر من 14.2% عند الفتيان للسنة نفسها .

" ولابد لمن يريد أن يكون فكرة دقيقة عن مشكلة الانحراف في واقعها الراهن أن يضيف إلى المنحرفين المعروفين رسميا عددا آخر من المنحرفين لم تكتشفه السلطات بعد ولابد كذلك أن نضيف عددا آخر … لم يتخذ بحقهم أكثر من إجراء إخضاعهم لدورات تثقيفية وإصلاحية …" وعلينا أن نضيف عدد آخر من الأحداث المشردين باعتبار أن القانون الفرنسي لا يعتبر تشرد الأحداث جرما يعاقب عليه القانون ".

وليس الجديد هو هذه الإحصائيات فما أكثرها ولكن الجديد هو أن جان شازال حاول تعليل أسباب الانحراف فذكر من جملتها أن " الأطفال الذين يحرمون من عناية الأم وعطفها والذين لا يمكنهم أن يشعروا بحرارة المشاركة العميقة مع الأم يعبرون عن اختباراتهم العاطفية على شكل ردات فعل من النوع العدائي والمعارض وتعطش مفرط إلى المتعة وحاجة طاغية إلى التسلط وهكذا تكون على طريق الجنوح(93)، أي أن رئيس شرف الرابطة الدولية لقضاة الأحداث أدرك الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان .

والحق أن المجتمع الذي تقوم قيمه وأسسه الأخلاقية على اللادينية أيا كانت الفلسفة التي يؤمن بها – هو بيئة مناسبة للإجرام والجنوح إذ ليس لديه ما يعوض التربية الأسرية المفقودة ولذلك وصلت الحال في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق ولنكتف بالتقرير الذي أصدره النائب الاتحادي العام في الولايات المتحدة عن الجرائم الأمريكية المسلحة رسميا " وتقع جريمة اغتصاب امرأة كل 19 دقيقة . وجريمة سطو على السيارات كل 48 ثانية وجريمة اختطاف كل 20 ثانية " . وجاء في مجلة الجيش الأمريكي عدد فبراير 1976م أنه وقعت ضمن نطاق الجيش الأمريكي (55210) جريمة اغتصاب في عام 1974م أي بزيادة قدرها 9% عن عام 1973م(94).

هذا مع العلم أن النسب آخذة في الارتفاع باطراد .

3- فساد الفطرة : بقول مؤلف الكتاب " الثورة الفرويدية " : إن مثل الولايات المتحدة أو ما نعرفه على الأقل من الحياة الجنسية فى هذه البلاد يوضح لنا أن تحرر المرأة المتزايد من خلال التصرف فى المعاصرة يمكن أن يعطل المحتوى الجنسى للعلاقة ما بين الرجل والمرأة تعطيلاً خطراً ففى المرحلة الأولى فإن العراقيل التى تحول دون طغيان الشهوانية تزول . وفى المرحلة الثانية فإن ما يصيب المرأة من ذكورة جزئية يؤدى إلى بعض فقدان الرجولة فى الرجل " (95).

أى أننا بغض النظر عن الإباحية الحيوانية فى ميدان العلاقة الجنسية الطبيعية بين الرجال والنساء نجد إحصاءات محيرة عن الشذوذ الجنسي لدى لدى الجنسى تبلغ نسبها حسب تقرير كنزى 20% فإذا فرضنا أن تلك النسبة لم تزدد خلال العشرين سنة الأخيرة – وهو افتراض خاطئ وعلمنا أن سكان أميركا 240 مليوناً فمعنى ذلك أن 48 مليوناً من الأميركيين شاذون جنسياً !!

وأغرب من ذلك أن 20 مليونا منهم يمارسون الشذوذ بصفة تنظيمية علنية فقد نشرت الصحف " أن وفدا يبلغ تعداده عشرين شخصا يمثلون منظمات اللواطة والسحاق في الولايات المتحدة الأمريكية قاموا بمقابلة السيدة مارغريت مساعدة الرئيس كارتر للعلاقات العامة للمطالبة بحق حرية العمل في المؤسسات العسكرية وللسماح بمزيد من اللواطة في مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية ومنح صفة معفى من الضرائب لمنظماتهم . وقال رئيس الوفد : إن هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي رأينا فيها أن الرئيس كارتر مناسب للاعتراف بحقوق ومتطلبات عشرين مليون أمريكـي من الجنسين يمارسون عملية اللواط والسحاق والشذوذ الجنسي بأنواعه "(96) .

وأسوأ من هذا أن تطالب البرلمانات في دول الشمال "اسكندنافية" باعتبار عقد الرجل على الرجل عقدا قانونيا مشروعا يقام في الكنيسة بل لقد تم عقد فعلي في إحدى الكنائس بولاية كاليفورنيا0(97).

أما صلة ذلك بخروج المرأة من البيت وتفكك الأسرة فقد اعترف بها أيضا "جان شازال" وإن كان جرى في تعبيره عنها على المصطلحات الفرويدية يقول في كتابه المشار إليه : "إذا تعقد الطفل بمشاعر أوديبية من تأثير التفكك العائلي أو الأخطاء السيكولوجية العميقة فقادته هذه المشاعر إلي التعلق بأمه والإحساس تجاه والده بالعدائية تختلط بها الحاجة إلي التمثل به فإنه يستطيع أن يعبر عن طريق الجنوح عن اضطراب واقعه ال"جان شازال" وإن كان جرى في تعبيره عنها على المصطلحات الفرويدية يقول في كتابه المشار إليه : "إذا تعقد الطفل بمشاعر أوديبية من تأثير التفكك العائلي أو الأخطاء السيكولوجية العميقة فقادته هذه المشاعر إلي التعلق بأمه والإحساس تجاه والده بالعدائية تختلط بها الحاجة إلي التمثل به فإنه يستطيع أن يعبر عن طريق الجنوح عن اضطراب واقعه الانفعالي العاطفي وحين يتعلق بأمه يصير خجولا وسلبيا وقد يتطور بسرعة خلال مراهقته نحو الاستمناء والصداقات الخاصة واللواط ،يخشى المرأة حين لا تمثل بالنسبة إليه صورة الأمومة ويكون ذوقه أنثويا ومشبعا بالتصنع أحيانا وقد تلاحقه صورة الأب وقد يرغب عندئذ في مرافقة رجال ناضجين وقد يجذبه لسوء الحظ بعض المصابين بالشذوذ الجنسي والوالد الذي يتعلق بأمه يشمل بعدوانية كل الذين يظهر له أن وجودهم يسلبه عطف الأمومة"(98).

4- الأمراض العقلية والعصبية: جاء في تقرير لمنظمة الصحة العالمية أعدته لاجتماعها السنوي في جنيف لسنة 1978: " يعاني حوالي 40 مليون شخص من أمراض عقلية أكيدة في العالم وهناك أكثر من 80 مليونا ممن يعانون تخلفا خطيرا من جراء الإفراط في تعاطي الأدوية والمخدرات والمشروبات بالإضافة إلى مائتي مليون شخص يعانون من اضطرابات عقلية أقل خطرا ولكنها تعرضهم للتخلف العقلي أيضا"(99).

أما الولايات المتحدة بصفة خاصة فتقول الإحصائيات: "إن المرض العقلي يشكل أخطر تهديد لصحة أبناء شعبها إذ يشير تقدير المعهد القومي للصحة العقلية الصادر في يوليو 1954 إن عدد المرضي الذين ترعاهم مستشفيات الأمراض العقلية يناظر مرضي المستشفيات الأخرى مجتمعة على اختلاف أنواعها ولا يتدرج بطبيعة الحال في هذا الإحصاء عشرات الآلاف من الحالات المرضية التي لم تقصد المستشفيات وإنما تولى علاجها إذا قدر لها أن تحظى بالعلاج أطباء الأمراض العقلية"(100).

وقد فطن بعض الباحثين إلى أن السبب في تدهور أخلاق وصحة الجيل الحاضر لا سيما الصحة العقلية ليس هو تعاطي المخدرات والمعسكرات فهذه أعراض للمشكلة الحقيقية وهي فقدان رعاية الأم وما تمنحه من التوازن النفسي، فقد نشرت الدكتورة "ايدا ايلين" بحثا " بينت فيه أن سبب الأزمات العائلية وسر كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق … وتنادي الخبيرة الأمريكية بضرورة عودة الأمهات فورا إلى البيت حتى تعود للأخلاق حرمتها وللأبناء والأولاد الرعاية التي حرمتهم منها رغبة الأم في أن ترفع مستواهم الاقتصادي وقالت الدكتورة ايلين : إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى الجرائم هو الطريق الوحيد لإنقاذ الجيل من التدهور الذي يسير فيه"(101) .


نبذة عن المجتمع الشيوعي

كان كما سبق لمحة عن البهيمية الهابطة والمعيشة الضنك والحياة النكدة التي يصلى سعيرها المجتمع الغربي المعاصر وهي سحابة مظلمة تغطي سماء أوروبا كلها وترسل صواعقها وشواظلها على كل ركن من أركانها ولكن "الرفاق" في موسكو يزعمون أن ذلك الوجه الكالح خاص بالمجتمعات البورجوازية وإن شرور الغرب الاجتماعية مردها إلى طبيعة الطبقية ونظامه الرأسمالي . لذلك فهم يزعمون أن المجتمع العمالي "البروليتاري" مجتمع سليم متكافئ ذو أخلاق من النوع الذي تحدث عنه إنجلترا سلفا.

ولعل فيما أوردنا سابقا عن الوضع السياسي والاقتصادي داخل الستار الحديدي غني في الرد على هذه المزاعم فمجتمع ركيزته الحقد وقوامه التجسس وطابعه الذعر والإرهاب لا يمكن بحال أن يكون مجتمعا إنسانيا سليما . وأنى يكون كذلك وهو يهدر قيمة الإنسان وكرامته في مقابل زيادة الإنتاج ويجعل الغرض الأساسي لوجوده، هو الكدح في معسكرات العمل أو المزارع الجماعية .

إن الحزب الشيوعي الذي يتحكم في أقوات الناس ويعلق سيفه الرهيب فوق رؤوسهم، يملك فرصة أكبر للتحكم في أخلاقهم وعاداتهم ويعتمد أن يصوغ البشر في قوالب معينة حصيلتها النهاية إفساد الإنسانية وتحطيمها . فالفرد في ظل الأنظمة الحمراء مجبر على أن يحشر هو وكامل أفراد أسرته في غرفة واحدة هي غرفة جلوسهم ونومهم ومطبخهم ثم هي غرفة في مجتمع إسكاني ضخم غير متجانس، فالشقة التي تتكون من ست غرف يكون معدل سكانها ثلاثين نسمة ينتمون لست أسر، منها أسرة من البلد نفسه ومنها أسرة تعرض ربها للنقل التأديبي من إحدى الجمهوريات النائية، وثالثة تسكنها- مثلا- أسرة قادمة متن إحدى الدول " الديمقراطية الشعبية التابعة لموسكو" وهكذا… ويشترك سكان الشقة في دورة مياه واحدة بالإضافة إلى أن دورات المياه العامة قد تكون بنيت بلا أبواب منذ إنشائها وإذا كانت الغرفة لاتحتوي إلا على سرير واحد فردي فإن الأبوين ينامان عليه حين ينام الأبناء ذكورا وإناثا حتى من البالغين على المنضدة متلاصقين وهي المنضدة التي يستعملونها للمطبخ بالنهار(102) . وهذا بالطبع غير المساكن العمالية الملحقة بالمصانع والتي حشر فيها العمال والعاملات الذين يصلون إلى عدة آلاف في المصانع الكبرى.

ويبلغ تعمد الإفساد في الدول الشيوعية حدا يجعل السياح العاديين الذين يتاح لهم التجول في البلاد الشيوعية يرونه بوضوح .

يقول سائح سويسري: "لقد انحطت القيم الأخلاقية في أكثر بلاد العالم بعد الحرب العالمية الثانية ولكن الفرق بين ما هي عليه الحالة في البلاد الأخرى هو أن الحكومات الشيوعية هي التي تسعى إلى إفساد الأخلاق وتحث عليه كما أن أوضاع الناس وفقرهم ونظام حياتهم الذي فرضته عليهم الشيوعية كل أولئك تدعو إلى إفساد الأخلاق وتشجعه . فماذا ينتظر المجتمع من أناس تحشر الأسرة كلها الأب والأم والفتيات والفتيان الكبار والصغار في غرفة واحدة هي غرفة نومهم وجلوسهم ومطبخهم .

إن هذا النوع من الحياة والفقر وانعدام الوازع النفسي والديني كلها أمور تحض فساد الأخلاق حتى ولو لم تتيسر الأسباب . فكيف والحكومة هي التي تيسر كل شئ لفساد المجتمع، ففي أكثر البلاد الشيوعية وفي أمهات المدن بصورة خاصة أوجد الشيوعيون أماكن خاصة للفساد ولست أقصد بذلك بيوت الدعارة بل أقصد بذلك تلك الحدائق الواسعة ذات الخمائل الوارفة التي يتواري بها الفجار عن أعين الناس أو هي شوارع تترك بلا نور ليلا لتسهل الدعارة . وقد صرح الماريشال تيتو في إحدى خطبه موجها كلامه للشعب قائلا : لقد تركنا لكم الخمر والنساء فخذوهما واتركوا لنا السياسة "!

والمرأة التي هي ميزان الأخلاق أرخص سلعة في البلاد وهي ترمي بنفسها على الرجل ولا سيما على الغريب وكل ما تطلبه هو أن يتزوجها ولو مؤقتا لكي يتسنى لها الفرار من البلاد والخلاص من جحيم الشيوعية . وبالتالي فإني رأيت الناس يعيشون في البلاد الشيوعية كما تعيش البهائم . وإني لأخشى إذا طال-لا قدر الله- عمر الشيوعية أن يظهر إلى عالم الوجود أناس يختلفون عن البشر ويرجعون بالمدينة التي وصلنا إليها بآلاف السنين إلى حياة الغاب".

"… لذا فإني أرى بأن العالم سيظل قرونا بعد القضاء على الشيوعية حتى يستعيد كرامته وإنسانيته إذ لابد من تربية جديدة صالحة حتى يكون إنسانا صالحا"(103) .

أما فيما يتعلق بالزواج فإن الزواج المعترف به من الوجهة النظرية في الغرب الرأسمالي باعتباره العلاقة المشروعة بين الجنسين لا يحظى بذلك هناك فالشيوعية تعد الزواج وما ينشأ عنه من الأسرة وتربية الأطفال أثرا من آثار البورجوازية وبقية من تقاليد العصر الإقطاعي لا تليق بالمجتمع العمالي الحديث .

فالبيان الشيوعي يقول : "إن الأسرة البورجوازية سوف تختفي بشكل طبيعي باختفاء رأس المال … أما التهريج البورجوازي عن الأسرة وأهميتها في التربية وعن أهمية العلاقة بين الولد وأبويه فهو مما يثير الاشمئزاز . إن تقدم الصناعة الحديثة سوف يقطع كل الصلات العائلية بين أفراد الطبقة العاملة"(104).

ويتحدث أرثر كستلر العضو السابق للحزب الشيوعي عن المعادلة الشيوعية الصعبة فيقول :" أما بخصوص الدافع الجنسي فقد كان مقررا ومعترفا به إلا أنا النظام البورجوازي ينبغي نبذه لأنه لا ينمي إلا الفردية والنفاق والاتجاه إلى اعتزال الصراع الطبقي بينما الزواج البورجوازي لم يكن في نظرنا إلا أن السفاح والاتصال الجنسي العابر كان يعتبر أيضا شيئا سيئا غير مقبول … من هذا نرى أن الفضيلة البورجوازية شيئا سيئا كما أن السفاح … كان سيئا كذلك… أما الموقف الصائب الذي ينبغي أن نتخذه نحو هذا الدافع الجنسي فهو الفضيلة العمالية التي تتلخص في أن الإنسان يبغي له يتزوج ويخلص لزوجته وينجب أبناء عماليين . ف‘ذا تساءلت : أليست هذه الفضيلة البورجوازية التي استنكرناها من قبل؟ قيل لك إن هذا التساؤل أيها الرفيق يدل على أنك لازلت تفكر بالطريقة الآلية لا بالطريقة الجدية … إن نظام الزواج الذي يعتبر في المجتمع الرأسمالي مظهرا من مظاهر الفساد والتحلل يتحول "منطقيا" إلى عكس ذلك في المجتمع العمالي السليم . فهل فهمت أيها الرفيق أم تحب أن أعيد عليك جابي بطريقة "محكمة" أكثر من هذه؟(105) .

وما تحدثنا عنه من التفكك الأسري والتفسخ الاجتماعي في الغرب موجود بعينه في الدول الشيوعية مع إضافة شئ آخر أكثر خطورة وهو الشعور الدائم بالهلع والرقابة البوليسية والشك والحذر من كل إنسان حتى أفراد الأسرة و الواحد لا يمكن أن يقوم بينهم تواد وتفاهم كاملان كما يكون بين خلق الله الآخرين . وخير شاهد على ذلك قصة الطفل "البطل" الذي وشى بوالده إلى الحكومة فحكمت عليه بعشرة أعوام من السجن والعمل سخرة (106) .

والمرأة0- خاصة –تعاني شقاء لا حدود له فهي لا تملك أن تبث شكواها فضلا عن المطالبة بشيء من حقوقها حتى زميلاتها في المصنع أو المزرعة لا تستطيع أن تفاتحهن بكل ما يعتلج في صدرها لأن احتمال تسرب ذلك إلى الإدارة ماثل للعيان وعقوبته لا يطاق تصورها . وهى "عاملة" بحكم طبيعة النظام وصرامته ولذلك فهي محرومة من إرضاء غرائز الأمومة وعواطفها الأنثوية مقهورة مكبوتة . أما الأطفال فالمحاضن التي تقيمها لهم الدولة أكثر منها في الغرب كما أنها أردأ منها في أساليب التربية ووسائل المعيشة وهذا يضاعف البلاء الاجتماعي ويزيد المجتمع انحدارا إلى الهاوية. وذلك الوضع لا تدعو إليه الظروف الاجتماعية فحسب بل هو جزء من الفلسفة الشيوعية فقد ذكر أنجلز أن من التدابير التي يجب على البروليتاريا أن تتخذها " تربية جميع الأولاد منذ أن يصبحوا قادرين على الاستغناء عن عناية الأمهات في مؤسسات عامة تابعة للدولة وعلى حساب الأمة…والحق المتساوي في الإرث للأولاد الشرعيين وغير الشرعيين"(107) .

وصفوة القول أن المجتمع الشيوعي هو أحط المجتمعات البشرية المعاصرة سواء من الناحية الأخلاقية أومن ناحية الطمأنينة النفسية والسعادة الإجماعية فهو مجتمع منحل مذعور يخيم عليه كابوس شقاء مطبق إلى حد أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر في أمل حقيقي للخلاص .

وهذا التفسخ الفظيع والشقاء المريع الذي تعاني منه أوروبا اللادينية بشقيها الرأسمالي والشيوعي هو النتيجة الطبيعية والعقوبة العاجلة لكفرها بالله وتنكرها لدينه والاحتكام إلى أهواء البشر وتخر صات المضللين، وإنه لمن سنن الله في خلقه أنه إن لم تعد إلى الله وتتمسك بهداه فإن المستقبل سيكون أمر وأنكى.



















<< .. الفصل الخامس .. >>

// == علمانيـــــــــ الأدب والفن ـــــــــــــــــة == //

>><<

توطئة : الأدب – ومثله الفن – مجال رحب وميدان فسيح تنوء به الدراسات المتخصصة المتسفيضة فضلاً عن البحوث المنهجية الدراسية والأدب الأوربى خاصة له قصته الطويلة وتاريخه السحيق فوق أن معظم قضاياه كانت وستظل مثار نزاع ومدار جدل شديد بين الباحثين والنقاد ، وتلعب الاتجاهات الدراسية والخلافات القومية والمذهبية دورها فى ذلك .

وإذا وافقنا الرأى القائل بأن الأدب هو ( صورة الحياة وانعكاسها الواضح) فما بالك بصورة حياة كحياة أوربا حائرة مضطربة متهافتة متناقضة؟

وهذه الأمور وغيرها – مما لا يخفى على المطلعين – تجعل البحث فى هذا المجال مخوفا بالمتاعب وتستنفذ جهد الباحث دون أن يستطيع أن يخرج بخلاصة متناسقة تعبر على الأقل على مدى جهده إن لم تعط الصورة المطلوبة للموضوع .

ومن الجلى أننا لا نبحث فى الأدب من حيث هو أدب وإنما ننظر إليه من خلال أنظار العام الموضوع أى من جهة علاقته بالدين ، كما أننا مقيدون بالحجم الذى لا ينبغى أن يتجاوزه هذا الجانب من جوانب الحياة البشرية .

ومراعاة ذلك تستدعى عرض الموضوع وصياغته ضمن منهج خاص يتميز بأمور : 1- التركيز على ماله صله قوية بموضوع بحثنا وعرضه بما يتناسب مع مقتضى الحال حجما وأسلوباً .

2- البعد – ما أمكن – على الخلافات حول المذاهب الأدبية وتصنيف المدارس والانتماءات وتقديم المواد والشخصيات .

3- البعد عن الغموض الذى يكتنف الدراسات العنصرية والذى سيظهر طرف منه – رغم إرادتنا – عند الحديث عن مدارس الضياع .

وهذا وسنرعى كالعادة – التسلسل التاريخى فى عرض المعالم الكبرى لعبة التحول إلى العلمانية التى بلغت ذروتها فى الأدب والفن المعاصرين .


× أولا عصر النهضة الأوربية ..

" الكلاسيكية الجديدة " : يقترن مسمى " عصر النهضة " الأوربية بالحركة التى نشأت فى إيطاليا – المركز الحضارى الإسلامى الثانى فى أوروبا – واستهدفت بعث الآداب الإغريقية القديمة التي أطلق عليها أسم " الآداب الإنسانية " (1) تمييزا لها عن كتابات رجال الكنيسة اللاهوتية !

لقد فوجئت أوروبا الغارقة فى سبات القرون المظلمة بنور الحضارة الإسلامية فانبهرت به وأحست بواقعها المرير تحت ضغط الكنيسة التى جثمت على فكرها وشعورها وسلوكها وأفقدتها الإحساس بإنسانيتها.

وهذه اليقظة المفاجئة أوقعت النفسية الأوربية فى مأزق حرج إذ تصادم فى داخلها دافع ومانع قويان : الأول دافع الاستمتاع بنور الإسلام والدخول فى فردوس حضارته حيث التوازن الفريد بين الدنيا والآخرة ، وبين الروح والجسد ، ففى ظله تنطلق إنسانيتهم لتعبر عن ذاتها بعيداً عن أغلال الرهبانية وشطط الكنيسة .

والآخر مانع التعصب والعداوة الحاقدة للإسلام وحضارته تلك التى عمقتها الحروب الصليبية وبلغت أقصى مداها فى المد الإسلامى الذي قام به المجاهدون الأتراك .

وكان المانع أقوى من الدافع فخرجت أوربا من ذلك التناقض النفسى بالبحث عن وسيلة تتيح لها الخلاص من براثن السلطة الكهنوتية الطاغية دون أن تتخلى عن تعصبها وعداوتها للإسلام وأهله ولم تكن تلك الوسيلة سوى عملية " اجترار الماضى " ببعث تراثها الوثنى الإغريقى والالتصاق به لاسيما جوانبه الشهوانية البهيمية !

وهذا الاتجاه – بطبيعة الحال – أزعج الكنيسة وإن كان أفضل لديها بكثير من احتمال إقبال أتباعها على الإسلام، وحاولت جهدها أن تسير الموجة لصالحها وتسيطر على الوضع بحيث تبقى عقائدها وتصوراتها تصبغ الأدب وتظل بصماتها بارزة فى فنه المنحوت والمرسوم .

ولكن عوامل التحرر والانطلاق كانت أقوى من حواجزها واستطاع عصر النهضة أن يخطو خطوات كبيرة وجريئة للوصول إلى علمانية كاملة للأدب والفن عليها قام الأدب العلمانى الحديث وارتكز .

ونستطيع أن نستعرض بعض ملامح الأدب والفن فى ذلك العصر معتمدين على بحوث وتحليلات بعض المفكرين الأوربيين فنجد أن أبرها ما يلى:

1- بعث التراث الوثنى الإغريقى : وهذه هى الخطوة الأولى نحو الانفلات من سلطة الكنيسة والانقضاض على فكر وتقاليد القرون الوسطى ، فعن طريق إحياء الآداب الإغريقية استطاع أدباء وفنانو النهضة النفاذ إلى عالم أخر خارج من مألوف عصرهم ولا أثر فيه لشيء من اللاهوتيات . لقد نفذوا أول الأمر من كوة صغيرة لكنها ظلت تتسع حتى انتفض بناء الكنيسة والتقاليد من أساسه ، وطلعوا على الفكر الأوروبى بمفهومات جديدة ومعايير سبقوا بها النهضة الفكرية العقلانية ، وذلك ما يعده الفكر الحديث أعظم مآثر النهضة .

يقول " برنتن " : " إنه طالما كانت العصور الوسطى فى الواقع عصوراً دينية وطالماً أن عصر النهضة يعنى على الأقل محاولة العودة إلى الوثنية اللادينية إن لم نقل الزندقة فإن فن العصور الوسطى يرتبط بالكنيسة ، إما فن عصر النهضة فيتمتع بحرية بوهيمية ، وهذه هى حقيقة الأمر ، وكان النحاتون والرسامون فى ذروة عصر النهضة يقلدون العرى الكلاسيكى كما يقلدون كل شئ كلاسيكى أخر ، فالفنان بدأ شيئا يشبه نوع الحياة ، وحشياً فاحشاً مجازفاً ولكنه عظيم الأهمية ومن المفروض أنه لا يزال يقوده " .

" لقد كان فنانو عصر النهضة الذين كرسوا جل حياتهم الفنية لغرض جعل المعتقدات المسيحية واضحة تبدو فى أجمل مظاهرها للعيان يستمرون فى القيام بالأعمال التى ورثوها علن الرواد السابقين للعصور الوسطى ، هذا وقد تحول الفن فى العصور الحديثة إلى فن علمانى تقريباً حتى أن الفن الدينى كاد يختفى أو بالأحرى أصبح فى الدرجة الثانية استنتاجاً وتقليدياً " .

" إن الكتاب الخياليين هم الفنانون القريبون من قلب الوضع الإنسانى نحو الحياة . إن بترارك ورابله وشكسبير وسرفانتس والرسامين والنحاتين والموسيقيين الذين لا نزال نعلم أسماءهم هم نوع من الرجال الذين ينشدون طريقاً وسطاً بين المسيحية التقليدية كما خلفتها العصور الوسطى وبين العلمانية الحديثة التى يبدو أنها تقلع جذور السحر والسر من الكون !! .. كان هؤلاء الفنانون فى تمرد مدرك كثيراً ضد التقليد المسيحى خلال العصور الوسطى ـ لقد أنكروا مستنداً وبات عليهم – وهذا أكثر أهمية – أن يبحثوا بل يقيموا مستنداً أخر ، فقبول هؤلاء العلماء المجرد لأى شئ كتبه قدماء اليونانيين والرومانيين لم يكتف به رجال الفكر ، وككل شخص ألم بكل ما له علاقة بالعقل عاد هؤلاء الفنانون إلى اليونانيين والرومانيين ، وكانوا بذلك كالمهندس المعماريين حيث أعادوا تجديد موادهم (2) " .

2- الاهتمام بالحياة الدنيا والوجود الإنسانى فيها : وذلك الاهتمام نشأ رد فعل لتركيز الكنيسة على عالم الآخرة وحصر كل النشاط الفكرى والفنى لاتباعها فى مجال الحديث عن الثالوث والقديسين والملائكة والمعجزات وكبت المشاعر والأحاسيس الإنسانية أيا كانت ما لم تكن فى حدود دائرتها اللاهوتية ، ومن هنا أطلق على الحركة بكامل وصف " الإنسانية " .

وقد قام " دانتى " ت 1321م فى هذا المجال بمثل ما قام به " مكيافيللى " فى مجال السياسة فقد خرج على الكنيسة خروجاً صريحاً وناقص تقاليدها ومقاييسها ، وابتداء منه أخذ الأدب الأوربى بحل الإنسان شيئا فشيئا محل " الاله " فالاهتمام بالإنسان الذى نبه إليه دانتى ومعاصروه كان المنطلق لمحاولة تأليه الإنسان وتصويره على أنه اله حقيقى وهى المحاولة التى بدأت فى القرن التاسع عشر واكتملت على يد "سارتر " وأشياعه فى هذا القرن مروراً بتأليه الطبيعة الذى دعا إليه عصر التنوير ، ويقول " داونز " .

" يقف ( دانتى ) كما وقف صديقه ومعاصره المصور الرسام " جيوتو " على رأس حقبة جديدة فى تطور الفكر البشرى ولما كان كلاهما فناناً عظيماً فإنهما عبرا أصدق تعبير عن ذلك الشيء الجديد الذي ربما كان يجيش فى صدور الكثير من معاصريهم ولكنهم لم يستطيعوا الإفصاح عنه كما أفصحاً .

وهذا الشيء الجديد هو " الإنسانية " هو الاهتمام بشئون الإنسان فى الحياة الدنيا ، ونستطيع أن نتفهم خطورة هذا الجديد الذى يزاحم القديم إذا قارناه بالعقائد المسيطرة على أذهان الناس فى ذلك العصر عن الحياة والكون … ومؤداها أن الحياة الدنيا ليست إلا تمهيداً لاستقبال الحياة الأخرى ، وقد هيمن هذا الاعتقاد على الناس فى القرون الوسطى جيلاً بعد جيل تحت سطوة الكنيسة وسيطرتها العاتية على جميع نواحى النشاط الإنسانى وجميع المؤسسات الاجتماعية بينما كان علم العلماء كله يدور حول المبادئ الدينية والعقائد الكنسية " .

" ثم جاء عقب ذلك عصر الاستنارة وهو أول تبديل جديد طرأ على الناس فى نظرتهم للحياة فاتجهوا إلى أحضان الطبيعة يسوحون منهما أسرار الكون ووضعوا ثقتهم المطلقة فى مقدرة العقل الإنسانى " .

وقد نادى بهذا نفر من عباقرة ذلك العصر ، … كان مجالهم الفكرى فى ناحية الاهتمام بشؤون الإنسان فى هذه الدنيا وترك الاهتمام بشؤون الآخرة " .

" وأما ( جيوتو ) فكان فنان هذه النهضة كما كان دانتى شاعرها فقد أخذ جيرتو يرسم على جدران كنائس مدينة ( أسيزى ) صوراً وأقاصيص لحياة القديس فرانسيس عرض بها رسوماً من الناس والطبيعة والطير والحيوان والزهور من واقع الحقيقة والمشاهدة وهو حدث جديد فى الفن وخروج التقليد القديم فى تصوير العذراء والطفل وتصوير القديسين " .

" إن ملحمة الكوميديا (3) كانت حدثاً جديداً فى الأدب ، حدثاً ضخماً لم يسبق له مثيل ، فليس أذن من العجب أن يدعوها الناس بلقب " الإلهية " لأنهم شعروا عند ظهورها أن أدبا أوروبيا جديداً قد انبثق فجره " .

" إن الناس كانوا يعتقدون ما علمتهم الكنيسة من أن كل إنسان يكفر بالمسيحية جزاؤه جهنم ، وأما من يؤمن بها فمآله إلى الجنة وجاء دانتى فخرج من تلك العقيدة القديمة وأقام موازين جديدة للعقاب والثواب على أساس من الأخلاق …… وعندما ننظر اليوم إلى الوراء نجد شاعراً يوزع بالقسطاس العقاب والثواب " بدلاً من أن يوزعها البابا " فإننا لا نرى فى عمله شيئا خارقاً غير أنه بالقياس إلى عصره كان لا شك انقلاباً خطيراً ".

" وقد صدق الشاعر بوب " عندما عبر عن فلسفة القرن التالى (18) بقوله : " إن خير دراسة يقوم بها البشر هى دراستهم للإنسان " وقد كان شكسبير قبله خير من قام بهذه الدراسة . والحق أن شكسبير يمثل أرقى ما بلغت إليه حركة النهضة الأوربية بأجمعها ، وهى فى لبابها تتلخص فى اكتشاف الجنس البشرى لقيمته وأهميته التى كانت قد ضاعت على مر العصور (4).

وجدير بالذكر أن دانتى فى ملحمته قد أدخل الباباوات كلهم قاع جهنم ألا باباً واحداً أدخله الجنة ودلالة ذلك لا تخفى (5) .

4- العودة إلى الإباحة الرومانية : رد فعل للرهبانية والتزمت المغالى اللذين كانا يسيطران على الحياة الاجتماعية الأوربية فى ظل الكنيسة قام رواد النهضة بتجديد شباب الكلاسيكية وبعث المذهب الأبيقورى فى التمتع بضروب الملذات والانغماس في الشهوات الجسدية ، ومن هنا أهمل أولئك أو كادوا جانب الآلهة وأساطيرها وصراعها مع التراث الكلاسيكى الإغريقى والرومانى وأنصب اهتمامهم على الجانب الإباحى فليس مرد ذلك إلى قوة إيمانهم بالعقيدة المسيحية بقدر ما كان الرغبة فى إشباع نزواتهم المكبوتة وميولهم العاطفية قبل أى شيء أخر .

وهكذا كان عصر النهضة يتسم بطابع كلاسيكى خاص يقدس الجسد ويعبد اللذة فى وقت لا تزال الرهبانية فيه هى المثل الأعلى ، ووجه زعماء ذلك العصر أنظار الناس إلى مثالب الرهبانية بحجة منافاتها "للإنسانية " وهو الوصف الذى كانوا يتسترون به .

يقول مؤلف " تكوين العقل الحديث "

" الحقيقة أن هذا الاهتمام بالإنسانية عاش بصورة قوية واضحاً منذ العصور التى سبقت غزوة المسيحية للبرابرة ، فالحياة التى صورها هوميروس فى الملاحم الوثنية تعكس لنا الوجود الإنسانى … وجل ما استطاع التقليد المسيحى هو أن يشوه سمعتها …. وقد انتشر خلال القسم المتأخر من القرون الوسطى تيار من الأغانى المبتذلة تمجد التمتع الصريح بالحياة وملذاتها ، وكانت هذه الأغانى كثيرة التحرر مفرطة فى وصف النواحى الحيوانية " .

على النحو التالي : نحن فى تجوالنا مغتبطون مشرقون … نأكل حتى الشبع نشرب حتى الثمالة … نمرح إلى الأبد ننهل من الجحيم … تلتصق صدور بعضنا ببعضنا …

وحالما نشأ أدب علمانى عامى فقد صدر نفس التمتع الوثنى بخيرات الحياة الرفيع منها والوضيع فالشعراء المغنون " التروبادور" حولوا الفروسية المسيحية إلى تمجيد للحب الإنسانى … ومن الجدير بالملاحظة أن أكثر هذه القصائد صراحة وواقعية نشأت من الثقافة البرجوازية فى المدن ، فالأقاصيص الفرنسية البذيئة وصفت بصورة حاذقة التمتع بضروب الحياة كما كان يحصل فى الواقع وتميزت بشغف خاص بسرد قصص الماكرين الأوغاد ومثالب الكهنة كما نجد ذلك فى قصائد شوسر ومعرض صور الأوغاد التى رسمها بوكاشيو ".

" والحقيقة أنه ابتداء من القرن الثانى عشر فما بعده زاد احتدام هذا الموقف وهذه الاهتمامات …… ويتحدث الفن عن نفس القصة التى يتحدث عنها الأدب فالعذراوات والقديسون والأقدمون …… يتحولون إلى رسوم واقعية … وتنقلب صور العذراء التقليدية البيزنطية إلى فتيات قرويات إيطاليات .

ولكن أهم ما أخذ العلماء الإنسانيون عن الإغريق كان التمتع السعيد الطبيعى السليم بخيرات الحياة فى حضارة رفيعة … ووجدوا هنا أن اللذات غير الضارة والميول الطبيعية تعتبر الوسائل التى بواسطتها ينظم العقل حياة صالحة ، وأنها ليست من الشيطان فلا داعى إذن إلى اعتبارها ذنباً أما أن يقهر بعون الهى أو ينهل منه فى خجل وشعور بالعار …"

" أدى كل هذا بالطبع إلى ثورة على الأخلاق المسيحية فبدلاً من المحبة حل الفرح باستعمال الإنسان للقوى التى وهبه الله إياها وحلت الحرية والمسؤولية بتوجيه العقل محل الخضوع لإرادة الله ، وأخذ البحث الفكرى الجرئ يحتل بالتدريج مكان الإيمان " .

" وانفجرت العاصفة بكامل عنفها على رأس الراهب ، ذلك أن فشل الراهب فى تحقيق الطهارة التى بشر بها جعلت أدب القرون الوسطى منذ ولادته يعطى لزلات الراهب صورة أكثر بشاعة ، وصورته بأنه أكثر حيوانية من سواه ، وجاء أحذق الإيطاليين وأجرؤهم إطلاقاً لورنزفالا … فأنكر فى كتابه " حياة الرهبانية " كل قيمة للتقشف والقداسة وذهب أبعد من ذلك فى رسالته عن اللذة التى يتفق فيها مع المذهب الأبيقورى فأعلن أن المرأة المتزوجة بل المستهترة أيضا هى أفضل من الراهبة ، لأنها تسعد الرجل أما الراهبة فهى تعيش فى تبتل لا فائدة منه ، وينعت موت الإنسان فى سبيل بلاده أو من أجل أى مثل أعلى بأنه لا يقره العقل " .

" وهذا التحول المفاجئ يوحى فى بعض الأحيان بالرجوع إلى ما يشبه الوثنية الخالصة ، ويمثل الفن الإيطالى أحسن تمثيل المزج الكامل بين المسيحية والوثنية فلو ألقينا نظرة على بعض الرسوم الشهيرة هل نستطيع التفريق بين الله والملاك والعذراء والصبى وكيوبيد والقديس …. " .

" ثار الإيطاليون على الأخلاق المسيحية واستبدلوا بها مجرد التمتع بالملايين من أشكال الجمال … لكن الشعوب الشمالية وجدت فى الحياة أكثر من الجمال وقد مثل هذه الروح فيما كتب رابليه الكبير … وتتجسم روح ثورة النهضة فى مقطع يطلب منارابليه فيه أن نهرب من " أولئك الرعاع ذوى العقول الزائفة الماكرين والقديسين المزورين الوقورين الهيئة المرائين مدعى الإيمان ، الإخوان الخشنين الرهبان الذين يلبسون النعال … أهرب من هؤلاء الرجال عليك بكراهيتهم واحتقارهم قدر ما أكرههم أنا وإننى لأقسم لك أنك إن فعلت فستجد نفسك أفضل حالاً (6) .

هكذا كان عصر النهضة ثورة على المسيحية التقليدية وإعلانا للعودة إلى الوثنية وهذه وإن كانت فى الواقع عملية سلبية إلا أنها خطوة لا بد منها لكل حركة جديدة فمن الطبيعى أن تنصب أنظار رواد النهضة إلى هدم كيان الواقع الذى خضعت له أوروبا ألف عام قيل أن يفكر فى ماهية الواقع الجديد .

ثانيا – العصر الحديث :

( أ ) الرومانسية : لسنا فى حاجة إلى إعادة القول بأن حياة أوروبا هى عبارة عن خط بيانى متذبذب تحكمه ردود الفعل المتناقضة ، فقد أصبح ذلك حقيقية مقررة بعد أن رأينا شواهده فى كل مجال ، وهنا فى مجال الأدب نلمس تلك الحقيقة بوضوح :

فالغبطة الكلاسيكية لم تدم طويلاً إذ سرعان ما جرت عليها سنة أوروبا فى الارتداد ، وإذا كان أعظم ايجابياتها هو الاهتمام بالإنسانية وإيقاظ العقل الأوروبى المطمور ليأخذ مركز التوجيه فى الحياة فإنه حتى هاتان لم تستقرا دون تطوير أو تغير .

وكان التطوير من نصيب الأولى أما الأخرى فكان نصيبها التغيير بل الثورة ، ومن هذين انبثق المذهب الجديد الذى عرف بــ " الرومانسية " والذى يقترن تاريخياً بمسمى " عصر التنوير " .

أولا – تطور النزعة الإنسانية : لعل أصدق تعبير عن هذا التطور هو ما قاله مؤلفو كتاب " ثلاثة قرون من الأدب " :

" إن القرن الثامن عشر لم يخصص للذين وإنما خصص للعلم والسياسة فلم يعد زعماؤه قساً مسيحيين … بل فلاسفة طبيعيين ….. لقد كان التغير عميقاً ومن نواح عدة كان القديم والجديد عن طرفى نقيض . فالتطلع إلى ما وراء أشياء هذا العالم قد تراجع أمام التطلع إلى أشياء هذا العالم ، لقد أصبح القديسين الدائر حول محور الله عالما إنسانيا محوره هذا العالم والحياة التى كانت تسير بهذا الكتاب المقدس ، ولم يعد العالم مكاناً حيث العناية الإلهية دائمة الحضور والفعل تضبط وتدير كل ما يحدث حتى التافه منه (!) حتى الله ذاته لم يعد شخصياً ، أبا يحب ويرهب ، بل أصبح قوة عاقلة سحيقة البعد لا شخصية ، "علة أولى " أدارت الآلة وتركتها تعمل بنظام كامل وفق نواميس رياضية وفيزيائية ويسوع ابن الله أصبح يسوع ابن الإنسان(؟!) .

" ولم يعد موضوع البحث للجنس البشرى هو الله ، بل الإنسان ".

" وتحسين حال الإنسان يمكن توقعها لا عن طريق الدين بقدر ما يمكن توقعها عن طريق العلم والتربية والسياسة التى بها يستطاع إصلاح المجتمع "(7)

وهكذا أصبحت ثورة عصر النهضة المبهمة تملك منهجاً عقلياً ومساراً محدداً وبذلك تواجهنا صورة وثنية جديدة أكثر وضوحاً .

وهذا هو الميز الأول للرومانسية عنه نشأ " تأكيدها على سيادة القلب وحياة النفس الداخلية " بمعنى حصر كل الاهتمامات فى حدود الكائن البشرى بل فى أعماق النفس الفردية . وينتقد الرومانسيون الأدب الكلاسيكى بأنه " كان الهدف منه تصوير البشر لا كما هم فعلياً ولكن كما هم مثالياً (8) .مما جعل الأدب تقليدا وليس تعبيراً ولذلك فقد أهمل الرومانسيون الملاحم وحورواً المسرحيات ، ونحوا بالأدب منحى شخصياً داخلياً ، فالكتابة الفنية تأتى فى صورة اعترافات أو سيرة ذاتية والشعر يصبح غنائيا عاطفياً يعبر عن المعانى الوجدانية للبشر كالعشق والفرح والألم ويبتغى – بالدرجة الأولى – إثارة السامع وامتاعه .

وكان من أبرز العوامل الاجتماعية المهيأة لذلك طابع الفروسية التى كانت فى ريعان شبابها إذ احتضنت الرومانسية حتى اندمجت فى كيانها وأصبح الرومانسيون اللسان المعبر عن الحياة الفروسية بخصائصها وفضائلها (9) .

وقد أفصح بعض زعماء المذهب عن علاقة " رد الفعل " القائمة بين الاتجاه الرومانسى والمسيحية ، فالمسيحية كما عرفوها تكتب الإنسان " وتصيبه بالميلانخوليا " ومن ثم فهى مسؤولة عما أصاب الإنسانية من الانطواء والكآبة " وقد عزا الناقد الرومانسى الألمانى شليجل الكآبة إلى الدين المسيحى الذى جعل الإنسان منفياً يشتاق إلى وطنه البعيد " (10) .

وانطلاقاً من ذلك وتمشياً مع التركيز على التعبير عن الذات جهد أولئك فى أن يحولوا الشرق الصوفى المسيحى الذى كان يتجه إلى الله أو " يسوع " إلى حب عذرى أو إباحى يعبر عنه فى أسلوب غنائى ويتجه إلى الجمال الخارجى للمحبوب الذى كان فى الغالب امرأة وأحياناً " الطبيعة " .

ثانيا – الثورة على العقلانية التى سادت القرنين (17 – 18) :

سبق أن عرفنا كيف فاجأ عصر التنوير أوروبا المسيحية بتلك الكلمتين المقدستين لديه ( الطبيعة والعقل ) وجعل الأولى رمزاً خفياً للوثنية يحل محل أسم " الله " فى المسيحية والثانية وسيلة إلى فهم الإله الجديد بدلاً من وسيلة المسيحية " الوحى " .

ولقد وثق الهاربون من طغيان الكنيسة العلمى فى مقدرة العقل وثوقاً أعمى ، وكان لكشف كوبرنيكس وقانونين جاليلو ونيوتن ومبادئ بيكون وديكارت العقلية أعظم الأثر فى تمجيد العقل بل عبادته ، ولما كان جل همم إغاظة الكنيسة والانتقام من عبوديتها فقد اشتطوا وغلوا فى ذلك إلى أبعد الحدود .

لكنهم ما كادوا يلتقطون أنفاسهم وتستقر أعصابهم من مطاردة الكنيسة حتى بدأ بعضهم يبحث عما إذا كان إله " العقل " جديراً بما أعطى من قيمة وتقديس أم لا ؟ وكانت النتيجة مرة وهى أن العقل عاجز حقاً عن تفسير الطبيعة وإذ كان كذلك فهو أعجز عن تفسير النفس الإنسانية وفهمها .

وتساءل أولئك أليس من طريق للثورة على الكنيسة والوصول إلى فهم الطبيعة والإنسانية إلا طريق العقل وحده ؟

واستطاعوا أن يكتشفوا طريقاً أخر أرحب من العقلانية بمنطقها الجامد وقوالبها المحددة ، وأقوى من العقل اختراقاً للأسرار وتبديداً للغموض ، ألا وهى " الشعور العاطفى " ذلك الشعور الذى يمتطى آفاق الخيال الواسعة فيسبر أغوار الذات الإنسانية العميقة ويستجلى جمال الطبيعة ، وهكذا أخذ الرومانسيون يرتفعون رويداً رويداً عن الأرض ويحلقون فى الفضاء السحيق ولكن إلى غير الله ومن غير طريق المسيحية .

كانوا يتحدثون عن الحب ويبحثون عن الجمال ويفلسفونها فى أساليب ضبابية كثيفة ، كما كانوا يتحدثون عن الشياطين والملائكة والسحر والعوالم المجهولة فى محاولات دائبة ويائسة لاستكناه أسرار الكون وتحقيق السعادة الداخلية .

وأصبحوا ينقبون عن الحقائق الأبدية لا فى الكتاب المقدس ولا فى المؤلفات العقلية ولكن فى صفحة الطبيعة الخلابة ومناظرها الحالمة وكل هذا أفضى بهم بالطبع – إلى مثالية معرفة جوفاء أعظم فى بعض جوانبها من تلك التى انتقدوها على الكلاسيكيين .

ونتيجة أخرى مهمة هى أن الرومانسية باعتقادها أن غاية النشوة وقمة السعادة تكمن فى أن يطلق الإنسان عنان نفسه لتذوب فى حب الطبيعة ويفنى الصوفى فى معبوده ولذا أحلت " الطبيعة " محل " الله " والشعور محل العقل – بهذا الاعتقاد – تكشف عن صورة وثنية جديدة : " وكل الكلام الجميل المعسول الذى قيل لتبرير هذه الوثنية : أن الطبيعة " محراب " الله وأن الجمال " صورة الله " إننا نعبد الله فى خلقه … إلى أخر هذه الجمل " الرومانتيكية " : البراقة .. كل هذا الكلام لا يستطيع أن يخفى تلك الروح الوثنية الغارقة فى الوثنية التى تعبد المحسوس فى حقيقة الأمر لأنها تعجز عن إدراك " الله " بالروح … والروح غنية بالمحسوسات " (11) .

ولقد عبر روسو – رائد الرومانسية – عن ذلك أوضح تعبير فى " راهب سافوى " الذى هو صورة لذاته ، إنه راهب بالفعل ولكنه يختلف جذرياً عن رهبان الكنيسة فهو راهب فى صومعة الطبيعة يسبح بحمدها ويقدس لها .

وفى كتابات روسو ( الاعترافات مثلاً ) وقصائد بوب ( مقال عن الإنسان) وجوته ( فاوست ) وكذلك كيتس ولامارتين وإضرابهم نماذج واضحة للمذهب الرومانسى فى أوج مجده .

ولما كان أعظم أثر للرومانسية ينحصر فى رد الفعل الذى نجم عنها بولادة الأدب الواقعى اللادينى الحديث فلن نفيض فى الحديث عنها أكثر من هذا.

( ب ) الواقعية : كانت الرومانسية بخيالها الجانح صورة صادقة لعصرها "عصر الهروب" الهروب من طغيان الكنيسة ، الهروب من نير الإقطاع البغيض ، الهروب من تقاليد الماضي المرير (12) وجاءت الثورتان الفرنسية والصناعية وجاءت الحروب الدينية والقومية وتغيرت ملامح الحياة تغيراً بارزاً فكان لا بد لصورة الحياة " الأدب " أن تتغير كذلك.

كانت أوروبا الكلاسيكية والرومانسية قد عادت كما أسلفنا إلى الوثنية وعبدت الإنسان أو الطبيعة بطريقتها الخاصة ، أما الآن فالصورة تتخذ مظهراً أخر فلم ينحصر الاهتمام بالإنسان دون الآلة فحسب ، بل اقتصر – من الإنسان- على وضعه الدنيوى ومكانته الاجتماعية ، على واقعه المعيشى وجزء معين من نزواته ورغباته والظروف المحيطة به التى يتأثر بها سلباً وإيجاباً . هذا التحول من الإنسانية بمفهومها الكلى عند الكلاسيكيين ومن الطبيعة والمثالية الفردية عند الرومانسيين إلى الإنسان العادى المشخص سيتخذ سريعاً صورة وثنية جديدة تعبد " الإنسان " وتحل محله "الإله" .

وكعادة أوربا – لا تعرف الطريق السوى ولا الموقف الوسط – سقطت سقوطاً مفاجئا من الفضاء السحيق إلى الوحل الهابط .

كانت الرومانسية تحاول تصوير أعلى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من القوة والمثالية فى مواجهة تحدى الإله أو الطبيعة أو حتى نزواته وأهوائه ، فجاءت الواقعية لتصوره فى أدنى ما يمكن أن يصل إليه من الهبوط فى لحظات الضعف القاتلة .

وكان يصارع الأقدار ويحاول إخضاع الطبيعة فإذا به ينهزم بضعف أمام نزوة عابرة ولذة ساقطة .

لقد أخذ الواقعيون على الرومانسيين مآخذ – ليست بعيدة عن الحقيقة – فهم ينكرون عليهم إهمالهم لشؤون الجماهير وإغفالهم لحقوق الإنسان المهدرة وسكوتهم عن المظالم التى يعج بها المجتمع فى حين كانوا محلقين بأحلامهم بحثا عن الجمال والروعة والمثالية جاعلين هدفهم الأسمى " الفناء في الطبيعة " .

بل قالوا – والتاريخ يسعفهم بشيء من الأدلى – إن الرومانسيين كانوا من الطبقات الأرستقراطية أو من المقربين إليها ، وكانوا شعراء البلاطات وندماء الأباطرة ، فهم وأدبهم جزء من ذلك الواقع الظالم الذى يجب رفضه إلى الأبد .

وأخذ عليها أنها فى كل أعمالها الفنية كانت تقتصر على تصوير الإنسان المثالى واللحظة المثالية والمنظر المثالى ، متناسية أن البشر المثاليين هم قلة نادرة فى الناس ، ومتخلية تماماً عن الإنسان السوى والحياة العادية بكل مشاكلها ومظاهرها .. الخ ما أخذوا وما نقدوا .. فبالاعتماد على مثل هذه المبررات رفض أولئك الرومانسية وعابوا فنانيا ، لكنهم لم يرفضوها – بالطبع – لأنها حركات وثنية متسترة بل أن المتأمل لا يجد فى تلك المبررات العديدة ما يشير إلى ذلك .

ولذلك فبديهى أن ينتقل الفن من انحراف إلى انحراف ، ومن وثنية إلى أخرى – شاء ذلك الواقعيون أم أبوا – ولعل فى تتبعنا لخطوات الواعية الأولى وملامحها ما يلقى الضوء على ما نقول .

== الأهداف الأولى للحركة الواقعية : شغل الواقعيون الأوائل أنفسهم من خلال رواياتهم التى انتزعت مكان الصدارة من الشعر الرومانسى بنقد ومناقشة أحوال الفرد والمجتمع ، وهذا ليس انحرافاً – بالطبع – بل هو أمر مطلوب ، ولكن الانحراف جاء من جهة الموقف الذى اتخذه أولئك من الدين والأخلاق والتقاليد أثناء تصويرهم للمشاكل الإنسانية الواقعية – هذا إذا سلمنا أن هدفهم هو تصوير المشكلة وعرضها وليس شيئا فى أنفسهم يريدون تقديمه من خلال ذلك التصوير (13) وهذا الموقف الذى يضعنا على أول الطريف إلى الوثنية المعاصرة – تركز فى قضيتين متقاربتين :-

الأولى – الثورة على التقاليد الإقطاعية والمسيحية : وذلك قد لا يعدو فى الحقيقة أن يكون جزءا من الثورة على طغيان الكنيسة وظلم الإقطاع يتخذ مظهراً مغايراً ، وإذا كان بلزاك (1851) هو أحد الرواد للواقعية فلنقتطف شاهداً على ما نقول من إحدى رواياته وهو محاورة بين قسيس عجوز وامرأة لم توفق فى حياتها الزوجية : قال العجوز على أى حال يا سيدتى الماركيزة هل فكرت قليلاً فى كتل الآلام البشرية ؟ هل رفعت عينيك نحو السماء ؟ قالت : لا يا سيدى إذ تثقل القوانين الاجتماعية بشدة على قلبى وتمزقه لى تمزيقاً حتى لا أستطيع الارتفاع بنفسي إلى السماوات ، ولعل القوانين ليست فى قسوة آداب المجتمع . أوه ! المجتمع ! - علينا يا سيدتى أن نطيع هذه وتلك فالقانون هو الكلمة والآداب هى أفعال المجتمع . " عادت تقول الماركيزة مبدية حركة اشمئزاز " طاعة المجتمع " ؟ هيه ! يا سيدى إن شرورنا جميعاً تنشأ عنه ، لم يضع الله أى قانون للشقاء ولكن عندما تجمع الناس بعضهم مع بعض أفسدوا عمله (14) ، ونحن " نحن النساء " لقد عاملتنا المدينة بأسوأ مما عاملتنا الطبيعة به ، فالطبيعة تفرض علينا الآلام البدنية التى لم يخففوها فى حين أضافت المدينة المشاعر التى تخونونها باستمرار ، إذ تخنق الطبيعة الكائنات الضعيفة على حين تحكمون عليها أنتم بأن تعيش كى تقوموا بتسليمها إلى شقاء دائم ، ويؤدى الزواج – وهو نظام يرتكن إليه المجتمع – إلى اشعارنا نحن وحدنا بأثقاله ، فللرجل الحرية وللمرأة الواجبات ، علينا أن نهبكم حياتنا بأكملها وليس عليكم من حياتكم نحونا إلا لحظات نادرة ، ثم إن الرجل يختار هناك حيث نرضخ نحن عن عمى ، أوه! يا سيدى لعلى أستطيع أن أقول لك كل شيء …… فالزواج على نحو ما يطبق اليوم يبدو لى دعارة مشروعة منه تنبع كل آلامنا وبعد أخذ ورد تعود الماركيزة فتقول للقسيس :

" …… إنكم تفضحون المخلوقات المسكينة التى تبيع نفسها فى مقابل بعض الدراهم لرجل عابر ، فالجوع والحاجة تحللان هذه العشرة العابرة ، هذا فى حين يغفر المجتمع ويشجع الزيجات المباشرة برغم بشاعتها بين فتاة ساذجة ورجل لم تراه أكثر من ثلاثة أشهر ، فتباع طول حياتها ، لاشك أن الثمن مرتفع إذا كنتم عندما تسمحون لها بالمكافأة على آلامها تقومون بتشريفها ولكن لا …… إذ أن المجتمع يفترى على أفضل الفاضلات من بيننا! ذلك مصيرنا فى وضوح من كلا وجهيه : الدعارة العامة والخزي والفضيحة ، أو الدعارة الخفية والشقاء " (15) .

والآن نستطيع أن نحكم بما إذا كانت واقعية بلزاك تهدف إلى تصوير مأساة بعض النساء أم تهدف إلى تصوير إفلاس رجل الدين وتهافت وفظاعة التقاليد ، وليس غريباً بعد ذلك أن تصر معظم الروايات الواقعية على تصوير المجتمع فى صورة العدو اللدود الذى يكبل الفرد ويحد حريته وتطلعاته .

الثانية – الهجوم المباشر على حقائق الدين : منذ بدء حركة النهضة نجد روح الكراهية للدين من قبل الأدباء والفنانين واضحة فى إنتاجهم الشعري والفنى ، إلا أن هذه الروح كانت تعبر عن نفسها من خلال الهجوم على رجال الدين وفى التقليل تجرأت على الهجوم المباشر على حقائقه ، من ذلك ما رأينا فى كوميديا دانتى وما سبق من قول رابليه ، وكذلك هناك مسرحيتا موليير " المتزمت " و " طرطوف " والأخيرة تصور نفاق رجل الدين وجشعه (16) ومثلها قصة " صاحب الطاحون " لشوسر ، يقول مؤلف " قصة الفكر الغربى " :

" يرد كثيراً فى الأدب الشعبى الوسيط ذكر القسيس الجشع والقسيس الفاسق والقسيس المغرور الذى تشغله أمور الدنيا ، وكذلك لا يعطينا شوسر صورة طيبة عن رجال الدين .. ومع ذلك فلم يكن فى كل هذا إلا قليل من المرارة وإنما كان يرمى إلى إنزال القسيس إلى المستوى البشرى العام ولم يقصد إلى تحدى بناء المسيحية الفلسفى والدينى أى نظرتها الشاملة إلى الكون كما قصد إلى تحديها فى أيام فولتير وتوم بين……… "(17)

تم تطور الأمر أكثر من ذلك فى كتابات عصر التنوير إلا أن رجل الدين – بمفاسده – لا يزال هو المنفذ إلى مهاجمة الدين ويظهر ذلك جلياً فى قصة " الراهبة " لديدرو زعيم الموسوعيين الفرنسيين التى مثلت فى الستينات بباريس تحت أسم " المتدينة " بناء على اعتراض الكنيسة (18).

وجاءت الواقعية فاتخذت دور الهجوم المباشر على حقائق الدين مقرونة بالتشهير برجاله أو منفردة عنها، وبدأ ذلك مبكراً وصريحاً وها هو ذا "جوستاف فلوتير " يعطى الشاهد على ذلك فى روايته " مدام بوفارى " التى حوكم بسببها آنذاك :

ففى أحد فصولها تسأل ربه النزل القسيس عما إذا كان يريد جرعة من النبيذ فيتعذر وينصرف " وما أن اطمأن الصيدلى إلى أنه لم يعد يسمع وقع قدمى القس … حتى أبدى رأيه فى مسلكه فوصفه بأنه ناب ، فقد بدأ رفضه أبغض ألوان الرياء إذ أن القساوسة يحتسون الخمر فى الخفاء ، ويحاولون أن يستعيدوا الأيام التى كانت الكنيسة تتقاضى فيها الضرائب من رعاياها. " صاحب النزل : أنه رغم قولك يستطيع أن يطوى أربعة من أمثالك على ركبتيه ، لقد ساعد رجالنا على تخزين العشب الجاف ..

الصيدلى : مرحى ، أرسلو بناتكم إذن ليعترفن أمام رجال من هذا الصنف (!) لو كنت فى مركز الحكم لأمرت بأن يقصد القساوسة فى كل شهر .. فى سبيل مصلحة البوليس والأخلاق .

- كف عن هذا يا مسيو هوميه فأنت كافر لا دين لك .

- بل لى دين ، دينى الخاص ، وإن لدى من التقوى ما يفوق ما لدى هؤلاء .. رغم نفاقم ودجلهم إننى على العكس أعبد الله ، أؤمن بالكائن الأعلى أؤمن بوجود خالق كيفما يكن كنهه … ولكنى فى غير حاجة لأن أذهب إلى الكنيسة … لأسمن من مالى رجالاً لا يصلحون لشىء … إن المرء ليستطيع أن يهتدى إلى الله فى غابة أو فى حقل أو حتى بمجرد تأمل قبة الأثير .. إن إلهى هو إله سقراط وفرنكلين وفولتير وبيرانجيه ، إننى من أنصار الإيمان الذى دعا إليه قس " سافوا " ( روسو ) ومن المؤمنين بمبادئ ثورة 1789 الخالدة ، ولا أستطيع أن أعبد إلها مزعوماً يسير فى حديقته وعصاه فى يده ويودع أصدقاءه أجواف الحيتان ، ويموت صارخاً ثم يبعث بعد ثلاثة أيام ، هذه جميعاً فى حد ذاتها سخافات تناقض تماماً كل قوانين الطبيعة ، وفى هذا ما يوضح لنا ضمنا كيف أن القسس ظلوا دائماً متشبثين بجهل صلد لا يلين يحاولون أن يدفنوا البشر معهم فى جوفه " (19). على مثل هذا نمت الحركة الواقعية وترعرعت مصورة ومواكبة الحياة الأوربية التى أخذت تتحلل من عقائد المسيحية الكنسية وأخلاقها شيئاً فشيئاً .

ثالثا - الأدب المعاصر " من الواقعية إلى اللامعقول " :

أن أى باحث فى الأدب المعاصر لا بد أن يرى بوضوح مؤثرات جديدة وقوية أتى به إلى الحال الراهنة وميزته عن المدارس والاتجاهات السابقة .

وليس ضرورياً – بالطبع – أن تكون هذه المؤثرات أدبية محضة ، فما دام الأدب هو صورة الحياة فغن كل التحولات التى طرأت على الحياة الأوربية سوف يصحبها تحول مماثل فى الفن والأدب ، ويرى أحد النقاد الغربيين أن هناك أربعة من المفكرين يعود إليهم الفضل فى الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة هم " داروين وماركس وفريزر وفرويد " (20)

والحق أن لداروين وفرويد خاصة أعظم الأثر فى ذلك : أما الداروينية شعورين فإن الفلسفة الحيوانية التى بنيت عليها ولدت فى النفسية الأوربية شعورين عميقين لا يمكن للأدب الأوروبى مهما تعددت مدارسه ومناهجه إلا أن يكون تعبيراً عم أحدهما :

1- حيوانية الإنسان التى تلغى المشاعر الروحية تماماً وتجعل الكائن البشرى كتلة من اللحم كأى حيوان أخر لا هم له إلا إرواء غرائزه البهيمية والحصول على أكبر قسط من المتاع الجسدى المحض .

2- والشعور بتفاهة الحياة وحقارتها ونفى أية غاية سامية لوجودها وهو الشعور الذى عبرت عند مدارس الضياع المختلفة تحت أسماء وشعارات شتى .

وأما الفرويدية فقد عمقت الاتجاه الحيواني موصلة إياه إلى الحضيض وصاغته فى فلسفة نظرية منمقة تجعل الوصال الجنسى هو الغاية والوسيلة وهو محور الحياة ومحور البحث ومناط التفكير وعلة العلل .

وعمقت كذلك الشعور بالضياع والحيرة فقد تركزت فلسفتها الجنسية حول الجوانب المجهولة – إن لم نقل المختلفة – كالعقل الباطن واللاوعى واللاشعوري والأنا المثالية … الخ ، وكأنها بذلك قدمت العوض المعاكس للإيمان والإحساس الروحى .


وهناك غير ما سبق عوامل ومؤثرات كثيرة :

فهناك الحربان العالميتان وهما الكارثة التى حطمت القيم والأعراف والقوانين ، وأذهلت بفظائعها المروعة عقول البشر ، ولا يزال التهديد الذرى احتمال نشوب حرب ثالثة يسيطر على مخيلة الناس ويؤرق شعورهم .

وهناك التفسخ الاجتماعى حيث الأسرة محطمة والمشاعر النبيلة مفقودة والتنافس الضارى على أشده مما جعل الإنسان يعيش فى دوامة رهيبة من القلق لا يجد موطئ قدم تسكن نفسه إليه منذ ولادته حتى مماته .

وهناك – أيضا – النظريات العلمية الجديدة لا سيما " النسبية " ودورها يتجلى فى أنها أفقدت الناس قيمة الأحكام المطلقة والإيمان والثقة فى أية أسس ثابتة وعامة ، ثم أنها تستعمل فى بحوثها عن الكون والإنسان أرقاماً مذهلة يعجز العقل عن تصورها وتتكلم بلغة محيرة مربكة تجعل المرء فريسة تناقض حاد بين إيمانه الوثيق بعلميتها وصدقها وبين عجزه عن إدراك مدلولاتها وتفسير معمياتها .

وهناك الوسائل الفنية الجديدة كالسينما والتليفزيون والصحافة المتطورة ودور النشر الكبيرة تلك التى جعلت تعميم المادة الأدبية وذيوعها أمراً ميسوراً للغاية وخلقت جواً من التنافس ومذاهبه ، فإنه يتذبذب بين اتجاهين رئيسين هما الإباحية والضياع .

ويطلق النقاد على الأدب المعاصر فى الجملة مسى " اللامعقول " وهو إطلاق له ما يبرره لاسيما فى مدارس الضياع ، ولا يرون أى تناقض بين ذلك وبين وصفه بأنه " أدب واقعى " فإن واقعية القرن العشرين تتجلى فى " لا معقوليته " !

والواقع أن الارتداد من الواقعية إلى اللامعقول يشبه الانتقال من الكلاسيكية إلى الرومانسية مع اختلاف صورى فقط ، على أن رباط الوثنية يظل هو الرباط المشترك بين الجميع .

أولا – الاتجاه الإباحي : فى كل مراحل التاريخ الأدبي الأوروبي لم ينفك الفن عن الإباحية ، إلا أن صورها كانت تختلف وتسير متطورة ولكن إلى أسفل ، وما أصدق قول برنتن :

" إن الخشونة والفحش من الصفات الدائمة تقريباً فى ثقافتنا الغربية " (21) فالأغانى البذيئة والمسرحيات الرقيعة فى عصر النهضة تعقبها عبادة اللذة والجمال فى الرومانسية ثم تصبح الدعوة صريحة إلى الفجور والفاحشة فى الأدب الواقعى وتظل صورتها تكبر وتسفل حتى تصل إلى الأدب المكشوف .

وبذلك بعدت الشقة جداً بين رهبانية الكنيسة والفن وصار بينهما هوة لا قرار لها . وإذا عرفنا أنه ما تزال نسبة تمثال أفروديت " إلهة الحب ! " عند الإغريق هو المقياس لأجساد ممثلات هوليود (22) فلن يخفى علينا ارتكاس هذا الاتجاه إلى الوثنية .

ولنبدأ بالطريق من أوله – متجاوزين عصر النهضة – لنجد تلك المجموعة من الأدباء فى العصر الحديث الذين كرسوا فنهم وحياتهم للإباحية .

فهناك " الفريددى موسيه " شاعر " الليالى " الذى كان أبيقورياً بأوسع معانى " الكلمة " ومعاصروه أمثال " بروسبير " صاحب قصة " كولومبيا " وألكسندر دوماس " الكبير والصغير ، الأخير مشهور بقصة " غادة الكاميليا " وفلوتير صاحب " مداد بوفارى " ومعهم الكاتبة العربيدة " جورج ساند " صاحبة " ليليا " و " أنديانا " وينبغى ألا نسنى ستندال صاحب " الأسود والأحمر " وأوسكار وايلد (23) وأمثالهم كثير . وكل أدب هؤلاء محصور فى تمجيد الرذيلة وتبرير أعمال العاهرات والإشفاق عليهن ، ودخل هذا الاتجاه مرحلة أتم بالمدرسة " الطبيعية " التى يتزعمها الكاتب اليهودى " أميل زولا " صاحب " الأرض " و " البهيمة " وغيرها وهى مدرسة إباحية متخصصة .

وعن هذا الاتجاه يقول أحد عظماء الأدب الأوروبى " تولستوى " سنة 1898 :

" أصبح المقياس الوحيد للفن الجيد والفن الردئ هو اللذة الشخصية فالخير هو ما يبعث اللذة فى نفوسهم وهذا هو الجميل ، وبذا ارتدوا إلى تصور الإغريق البدائيين الذين أدانهم أفلاطون ، وطبقاً لهذا الفهم فى الحياة تكونت نظرية فى الفن " (24) ويقول :

" إننا نشبه الفن المعاصر – مع غرابة هذا التشبيه - بامرأة تبيع جسدها لإرضاء الذين يبتغون اللذة بدلاً من أن تجعله مستودعاً للأمومة ، فالفن المعاصر يشبه العاهر فى أدق التفاصيل فهو مثلها ليس وقفا على عصر معين ، وهو مثلها مبهرج ، وهو مثلها قابل للبيع دائما ، وهو مثلها كله إغراء وكله هدم " (25) .

ثم جاء فرويد وجاءت الحرب الأولى فاكتسب هذا الاتجاه قوة واستشرت رذائله فى الأوساط العامة وانهال الإقبال على إنتاجه الرخيص ووجدها الهدامون والمتكسبون فرصة لنفث سمومهم واستغلال مشاعر الناس واللعب بعواطفهم وإثارة غرائزهم ، ويبرز هنا اسم " ديفيد هربرت لورانس " 1930 ، الذى كتب عدة روايات منها : " أبناء وعشاق " و " عشيق ليدى تشارلى " والأخيرة " أُثارت ضجة كبرى فى إنجلترا بسبب جرأتها المتناهية فى تصوير العلاقات الجنسية ولم تنشر كاملة إلا مع بداية الستينات " (26)

وبعده طلع ولسن بـ " مذكرات مقاطعة هيكث " سنة 1946 التى صادرتها محكمة القضايا الخاصة بعد أن بيع منها خمسون ألف نسخة فى نحو أربع اشهر . وهى تصور بالتفصيل الدقيق كما قال هايمان : عشرين دوراً من أدوار العملية الجنسية يقوم بها أربع عاهرات ……!! (27)

وهناك عدد لا يحصى ممن تفننوا فى تصوير أعمال الدعارة والعهر مبريين ومسوغين وأوقفوا حياتهم الأدبية لذلك ، حيث الجمهور يتلهف لقراءتها والمنتجون يتسابقون لإخراجها مشاه حية ، ولا غرابة فى أن أكثر الروايات الأدبية العالمية انتشاراً هى أكثر إسفافاً ورذيلة .

وهذا كله فى نطاق الأدب الجاد أو الهادف ! الذى يعد جزءا من التراث الحضارى البشرى والذى تكتبه شخصيات أدبية مرموقة وترصد له الجوائز والمسابقات الدولية والقومية ويكتب له النقاد والمعلمون .

أما ما يسمى " أدب الجنس " أو الأدب المكشوف الذى لا يصح أن يسمى أدباً بحال ، فهو فى كل العالم الغربى ملء السمع والبصر يملأ الحوانيت ويستنفذ الصحافة ويسيطر على دور العرض السينمائى ويستغرق أوقات الملايين من الناس ، حتى الأطفال تكتب لهم مسلسلات جنسية وروايات جنسية ومسرحيات جنسية .

ثانيا – الاتجاه الضائع : لم تستطع كل المذاهب الفكرية الفلسفية الاجتماعية أن تعطى الإنسان المعاصر – أو الفرد حسب تعبير كامو – أى نوع من أنواع الثقة والاطمئنان .

بل على العكس كان دورها الفعال ينحصر فى اجتثاث موروثات الكنيسة الهشة التى كانت رغم هشاشتها تقدم شيئا من الاستقرار والثقة فى المصير .

وكانت العوامل النفسية والاجتماعية التى أشرنا إليها سلفاً تهدم كل أمل فى الوصول إلى السعادة والإيمان بالقيم المجردة أيا كانت . وأمام العملاق الميكانيكى الرهيب وسيطرة الآلة الطاغية شعر الإنسان بأنه قد سحق وأن وجوده قد تضاءل إلى حد أدنى مما كان عليه وهو يواجه جبرية الكنيسة واضعا مصيره بين يدى قدرها المحتوم .

وهنا تحققت نبوءة شبنجلر وتكهنات أورويل عن مستقبل الجنس – أو القطيع – البشرى ، وأصبح مشكلة الإنسان العظمى فى الحياة هو وجوده حياً ، فالكلمة التى قالها أوغسطين " أصبحت أنا نفسى مشكلة بالنسبة لنفسى " لم تعد خاصة بالفلاسفة بل باتت ترددها شفاه الفرد العادى من أجيال الضياع !

ويتساءل الأديب المعاصر : " هل لحياتنا معنى ؟ ما هو ؟ ما هو مكان الإنسان فى العالم ؟ هنا يظهر حالاً لما كانت الأغراض البلزاكية مطمئنة أنها تنتمى : إلى عالم يكون الإنسان فيه سيداً وهذه الأغراض كانت أموالا وأملاكاً لا هم إلا امتلاكها والاحتفاظ بها …… وكانت ثمة هوية ثابتة بيم هذه الأغراض ومالكها ، صورة بسيطة هى فى الوقت ميزة ووضعية اجتماعية ، كان الإنسان سبب كل شئ مفتاح الكون وسيده الطبيعى بالحق ، أما اليوم فلم يبق الكثير من كل هذا …"

ومع ذلك فهو يتبجح قائلاً : " إننا لا نؤمن أبداً بالمعانى الجامدة الجاهزة التى يقدمها النظام الإلهى القديم للإنسان وعلى أثره نظام القرن التاسع عشر العقلانى ولكننا نضع كل أملنا فى الإنسان : إن الأشكال التى خلقها هى التى تستطيع إعطاء العالم معنى " (28) وهذا هو دستور اللامعقول .

إن الأدب المعاصر يرفض الإيمان بالمعانى المحدودة والقيم الثابت المجردة تبعاً لعدم إيمانه بهدف كونى ثابت ، إنه لا يريد أن يؤمن بذلك الهدف سواء فى صورة " القدر " بالشكل الذى تقرره لاهوتيات الكنيسة أو فى صورة المثال كما تخيله أفلاطون وفلاسفة الإغريق ، ففى نظر أدباء الضياع ينبغى ألا يكون هنالك إرادة تسير الحياة الإنسانية على خطة مرسومة إلى هدف مقصود ، كما أنه ليس هناك نموذج سام يفوق الإدراك تكون الحياة الحسية انعكاسه وصورته الموازية له .

والسبب الذى دفعهم لإنكار ذلك هو توهمهم أن الإيمان بشيء منه يتعارض مع ما زعموه " حرية الإنسان " من جهة ، ومع ما يظهر فى الكون من تناقض وتقلب تعجز عقولهم عن تفسيره من جهة أخرى .

ولم يظل هذا الاعتقاد فكرة مجردة بل بنى عليه الدستور العلمى للفن الذى ينص على أن " الفن للفن " يقول يعضهم تحت عنوان : الالتزام الوحيد الممكن للكاتب هو الأدب :

" ليس الصواب الزعم أننا نخدم فى روايتنا قضية سياسية مهما كانت قضية تبدو لنا عادلة وحتى لو كنا فى حياتنا السياسية نحارب فى سبيل انتصارها إن الحياة السياسية تضطرنا دون انقطاع إلى افتراض معانى (كذا) معروفة : معانى تاريخية ، معانى أخلاقية ، إن الفن أكثر تواضعاً أو أكثر طموحاً ، ففى نظره ليس هناك من شىء معروف مسبقاً ، وقبل العمل لا يوجد شىء : لا يقين ولا قضية ولا رسالة فالظن أن عند الروائى شيئا يريد أن يقوله وأنه يبحث بعد ذلك كيف يقوله يمثل أخطر عمل مناقض للحقيقة " (29) .

هذا الإحساس بالضياع وعدم الانتماء فى عالم يعج بالمعضلات الحضارية والمآسى الإنسانية جعل الرواية المعاصرة تتخذ بطلها من نوع أخر ملائم لاتجاهها ، ويستطيع المرء أن يعد نوعية البطل مؤشراً حقيقياً لتحديد الانتماء الفنى وتطوره ، فالأدب الكلاسيكى كان بطله هو ما يدل عليه المعنى الأصلى لكلمة بطل ، ثم حولت الرومانسية بطلها إلى العاشق أو الصوفى ، أما بطل الرواية الواقعية فهو غالباً الشهوانى أو المادى ، وفى أدب الضياع المعاصر نجد أن البطل هو الصعلوك أو المتشرد أو هو إجمالاً ذلك الإنسان الذى مصيره الخيبة والدمار .



.*.*. أمثلة من أدب الضياع .*.*. 1- " القضية : كافكا " (30) تصور أزمة إنسان عادى كان يعيش حياة طبيعية كسائر الناس يفاجأ برجال شرطة غريبين يلقون القبض عليه ويحاول عبثاً أن يعرف السبب . ويحدث أن تحال قضيته إلى محكمة غريبة فى أشخاصها وقانونها وبناءها ويظل يترافع مدافعاً عن نفسه دون أن يعرف ماهية القضية ، ويظل رهن الاعتقال إلا أنه اعتقال غير مألوف فهو حر مأسور فى آن واحد ، يخضع للملاحقة والمتابعة فى كل مكان ، ويظل يشكو حاله لمعارفه وأصدقائه ويبحث عن محام قدير لكنه يكتشف – يا للمصيبة – بأن معارفة كلهم أعضاء مجهولون فى المحكمة الغريبة ! حتى رجل الدين الذى لقيه صدفة فى إحدى الكنائس وهو أيضا عضو فى المحكمة ، وبعد فصول طويلة معقدة من المحاكمة ومع أنه لا يزال يجهل التهمة تنتهى حياة التهم "ك" (31) بأن يقتاده مجهولان ويغتالانه خارج البلدة ، وكانت أخر كلمة قالها ( مثل الكلب ) يعنى نفسه .

وتنتهى صفحات الرواية وفصول المحاكمة مبتورة والموضوع لا يزال معلقاً فهى فى الحقيقة لا تتم ولا يريد كافكا أن تتم !

والقضية ، فى حقيقتها ، هى قضية الوجود الإنسانى على هذه الأرض ، قضية الحياة ذاتها كما تبدو للإنسان اللامنتمى ، فمن خلال رؤيته يبرز إلى الوجود دون سابق استشارة ، ويظل رهن الحياة تتقاذفه أقدارها ويطول الليل والنهار وهو قابع فى متاهة يلهث ويتحسر حتى يداهمه الفناء المحتوم دون أن يعرف السر فى وجوده والقضية لأجلها جاء ثم ذهب واضمحل !

2- الشيخ والبحر " همنغواى " : هنا يأتى اللامنتمى بنموذج أخر لتصوير المأساة الإنسانية وتجسيد المعضلة والمنعطف للحضارة البشرية حيث تكون الكارثة والخسارة الفادحة هى النتيجة والثمرة من عمر طويل وخبرة كافية وصراع مرير فى الأعماق !

فالشيخ الصياد أفنى عمره فى منازلة أقدار البحار ، وقد توغل هذه المرة فى أعماق المحيط لا تنقصه الخبرة ولا يعوزه الصلاح ، غير أنه يظل متشبثاً بإصرار مميت على أن تفوز شبكته بأكبر نصيب ، ويعد معاناة قاسية ومغامرات مضنية يظفر بما يروى أحلامه ، ويجنح بزورقه طالباً بر الأمان ، لكنه يفاجأ بعقبات ومهاجمات شتى تجعل الاحتفاظ بالصيد أعظم مخاطرة من الحصول عليه ، وينفذ زاده وتتحطم بقايا سلاحه وتخور قواه والتماسيح والقرشان العظيمة لا تكف غاراتها الشرسة على زورقه ، وأخيراً وبعد جهد جهيد وجراح بالغة يصل إلى الشاطئ وليس لديه من الصيد الثمين إلا هيكله العظمى فى حين فقد كل شىء !!

وكما صور همنغواى أزمة الحضارة البشرية وأزمته الشخصية فقد تقمص شخصية الشيخ الخاسر ، وآثر أن يغادر الحياة بعد أن ظهرت له أعراض الكارثة ، ولم يجد وسيلة إلا أن يبادرها بالانتحار ! (32).

3- الساعة الخامسة والعشرون : رواية طويلة ألفها الكاتب الرومانى "كونستانتان جيورجيو " وهى من أعظم الأعمال الأدبية التى تناولت بالتحليل المستفيض والتصوير الدقيق مأساة الضياع المتمثل فى انهيار الحضارة الغربية وسحق إنسانية الإنسان ، يقول فيها:

" إننى أشعر أن حدثاً خطيراً قد وقع حولنا ،إننى أجهل أين انفجر ومتى بدأ وكم يدوم ؟ لكننى أشعر بوجوده ، لقد أخذنا فى الدوامة ولسوف تمزق هذه الدوامة جلودنا وتحطم عظامنا الواحد تلو الأخر ، إننى أشعر بهذا الحدث الهائل شعوراً لا يضاهيه إلا إحساس الجرذان المس